شالوم شوارتز – 1936 حتى الوقت الحاضر

شالوم شوارتز (Shalom H. Schwartz)

  • 1936، الولايات المتحدة الأمريكية – حتى الآن
  • أمريكي
  • علم النفس الاجتماعي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 16 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 16 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • نظرية القيم الإنسانية الأساسية
  • نموذج تفعيل المعايير
  • البنية الدائرية للقيم
  • أبحاث السلوك الإيثاري
  • التفريق بين القيم الفردية والثقافية

السيرة

يمثل الفهم العلمي للقيم الإنسانية أحد أكثر الميادين تعقيداً وضرورة في سياق العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة؛ إذ تشكل القيم البوصلة المعيارية الخفية والعلنية التي تحكم السلوك الإنساني، وتوجه عملية اتخاذ القرارات، وتحدد معايير الأحكام الأخلاقية والاجتماعية عبر مختلف الحضارات. ورغم أن الفلسفة قد أولت المبحث القيمي والأنطولوجي عناية فائقة منذ العصور الكلاسيكية، إلا أن تحويل هذا المفهوم المجرد إلى بناء نظري وإمبيريقي قابل للقياس والتحليل المقارن ظل استعصاءً منهجياً واجه علماء النفس وعلم الاجتماع لعقود طويلة. وفي هذا الفضاء المعرفي المشحون بالغموض المفاهيمي والتشتت الأداتي، برز الاسم الأكاديمي لعالم النفس الاجتماعي شالوم شوارتز (Shalom H. Schwartz) كعلامة فارقة أحدثت ثورة نموذجية (Paradigm Shift) في دراسة القيم، ناقلاً إياها من مجرد قوائم وصفية معزولة إلى نسق هندسي وديناميكي متكامل يحكم الوعي البشري الفردي والجمعي.

منذ منتصف القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة، كرّس شوارتز مسيرته العلمية لتفكيك الشيفرة المعرفية للدافعية الإنسانية. واستطاع عبر أبحاثه الرائدة صياغة نظرية القيم الإنسانية الأساسية (Theory of Basic Human Values)، التي لم تكتفِ بتعريف ماهية القيم ومضامينها، بل تجاوزت ذلك إلى الكشف عن بنيتها البنيوية الدائرية الشاملة القائمة على علاقات التوافق والتضارب الدافعي. لم يكن هذا الإنجاز مجرد تنظير تأملي، بل جاء مدفوعاً بصرامة إمبيريقية استثنائية شملت جمع وتحليل بيانات من مئات الآلاف من الأفراد عبر أكثر من ثمانين دولة تنتمي إلى خلفيات دينية، وثقافية، واقتصادية، وسياسية متباينة، مما جعل منهجه أحد أكثر النماذج صموداً وقابلية للتعميم في تاريخ علم النفس عبر الثقافي.

تستعرض هذه الدراسة الموسوعية الشاملة السيرة الفكرية والمنهجية للأستاذ الدكتور شالوم شوارتز، منذ بواكير نشأته وتكوينه الأكاديمي في الولايات المتحدة الأمريكية، مروراً بإسهاماته النظرية الأولى في سيكولوجية الإيثار ونموذج تفعيل المعايير، وصولاً إلى تدشينه لنظرية القيم الأساسية، وتطوير أدوات القياس السيكومترية، والتفريق الحاسم بين القيم على المستوى الفردي والقيم على المستوى الثقافي المجتمعي. كما تُفرد الدراسة مساحة واسعة للتقييم النقدي، والامتدادات الميدانية المعاصرة في مجالات السياسة والاقتصاد والبيئة والذكاء الاصطناعي، مقدمةً بذلك قراءة تحليلية معمقة لإرث مفكر أسهم بصورة لا رجعة فيها في إعادة تعريف كيفية فهمنا لما يقدره البشر ويسعون خلفه في تجاربهم الحياتية المعقدة.

1. النشأة والخلفية الأكاديمية والمسيرة المهنية المبكرة

1.1 المولد وسنوات التكوين الفكري الأولى

ولد شالوم شوارتز في عام 1936 في الولايات المتحدة الأمريكية، في حقبة تاريخية بالغة الحساسية والتعقيد شهدت تداعيات الكساد الكبير وصعود الفاشية في أوروبا، وما تلاها من اندلاع الحرب العالمية الثانية. تركت هذه الأجواء المشحونة بالصراعات الإيديولوجية والاضطرابات الاجتماعية العميقة بصمة لا تمحى على وعيه المبكر؛ حيث تفتحت مداركه الفكرية على التناقضات الصارخة بين النظم القيمية المتصارعة حول الحرية، والعدالة، والأمن، وحقوق الإنسان. لقد نشأ شوارتز في بيئة أسرية واجتماعية أولت اهتماماً بالغاً للتعليم الرصين والنقاش الفكري الأخلاقي، مما غرس فيه شغفاً مبكراً بالبحث في أسباب الاختلاف الجوهري بين سلوكيات الأفراد والجماعات، ولماذا تتبنى مجتمعات بأسرها منظومات أخلاقية قد تقود إما إلى التعايش والإيثار أو إلى التدمير والاضطهاد.

خلال سنوات دراسته الأولى، تميز شوارتز بنزوع فكري نحو التخصصات الإنسانية والاجتماعية التي تحاول سبر أغوار الطبيعة البشرية. ولم تكن اهتماماته مقتصرة على فرع معرفي واحد، بل تجاذبته الرغبة في فهم الإنسان عبر مزيج فريد يجمع بين علم الاجتماع الماكروي الذي يحلل البنى والمؤسسات المجتمعية، وعلم النفس الاجتماعي الميكروي الذي يدرس تفاعل الفرد مع جماعته المباشرة، فضلاً عن الدراسات الفلسفية والأخلاقية المقارنة. هذا التأسيس الفكري المتعدد الأوجه مكنه من تطوير حس نقدي تجاه التفسيرات السلوكية الضيقة التي كانت سائدة آنذاك، والتي كانت تختزل السلوك الإنساني إما في استجابات شرطية بيولوجية أو في إملاءات اقتصادية مادية بحتة.

تجلت الهوية الأكاديمية المبكرة لشوارتز في بحثه الدائم عن المتغيرات الكامنة (Latent Variables) التي تحرك السلوك الصريح دون أن تكون مرئية بذاتها. وكان يرى أن فهم المعايير الذاتية والموجهات القيمية هو المفتاح الأساسي لحل ألغاز الصراع والتعاون البشري. هذا الفضول العلمي المبكر قاده بخطى ثابتة نحو الالتحاق بالتعليم الجامعي المتقدم في أرقى الجامعات الأمريكية، واضعاً نصب عينيه تأسيس مشروع علمي يجمع بين عمق السؤال الفلسفي حول “الخير والعدالة” والدقة المنهجية للعلوم التجريبية الإمبيريقية.

1.2 التكوين الأكاديمي والتحصيل المتقدم

التحق شالوم شوارتز ببرامج الدراسات العليا المتقدمة في جامعة ميشيغان (University of Michigan) في آن أربور، التي كانت تمثل في ستينيات القرن العشرين أحد أهم معاقل علم النفس الاجتماعي والبحث المسحي الكمي في العالم، لا سيما من خلال معهد الأبحاث الاجتماعية (ISR) التابع لها. في هذه البيئة العلمية الخصبة والصارمة، تعرض شوارتز لأحدث التطورات النظرية والمنهجية في علم النفس التجريبي والقياس السيكومتري، وعمل تحت إشراف نخبة من كبار العلماء الذين كانوا يعيدون صياغة العلوم السلوكية بعيداً عن السلوكية الراديكالية والتحليل النفسي التقليدي، نحو إطار الثورة المعرفية الناشئة.

حصل شوارتز على درجة الدكتوراه (Ph.D.) في علم النفس الاجتماعي من جامعة ميشيغان عام 1967، وكانت أطروحته نقطة انطلاق جوهرية ركزت على دراسة محددات السلوك الإيثاري والمعايير الأخلاقية الفردية. تأثر في تلك المرحلة تأثراً بالغاً بأعمال منظري علم النفس المعرفي والاجتماعي الذين ركزوا على كيفية إدراك الأفراد للمواقف الأخلاقية وتفسيرهم للواجبات الاجتماعية، ومن أبرزهم ليون فيستنغر ونظريته في التنافر المعرفي، وفريتز هايدر وأسس علم النفس الفطري ونظرية العزو. مكنه هذا التكوين الرصين من إتقان أساليب التحليل الإحصائي المتقدم والتصميم التجريبي المعقد، وهما السلاحان اللذان سيوظفهما لاحقاً لإعادة بناء حقل دراسات القيم بأكمله.

كان الملمح الأبرز في تكوين شوارتز الأكاديمي المتقدم هو قدرته الفائقة على الجمع بين المستويين الإبستمولوجيين: الميكرو-سيكولوجي (سيكولوجية الفرد ودوافعه المعرفية) والماكرو-سوسيولوجي (الأنظمة الثقافية والمعايير المجتمعية). فقد أدرك مبكراً أن دراسة الفرد بمعزل عن السياق الثقافي الذي ينشأ فيه تُعد دراسة قاصرة ومشوهة، وأن النماذج النفسية التي تدعي العالمية بناءً على عينات محدودة من طلبة الجامعات الأمريكية تعاني من اختلال إبستمولوجي عميق، وهو الإدراك الذي شكل بوصلة مشروعه العلمي للتحليل الثقافي المقارن على مدار العقود اللاحقة.

1.3 الانتقال إلى الجامعة العبرية في القدس والعمل الدولي

بعد إتمام دراسته وعمله الأكاديمي لعدة سنوات في جامعة ويسكونسن-ماديسون (University of Wisconsin–Madison) كأستاذ لعلم الاجتماع وعلم النفس، اتخذ شوارتز قراراً مفصلياً بالانتقال الأكاديمي إلى الجامعة العبرية في القدس (The Hebrew University of Jerusalem) في إسرائيل. التحق شوارتز بقسم علم النفس في هذه الجامعة العريقة، حيث وجد بيئة متعددة الثقافات وغنية بالتنوع الإثني والديني والاجتماعي، الأمر الذي وفر له مختبراً حياً لدراسة التفاعل المعقد بين الهويات الثقافية والمنظومات القيمية الفردية، وسرعان ما ترقى في المراتب الأكاديمية حتى نال درجة الأستاذية الكاملة (Full Professor).

من موقعه في القدس، شرع شوارتز في نسج شبكة علاقات علمية دولية غير مسبوقة عابرة للقارات والحدود السياسية والإيديولوجية. أدرك أن اختبار أي نظرية تدعي شمولية القيم الإنسانية يتطلب الوصول إلى عينات إمبيريقية متنوعة تشمل الدول الرأسمالية الغربية، والدول الشيوعية السابقة في أوروبا الشرقية، والمجتمعات الآسيوية ذات التقاليد الكونفوشيوسية، والدول الإفريقية، ومجتمعات أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط. وبفضل مهاراته القيادية والدبلوماسية الأكاديمية، استطاع تجنيد مئات الباحثين المساعدين وعلماء النفس الاجتماعي عبر أكثر من سبعين دولة لجمع البيانات الميدانية وفق بروتوكولات قياسية موحدة وترجمات دقيقة خضعت لأعلى معايير الصدق الظاهري والمفهومي.

توج هذا النشاط الدولي المكثف بانتخابه في مناصب قيادية بارزة، كان أهمها توليه رئاسة الرابطة الدولية لعلم النفس عبر الثقافي (International Association for Cross-Cultural Psychology – IACCP) في الفترة ما بين 2004 و2006. وكان لدوره القيادي في هذه الرابطة الفضل في ترسيخ علم النفس عبر الثقافي كفرع علمي صارم يستند إلى براهين كمية متقدمة بدلاً من الملاحظات الأنثروبولوجية الانطباعية، مما وضع شوارتز في قلب المشهد السيكولوجي العالمي بوصفه المرجع الأول دون منازع في سيكولوجية القيم الإنسانية.

2. الجذور المعرفية والسياق التاريخي لدراسة القيم قبل شوارتز

2.1 إرهاصات دراسة القيم: كلوكهون وألبورت

لم تبدأ دراسة القيم الإنسانية مع شالوم شوارتز، بل سبقتها محاولات فكرية وأنثروبولوجية وسيكولوجية هامة سعت إلى تحويل المفهوم من الفضاء الفلسفي التجريدي إلى حيز العلوم الاجتماعية. وتعد أطروحات الأنثروبولوجي البارز كلايد كلوكهون (Clyde Kluckhohn) في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين حجر الزاوية في التأسيس النظري للقيم. عرّف كلوكهون القيمة بأنها “تصور، صريح أو ضمني، يميز فرداً أو يختص به مجتمع، لما هو مرغوب فيه، ويؤثر في اختيار الطرائق والغايات المتاحة للفعل من بين بدائل متعددة”. وركز كلوكهون بالتعاون مع زملائه في جامعة هارفارد على مفهوم “توجهات القيمة” (Value Orientations)، مفترضاً وجود مشكلات بشرية عالمية تبحث كل ثقافة عن حلول لها، مثل طبيعة العلاقة مع الطبيعة، وطبيعة الزمن، وطبيعة العلاقات الإنسانية.

على الصعيد السيكولوجي الفردي، كان رائد دراسة الشخصية غوردون ألبورت (Gordon Allport) من أوائل من أدخلوا القيم في صميم دراسة الشخصية الإنسانية عبر كتابه المشترك “دراسة القيم” (A Study of Values) الصادر عام 1931، والمستند إلى تصنيف الفيلسوف الألماني إدوارد شبزانغر لأنماط الشخصية. صنف ألبورت القيم الشخصية إلى ستة أنماط رئيسية: النظرية، والاقتصادية، والجمالية، والاجتماعية، والسياسية، والدينية. ومثل هذا العمل خطوة أولى نحو إيجاد مقاييس سيكومترية للقيم الفردية، مجادلاً بأن القيم ليست مجرد دوافع غريزية بل هي سمات شخصية عليا توجه بوصلة السلوك الفردي نحو أهداف بعيدة المدى.

ورغم القيمة التأسيسية لإسهامات كلوكهون وألبورت، إلا أنها عانت من قيود منهجية وإبستمولوجية جوهرية؛ فقد اتسمت مقاييس ألبورت بالاعتماد على أسئلة الاختيار الإجباري المعقدة التي فرضت قيوداً إحصائية تحد من إمكانية استخدام التحليلات العاملية المتقدمة، كما افتقرت أطروحات كلوكهون إلى الصياغة الرياضية الدقيقة لعلاقات التداخل والصراع بين القيم، فضلاً عن غياب أدوات قياس عابرة للثقافات تمتلك القدرة على الصمود الإحصائي أمام تنوع اللغات والمفاهيم الحضارية.

2.2 نموذج ميلتون روكيتش ومسح القيم (RVS)

شهد حقل دراسة القيم نقلة نوعية كبرى في عام 1973 مع صدور كتاب “طبيعة القيم الإنسانية” (The Nature of Human Values) لعالم النفس الاجتماعي ميلتون روكيتش (Milton Rokeach). قدم روكيتش تعريفاً دقيقاً للقيمة بأنها “اعتقاد دائم بأن نمطاً معيناً من السلوك أو غاية نهائية من غايات الوجود هي مفضلة شخصياً أو اجتماعياً على نمط سلوك أو غاية وجود نقيضة أو معاكسة”. وقد مثل هذا الطرح قطيعة مع الخلط الشائع آنذاك بين القيم والمواقف (Attitudes)؛ فالقيم لدى روكيتش تمتاز بأنها مركزية، ومحدودة العدد، ومجردة، وتتجاوز المواقف المحددة بأشياء أو قضايا معينة.

ابتكر روكيتش أداة قياس شهيرة عُرفت باسم “مسح روكيتش للقيم” (Rokeach Value Survey – RVS)، وميز فيها ثنائياً بين فئتين رئيسيتين من القيم:

  • القيم الغائية (Terminal Values): وتشير إلى الغايات النهائية المرغوبة للوجود، أي الحالات النهائية التي يطمح الفرد لتحقيقها في حياته، وتتضمن 18 قيمة مثل: “السلام العالمي”، و”الحرية”، و”الأمن العائلي”، و”الخلاص”، و”الحكمة”.
  • القيم الوسيلية (Instrumental Values): وتشير إلى أنماط السلوك المفضلة أو الوسائل الموصلة لتلك الغايات النهائية، وتتضمن 18 قيمة أيضاً مثل: “الطموح”، و”الأمانة”، و”التسامح”، و”الاستقلالية”، و”النظافة”.

تطلب المقياس من المفحوص ترتيب هذه القيم ترتيباً هرمياً تنازلياً (Rank Ordering) من 1 إلى 18 وفق أهميتها كمعايير موجهة لحياته الشخصية.

وعلى الرغم من الشهرة الواسعة التي حظي بها مقياس روكيتش واعتماده في مئات الدراسات حول العالم، إلا أنه سرعان ما واجه انتقادات منهجية ونظرية حادة. تمثلت أولى هذه الثغرات في أسلوب الترتيب الهرمي الإجباري، الذي يولد بيانات ذات طبيعة إبسومية (Ipsative Data) تعيق تطبيق التحليل العاملي التقليدي والنمذجة الرياضية المتقدمة. علاوة على ذلك، كان اختيار القيم الـ 36 مستنداً إلى اعتبارات حدسية ومسوحات أدبية لم تجرِ برهنتها نظرياً؛ فلم يقدم روكيتش إطاراً يفسر لماذا اختار هذه القيم تحديداً ودون غيرها، ولم يشرح العلاقات البنيوية والديناميكية بين القيم ذاتها، وهو ما مهد الطريق لظهور شالوم شوارتز لمعالجة هذا القصور النظري والإحصائي الفادح.

2.3 التحول الباراديمي من التصنيف الخطي إلى النماذج الهيكلية

أدرك شالوم شوارتز في أواخر سبعينيات وبدايات ثمانينيات القرن العشرين أن دراسة القيم قد وصلت إلى أفق مسدود بسبب الرؤية “الخطية” والتصنيفية البسيطة التي تعاملت مع القيم كذرات منفصلة وقوائم من الكلمات المعزولة. لم يكن السؤال الجوهري بالنسبة لشوارتز مقتصراً على “ما هي القيم التي يمتلكها البشر؟”، بل كان يبحث عن: “كيف تنتظم هذه القيم داخل البنية المعرفية والنفسية للفرد والمجتمع؟ وما هي الآلية التي تجعل السعي خلف قيمة معينة يقود بالضرورة إلى تعزيز قيم أخرى أو الاصطدام بقيم مناقضة؟”.

أحدث شوارتز تحولاً بارادايماً راديكالياً من خلال ربط مفهوم القيمة مباشرة بالدوافع الإنسانية البيولوجية والاجتماعية الكونية. وانطلق من فرضية أن القيم ليست مجرد اعتقادات واعية منفصلة، بل هي تمثيلات معرفية للأهداف والمطامح الدافعية التي يحتاجها الإنسان للبقاء والنمو والتفاعل الاجتماعي السلس. بالتالي، فإن العلاقات بين القيم يجب ألا تُفهم كقوائم خطية أو فئات جامدة، بل كـ “فضاء طوبولوجي هندسي” متصل، حيث تعكس المسافة المكانية بين قيمة وأخرى درجة التقارب أو التعارض في الأهداف الدافعية التي تخدمها كل قيمة.

هذا التحول المفاهيمي مهد لتأسيس تعريف إجرائي غاية في الدقة، ينظر إلى القيمة كمعيار فوق-موقفي (Trans-situational) مستقر نسبياً عبر الزمان والمكان، يتم تفعيله لا شعورياً وشعورياً لتوجيه تقييم الأفعال والسياسات والأشخاص. وقد نقل هذا المنظور الهيكلي دراسات القيم من مرحلة الوصف الظاهراتي إلى مرحلة التنبؤ السلوكي الدقيق والتحليل السيكومتري متعدد الأبعاد، مما أرسى القواعد الصلبة لنظريته الكبرى التي رأت النور مطلع تسعينيات القرن الماضي.

3. نظرية شوارتز للقيم الإنسانية الأساسية: الإطار المفهومي

3.1 تعريف القيمة الإنسانية وخصائصها الأساسية

صاغ شالوم شوارتز في دراساته التأسيسية، ولا سيما ورقته الكلاسيكية المنشورة عام 1992 في دورية Advances in Experimental Social Psychology، تعريفاً شمولياً ومحدد الإجراءات للقيم، حيث اعتبر القيم: “معتقدات ممتزجة بالعاطفة ومرتبطة بغايات وأهداف مرغوبة، تتجاوز المواقف والأفعال المحددة، وتعمل كمعايير موجهة لانتقاء أو تقييم الأفعال والسياسات والأشخاص والأحداث، وتنتظم وفق سلم تفضيلي من الأهمية النسبية التي تميز شخصاً عن آخر أو ثقافة عن أخرى”.

لتفكيك هذا التعريف الشامل، حدد شوارتز ست خصائص جوهرية تشترك فيها كافة القيم الإنسانية بغض النظر عن محتواها الدافعي المحدد:

  • القيم معتقدات عاطفية (Beliefs tied inextricably to emotion): حين يتم تفعيل قيمة معينة لدى الفرد، فإنها تستثير مشاعر وجدانية فورية؛ فالشخص الذي يقدر “الأمان الشخصي” بشدة يشعر بالقلق الشديد عند تهديد هذا الأمان، ويشعر بالراحة والسكينة عند استتبابه.
  • القيم أهداف مرغوبة ومحفزة (Desirable goals): تمثل القيم مقاصد دافعية توجه سلوك الفرد نحو ما يعتبره إيجابياً وتدفعه للابتعاد عما يراه سلبياً أو ضاراً.
  • تجاوز المواقف المحددة (Trans-situational character): هذا هو الفارق الجوهري بين القيمة والموقف؛ فالطاعة أو الصدق ليست مقتصرة على سياق مدرسي أو عائلي، بل هي معايير عامة تطبق في العمل، والسياسة، والعلاقات الشخصية.
  • العمل كمعايير أو مقاييس تقييمية (Standards or criteria): تستخدم القيم كأدلة للحكم على السلوكيات والقرارات؛ حيث يبرر الفرد أفعاله ويدين أفعال الآخرين استناداً إلى مدى اتساقها مع قيمه المركزية.
  • الترتيب وفق الأسبقية والأولويات (Ordered by importance): لا توجد القيم في فراغ متساوٍ، بل تشكل نظاماً هرمياً للأولويات يختلف من فرد إلى آخر، وتظهر قوة هذا الترتيب بوضوح عندما تتصادم قيمتان في موقف اتخاذ قرار محدد.
  • التوجيه السلوكي عبر الأهمية النسبية (Relative importance guides action): لا يوجه السلوك بواسطة قيمة منفردة بمعزل عن غيرها، بل من خلال الموازنة المعرفية بين قيم متعددة تتنافس للتأثير على القرار النهائي.

بهذا التحديد الدقيق، أخرج شوارتز مفهوم القيمة من دائرة الضبابية الفلسفية، وحوله إلى متغير نفسي معرفي منظم يحفز الطاقة النفسية ويوجهها بصورة منهجية قابلة للرصد التجريبي والقياس الإمبيريقي.

3.2 القيم العشر الكلاسيكية ومحتواها الدافعي

استناداً إلى تحليل المحتوى الدافعي المشترك للأهداف الإنسانية، حدد شوارتز في نموذجه الأصلي عشر قيم إنسانية أساسية متميزة دافعياً، تتواجد في جميع الثقافات الإنسانية المعاصرة. وتكمن فرادة هذا التصنيف في أن كل قيمة تُعرف بالهدف الدافعي المحوري الذي تسعى إلى تحقيقه:

1. تقرير المصير (Self-Direction): هدفه الدافعي هو الاستقلالية في التفكير والفعل والاختيار؛ وينبثق من حاجة الإنسان إلى السيطرة المعرفية، والإبداع، وحرية الاستكشاف والفضول الذاتي.

2. الإثارة (Stimulation): هدفها الأساسي هو التجديد، والتحدي الحياتي، والإثارة العاطفية؛ وتستند إلى الحاجة البيولوجية العضوية للحفاظ على مستوى أمثل وإيجابي من الاستثارة النفسية وتجنب الرتابة والملل.

3. المتعة (Hedonism): تهدف إلى اللذة الشخصية والإشباع الحسي والجسدي المباشر؛ وترتكز جذورها على الحاجات العضوية الغريزية والمتعة المرتبطة بإشباعها الفوري.

4. الإنجاز (Achievement): يركز على النجاح الشخصي من خلال إظهار الكفاءة والقدرة وفقاً للمعايير الاجتماعية المعترف بها؛ مما يمنح الفرد شعوراً بالجدارة والقبول المجتمعي نتيجة التفوق على الآخرين.

5. القوة الاجتماعية (Power): تسعى إلى نيل المكانة الاجتماعية الرفيعة، والهيبة، والسيطرة والتحكم في الأشخاص والموارد المادية؛ وتنبع من متطلبات التنافس الاجتماعي على النفوذ والمكتسبات.

6. الأمان (Security): يهدف إلى تحقيق السلامة، والانسجام، واستقرار المجتمع، واستقرار العلاقات، وسلامة الذات المادية والنفسية؛ وهو ما يلبي حاجة أساسية لتجنب الفوضى والمخاطر الوجودية المهددة للبقاء.

7. الامتثال (Conformity): يهدف إلى كبح جماح الأفعال والميول والدوافع الفردية التي يحتمل أن تزعج الآخرين أو تؤذيهم أو تنتهك التوقعات والمعايير والأعراف الاجتماعية؛ مما يضمن سلاسة العلاقات التفاعلية اليومية.

8. التقليد (Tradition): يركز على الاحترام والالتزام وتقبل العادات، والأفكار، والشعائر التي تفرضها الثقافة التقليدية أو المنظومة الدينية؛ مما يعزز التضامن الجمعي واستمرارية الهوية التاريخية للجماعة.

9. الخيرية والإيثار (Benevolence): تسعى إلى الحفاظ على رفاهية الأشخاص الذين يرتبط بهم الفرد بعلاقات شخصية وثيقة ومتكررة وتعزيز هذه الرفاهية (مثل الأسرة، الأصدقاء، وجماعة الانتماء الأولي)؛ وترتبط بالدوافع التطورية لرعاية الأقارب والتعاون التبادلي الإيثاري.

10. الكونية أو العالمية (Universalism): تمثل قمة التوسع الأخلاقي، حيث تهدف إلى الفهم، والتقدير، والتسامح، والحماية لرفاهية جميع البشر دون استثناء، وللطبيعة والبيئة الحيوية المحيطة؛ متجاوزة حدود الأنانية وجماعة الانتماء المباشرة نحو شمولية الإنسانية والكون.

3.3 المتطلبات الوجودية الثلاثة المنبثقة عنها القيم

لم يختر شالوم شوارتز هذه القيم العشر اعتباطاً، بل اشتقها عبر استدلال نظري واستقرائي صارم يرتكز على ما أسماه “المتطلبات الكونية الوجودية الثلاثة” التي تواجه كل كائن بشري وكل مجتمع عبر التاريخ. جادل شوارتز بأن البقاء والازدهار البشري يستحيل أن يتحققا دون تلبية واعية ومنسقة لهذه المتطلبات الوجودية الحتمية:

المتطلب الأول: الحاجات البيولوجية العضوية للكائن البشري: الإنسان كائن حي يمتلك متطلبات فيزيولوجية للبقاء والنمو؛ ومن هذه الحاجات العضوية المباشرة تشتق قيم “المتعة” (كاستجابة بيولوجية لإشباع الغرائز)، وقيم “الإثارة” (للحفاظ على نشاط الجهاز العصبي وحيويته)، وقيم “تقرير المصير” (لإتقان الوظائف الحركية والمعرفية المستقلة في البيئة المحيطة).

المتطلب الثاني: متطلبات التفاعل الاجتماعي التنسيقي والسلس: لا يمكن للإنسان أن يعيش بمعزل عن أقرانه، والتفاعل الاجتماعي يتطلب بالضرورة التنسيق وتفادي النزاعات المميتة والتواصل الواضح والموثوق. ومن هذا المتطلب، تنبثق قيم “الامتثال” (لضبط الدوافع الأنانية وتجنب تدمير العلاقات)، وقيم “الخيرية والإيثار” (لضمان رعاية الآخرين المتبادلة والتعاون الضروري لاستمرار الحياة الاجتماعية المصغرة)، وقيم “الأمان الشخصي والعائلي” (لضمان الثقة واليقين في التعاملات البينية).

المتطلب الثالث: متطلبات البقاء والرفاه الجمعي للجماعات والمجتمعات: تحتاج المجموعات البشرية الكبرى والمؤسسات الاجتماعية إلى الحفاظ على تماسكها واستقرارها الداخلي في مواجهة التحديات الخارجية والبيئية. ومن هنا تنشأ قيم “التقليد” (لحفظ الذاكرة الجمعية والتراث الثقافي ونقله عبر الأجيال)، وقيم “القوة” (لتنظيم القيادة وتوزيع الموارد والردع)، وقيم “الإنجاز” (لتحفيز الأفراد على توظيف طاقاتهم لخدمة المشروعات الجمعية بكفاءة)، وأخيراً قيم “الكونية” (لإدارة الصراعات بين الجماعات المتنافسة وحماية الموارد الطبيعية المشتركة من الاستنزاف التدميري).

توضح هذه الركائز الثلاث أن منظومة القيم لدى شوارتز ليست ترفاً فكرياً أو بناءً خيالياً، بل هي تطور تكيفي ضروري تحولت عبره الحاجات الوجودية والبيولوجية الخام إلى أهداف ومطامح معرفية وقيمية يمكن التعبير عنها لغوياً، والتفاوض حولها اجتماعياً، واستخدامها في ضبط السلوك وتوجيهه.

4. البنية الدائرية والديناميكيات النفسية للقيم المتعارضة والمتوافقة

4.1 النموذج الدائري ومبدأ الاستمرارية الدافعية

إن الإسهام الأكثر ثورية وشهرة في نظرية شالوم شوارتز ليس مجرد تحديد القيم العشر، بل هو اكتشاف البنية الدائرية المتصلة (Circular Motivational Continuum) التي تنتظم فيها هذه القيم. جادل شوارتز بأن القيم العشر لا تترتب في خطوط مستقيمة ولا في صناديق تصنيفية مغلقة ومنفصلة، بل تشكل دائرة متصلة من الدوافع المستمرة دون وجود حدود قطعية حادة تفصل بين قيمة وأخرى متجاورة.

يستند هذا النموذج الطوبولوجي الدائري إلى فكرة أن أي حركة على محيط الدائرة تمثل تحولاً تدريجياً في المحتوى الدافعي؛ فالقيمة المجاورة لقيمة أخرى تشترك معها في جوهر دافعي وثيق؛ على سبيل المثال، تشترك قيمة “تقرير المصير” مع قيمة “الإثارة” في الرغبة الأساسية في التجديد والاستكشاف غير المقيد، بينما تشترك “الإثارة” مع “المتعة” في الرغبة في خوض التجارب الوجدانية والحسية الإيجابية والمكثفة. وبذلك، فإن الانتقال عبر الدائرة يشبه التدرج في ألوان الطيف الضوئي؛ حيث يتداخل لون مع اللون المجاور له تدريجياً وبسلاسة تامة دون انقطاع ميكانيكي.

لإثبات هذه البنية هندسياً ورياضياً، استخدم شوارتز تقنية إحصائية متقدمة غير معلمية تُعرف باسم “القياس متعدد الأبعاد” (Multidimensional Scaling – MDS)، ولا سيما طريقة تحليل المساحات الصغرى (Smallest Space Analysis – SSA). تقوم هذه التقنية بتمثيل بنود القيم كنقاط في فضاء هندسي ثنائي الأبعاد، بحيث تكون المسافة الإقليدية بين أي نقطتين متناسبة عكسياً مع معامل الارتباط الإحصائي بينهما؛ فكلما كانت القيمتان متوافقتين في الوعي النفسي للأفراد، تقاربتا مكانياً في التمثيل البياني، وكلما كانتا متنافرتين ومتعارضتين دافعياً، تباعدتا مكانياً لتستقرا في جهتين متقابلتين تماماً من الدائرة.

4.2 محاور التوافق والصراع القيمي

ينطوي النموذج الدائري لشوارتز على ديناميكية نفسية عميقة تفسر طبيعة الصراعات المعرفية والسلوكية التي يعيشها الإنسان. وتتأسس هذه الديناميكية على قاعدتين ذهبيتين:

  • قاعدة التوافق والانسجام (Compatibility): القيم المتجاورة على محيط الدائرة تتوافق دافعياً ويمكن ممارستها والسعي خلفها في آن واحد دون توليد تنافر معرفي أو توتر سلوكي؛ فالشخص الذي يسعى وراء “الإنجاز” يجد توافقاً سلساً مع السعي وراء “القوة”، لأن النجاح والتميز يقودان بطبيعتهما إلى المكانة والنفوذ الاجتماعي، كما أن السعي نحو “الخيرية والإيثار” ينسجم عضوياً مع السعي نحو “الكونية” في رعاية الآخرين وحمايتهم.
  • قاعدة الصراع والتضارب (Conflict): القيم المتقابلة قطرياً (بزاوية 180 درجة تقريباً داخل الدائرة) تمثل أهدافاً دافعية متناقضة جذرياً يستحيل السعي المتزامن خلفها في نفس اللحظة والموقف دون الوقوع في صراع نفسي حاد وتنافر سلوكي.

يبرز الصراع القيمي بأجلى صوره عندما يواجه الفرد خيارات حاسمة في حياته؛ فالتركيز الشديد على “الإنجاز” و”القوة” (التي تتطلب التركيز على الذات والتنافسية وربما التضحية بمصالح المنافسين) يصطدم اصطداماً بنيوياً مباشراً مع قيم “الكونية” و”الخيرية” (التي تتطلب نكران الذات ومساعدة الآخرين حتى على حساب المصلحة الفردية). وبالمثل، فإن السعي المطلق نحو “تقرير المصير” والحرية الفكرية والابتكار يصطدم مباشرة مع قيم “الامتثال” و”التقليد” التي تفرض الخضوع التام للضوابط الجمعية وتجنب التغيير والمساءلة النقدية لما هو موروث ومقدس. إن هذه البنية الدائرية تقدم بذلك تفسيراً رياضياً ونفسياً لأسباب التردد الأخلاقي والأزمات القيمية التي تواجه الأفراد وصناع القرار على حد سواء.

4.3 التحقق التجريبي عبر الثقافات من ثبات البنية الدائرية

إن الادعاء بشمولية بنية دائرية للقيم الإنسانية يظل فرضية طموحة ما لم يتم اختبارها في سياقات بشرية شديدة التباين. ولذلك، قاد شالوم شوارتز أضخم مشروع مسحي متعدد الثقافات في تاريخ علم النفس التجريبي للتحقق من ثبات هذه البنية الدائرية وعالميتها. شملت الدراسات الأولى بيانات من أكثر من 200 عينة مستقلة جُمعت من أكثر من 70 دولة موزعة على القارات الست، واشتملت على مجتمعات ذات خلفيات ثقافية ودينية شديدة التنافر، كالمجتمعات الأوروبية العلمانية، والدول الإفريقية التقليدية، والمجتمعات الإسلامية والشرق أوسطية، والدول الشيوعية والرأسمالية، والمجتمعات الآسيوية البوذية والهندوسية والكونفوشيوسية.

أظهرت نتائج تحليل القياس متعدد الأبعاد (MDS) ثباتاً إحصائياً مذهلاً للبنية الدائرية؛ ففي أكثر من 95% من العينات المدروسة، انتظمت القيم العشر في نفس الترتيب الدائري ونفس محاور التقابل والتجاور بدقة متناهية. وقد أثبتت هذه البيانات التجريبية الشاملة أن الدماغ البشري والنظام الاجتماعي ينظمان الدوافع والقيم وفق نفس المنطق المعماري الهندسي بغض النظر عن الفروق الإثنية أو التاريخية أو الاقتصادية.

ورغم هذا التطابق شبه المطلق، سجل شوارتز وفريقه البحثي بعض التباينات الإقليمية الدقيقة والفريدة؛ فعلى سبيل المثال، لوحظ في بعض المجتمعات التقليدية أو التي خضعت لسيطرة شمولية طويلة انكماش طفيف في الحدود الفاصلة بين قيمتي “التقليد” و”الامتثال”، حيث كان المبحوثون يعاملون الخضوع للأعراف الدينية والامتثال للأوامر السلطوية ككتلة دافعية واحدة غير متمايزة تماماً. ومع ذلك، لم تكسر هذه الاستثناءات الطفيفة الترتيب الدائري العام، بل أكدت مرونة النموذج وقدرته الفائقة على استيعاب الفروق التطورية والثقافية الموضعية دون المساس بالبنية الكونية الكامنة.

5. الأبعاد القيمية العليا ذات الترتيب الأعلى (Higher-Order Dimensions)

5.1 محور الانفتاح على التغيير مقابل المحافظة

يتجاوز نموذج شوارتز مستوى القيم العشر الفردية لينظمها في مستوًى تجريدي أعلى يتألف من بعدين دافعيين ثنائيي القطب متقاطعين عمودياً وأفقياً داخل الدائرة القيمية، ويطلق عليهما الأبعاد القيمية العليا ذات الترتيب الأعلى (Higher-Order Dimensions). المحور الثنائي الأول هو محور “الانفتاح على التغيير” (Openness to Change) في مواجهة “المحافظة” (Conservation).

يجمع قطب الانفتاح على التغيير كلاً من قيم “تقرير المصير” و”الإثارة” (وجزءاً من “المتعة”). ويعبر هذا البعد الدافعي عن النزوع الجوهري نحو الاستقلالية الذاتية، وحرية الفكر والتصرف، والاستعداد النفسي لخوض التجارب الجديدة غير المألوفة، والترحيب بالتحولات والتجديد والمخاطرة المحسوبة. يركز الفرد هنا على تنمية طاقاته الإبداعية الداخلية ومقاومة الجمود المعرفي، معتبراً أن الحياة فرصة للاكتشاف والتطور المستمر.

في المقابل، يجمع قطب المحافظة قيم “الأمان”، و”الامتثال”، و”التقليد”. ويعبر هذا القطب عن الرغبة العميقة في الحفاظ على الوضع الراهن (Status Quo)، والتمسك بالنظام والاستقرار الاجتماعي، وتجنب الشكوك والغموض والمخاطر المهددة للتماسك الجمعي. يفضل الأفراد الذين ترتفع لديهم قيم هذا القطب الخضوع للأعراف المؤسسية المستقرة وتقديم الواجبات المفروضة اجتماعياً على الأهواء الفردية. يعكس هذا المحور الصراع الإنساني الخالد بين الحاجة إلى الحرية والابتكار وبين الحاجة إلى الأمن والنظام والانضباط.

5.2 محور التعالي على الذات مقابل تعزيز الذات

المحور الثنائي القطب الثاني الذي يتقاطع تعامدياً مع المحور الأول هو محور “التعالي على الذات” (Self-Transcendence) في مواجهة “تعزيز الذات” (Self-Enhancement)، ويمثل هذا البعد جوهر الفلسفة الأخلاقية وسيكولوجية العلاقات الإنسانية والاجتماعية.

يضم قطب التعالي على الذات قيمتي “الخيرية والإيثار” و”الكونية”. وينطوي هذا البعد على دافع معرفي وأخلاقي عميق لتجاوز الحدود الضيقة للأنا الفردية والمصالح الشخصية المباشرة نحو الاهتمام الصادق برفاهية الآخرين وتنميتها. يشمل ذلك رعاية القريبين والمحبوبين، ويمتد إلى احتضان البشرية جمعاء، والدفاع عن قضايا العدالة الاجتماعية وحماية المنظومة البيئية من الدمار. يعبر هذا القطب عن النضج الإنساني القائم على التعاطف، والتضامن، ونكران الذات، والشعور بالمسؤولية الكونية الشاملة.

في الطرف المقابل تماماً، يقع قطب تعزيز الذات، والذي يضم قيمتي “القوة الاجتماعية” و”الإنجاز” (وجزءاً من “المتعة”). يتمحور هذا القطب حول تعظيم الذات، والسعي الحثيث نحو تحقيق النجاح الفردي، والاعتراف بالمكانة، والسيطرة على مقاليد الأمور والتحكم في الموارد والأشخاص الآخرين. هنا يرى الفرد في الحياة ساحة تنافسية لإبراز جدارته وتفوقه وضمان هيمنته ومكاسبه المادية والمعنوية. يحدد هذا المحور السيكولوجي الفارق الأساسي بين النزعة الإيثارية الاجتماعية والنزعة الأنانية الفردية، ويعد من أقوى المتغيرات التنبؤية في دراسات السلوك الأخلاقي، والمسؤولية المجتمعية، والتصويت السياسي.

5.3 البعد النفسي للتنظيم الذاتي: الوقاية مقابل الترقية

لتعميق الفهم السيكولوجي للأبعاد العليا، أقام شالوم شوارتز جسراً نظرياً رصيناً مع نظرية “التركيز التنظيمي” (Regulatory Focus Theory) التي طورها عالم النفس الشهير إي. توري هيغينز (E. Tory Higgins). وجادل شوارتز بأن الدائرة القيمية بأبعادها العليا تعكس بنيتين نفسيتين متمايزتين لإدارة القلق والتنظيم الذاتي للسلوك البشري:

1. القيم الموجهة بالوقاية وتجنب القلق (Prevention/Anxiety-Avoidance Values):
تتموضع هذه القيم في النصف السفلي من الدائرة، وتشمل قطب “المحافظة” (الأمان، الامتثال، التقليد) مضافاً إليها قيمة “القوة الاجتماعية”. تعمل هذه المنظومة كدرع دفاعي نفسي يسعى أساساً إلى درء التهديدات، وتجنب الخسائر، ومقاومة مشاعر القلق والعجز. فالأمان والامتثال والتقليد تحمي الفرد من مخاطر الفوضى والعقوبات الاجتماعية ونبذ الجماعة، في حين تهدف قيمة القوة إلى مراكمة النفوذ والموارد كوسيلة للحماية الذاتية الاستباقية وردع المعتدين. السلوك المدفوع بهذه القيم تحكمه مشاعر الحذر والواجب والتركيز على الخسارة المحتملة.

2. القيم الموجهة بالترقية والنمو الخالي من القلق (Promotion/Anxiety-Free Values):
تتموضع في النصف العلوي من الدائرة، وتشمل قطب “الانفتاح على التغيير” (تقرير المصير، الإثارة) وقطب “التعالي على الذات” (الخيرية، الكونية). هذه القيم غير مدفوعة بالخوف أو تجنب التهديد، بل تنبع من رغبة أصيلة في النمو الذاتي، والازدهار المعرفي، وتوسيع آفاق الخبرة، والعطاء الإيجابي للآخرين. الفرد هنا لا يتصرف اتقاءً لشر، بل رغبة في تحقيق مكاسب نفسية وتطويرية وإنسانية عليا. يبرز هذا الربط النظري العميق كيف أن خريطة شوارتز القيمية ليست مجرد تصنيف وصفي، بل هي نموذج ديناميكي متقدم يعكس أعمق الآليات النفسية الحاكمة لتكيف الإنسان مع مشاعر الخوف والأمل.

6. الأدوات القياسية والمنهجيات الإمبيريقية لقياس القيم

6.1 مسح شوارتز للقيم (Schwartz Value Survey – SVS)

لم يكن لنظرية شوارتز أن تحقق هذا الانتشار الدولي الكاسح لولا المنهجية السيكومترية المبتكرة التي رافقت تطورها. كانت الأداة القياسية التأسيسية الأولى التي صممها شوارتز هي مسح شوارتز للقيم (Schwartz Value Survey – SVS). يتألف المقياس في نسخته الأصلية الكاملة من 56 أو 57 بنداً قيمياً مصاغاً بصورة مجردة، حيث تُمثل كل قيمة بمفهوم مجرد متبوع بعبارة تفسيرية توضيحية بين قوسين لتحديد المعنى الدافعي الدقيق؛ على سبيل المثال: “المساواة (فرص متكافئة للجميع)”، “الإبداع (التفرد، الخيال)”، “النظام الاجتماعي (استقرار المجتمع)”.

يتوزع المقياس على قائمتين متتاليتين: تضم الأولى القيم المصاغة كأسماء مجردة تعبر عن غايات نهائية (تمثل القيم الغائية المشابهة لروكيتش)، وتضم الثانية القيم المصاغة كصفات تعبر عن وسائل سلوكية مفضلة (القيم الوسيلية). لكن الابتكار الحقيقي في مقياس SVS تجلى في سلم الاستجابة غير المتماثل (Asymmetric Response Scale) الفريد المكون من 9 نقاط تدريجية، والذي صممه شوارتز بعبقرية لتجاوز عيوب المقاييس الليكرتية التقليدية:

  • -1: يعارض قيمي ومبادئي تماماً (Opposed to my values).
  • 0: غير مهم على الإطلاق (Not important).
  • 3: مهم (Important).
  • 6: مهم جداً (Very important).
  • 7: ذو أهمية قصوى ومعيار أسمى في حياتي (Of supreme importance).

يوفر إدراج النقطة (-1) للمفحوص فرصة نادرة لرفض القيم التي تتناقض كلياً مع فلسفته الأخلاقية، في حين يتيح استخدام النقطة (7) تمييزاً دقيقاً للغاية لتلك القيمة أو القيمتين اللتين يعتبرهما الفرد بمثابة الدستور الشخصي الأسمى والمقدس لحياته. ومع ذلك، واجه مقياس SVS تحدياً إدراكياً ملحوظاً؛ فالطبيعة التجريدية المفرطة لبنوده تطلبت من المبحوث مستوى رفيعاً من الذكاء اللغوي والقدرة على التفكير المفاهيمي المعقد، مما جعل استخدامه صعباً مع الأطفال، أو المراهقين، أو المجتمعات الريفية والنامية، أو الأفراد ذوي التحصيل التعليمي المحدود.

6.2 استبيان صورة القيم (Portrait Values Questionnaire – PVQ)

لتجاوز القيود الإدراكية والتجريدية لمقياس SVS، ولتوسيع المظلة البحثية لتشمل مختلف الشرائح العمرية والتعليمية عبر العالم، ابتكر شالوم شوارتز بالتعاون مع زملائه في أواخر التسعينيات أداة قياس بديلة وبديعة أطلق عليها استبيان صورة القيم (Portrait Values Questionnaire – PVQ). تعتمد هذه الأداة على منهجية غير مباشرة بالغة الذكاء؛ فبدلاً من مطالبة الفرد بتقييم مفاهيم مجردة مثل “السلطة” أو “التواضع”، يقدم الاستبيان وصفاً لشخصيات خيالية قصيرة (Portraits) من نفس جنس المفحوص تتضمن ما تريده هذه الشخصيات وتطمح إليه، ثم يطلب من المفحوص تحديد مدى تشابه هذه الشخصية معه.

تضمن نموذج (PVQ-40) الكلاسيكي أربعين فقرة وصفية، حيث تتكون كل فقرة من جملتين موجزتين توضحان الأهداف والتطلعات المركزية لشخص معين؛ ومثال ذلك لقياس قيمة “تقرير المصير”: “التفكير في أفكار جديدة والإبداع أمر مهم جداً بالنسبة له. إنه يحب أن يفعل الأشياء بطريقته المبتكرة الخاصة”. ويجيب المفحوص على سلم ليكرت سداسي النقاط يتراوح من: “يشبهني تماماً” إلى “لا يشبهني على الإطلاق”. ومن خلال هذه المقارنة الذاتية غير المباشرة، يتم استخراج الأهمية النسبية للقيمة دون تفعيل الدفاعات النفسية التبريرية للمفحوص.

تطور هذا المقياس لاحقاً بطلب من اللجنة العلمية لـ المسح الاجتماعي الأوروبي (European Social Survey – ESS)، حيث اختزل شوارتز المقياس إلى نموذج فائق التركيز يتكون من 21 فقرة فقط (PVQ-21). تم دمج هذا المقياس المختصر كأداة رسمية ثابتة ودائمة في المسح الذي يُجرى كل عامين عبر أكثر من ثلاثين دولة أوروبية منذ عام 2002 وحتى اليوم، مما وفر للبشرية أضخم قاعدة بيانات طولية ومقطعية حول التغير القيمي وسيكولوجية المجتمعات في التاريخ الحديث.

6.3 المعالجات الإحصائية المتقدمة وتصحيح التحيز الإجابتي

واجه قياس القيم منذ نشأته معضلة سيكومترية كبرى تتمثل في ظاهرة “المرغوبية الاجتماعية” (Social Desirability) وظاهرة “أسلوب الاستجابة الشخصي” (Response Style)؛ حيث يميل معظم البشر عموماً إلى تقييم كل القيم الإيجابية بدرجات مرتفعة (مبالغة إيجابية)، ويميل بعض الأفراد أو الثقافات إلى استخدام أطراف المقياس القصوى، بينما يميل آخرون إلى التمركز في الوسط الحذر. وإذا ما تم استخدام الدرجات الخام (Raw Scores) بصورة مباشرة، فإن التحليلات الإحصائية ستكون مضللة تماماً وتعكس أسلوب الاستجابة بدلاً من الفروق القيمية الفعلية.

لمعالجة هذه المعضلة الرياضية، ابتكر شوارتز بروتوكولاً إحصائياً دقيقاً بات معياراً إجبارياً في التحليلات السيكومترية يُعرف باسم “التمركز حول المتوسط الفردي العام” (Centering around the individual Mean Response – MRAT). وفق هذه التقنية، يتم حساب متوسط إجابات كل مفحوص على جميع بنود المقياس بلا استثناء، ثم تُطرح هذه الدرجة المتوسطة الفردية من درجة كل قيمة على حدة. بهذه الطريقة تتحول الدرجات المطلقة إلى درجات تفضيل نسبي؛ حيث تصبح الدرجات الإيجابية دليلاً على أن القيمة تحظى بأهمية تفوق متوسط اهتمام الفرد العام، في حين تدل الدرجات السلبية على أنها تحظى بأهمية أقل من المتوسط العام لاختياراته، مما يزيل تحيزات الاستجابة الفردية والثقافية بضربة رياضية واحدة.

علاوة على ذلك، وظف شوارتز وفريقه تقنيات النمذجة بالمعادلات البنائية (Structural Equation Modeling – SEM) والتحليل العاملي التوكيدي متعدد المجموعات (Multigroup Confirmatory Factor Analysis – MGCFA) للتحقق الصارم من مستويات “التكافؤ القياسي” (Measurement Invariance) عبر الدول واللغات المختلفة. وقد شمل ذلك اختبار التكافؤ التكويني (Configural Invariance)، والتكافؤ المتري (Metric Invariance)، والتكافؤ المقداري (Scalar Invariance)، لضمان أن الفروق المرصودة بين الشعوب تعبر عن اختلافات قيمية حقيقية وليست تشوهات ناجمة عن سوء الترجمة أو اختلاف فهم البنود.

7. النظرية المعدلة للقيم الإنسانية الأساسية (The Refined Theory – 2012)

7.1 دوافع التطوير وتعميق التمايز المفاهيمي

رغم النجاح الكاسح الذي حققته النظرية الكلاسيكية لعقود من الزمن، إلا أن الصرامة النقدية لشالوم شوارتز قادته إلى مراجعة شاملة لنموذجه الأصلي مطلع الألفية الجديدة. وجد شوارتز أن بعض القيم الكلاسيكية العشر كانت شديدة الاتساع وتضم في داخلها أهدافاً دافعية متباينة قد تسير في اتجاهات متناقضة في مواقف عملية معينة؛ فعلى سبيل المثال، كانت قيمة “الكونية” تجمع بين حماية الطبيعة وبين التسامح الاجتماعي والمساواة بين البشر، وهي أهداف قد تنفصل لدى بعض الأفراد الذين قد يكترثون بشدة للبيئة الطبيعية دون أن يتبنوا بالضرورة مواقف متسامحة للغاية تجاه المهاجرين أو الأقليات.

أدى هذا التعقيد الدافعي إلى رغبة علمية جامحة في زيادة “القوة التفسيرية الدقيقة والتنبؤية” للقيم في النماذج السلوكية. انطلق شوارتز بالتعاون مع باحثين دوليين بارزين، يتقدمهم عالم النفس البولندي يان تشيشوكا (Jan Cieciuch) وإلداد دافيدوف (Eldad Davidov) ومارينا فيكيوني (Marina Vecchione)، لإعادة فحص الفضاء الدائري للقيم. كان الهدف هو تفتيت القيم الكبرى وتعميق التمايز المفاهيمي دون هدم البنية الدائرية الأم، بل عبر زيادة دقتها الهندسية والتحليلية.

توجت هذه الجهود المكثفة في عام 2012 بنشر ورقة بحثية مرجعية وفارقة في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي (Journal of Personality and Social Psychology – JPSP)، حملت عنوان: “تعديل نظرية القيم الإنسانية الأساسية” (Refining the Theory of Basic Human Values)، والتي دشنت رسمياً ما بات يُعرف في الأدبيات السيكولوجية بـ “النظرية المعدلة للقيم” (The Refined Theory of Basic Values).

7.2 تفكيك القيم إلى تسع عشرة قيمة دقيقة

في النظرية المعدلة لعام 2012، تم تفكيك البنية الدائرية إلى 19 قيمة محددة بدقة بالغة بدلاً من القيم العشر الأصلية، مع الحفاظ الكامل على مبدأ الاستمرارية الدافعية والانتظام الدائري الأصيل. وقد جاء هذا التفكيك المفاهيمي كالتالي:

  • تقرير المصير (Self-Direction): قُسم إلى قيمتين:
    • تقرير المصير الفكري (Self-Direction – Thought): حرية استنباط الأفكار وتنمية الاهتمامات الذاتية.
    • تقرير المصير السلوكي (Self-Direction – Action): حرية اختيار الأفعال والتصرفات الشخصية وممارستها عملياً.
  • القوة الاجتماعية (Power): قُسمت إلى قيمتين:
    • القوة التسلطية (Power – Dominance): السيطرة وممارسة النفوذ الشخصي المباشر على الأفراد والتحكم فيهم.
    • القوة المادية (Power – Resources): التحكم في الثروة والممتلكات والموارد المادية وتوجيهها.
  • الأمان (Security): قُسم إلى قيمتين:
    • الأمان الشخصي (Security – Personal): حماية السلامة المادية والنفسية للذات والبيئة الحياتية القريبة.
    • الأمان المجتمعي (Security – Societal): استقرار وسلامة المجتمع والدولة والنظام العام ككل.
  • الامتثال (Conformity): قُسم إلى قيمتين:
    • الامتثال للقواعد (Conformity – Rules): الالتزام بالقوانين الرسمية والقواعد المؤسسية المكتوبة.
    • الامتثال بين الأشخاص (Conformity – Interpersonal): تجنب الإساءة أو إزعاج الآخرين في التفاعلات اليومية.
  • الخيرية والإيثار (Benevolence): قُسمت إلى قيمتين:
    • الخيرية – الرعاية (Benevolence – Caring): التفاني الصادق في رعاية رفاهية أعضاء الجماعة القريبة وتقديم الدعم النفسي والمادي لهم.
    • الخيرية – الاعتمادية (Benevolence – Dependability): الأمانة المطلقة وكون المرء جديراً بثقة أصدقائه وجماعته.
  • الكونية (Universalism): قُسمت إلى ثلاث قيم منفصلة ومتميزة:
    • الكونية – الاهتمام الاجتماعي (Universalism – Concern): النضال من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة وحماية الضعفاء في العالم.
    • الكونية – البيئة (Universalism – Nature): حماية الطبيعة، والبيئة الحيوية، والمحافظة على الموارد من التلوث.
    • الكونية – التسامح (Universalism – Tolerance): الفهم والتقبل الإيجابي لمن يختلفون عن الفرد في الدين أو العرق أو الثقافة.
  • قيم مستحدثة وتوضيحية في النموذج:
    • قيمة ماء الوجه أو المكانة الاعتبارية (Face): الحفاظ على الصورة العامة والمكانة الاجتماعية وتجنب المهانة والإذلال، وتتموضع بدقة بين قطب المحافظة وقطب تعزيز الذات.
    • قيمة التواضع (Humility): الإدراك الواعي لمحدودية الذات وتجنب التعالي والغرور، والاعتراف بمكانة الآخرين، وتتموضع بنيوياً بين قيمتي التقليد والامتثال للخيرية.
  • القيم التي ظلت كوحدات متماسكة دون تقسيم جوهري: شملت قيم: الإثارة (Stimulation)، والمتعة (Hedonism)، والإنجاز (Achievement)، والتقليد (Tradition).

7.3 أداة القياس المطورة (PVQ-5X و PVQ-RR) وميزاتها الإحصائية

رافق تدشين النظرية المعدلة تصميم أداة قياس سيكومترية فائقة الحداثة والدقة عُرفت في مرحلتها التجريبية الأولى باسم (PVQ-5X)، واستقرت بعد التنقيحات الإحصائية الشاملة تحت اسم استبيان صورة القيم المنقح (Portrait Values Questionnaire – Revised – PVQ-RR). يتكون هذا المقياس من 57 فقرة وصفية موجزة وموجهة؛ بحيث تم تخصيص ثلاث فقرات مصاغة بدقة بالغة لقياس كل قيمة من القيم التسع عشرة المستقلة.

أظهرت التحليلات الإحصائية المتقدمة باستخدام التحليل العاملي التوكيدي متعدد المجموعات (MGCFA) والتحليل متعدد الأبعاد التوكيدي قدرة فائقة لـ PVQ-RR على التمييز السيكومتري بين القيم التسع عشرة؛ حيث تم إثبات الصدق البنائي والصدق التمايزي (Discriminant Validity) عبر عشرات العينات الدولية المتباينة. ولم تكن هذه القيم التسع عشرة مجرد تفريعات نظرية ترفية، بل أثبتت الدراسات التجريبية أنها تزيد من التباين المفسر (Explained Variance) في التنبؤ بالسلوكيات بنسب ملحوظة مقارنة بالنموذج الأصلي ذي القيم العشر.

مكن المقياس المطور الباحثين من تفكيك ظواهر سلوكية كانت تبدو غامضة أو متناقضة؛ فعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسات السياسية أن المواقف تجاه سياسات الهجرة لا ترتبط بـ “الكونية” ككل، بل تتأثر تحديداً بقيمة “الكونية – التسامح” وقيمة “الكونية – الاهتمام”، في حين ترتبط السلوكيات الاستهلاكية الخضراء حصراً بقيمة “الكونية – الطبيعة”. كما أتاح المقياس فهماً أعمق للسلوك القيادي عبر التفريق الدقيق بين القادة المدفوعين بـ “القوة التسلطية” والقادة المدفوعين بـ “القوة المادية” أو “الإنجاز”، مما جعل من PVQ-RR أحد أكثر المقاييس النفسية تطوراً في العصر الراهن.

8. نظرية شوارتز للقيم على المستوى الثقافي (Cultural-Level Values)

8.1 التمييز المنهجي الحاسم بين المستوى الفردي والمستوى المجتمعي

في مسار موازٍ ولكن مستقل منهجياً، قدم شالوم شوارتز أحد أهم إسهاماته الإبستمولوجية في العلوم الاجتماعية، وهو نظريته الخاصة بالقيم على المستوى الثقافي المجتمعي (Cultural-Level Values). خاض شوارتز معركة منهجية شرسة ضد ما يُعرف في علم الاجتماع والإحصاء بـ مغالطة التضمين البيئي (Ecological Fallacy)؛ وهي الخطأ المنهجي الفادح المتمثل في افتراض أن العلاقات التي تصدق على مستوى الأفراد تصدق بالضرورة على مستوى الثقافات والمجتمعات، أو العكس (مغالطة الاستقراء الفردي).

أكد شوارتز أن الأفراد والثقافات وحدات تحليل ذات طبائع أنطولوجية مختلفة جذرياً:

  • الأفراد: يمتلكون أدمغة وأجهزة عصبية ونفسية تختبر المشاعر والأهداف الدافعية، وقيمهم تمثل حلولاً معرفية لحاجاتهم الوجودية الفردية. وتكون وحدة التحليل الإحصائي هنا هي الفرد المستقل.
  • المجتمعات والثقافات: لا تمتلك أدمغة، بل تمتلك مؤسسات اجتماعية، ونظماً قانونية، وتشريعات، ولغة، وشعائر، وممارسات جمعية تنظم حياة ملايين البشر معاً. والقيم الثقافية تمثل “التوجهات المعيارية والحلول المشتركة التي تتوافق عليها المجتمعات لحل المشكلات الأساسية لتنظيم النشاط والتعايش البشري”.

بناءً على ذلك، فإن وحدة التحليل على المستوى الثقافي ليست الأفراد، بل هي “المجتمعات ككل”؛ حيث يتم تجميع بيانات الأفراد وحساب متوسطات الدول والمجتمعات لتتحول كل دولة أو ثقافة إلى “حالة إحصائية واحدة” (N = 1).

أظهرت التحليلات الإحصائية لمصفوفات الارتباط بين متوسطات الدول أن القيم تنتظم على المستوى الثقافي في أبعاد وهياكل تختلف كلياً عن البنية الدائرية الفردية، وهو ما قاد شوارتز إلى صياغة نموذج ثقافي مستقل كلياً يتكون من سبعة أبعاد ثقافية معيارية.

8.2 الأبعاد الثقافية السبعة الأساسية لشوارتز

حدد شوارتز ثلاث مشكلات وظيفية كبرى تواجه كل مجتمع بشري، وافترض أن المجتمعات تستجيب لهذه المشكلات عبر اتخاذ مواقف متمايزة على ثلاثة محاور تضم سبعة أبعاد قيمية ثقافية متقابلة:

المشكلة الأولى: تعريف طبيعة العلاقة بين الفرد والجماعة:
إلى أي مدى ينغمس الفرد في جماعته، أم يستقل بذاته ككيان معرفي ووجداني فريد؟ وتواجه الثقافات هذا السؤال عبر محور:

  • الانغماس الثقافي (Embeddedness): حيث يُنظر إلى الفرد كجزء لا يتجزأ من النسيج الجمعي؛ ويستمد معناه وهويته من الانتماء إلى الجماعة والحفاظ على تماسكها واحترام تقاليدها، ويُعلى من شأن التضامن والأمن والامتثال للنظام القائم (مثل معظم المجتمعات التقليدية في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط).
  • في مواجهة الاستقلالية (Autonomy): حيث يُنظر إلى الفرد ككيان مستقل ومتمتع بالحكم الذاتي، ويحق له التعبير عن فرادته؛ وتتفرع هذه الاستقلالية إلى بعدين:
    • الاستقلالية الفكرية (Intellectual Autonomy): تشجيع الأفراد على التفكير المستقل، والفضول العلمي، والإبداع، وتطوير أفكارهم الخاصة (مثل فرنسا، وألمانيا، ودول أوروبا الغربية).
    • الاستقلالية الوجدانية (Affective Autonomy): تشجيع الأفراد على السعي وراء التجارب الوجدانية الممتعة، والاستمتاع بالحياة، واللذة الحسية الإيجابية.

المشكلة الثانية: ضمان السلوك المسؤول الذي يحافظ على النسيج الاجتماعي:
كيف تحث المجتمعات أفرادها على التصرف بمسؤولية وإدارة العلاقات الاجتماعية الحتمية وتوزيع الأدوار والموارد؟ وتواجه الثقافات هذا التحدي عبر محور:

  • الهرمية (Hierarchy): الاعتماد على التوزيع غير المتكافئ للموارد والواجبات والسلطة، حيث تؤكد الثقافة على شرعية التسلسل الهرمي، والالتزام بالأدوار الطبقية، وخضوع المرؤوس للرئيس لضمان استقرار النظام وتفادي الفوضى (مثل الصين والهند).
  • في مواجهة المساواتية (Egalitarianism): تصوير الأفراد ككائنات متساوية أخلاقياً، وتشجيعهم على التعاون الطوعي، والاهتمام بالعدالة الاجتماعية، وحماية حقوق الآخرين ومساعدتهم بناءً على قناعة والتزام أخلاقي ذاتي دون الحاجة إلى قمع هرمي صارم (مثل الدول الإسكندنافية).

المشكلة الثالثة: تنظيم علاقة الإنسان بالعالم الطبيعي والاجتماعي:
هل يجب على الإنسان السيطرة على بيئته وتطويعها، أم التناغم معها وتقبلها كما هي؟ وتواجه الثقافات هذه المشكلة عبر محور:

  • التمكن والسيطرة (Mastery): تشجيع السعي النشط للسيطرة على البيئة المحيطة، وتغيير العالم، واستغلال الموارد، وتحقيق التقدم والنجاح عبر الجرأة، والحزم، والتنافس والتغلب على العقبات (مثل الولايات المتحدة الأمريكية).
  • في مواجهة الانسجام والتناغم (Harmony): التأكيد على التكيف السلمي مع العالم، وفهم البيئة والطبيعة وتقديرها كما هي وتجنب استغلالها أو تغييرها بالقوة، والحفاظ على التوازن البيئي والاجتماعي (مثل ثقافة اليابان ودول غرب أوروبا بدرجة متفاوتة).

8.3 الخرائط الثقافية العالمية والمقارنة مع نماذج هوفستيد وإنغلهارت

من خلال رسم إحداثيات متوسطات أكثر من 80 دولة على هذه الأبعاد السبعة، وضع شالوم شوارتز خارطة ثقافية مذهلة للعالم، صنفت المجتمعات في سبع مناطق ثقافية رئيسية متقاربة جغرافياً وتاريخياً:

  • منطقة أوروبا الغربية: تمتاز بارتفاع غير مسبوق في الاستقلالية الفكرية والمساواتية والانسجام، وتراجع حاد في الانغماس والهرمية.
  • منطقة أمريكا الناطقة بالإنجليزية (الأنغلوسفير): ترتفع فيها قيم التمكن والاستقلالية الوجدانية بشكل لافت، مع مستويات متوسطة من المساواتية والهرمية.
  • منطقة شرق آسيا: تمتاز بارتفاع الهرمية والانغماس والتمكن، مع انخفاض المساواتية والانسجام مقارنة بأوروبا.
  • منطقة أوروبا الشرقية السابقة (الكتلة السوفيتية): ترتفع فيها قيم الانغماس والتسلسل الهرمي نتيجة الإرث الشمولي، مع مستويات متدنية من الاستقلالية والمساواتية.
  • مناطق أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وإفريقيا جنوب الصحراء: تشهد سيادة ملحوظة لقيم الانغماس، مع تباينات محلية على محاور التمكن والهرمية.

عند مقارنة هذا النموذج الثقافي مع أعمال الرواد الآخرين في نفس المضمار، تبرز فروق جوهرية:
فمقارنة بنموذج جيرت هوفستيد (Geert Hofstede) وأبعاده الستة الشهيرة (مثل الفردية/الجماعية ومسافة القوة)، يرى النقاد أن نموذج شوارتز أكثر صرامة من الناحية الإبستمولوجية؛ إذ إن هوفستيد استند إلى مسح استطلاعي لموظفي شركة متعددة الجنسيات (IBM) في سبعينيات القرن الماضي دون إطار نظري مسبق لاشتقاق الأبعاد، في حين بنى شوارتز نموذجه على اشتقاق نظري مسبق للمشكلات الوظيفية واستخدم عينات واسعة وممثلة تضم المعلمين والطلاب لكونهم الفئات الأكثر نقلاً وتأثراً بالثقافة الجمعية.

أما بالمقارنة مع نظرية التحول الثقافي لعالم السياسة رونالد إنغلهارت (Ronald Inglehart) المستندة إلى مسح القيم العالمي (World Values Survey)، والتي تختزل الثقافة في بعدين فقط (القيم التقليدية مقابل العلمانية-العقلانية، وقيم البقاء مقابل التعبير عن الذات)، فإن نموذج شوارتز يقدم تفصيلاً وتحليلاً أكثر دقة وثراءً لمفاصل النسيج الثقافي، متجنباً الاختزال المفرط وموفراً أدوات سيكولوجية عميقة قادرة على تفسير السياسات العامة بدقة بالغة.

9. التطبيقات الميدانية والنفسية لنظرية القيم لشوارتز

9.1 القيم والسلوك الانتخابي والاتجاهات السياسية

أثبتت نظرية القيم لشالوم شوارتز نجاعة تنبؤية غير عادية في ميدان علم النفس السياسي (Political Psychology) وتحليل السلوك الانتخابي للمواطنين. انطلق شوارتز في دراساته السياسية المشتركة مع باحثين أوروبيين وإسرائيليين من فرضية أن البرامج الحزبية والخيارات الإيديولوجية ليست مجرد حسابات عقلانية للمصالح الاقتصادية المباشرة، بل هي في جوهرها تعبيرات رمزية عن الأولويات القيمية العميقة للناخبين.

أظهرت التحليلات الإحصائية عبر عشرات النظم الديمقراطية علاقة وثيقة ومنتظمة بين تموضع الناخبين على أبعاد شوارتز العليا وسلوكهم التصويتي:

  • النزوع نحو اليمين السياسي والأحزاب المحافظة: يرتبط بقوة بتبني قيم المحافظة (الأمان، والامتثال، والتقليد) وقيم تعزيز الذات (القوة). الناخب الذي يحتل الأمان والتقليد قمة أولوياته يميل تلقائياً لتأييد السياسات الأمنية الصارمة، وتشديد إجراءات الهجرة، وحماية الهوية القومية التقليدية، ودعم القوانين الزجرية والردع العسكري.
  • النزوع نحو اليسار السياسي وأحزاب الوسط والبيئة: يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتبني قيم التعالي على الذات (الكونية، والخيرية) وقيم الانفتاح على التغيير (تقرير المصير). يميل هؤلاء الناخبون إلى دعم برامج الرعاية الاجتماعية الموسعة، والتعددية الثقافية، وحقوق الأقليات، وحرية التعبير الفردي، والاتفاقيات الدولية للحد من انبعاثات الكربون.

كما لعبت النظرية دوراً حاسماً في تفسير صعود الشعبوية والاستقطاب الإيديولوجي المتطرف في أوروبا وأمريكا الشمالية؛ حيث أثبتت الدراسات أن تصاعد المخاوف الوجودية الناجمة عن العولمة والتحولات الديموغرافية السريعة يؤدي إلى تنشيط قيمي استباقي لنواة “الأمان والامتثال”، مما يدفع قطاعات واسعة من الجماهير نحو أحزاب اليمين الراديكالي كآلية دفاعية للبحث عن اليقين واستعادة الاستقرار المفقود.

9.2 السلوك الاجتماعي الإيجابي، التطوع، وحماية البيئة

في ميدان السلوك الاجتماعي الإيجابي (Prosocial Behavior)، قدمت نظرية شوارتز الإطار التفسيري الأكثر صلابة لفهم لماذا يتنازل بعض الأفراد عن وقتهم وأموالهم وجهدهم لمساعدة الآخرين دون انتظار مقابل مادي. أثبتت الدراسات أن قيمة “الخيرية والإيثار” تمثل المحرك السيكولوجي الأساسي للانخراط في العمل التطوعي المباشر، ومساعدة الغرباء، والتبرع بالدم والأعضاء، ورعاية الفئات المهمشة. فالإيثار هنا ليس مجرد التزام بالواجب الخارجي، بل هو إشباع دافعي لهدف مركزي يشكل جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الذات لدى الفرد.

أما في مجال علم النفس البيئي، فقد أحدثت أبعاد شوارتز ثورة في تفسير “السلوكيات المؤيدة للبيئة” (Pro-environmental Behaviors). كشفت الأبحاث الإمبيريقية المستندة إلى النظرية المعدلة أن قيمة “الكونية – الطبيعة”، مدعومة بالتعالي العام على الذات، هي العامل الحاسم في التنبؤ بتبني المواطنين لأنماط الاستهلاك المستدام، وفرز النفايات وإعادة التدوير، واستخدام وسائل النقل العام، ودعم الضرائب البيئية. وفي المقابل، أظهرت الدراسات أن هيمنة قيم تعزيز الذات (القوة المادية والإنجاز) تمثل عائقاً نفسياً كبيراً أمام تبني هذه السلوكيات؛ حيث يُنظر إلى حماية البيئة كقيد غير مرغوب فيه يحد من تراكم الثروة والاستهلاك التفاخري الشخصي.

وقد أتاح دمج نموذج شوارتز مع نظريات التنبؤ بالسلوك، مثل نظرية الفعل المخطط (Theory of Planned Behavior)، صياغة حملات توعية عامة بالغة الفعالية تستهدف المنظومات القيمية للجمهور بدلاً من الاكتفاء بالتحذيرات العلمية الجافة، مما يرفع من معدلات الاستجابة الجماهيرية للسياسات البيئية والتنموية.

9.3 القيم في سياق العمل والمنظمات والرفاه النفسي

في ميدان علم النفس التنظيمي والإداري، وفرت نظرية شوارتز أداة قوية لتحليل ما يُعرف بـ التطابق بين الفرد والمنظمة (Person-Organization Fit). تشير الدراسات إلى أنه عندما تتطابق القيم الشخصية للموظف مع الثقافة القيمية السائدة في المؤسسة التي يعمل بها، ترتفع مستويات الرضا الوظيفي، والالتزام المؤسسي، والإبداع، وتتراجع معدلات ترك العمل والاحتراق النفسي (Burnout). فالموظف الذي يمتلك قيماً عالية في “تقرير المصير” و”الإثارة” يصاب بالإحباط السريع إذا حوصر في بيئة عمل بيروقراطية مفرطة في “الامتثال” و”الأمان”، في حين يزدهر في بيئات تمنحه الاستقلالية وحرية المبادرة.

وعلى صعيد الصحة النفسية والرفاه الذاتي (Subjective Well-Being)، قاد شوارتز بالتعاون مع باحثين مثل ليلخ ساغيف (Lilach Sagiv) تحليلات رائدة للإجابة عن التساؤل: “هل ترتبط بعض القيم بالسعادة الإنسانية أكثر من غيرها؟”. ميزت النتائج بين نمطين من القيم:

  • القيم الصحية سيكولوجياً (Healthy/Growth Values): وتضم أساساً قيم الانفتاح على التغيير (تقرير المصير) والتعالي على الذات (الخيرية). ترتبط هذه القيم عضوياً بمؤشرات مرتفعة للرضا عن الحياة، وتقدير الذات الإيجابي، والنمو الشخصي؛ لكونها تشبع حاجات نفسية فطرية وأصيلة خالية من القلق والتهديد.
  • القيم غير الصحية سيكولوجياً (Defensive/Anxiety-prone Values): وتضم قيم تعزيز الذات (خاصة القوة المادية) وقيم المحافظة المفرطة. أظهرت الأبحاث أن الأفراد الذين يركزون جل حياتهم حول كسب القوة والثروة المادية يعانون من مستويات أعلى من القلق، والاكتئاب، والهشاشة الوجدانية؛ لأن هذه الأهداف لا تشبع الذات بقدر ما تغذي شعوراً مزمناً بالمنافسة والخوف من الخسارة.

ومع ذلك، أكد شوارتز أن هذه العلاقة تظل مشروطة بـ “تطابق السياق”؛ فالعيش في بيئة متوترة اقتصادياً أو أمنياً قد يجعل من قيم الأمان والمحافظة ضرورة وظيفية ملحة للتكيف والبقاء النفسي، مما يؤكد الطبيعة الديناميكية التكيفية لنظريته.

10. الامتدادات النظرية: الإيثار ونموذج تفعيل المعايير (NAM)

10.1 تطوير نموذج تفعيل المعايير لشالوم شوارتز (1977)

قبل أن يطلق نظريته الكبرى في القيم الإنسانية، كان شالوم شوارتز قد حفر اسمه في سجلات تاريخ علم النفس الاجتماعي عبر تطويره لواحد من أشهر النماذج السلوكية التفسيرية، وهو نموذج تفعيل المعايير (Norm Activation Model – NAM)، والذي طرحه في أواخر سبعينيات القرن العشرين (Schwartz, 1977) لتفسير محددات السلوك الإيثاري ومساعدة الآخرين في سياق الواجب الأخلاقي.

ينطلق نموذج شوارتز من افتراض مفاده أن وجود “معايير اجتماعية عامة” في ثقافة ما تحث على مساعدة المحتاجين لا يكفي بحد ذاته لضمان قيام الفرد بسلوك المساعدة الفعلي؛ فالتحول من المعيار الاجتماعي التجريدي إلى السلوك الميداني يتطلب بناء ما أسماه شوارتز بـ “المعايير الشخصية” (Personal Norms – PN)، وهي مشاعر داخلية قوية بالشعور بالالتزام الأخلاقي الذاتي للقيام بفعل محدد أو الامتناع عنه في موقف معين. ووفقاً للنموذج، لا تظل هذه المعايير الشخصية نشطة طوال الوقت، بل تتطلب “تفعيلاً سيكولوجياً” محفزاً يمر بمتغيرين وسيطين حاسمين:

1. إدراك العواقب (Awareness of Consequences – AC):
لا يتفعل المعيار الأخلاقي لدى الفرد إلا إذا أدرك بوعي ووضوح أن هناك كائناً آخر يعاني من محنة أو خطر حقيقي، وأن عدم التدخل سيؤدي إلى عواقب وخيمة أو ضرر مادي أو معنوي جسيم لذلك الكائن.

2. إسناد أو تحمل المسؤولية الشخصية (Ascription of Responsibility – AR):
حتى مع إدراك العواقب السلبية، قد يتراجع الفرد عن التصرف إذا نسب المسؤولية لغيره (ظاهرة تشتيت المسؤولية؛ Bystander Effect). بالتالي، يجب أن يعتقد الفرد بصدق أن أفعاله الشخصية المباشرة مسؤولة عن إيقاف هذا الضرر أو منعه، وأنه لا يمكنه التهرب الأخلاقي من هذا العبء وإلقائه على الآخرين أو على السلطات.

حين يلتقي إدراك العواقب مع تحمل المسؤولية الشخصية، يتم “تفعيل المعيار الأخلاقي الذاتي” فوراً، مما يولد شحنة نفسية وتوتراً وجدانياً لا يهدأ إلا بالقيام بسلوك المساعدة؛ حيث تصبح مكافأة السلوك هي الشعور الداخلي بالاعتزاز الأخلاقي، ويكون عقاب التخاذل هو وخز الضمير ومشاعر الذنب المريرة.

10.2 الدمج بين نظرية القيم ونموذج تفعيل المعايير

مع تطور مشروعه الفكري اللاحق في الثمانينيات والتسعينيات، لم يترك شوارتز نموذج تفعيل المعايير كجزيرة معزولة، بل نسجه ببراعة فائقة في صميم نظريته للقيم الأساسية. جادل شوارتز بأن القيم الإنسانية الأساسية هي المنبع الفلسفي والنفسي الأصيل الذي تنبثق منه “المعايير الشخصية”؛ فالقيم تمثل المستودع المستقر للأهداف الحياتية الكبرى للفرد، وحين يواجه موقفاً محدداً، تُترجم هذه القيم إلى معايير شخصية موجهة للفعل.

أثبتت الدراسات التطبيقية المشتركة أن الأفراد الذين يحتلون مراتب متقدمة في قيم التعالي على الذات (الخيرية والكونية) يمتلكون حساسية إدراكية فائقة لرصد المعاناة من حولهم؛ أي أن “إدراك العواقب” (AC) يتفعل لديهم بسرعة وسهولة مذهلة مقارنة بغيرهم، كما أنهم أكثر ميلاً لتبني “المسؤولية الشخصية” (AR) بدلاً من تشتيتها أو إنكارها. وقد تم تطبيق هذا النموذج المدمج والمركب بنجاح ساحق في تفسير سلوكيات معقدة مثل:

  • التبرع المنتظم بالدم والأعضاء بعد الوفاة.
  • الانخراط في مبادرات الإنقاذ الفدائية ومساندة الضحايا أثناء الكوارث الطبيعية والحروب.
  • التطوع لخدمة المرضى ذوي الإعاقات العقلية والجسدية المزمنة.

كما غدا هذا الدمج النظري حجر الأساس الذي استندت إليه أحدث الدراسات النفسية البيئية العالمية، مفسراً كيف تتحول القيم البيئية المجردة إلى مشاعر التزام شخصي يومي تدفع المواطنين للتقشف الطوعي في استهلاك الطاقة والمياه والموارد التزاماً بمبدأ الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة.

10.3 نقد النموذج وتطويراته اللاحقة في علم النفس الاجتماعي

رغم الرصانة النظرية العالية لنموذج تفعيل المعايير (NAM)، إلا أنه خضع لمناقشات نقدية واسعة في ساحة علم النفس الاجتماعي. تركز النقد الأساسي على أن النموذج يركز بشكل مفرط على “الدافعية الأخلاقية الخالصة” ويفترض فاعلاً إنسانياً مثالياً، متجاهلاً إلى حد ما دور “العوامل السياقية والمعوقات الخارجية” وتكاليف الفعل؛ فالشخص قد يدرك العواقب ويتحمل المسؤولية الأخلاقية، لكنه قد يحجم عن المساعدة إذا كانت كلفة المساعدة باهظة جداً مادياً أو جسدياً، أو إذا واجه ضغوطاً اجتماعية مناوئة.

استجابة لهذه الانتقادات واستلهاماً لأطروحات شوارتز، قاد عالم النفس الأمريكي بول ستيرن (Paul C. Stern) وزملاؤه مشروعاً لتوسيع نموذج شوارتز عبر تطوير ما يعرف اليوم بـ نظرية القيمة-المعيار-المعتقد (Value-Belief-Norm Theory – VBN). قامت نظرية VBN بربط قيم شوارتز الأساسية (البيولوجية، والإيثارية، والأنانية) مع معتقدات نموذج المعيار البيئي الجديد (New Ecological Paradigm – NEP)، وعمليات تفعيل المعايير لشوارتز، لتشكل سلسلة سببية سباعية تبدأ من القيم العامة العميقة وتنتهي بالسلوكيات البيئية والمدنية المحددة.

أكدت هذه التطويرات اللاحقة أن نموذج تفعيل المعايير لشالوم شوارتز لم يكن نهاية المطاف، بل كان الأساس المرجعي الخالد الذي انطلقت منه كافة النظريات الحديثة المعنية بالسلوك الأخلاقي، والمسؤولية المدنية، وسيكولوجية الإيثار الإنساني في العالم بأسره.

11. التقييم النقدي والمناظرات الإبستمولوجية والمنهجية

11.1 التحديات المنهجية وقضية السببية السلوكية

على الرغم من المكانة الدولية المرموقة التي حازتها نظرية شالوم شوارتز، إلا أنها واجهت تقييمات نقدية صريحة من قبل بعض المنظرين والباحثين المنهجيين في العلوم النفسية. تمثل أول هذه التحديات الإبستمولوجية فيما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ “فجوة القيمة والسلوك” (Value-Action Gap)؛ حيث تشير دراسات إمبيريقية متعددة إلى أن معامل الارتباط الإحصائي بين التفضيلات القيمية للمفحوصين وسلوكياتهم الواقعية الصريحة غالباً ما يكون متواضعاً إلى متوسط (يتراوح عادة بين r = 0.20 و r = 0.35)، مما يدل على أن معرفة قيم الفرد لا تعني بالضرورة القدرة الحتمية على التنبؤ بسلوكه في مواقف الحياة اليومية المشحونة بالإغراءات والضغوط الظرفية الآنية.

يرتبط بهذا التحدي اعتماد النظرية الطاغي على بيانات “التقرير الذاتي” (Self-Report Data) عبر الاستبيانات المسحية المكتوبة. يجادل النقاد بأن التقرير الذاتي يجعل البيانات عرضة للتحيزات الإدراكية، ومحاولات تحسين الصورة الاجتماعية، وعدم التطابق المحتمل بين ما يعتقده الفرد بوعي وما يحركه لا شعورياً على أرض الواقع. فالأفراد قد يصنفون أنفسهم كعاشقين للكونية والمساواة في الاستبيان، لكنهم قد يمارسون سلوكيات إقصائية وتمييزية عند مواجهة تفاعلات طبقية أو عرقية فعلية.

فضلاً عن ذلك، واجهت النظرية نقداً منهجياً يتعلق بـ صعوبة إثبات العلاقات السببية (Causality)؛ إذ اعتمدت الغالبية الساحقة من بيانات شوارتز على دراسات مقطعية مستعرضة (Cross-Sectional Studies) تقيس القيم والمواقف في لحظة زمنية واحدة. ولا يمكن لمثل هذه التصاميم الإحصائية أن تجزم بشكل قاطع بما إذا كانت القيم هي التي تشكل السلوك وتوجهه، أم أن السلوكيات والتجارب الحياتية وتبرير الأفعال السابقة هي التي تصوغ وتغير المنظومة القيمية بمرور الزمن. وقد سعى شوارتز وزملاؤه للرد على ذلك عبر إجراء دراسات طولية (Longitudinal) وتجارب مخبرية تعتمد على “التنشيط القيمي الإيحائي” (Value Priming)، إلا أن الجدل المنهجي حول حدود السببية لا يزال مفتوحاً ونشطاً في الأدبيات المتخصصة.

11.2 العالمية المفترضة مقابل الخصوصيات الثقافية المحلية

شكلت الفرضية الجوهرية لنظرية شوارتز حول “كونية البنية القيمية وشموليتها للبشرية جمعاء” هدفاً رئيساً لانتقادات علماء علم النفس الأصيل أو المحلي (Indigenous Psychology) ودعاة تفكيك المركزية الغربية في العلوم الاجتماعية. جادل هؤلاء النقاد بأن نقطة الانطلاق التأسيسية التي اعتمد عليها شوارتز في اشتقاق بنود القيم ومفاهيمها تنبع في جوهرها من التراث الفلسفي الغربي، المشبع بالنزعة الفردية، والعقلانية التنويرية، والتفكير التصنيفي المنطقي.

تساءل أصحاب المنظور المحلي عما إذا كانت البنية الدائرية قادرة حقاً على استيعاب الفلسفات الروحية العميقة التي لا تتبنى المنطق الثنائي الغربي؛ مثل الفكر البوذي أو الطاوي القائم على التناغم ونفي الأنا، أو المنظومات الإفريقية التقليدية مثل فلسفة “الأوبونتو” (Ubuntu: “أنا أكون لأننا نكون”)، والتي تذوب فيها الفروق بين الذات والآخر كلياً، مما يجعل تصنيف قيم مثل “تعزيز الذات” في مواجهة “التعالي على الذات” تقسيماً مفتعلاً وغريباً عن تلك السياقات الأصلية. كما تم التشكيك في مدى ملاءمة المقاييس الاستبيانية المكتوبة لدراسة المجتمعات القبلية أو السكان الأصليين الذين تعتمد ثقافتهم على الرواية الشفهية والرمزية الحركية وتفتقر إلى ممارسات التجريد اللغوي الليكرتي.

رد شالوم شوارتز على هذه الانتقادات بسلسلة ضخمة من التحليلات الإحصائية الإضافية، مبيناً أن البنية الدائرية صمدت بشكل تجريبي باهر في مئات العينات غير الغربية، بما في ذلك مجتمعات شديدة الانعزال؛ وأن النظرية لا تنكر وجود خصوصيات ثقافية محلية في التعبير عن القيم، لكنها تؤكد على وجود “قواعد نحوية سيكولوجية مشتركة” تنظم الدوافع البشرية عبر كوكب الأرض، تماماً كما تشترك جميع اللغات في قواعد عامة رغم تباين مفرداتها وأصواتها المحلية.

11.3 المقارنة مع المقاربات التطورية والبيولوجية للقيم

مع تسارع الثورة في مجالات علم النفس التطوري (Evolutionary Psychology) والعلوم العصبية وعلم الوراثة السلوكي في مطلع القرن الحادي والعشرين، خضعت نظرية شوارتز المعرفية والاجتماعية لإعادة تقييم معمقة من منظور بيولوجي بحت. جادل علماء التطور بأن القيم الإنسانية لم تنشأ فقط كاستجابات عقلانية للمتطلبات الوظيفية التي حددها شوارتز، بل هي في الأصل “تكيفات تطورية متطورة وموروثة عبر الانتخاب الطبيعي” استهدفت حل معضلات التكيف والتكاثر والبقاء في بيئة الأجداد الأولى.

وفق هذا المنظور البيولوجي، فإن:

  • قيم “الخيرية والإيثار” تتطابق ميكانيكياً مع آليات “اصطفاء القرابة” (Kin Selection) ونظريات الإيثار التبادلي المقترح من قبل وليم هاملتون وروبرت تريفرز.
  • قيم “القوة والإنجاز” تمثل استراتيجيات تكيفية لإثبات المكانة وجذب الشريك الجنسي والتفوق التناسلي.
  • قيم “الأمان والامتثال” تجسد آليات دفاعية ضد تهديدات الحيوانات المفترسة والعدوى البيولوجية وتفكك الجماعة الحامية.

علاوة على ذلك، قدمت “دراسات التوائم المتماثلة وغير المتماثلة” (Twin Studies) دليلاً دامغاً على وجود أساس جيني ملحوظ يفسر جانباً من التباين في أولويات قيم شوارتز؛ حيث أظهرت دراسات وراثة السلوك أن ما بين 30% إلى 50% من التباين في قيم الانفتاح على التغيير والمحافظة والتعالي على الذات يمكن إرجاعه إلى عوامل وراثية جينية تؤثر على البنية المزاجية والعصبية للأفراد. ورغم أن هذا الطرح البيولوجي بدا في بدايته منافساً لنظرية شوارتز، إلا أنه سرعان ما تحول إلى رافد تكاملي معها؛ حيث تبين أن نظرية شوارتز تمثل التموضع المعرفي والمفاهيمي لتلك التكيفات التطورية، مقدمةً لغة سيكولوجية تترجم البيولوجيا إلى معايير وأهداف واعية تضبط التفاعل البشري الراقي.

12. الإرث الأكاديمي، التأثير المعاصر، وآفاق البحث المستقبلي

12.1 الجوائز والتكريم والمكانة العلمية الدولية

يحتل الأستاذ الدكتور شالوم شوارتز اليوم مكانة رفيعة في تاريخ العلوم النفسية والاجتماعية المعاصرة؛ إذ يُعد بالإجماع مهندس البنية العلمية الحديثة لدراسات القيم، وواحداً من أكثر علماء النفس استشهاداً بأبحاثهم على مستوى العالم في كافة الفروع التخصصية. تجاوزت مؤشرات الاستشهاد العلمي بأعماله (Citations) مئات الآلاف، وفقاً لمؤشرات منصات البيانات الأكاديمية العالمية مثل Google Scholar وWeb of Science وScopus، وظلت أوراقه التأسيسية المنشورة في عامي 1992 و2012 من أكثر المقالات تأثيراً وإحالة في تاريخ مجلات علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع المقارن.

تقديراً لإنجازاته الاستثنائية التي غيرت مجرى البحث في السلوك البشري، حاز شوارتز على أرفع الجوائز الأكاديمية الوطنية والدولية، وكان تتويج هذا التكريم حصوله في عام 2007 على جائزة إسرائيل (Israel Prize) المرموقة في مجال علم النفس والعلوم التربوية، وهي أعلى وسام شرفي أكاديمي يُمنح للعلماء تقديراً لإسهاماتهم التاريخية التي تركت أثراً معرفياً عالمياً لا ينضب.

كما تم انتخابه زميلاً فخرياً ومحاضراً افتتاحياً في كبريات الأكاديميات والجمعيات العلمية في الولايات المتحدة وأوروبا، ونال عضوية الشرف في جمعيات علم النفس عبر الثقافي، والجمعية الأمريكية للعلوم النفسية (APS)، والرابطة الدولية لعلم النفس التطبيقي (IAAP). ومع تجاوزه الثامنة والثمانين من عمره، يواصل شوارتز حضوره العلمي الاستشاري، موجهاً أجيالاً متتالية من الباحثين وعلماء الاجتماع الذين يجدون في نظريته معيناً لا ينضب لفهم التطورات السلوكية للإنسانية في أوقات السلم والأزمات.

12.2 حضور النظرية في استطلاعات الرأي والمسوح الكبرى العالمية

لم يظل إرث شالوم شوارتز حبيس المدرجات الجامعية والدوريات المتخصصة، بل تحول إلى أداة قياس استراتيجية تعتمدها المنظمات الدولية ومراكز الفكر وصناع القرار حول العالم. ويتجلى النجاح المؤسسي الأبرز للنظرية في تبنيها من قبل المسح الاجتماعي الأوروبي (European Social Survey – ESS) منذ دورته التأسيسية الأولى عام 2002. بفضل هذا التبني الرسمي، تم جمع بيانات قيمية معيارية من أكثر من 400,000 مواطن يمثلون عينات ممثلة إحصائياً لعشرات المجتمعات الأوروبية على مدار عشر جولات مسحية متتالية، مما أتاح للعلماء تتبع الديناميكيات الدقيقة للتحولات المعرفية عبر الزمن والجيل.

علاوة على ذلك، استعانت العديد من المنظمات التنموية التابعة لـ البنك الدولي (World Bank)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بأبعاد شوارتز الثقافية والفردية في بناء مؤشرات “التماسك الاجتماعي” (Social Cohesion)، وتحليل مستويات الفساد المؤسسي، ودراسة معوقات التنمية المستدامة، وتقييم قابلية الشعوب لتقبل السياسات الاقتصادية والبيئية الجديدة.

لقد أثبتت مقاييس شوارتز أنها توفر فهماً يتجاوز المؤشرات الاقتصادية الجافة؛ فالنمو الاقتصادي ومستويات الدخل القومي لا تكفي بمفردها لتفسير استقرار المجتمعات أو اندلاع الاضطرابات الاجتماعية، في حين أن رصد التغيرات في مستويات “الأمان والامتثال” مقابل “الاستقلالية والمساواتية” يقدم مؤشرات إنذار مبكر بالغة الدقة حول التحولات الديمقراطية ومخاطر الاستقطاب والانفجار الاجتماعي.

12.3 الاتجاهات المستقبلية في أبحاث القيم الإنسانية

تشهد دراسات القيم الإنسانية اليوم، امتداداً لنظرية شوارتز، آفاقاً بحثية مستقبلية شديدة الإثارة، مدفوعة بالثورة الرقمية الهائلة وتطورات الذكاء الاصطناعي وتقنيات البيانات الضخمة (Big Data). وتتمثل أبرز الاتجاهات المستقبلية الواعدة في:

1. استخراج القيم عبر الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية (NLP):
تجاوز الباحثون مرحلة الاعتماد الحصري على الاستبيانات الورقية التقليدية، وانتقلوا إلى تدريب خوارزميات التعلم الآلي ونماذج اللغات الكبيرة (LLMs) على نظرية شوارتز للقيم؛ وذلك بهدف “استخراج البصمة القيمية” آلياً من مليارات النصوص الرقمية المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، والمداولات البرلمانية، والتغطيات الإخبارية، والمدونات الأدبية. يتيح هذا التطور قراءة آنية وفورية للنبض القيمي للشعوب والجماعات دون الحاجة إلى الانتظار لسنوات لإجراء مسوح ميدانية باهظة التكلفة.

2. ديناميكية التحول القيمي السريع لدى الأجيال الرقمية الناشئة:
يركز الباحثون على دراسة أثر العولمة الرقمية والتواصل الفوري الخوارزمي عبر الفضاء السيبراني على المنظومات القيمية للجيل (Z) والأجيال اللاحقة. وتبحث هذه الدراسات فيما إذا كانت الهواتف الذكية وثقافة الشبكات تعيد رسم البنية الدائرية ذاتها، وهل تفرز أنماطاً هجينة تجمع بين السعي المطلق نحو “الاستقلالية الفردية والفكرية” وبين مستويات غير مسبوقة من القلق النفسي والحاجة إلى “الأمان المجتمعي” في عالم يتسم بالسيولة واللايقين.

3. إعادة ضبط الأولويات القيمية في مواجهة التهديدات الوجودية الكوكبية:
تفرض التحديات الكونية المعاصرة؛ كأزمة التغير المناخي الكارثية، والأوبئة العالمية العابرة للحدود (مثل جائحة كوفيد-19)، وتصاعد الحروب الجيوسياسية واحتمالات الصدام النووي، بيئة ضاغطة تختبر تماسك المنظومات القيمية البشرية. وتتجه الأبحاث الراهنة إلى استكشاف الكيفية التي يمكن بها تفعيل قيم “الكونية” و”التعالي على الذات” على نطاق عالمي جامع، لإقناع الشعوب وصناع القرار بالتنازل عن المصالح الأنانية الضيقة والانخراط في تضامن أممي حقيقي، يؤمن بقاء الحضارة الإنسانية واستدامتها على هذا الكوكب المشترك.

خاتمة

يقف شالوم شوارتز في طليعة العلماء الاستثنائيين الذين نجحوا في تفكيك أحد أكثر الموضوعات الإنسانية تجريداً واستعصاءً على الضبط المعرفي، محولاً مفهوم “القيم” من مجرد تأملات فلسفية ورؤى أدبية انطباعية إلى نسق علمي سيكومتري شديد الصرامة والإحكام الرياضي. لم تقتصر عبقرية شوارتز على ابتكار تعريف جامع مانع للقيمة وخصائصها، بل تجلت في قدرته على اكتشاف “البنية الهندسية الكونية” التي تنتظم داخلها هذه القيم؛ حيث أثبت أن الدوافع البشرية لا تعمل في فراغ عشوائي، بل تتحرك وفق قانون دقيق من التجاذب الدافعي والتنافر البنيوي المتصل الذي يجمع البشر في كل زمان ومكان.

من نموذج تفعيل المعايير الإيثاري، مروراً بنظرية القيم العشر الكلاسيكية وبنيتها الدائرية، وصولاً إلى النموذج المعدل ذي القيم التسع عشرة، والأبعاد الثقافية المجتمعية السبعة، بنى شوارتز صرحاً إبستمولوجياً متكاملاً يتسم بالشمول والمرونة الفائقة. واستطاعت نظريته أن تصمد أمام أعاصير النقد والتحقق الإمبيريقي عبر مئات المجتمعات والثقافات المتباينة، مقدمةً للبشرية مرآة معرفية دقيقة تكشف ما يقدره الإنسان، ولماذا يتصرف بالطريقة التي يتصرف بها في السياسة، والعمل، والمجتمع، والبيئة.

إن إرث شالوم شوارتز، الممتد منذ عام 1936 وحتى حاضرنا المعاش، لا ينتمي فقط إلى الماضي الأكاديمي، بل يشكل ركيزة حيوية للحاضر وأفقاً لا غنى عنه للمستقبل. ففي زمن تتصاعد فيه الاستقطابات الإيديولوجية، وتتعاظم المخاطر الوجودية التي تهدد كوكب الأرض، يظل نموذج شوارتز بوصلة علمية وأخلاقية ترشد الإنسانية نحو فهم أعماق دوافعها، مبرهناً على أنه رغم كل الفروق الثقافية والسياسية الظاهرة، فإننا جميعاً نتقاسم نفس الفضاء القيمي ونتقاطع في نفس التطلعات الوجودية نحو الأمان، والحرية، والعدالة، والتعالي الإنساني المشترك.

المراجع

  • Allport, G. W., Vernon, P. E., & Lindzey, G. (1960). A Study of Values (3rd ed.). Houghton Mifflin.
  • Cieciuch, J., Davidov, E., Vecchione, M., Beierlein, C., & Schwartz, S. H. (2014). The cross-national invariance of the Refined Human Values Theory in 15 countries. Journal of Cross-Cultural Psychology, 45(2), 241–256. https://doi.org/10.1177/0022022113502571
  • Davidov, E., Schmidt, P., & Schwartz, S. H. (2008). Bringing values back in: The adequacy of the European Social Survey to measure values in 20 countries. Public Opinion Quarterly, 72(3), 420–445. https://doi.org/10.1093/poq/nfn035
  • Higgins, E. T. (1997). Beyond pleasure and pain. American Psychologist, 52(12), 1280–1300. https://doi.org/10.1037/0003-066X.52.12.1280
  • Hofstede, G. (2001). Culture’s Consequences: Comparing Values, Behaviors, Institutions, and Organizations Across Nations (2nd ed.). SAGE Publications.
  • Inglehart, R. (1997). Modernization and Postmodernization: Cultural, Economic, and Political Change in 43 Societies. Princeton University Press.
  • Kluckhohn, C. (1951). Values and value-orientations in the theory of action: An exploration in definition and classification. In T. Parsons & E. Shils (Eds.), Toward a General Theory of Action (pp. 388–433). Harvard University Press.
  • Rokeach, M. (1973). The Nature of Human Values. Free Press.
  • Sagiv, L., & Schwartz, S. H. (2000). Value priorities and subjective well-being: Direct relations and congruity effects. European Journal of Social Psychology, 30(2), 177–198. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60358-5
  • Schwartz, S. H. (1992). Universals in the content and structure of values: Theoretical advances and empirical tests in 20 countries. In M. P. Zanna (Ed.), Advances in Experimental Social Psychology (Vol. 25, pp. 1–65). Academic Press. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60281-6
  • Schwartz, S. H. (1994). Are there universal aspects in the structure and contents of human values? Journal of Social Issues, 50(4), 19–45. https://doi.org/10.1111/j.1540-4560.1994.tb01196.x
  • Schwartz, S. H. (1999). A theory of cultural values and some implications for work. Applied Psychology: An International Review, 48(1), 23–47. https://doi.org/10.1111/j.1464-0597.1999.tb00047.x
  • Schwartz, S. H. (2006). A theory of cultural value orientations: Explication and applications. Comparative Sociology, 5(2-3), 137–182. https://doi.org/10.1163/156913306778667357
  • Schwartz, S. H. (2007). Basic human values: An overview. The Hebrew University of Jerusalem. https://www.researchgate.net/publication/228637772
  • Schwartz, S. H. (2010). Basic values: How they influence our perceptions and actions. In Values and Behaviors (pp. 1-22). European Social Survey Education Net.
  • Schwartz, S. H., Caprara, G. V., & Vecchione, M. (2010). Basic personal values, core political values, and voting: A longitudinal analysis. Political Psychology, 31(3), 421–452. https://doi.org/10.1111/j.1467-9221.2010.00764.x
  • Schwartz, S. H., Cieciuch, J., Vecchione, M., Davidov, E., Fischer, R., Beierlein, C., Ramos, A., Verkasalo, M., Lönnqvist, J.-E., Demirutku, K., Dirilen-Gumus, O., & Konty, M. (2012). Refining the theory of basic individual values. Journal of Personality and Social Psychology, 103(4), 663–688. https://doi.org/10.1037/a0029393
  • Schwartz, S. H., Melech, G., Lehmann, A., Burgess, S., Harris, M., & Owens, V. (2001). Extending the cross-cultural validity of the theory of basic human values with a new instrument for measure. Journal of Cross-Cultural Psychology, 32(5), 519–542. https://doi.org/10.1177/0022022101032005001
  • Stern, P. C. (2000). Toward a coherent theory of environmentally significant behavior. Journal of Social Issues, 56(3), 407–424. https://doi.org/10.1111/0022-4537.00175
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات