السيرة
يُمثل السير سيمون بارون كوهين (Simon Baron-Cohen) واحدة من أبرز القامات العلمية التي أعادت تشكيل المشهد المعرفي والسريري لعلم النفس النمائي وعلم الأعصاب الإدراكي خلال العقود الأربعة الماضية. منذ بواكير مسيرته البحثية في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، انبرى بارون كوهين لتفكيك الألغاز المحيطة بحالات التوحد والاضطرابات النمائية العصبية، منتقلاً بالدراسات النفسية من دائرة النظريات التحليلية الكلاسيكية والتخمينات الاجتماعية المجحفة إلى فضاء العلوم المعرفية التجريبية والمقاربات البيولوجية المتعددة التخصصات. لم يقتصر تأثيره على صياغة نماذج نظرية مبتكرة لفهم العقل البشري، بل امتد ليعيد تعريف الحدود الفاصلة بين السواء المرضي والاختلاف الإدراكي، مؤسساً لمفاهيم ثورية وضعت معايير جديدة للبحث العلمي في شتى أصقاع العالم.
تكمن فرادة مشروعه الأكاديمي في قدرته الفائقة على التجسير المنهجي بين مستويات التحليل النفسي الدقيق، والقياس السيكومتري الرصين، والبيولوجيا العصبية الجزيئية والغدد الصماء. فمن خلال نظرياته المؤسسة مثل “عمى العقل” ونظرية “التعاطف-التنظيم” وصولاً إلى فرضية “الدماغ الذكوري المتطرف”، طرح أطراً تفسيرية متماسكة حاولت الجمع بين الملاحظة السريرية والأساس العصبي الحيوي. وفي خضم هذه المسيرة الحافلة، قاد تحولاً نموذجياً (Paradigm Shift) في علم النفس المعاصر؛ إذ انتقل بالتوحد من نموذج العجز المرضي البحت إلى أفق “التنوع العصبي” الذي يحتفي بالتباين البشري، ويفسر في الوقت ذاته كيف أسهمت الأنماط المعرفية المتمايزة في دفع عجلة الابتكار البشري والتقني عبر التاريخ الحضاري الطويل للإنسانية.
تستعرض هذه الدراسة الموسعة والشاملة السيرة الفكرية والعلمية المستمرة للسير سيمون بارون كوهين منذ ولادته عام 1958 وحتى اللحظة الراهنة. ونسعى من خلالها إلى تفكيك مشروعه المعرفي عبر محطاته التاريخية الكبرى، مسلطين الضوء على جذوره التكوينية، وتأسيسه لأحد أهم الصروح البحثية العالمية في جامعة كامبريدج، مع تقديم تحليل نقدي معمق لأبرز نظرياته، وأبحاثه الهرمونية والوراثية، وأدواته السريرية القياسية، والجدل الأكاديمي الحامي الذي أثارته أعماله، وصولاً إلى إسهاماته الحقوقية والسياساتية التي جعلت منه أحد أعظم رواد دراسة العقل البشري في العصر الحديث.
1. النشأة والخلفية الأكاديمية والمسار العلمي المبكر
1.1 البيئة الأسرية والمحطات التعليمية الأولى
ولد سيمون بارون كوهين في الخامس عشر من أغسطس عام 1958 في العاصمة البريطانية لندن، ونشأ ضمن عائلة من الطبقة الوسطى المستنيرة ذات الجذور اليهودية، وهي بيئة تميزت باحتفائها الاستثنائي بالتحصيل العلمي والإنتاج الفكري والثقافي. كان والده فيفيان بارون كوهين ووالدته ماريون بارون كوهين حريصين على غرس روح الاستقصاء والفضول المعرفي لدى أبنائهم؛ مما وفر أرضية خصبة لتفتح مداركه الفكرية في سن مبكرة. نشأ سيمون في محيط أسري عُرف بتنوع اهتماماته ونبوغ أفراده، حيث برز أقاربه في مجالات متعددة شملت الفنون والعلوم، ولعل من أشهرهم ابن عمه الممثل والمؤلف الساخر ساشا بارون كوهين، مما يعكس حيوية المناخ الإبداعي والتعبيري الذي أحاط بهذه العائلة الممتدة عبر أجيالها المتعاقبة.
تلقى بارون كوهين تعليمه الأساسي والثانوي في مدارس مرموقة أتاحت له فرصة التعرف على الآداب والعلوم الطبيعية بأسلوب أكاديمي دقيق، قبل أن يلتحق بجامعة أكسفورد العريقة لدراسة مرحلة البكالوريوس في كلية نيو كوليدج (New College). هناك، انغمس في دراسة العلوم الإنسانية والفلسفة والعلوم الطبيعية، وهي مرحلة محورية صقلت بنيته الذهنية وعلمته التفكير النقدي وتفكيك المفاهيم المعقدة. تميزت سنوات دراسته في أكسفورد باهتمامه المتزايد بطبيعة الوعي الإنساني، وعلاقة الذات بالعالم الخارجي، وكيفية بناء الفرد لنماذج معرفية تفسر سلوك الآخرين. كانت هذه الأسئلة الفلسفية المعقدة بمثابة البذرة الأولى التي نمت لاحقاً لتتحول إلى مشاريع بحثية تجريبية في علم النفس.
عقب إتمام دراسته في أكسفورد، شعر بارون كوهين بأن الفلسفة النظرية وحدها لا تكفي للإجابة عن الأسئلة الملموسة حول السلوك البشري والمعاناة النفسية؛ الأمر الذي دفعه إلى التحول المباشر نحو علم النفس التجريبي والعيادي. انتقل إثر ذلك إلى جامعة لندن، حيث حصل على درجة دبلوم متقدمة وماجستير في علم النفس الإكلينيكي من معهد الطب النفسي التابع لجامعة لندن (المعروف اليوم بمعهد الطب النفسي وعلم الأعصاب وعلم النفس في كينجز كوليدج لندن). شكل هذا الانتقال الجغرافي والأكاديمي نقطة انعطاف حاسمة في حياته المهنية؛ حيث وفر له المعهد احتكاكاً مباشراً بالمرضى، وخبرة عملية في القياس النفسي، والتقى هناك بأبرز العقول التي كانت تقود ثورة علم النفس المعرفي في أوروبا آنذاك.
1.2 التدريب البحثي والتأثر برواد علم النفس المعرفي
انخرط بارون كوهين خلال مرحلة تدريبه البحثي في “وحدة التطور الإدراكي” (Cognitive Development Unit) التابعة لمجلس الأبحاث الطبية (MRC) في لندن، وهي الوحدة التي كانت تعد المركز الأكثر إشعاعاً في العالم لأبحاث التطور النفسي المعرفي. عمل بارون كوهين تحت الإشراف المباشر للعالمة البريطانية-الألمانية البارزة الدكتورة أوتا فريث (Uta Frith)، التي كانت تُعتبر آنذاك رائدة الدراسات المعرفية للتوحد وعسر القراءة. وفرت فريث لبارون كوهين البيئة الأكاديمية الصارمة والمنهجية العلمية التجريبية الدقيقة التي يحتاجها طالب دراسات عليا طموح، كما وجهته نحو تجاوز المقاربات السلوكية التقليدية التي كانت تعامل التوحد كمجرد مجموعة من السلوكيات الظاهرية المعزولة عن العمليات العقلية الداخلية.
تأثر بارون كوهين بعمق خلال هذه المرحلة بأعمال المنظر والباحث البريطاني الشهير جون بولبي (John Bowlby) ونظريته الثورية في التعلق الإنساني والنمو الانفعالي، والتي كانت تدرس في معهد تافيستوك بلندن. على الرغم من أن بولبي ركز على العلاقات المبكرة بين الرضيع ومقدمي الرعاية وتأثيرها على الصحة النفسية، إلا أن بارون كوهين استلهم من هذا الإطار أهمية العلاقات البيولوجية والنفسية البينية، متسائلاً عن الكيفية التي يعجز بها بعض الأطفال، لأسباب بيولوجية عصبية، عن تكوين هذه الجسور العاطفية والتواصلية، ليس بسبب برود الوالدين كما كانت تدعي نظرية “الأم الثلاجة” الجائرة، بل نتيجة خلل أصيل في البنية الإدراكية العصبية للطفل ذاته.
قاد هذا التدريب المكثف بارون كوهين إلى صياغة تساؤلات إبستمولوجية جوهرية لم تكن مألوفة في أروقة علم النفس النمائي التقليدي. تركزت هذه التساؤلات حول الكيفية التي يتوصل بها العقل البشري النامي إلى فهم أن الكائنات الأخرى تمتلك أيضاً عقولاً، وأن هذه العقول تشتمل على مشاعر، ونوايا، ومعتقدات، ورغبات قد تختلف جذرياً عما يشعر به هو أو يراه. هل هذه القدرة مكتسبة عبر التعلم السلوكي المحض، أم أنها تمثل نظاماً فطرياً قابلاً للنمو في الدماغ البشري يتعرض لعطل بنيوي لدى بعض الفئات؟ وضعت هذه التساؤلات اللبنات التأسيسية التي مهدت لصياغة مشروعه الأكاديمي الموسوم بدراسة الإدراك الاجتماعي لدى الأطفال، وجعلت منه أحد أكثر الباحثين الشباب وعداً في حقله العلمي.
1.3 الحصول على الدكتوراه وبداية التخصص في التوحد
في عام 1985، تكللت جهود بارون كوهين البحثية بالحصول على درجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة لندن، بعد أن قدم أطروحة تأسيسية تاريخية غيرت مسار الأبحاث المتعلقة بالتوحد لعقود تالية. تركزت أطروحته على فحص الإدراك الاجتماعي وحالات التفكير لدى الأطفال ذوي التوحد، حيث سعى من خلالها إلى الإجابة عن السؤال المحير: ما هو العجز النفسي المعرفي المركزي الذي يفسر الانعزال الاجتماعي التام وصعوبات التواصل المعقدة التي تظهر على الأفراد التوحديين؟ اعتمدت الأطروحة على المنهج التجريبي الصارم المرتكز على مقارنة المجموعات السريرية بمجموعات ضابطة، وهو أسلوب أثبت جدارته في عزل المتغيرات بدقة علمية بالغة.
خلال فترة إعداد الأطروحة، دخل بارون كوهين في تعاون بحثي استثنائي ومثمر مع الدكتورة أوتا فريث وعالم النفس المعرفي الأمريكي آلان إم. ليزلي (Alan M. Leslie). أثمر هذا الثالوث العلمي عن نشر ورقة بحثية رائدة في مجلة Cognition عام 1985 بعنوان: “هل يمتلك الطفل التوحدي نظرية عقل؟” (Does the autistic child have a ‘theory of mind’?). حظيت هذه الورقة بأهمية تاريخية كبرى، واعتُبرت بمثابة الإعلان الرسمي عن ولادة نموذج علم النفس المعرفي للتوحد؛ حيث استطاعت للمرة الأولى نقل التركيز من دراسة صعوبات اللغة العامة أو انخفاض معدل الذكاء إلى دراسة “نظام معرفي محدد” مسؤول عن قراءة النوايا والحالات الذهنية.
رسخ هذا النجاح المبكر مكانة بارون كوهين كواحد من المتخصصين الاستثنائيين في علم النفس التنموي المعرفي. وبدلاً من الاكتفاء بالنتائج التي توصل إليها في رسالة الدكتوراه، اتخذ قراراً استراتيجياً بتكريس مسيرته المهنية بكاملها لدراسة اضطرابات التطور الاجتماعي، والتركيز على طيف التوحد بصفته النموذج الأوضح الذي يمكن من خلاله سبر أغوار الطبيعة البشرية والإدراك الاجتماعي. أثبتت أطروحته أن الأطفال التوحديين لا يفتقرون بالضرورة إلى القدرات المنطقية أو المكانية، بل يعانون من انقطاع محدد في القدرة على إدراك الواقع الداخلي للآخرين، وهو ما مهد الطريق لمرحلة لاحقة من البحث قادته إلى قمم المؤسسات الأكاديمية العالمية.
2. تأسيس وإدارة مركز أبحاث التوحد في جامعة كامبريدج
2.1 إنشاء المركز والرؤية الاستراتيجية للبحث العلمي
في تسعينيات القرن العشرين، وبعد تنقله بين عدة مناصب أكاديمية في جامعة لندن وجامعة كامبريدج، أدرك بارون كوهين أن البحوث المتفرقة في علم النفس التجريبي لم تعد قادرة وحدها على الإحاطة بالطبيعة الشاملة والمعقدة لاضطراب طيف التوحد. كانت الرؤية السائدة تتعامل مع التوحد إما كاضطراب نفسي سلوكي أو كخلل عصبي غامض دون وجود جسور تواصل بين هذه المجالات. وانطلاقاً من هذه القناعة، أسس بارون كوهين في عام 1999 مركز أبحاث التوحد (Autism Research Centre – ARC) التابع لقسم الطب النفسي في جامعة كامبريدج المرموقة، وتولى إدارته منذ نشأته ليحوله إلى واحد من أعظم المراكز البحثية المتخصصة على الصعيد العالمي.
قامت الرؤية الاستراتيجية للمركز على مبدأ التكامل المعرفي الصارم بين العلوم النفسية، وعلم الأعصاب السلوكي، والغدد الصماء، والعلوم الجزيئية وعلم الوراثة. وضع بارون كوهين نصب عينيه هدفين استراتيجيين متوازيين: أولهما تفكيك الآليات البيولوجية والمعرفية المسببة لطيف التوحد من خلال أبحاث أصيلة تعتمد على الأدلة والبراهين، وثانيهما ترجمة هذه المعرفة العلمية المتقدمة إلى أدوات فحص وتشخيص مبكر وبرامج تدخل وتدريب تسهم في تحسين جودة حياة الأفراد التوحديين وأسرهم في المجتمع.
نجح بارون كوهين بفضل سمعته العلمية المتنامية وقوة مقترحاته البحثية في استقطاب تمويلات ومنح ضخمة من كبرى المنظمات والجهات المانحة، مثل مجلس الأبحاث الطبية البريطاني (MRC)، ومؤسسة ويلكم ترست (Wellcome Trust)، ومنظمة أبحاث التوحد (Autistica)، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي والجهات الحكومية والخيرية العالمية. سمحت هذه الموارد المالية والبنى التحتية المتطورة للمركز بتدشين دراسات طولية استمرت لعقود، وشملت متابعة آلاف الأمهات وأطفالهن منذ مراحل الحمل المبكرة وحتى سن الرشد؛ مما جعل كامبريدج البوصلة العالمية الأولى للمشتغلين بعلم النفس النمائي العصبي.
2.2 المنهجية العلمية متعددة التخصصات في المركز
اعتمد مركز أبحاث التوحد تحت إشراف بارون كوهين منهجية ثورية متعددة التخصصات ترفض الانعزال المعرفي التقليدي للأقسام الأكاديمية. فقد صمم المركز بروتوكولات بحثية تربط بشكل عضوي بين القياس النفسي السريري، باستخدام أدوات استبيانية دقيقة ومبتكرة، والتصوير الدماغي المتقدم مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والتصوير المقطعي الهيكلي (Structural MRI). مكنت هذه التقنيات الباحثين من مراقبة نشاط الدماغ البشري أثناء معالجة الوجوه، واستيعاب المشاعر، وفك شفرات التعابير الحركية بدقة متناهية لا يمكن للأدوات السلوكية وحدها رصدها.
إلى جانب التصوير الدماغي، أدخل المركز أبحاث الغدد الصماء والتحليلات البيوكيميائية في صلب دراساته؛ حيث تميز المركز بأبحاثه المعمقة على الهرمونات الجنينية وتأثيرها على نمو الجهاز العصبي المركزي. ولم تقتصر الدراسات على المختبرات البيولوجية، بل امتدت لتشمل بناء نماذج خوارزمية وحوسبية بالتعاون مع أقسام علوم الحاسوب والرياضيات في كامبريدج، لتحليل البيانات الضخمة الناتجة عن تتبع حركات العين (Eye-Tracking) عند مشاهدة المشاهد الاجتماعية، وتحليل استجابات التوصيل الجلدي والمؤشرات الفسيولوجية للاستثارة الذاتية.
أحد الإنجازات الاستراتيجية الفارقة للمركز تمثل في بناء وتطوير أكبر قاعدة بيانات بحثية منسقة للأفراد التوحديين وعائلاتهم في بريطانيا، عُرفت باسم Autism Research Database. تضم هذه المنظومة مئات الآلاف من المتطوعين من مختلف الفئات العمرية الذين يشاركون بانتظام في الدراسات السريرية، والاختبارات عبر الإنترنت، والفحوصات الجينية، والتصويرية. أتاحت هذه البنية التحتية للمركز فحص الفروق الدقيقة داخل طيف التوحد ذاته، وتجنب التعميمات الخاطئة الناتجة عن عينات البحث الصغيرة التي عانت منها أبحاث علم النفس الكلاسيكية في الماضي.
2.3 الريادة الأكاديمية وتخريج أجيال من الباحثين
تحول مركز أبحاث التوحد تحت قيادة بارون كوهين على مدار ما يقارب ثلاثة عقود إلى حاضنة عالمية رائدة لتخريج نخبة من كبار العلماء والباحثين في مجالات علم النفس العصبي والطب النفسي. أشرف بارون كوهين شخصياً على عشرات أطروحات الدكتوراه وأبحاث ما بعد الدكتوراه، حيث تتلمذ على يديه باحثون يشغلون اليوم مقاعد الأستاذية ويديرون مختبرات علمية مرموقة في جامعات هارفارد، وكينجز كوليدج لندن، وجامعة أكسفورد، ومعهد كارولينسكا، وجامعات آسيوية وأسترالية بارزة. تميزت مدرسته الأكاديمية بغرس التواضع العلمي، والصرامة التجريبية، والالتزام الأخلاقي الصارم بحقوق المشاركين في الأبحاث.
تمخضت هذه الريادة الأكاديمية عن نشر مئات الأوراق العلمية المحكمة في أرفع الدوريات العالمية المتخصصة، بما في ذلك مجلات Nature، وThe Lancet، وScience، وMolecular Psychiatry، وBrain. وقد شكلت هذه الأبحاث حجر الزاوية في مراجعة الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) في نسختيه الرابعة والخامسة، والدليل الدولي للأمراض (ICD)، حيث اعتمدت اللجان الدولية المتخصصة على المعايير التجريبية والأدوات التشخيصية المنبثقة من أبحاث مختبر كامبريدج.
إن ترسيخ مكانة كامبريدج كمركز عالمي متقدم في دراسة التنوع الإدراكي لم يقتصر على الإنتاج المعرفي الصرف، بل ترافق مع إطلاق شراكات دولية قادها المركز في مختلف قارات العالم لتنسيق وتوحيد معايير القياس السريري. استطاع بارون كوهين جعل المركز منبراً للدفاع عن التنوع البشري، مستضيفاً المؤتمرات الدولية الرائدة التي جمعت العلماء والسريريين إلى جانب الناشطين التوحديين وأسرهم، مما كسر الهوة العميقة بين النظرية الأكاديمية والواقع المعاش للأفراد، وأسس لمفهوم جديد لأخلاقيات البحث العلمي التعاوني.
3. نظرية العقل وفرضية عمى العقل في التوحد
3.1 تأصيل مفهوم نظرية العقل (Theory of Mind)
تُعرّف نظرية العقل (Theory of Mind – ToM) في علم النفس المعرفي بأنها القدرة العقلية المتطورة التي تمكّن الفرد البشري من إسناد ونسب الحالات الذهنية الداخلية—مثل المعتقدات، والرغبات، والنوايا، والمشاعر، والمعارف—إلى الذات وإلى الآخرين على حد سواء. يُطلق عليها مصطلح “نظرية” تحديداً لأن العقل لا يمكنه رؤية أو لمس الحالات الذهنية للآخرين بشكل مباشر؛ وبالتالي، فإن الإنسان يكوّن “نظرية تفسيرية” مجردة وغير مرئية للتنبؤ بسلوكيات الكائنات المحيطة به وتفسير ردود أفعالها. وبفضل هذه الآلية، نحن نعلم تلقائياً أن شخصاً ما قد يبتسم ليس لأنه مسرور بالضرورة، بل ربما لكي يخفي حزناً أو يتصنع المجاملة.
يتخذ التطور النمائي الطبيعي لهذه القدرة مساراً تصاعدياً مدهشاً في مرحلة الطفولة المبكرة. فبينما يكتفي الرضيع في أشهره الأولى بإدراك المثيرات الحسية المباشرة، يبدأ في نهاية عامه الأول في تطوير مهارات “الانتباه المشترك” (Joint Attention)، حيث ينظر إلى الشيء الذي يشير إليه والداه. وبحلول العامين الثاني والثالث، يصبح الطفل قادراً على تمييز التظاهر في اللعب والتفريق بين الحقيقة والخيال. أما القفزة النوعية الكبرى فتتحقق حول سن الرابعة؛ حيث يكتمل تشكل النظام الإدراكي الذي يتيح للطفل إدراك أن الآخرين قد يحملون أفكاراً ومعتقدات مختلفة عن أفكاره، بل ويمكن أن يحملوا “معتقدات خاطئة” عن الواقع الملموس.
سلط بارون كوهين الضوء على الفارق الجذري والعميق بين إدراك العالم الفيزيائي المادي وإدراك العالم الاجتماعي. فالعالم الفيزيائي يخضع لقوانين ميكانيكية وسببية حتمية (إذا سقطت الكرة فإنها تتدحرج على الأرض)، وهو نمط من الإدراك يسهل على معظم الأطفال والبالغين استيعابه. أما العالم الاجتماعي، فيخضع لقوانين سيكولوجية معقدة، وغير خطية، ومتغيرة باستمرار، تفرض على العقل تشغيل محرك استدلالي اجتماعي متخصص يربط بين حركة الجسد ونوايا العقل الخفية. هذا التمايز هو جوهر الميدان الذي ركز عليه بارون كوهين لبناء فهم علمي للتباينات الإدراكية لدى البشر.
3.2 اختبار سالي-آن والبرهان التجريبي
في عام 1985، صاغ بارون كوهين، بالتعاون مع آلان ليزلي وأوتا فريث، واحداً من أشهر التصاميم التجريبية في تاريخ علم النفس التطوري بأكمله: “مهمة سالي-آن” (The Sally-Anne Task)، والتي هدفت لاختبار فرضية الاعتقاد الخاطئ (False-Belief Task). تضمنت التجربة تقديم مشهد تمثيلي للطفل باستخدام دميتين: “سالي” و”آن”. تضع سالي كرتها الزجاجية داخل سلتها الخاصة، ثم تغادر الغرفة للمشي. أثناء غيابها، تقوم آن بنقل الكرة من سلة سالي وتضعها في صندوقها الخاص دون علم سالي. تعود سالي بعد ذلك إلى الغرفة، ويُطرح السؤال الحاسم على الطفل المفحوص: “أين ستبحث سالي عن كرتها؟”
للإجابة عن هذا السؤال بشكل صحيح، يجب على الطفل أن يفصل بين ما يعرفه هو شخصياً (وهو أن الكرة في صندوق آن) وبين ما تعتقده سالي (وهو أن الكرة لا تزال في سلتها حيث تركتها). يتطلب هذا الفصل تجريداً معرفياً وتطبيقاً لنظرية العقل. أظهرت النتائج التجريبية المقارنة أن 85% من الأطفال النمطيين في سن الرابعة فما فوق أجابوا بشكل صحيح وأشاروا إلى سلة سالي. وبالمثل، استطاع 86% من الأطفال المصابين بمتلازمة داون (الذين يمتلكون عمراً عقلياً مساوياً لأربعة أعوام رغم إعاقتهم الفكرية العامة) النجاح في المهمة والإشارة إلى سلة سالي.
في المقابل، كانت المفاجأة العلمية المدوية أن 80% من الأطفال ذوي التوحد—رغم امتلاكهم لمعدلات ذكاء عامة مكافئة أو حتى متفوقة في المقاييس غير اللفظية—فشلوا تماماً في الاختبار وأشاروا إلى “صندوق آن” حيث توجد الكرة فعلياً. أثبتت هذه التجربة الأيقونية بطريقة قاطعة أن عجز التوحد ليس ناتجاً عن تخلف عقلي عام أو صعوبة في تذكر الأحداث، بل يعود إلى عجز معرفي انتقائي ومتخصص يمنعهم من استحضار الحالات العقلية والمعتقدات الخاطئة لدى الآخرين، وهو ما فتح آفاقاً علمية جديدة تماماً في تشخيص وتفسير التوحد وسيكولوجيته.
3.3 أطروحة عمى العقل (Mindblindness) وأبعادها السريرية
تُوِّجت هذه الأبحاث التجريبية في عام 1995 بإصدار بارون كوهين لكتابه الفارق والمؤثر “عمى العقل: مقال حول التوحد ونظرية العقل” (Mindblindness: An Essay on Autism and Theory of Mind) الصادر عن دار نشر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Press). صاغ المؤلف في هذا الكتاب مصطلح “عمى العقل” (Mindblindness) كمصطلح علمي واستعاري يصف حالة العجز الجزئي أو الكلي عن إدراك، وقراءة، وتوقع الحالات العقلية والمشاعر لدى الكائنات البشرية الأخرى. يصف بارون كوهين العيش مع عمى العقل بأنه يشبه التواجد في عالم تتحرك فيه كائنات تصدر أصواتاً وحركات جسدية غامضة وعشوائية تماماً دون وجود أي دليل داخلي يفسر دوافعها وسلوكياتها.
اقترح بارون كوهين في الكتاب نموذجاً تطورياً ومعرفياً يتكون من أربع آليات عقلية متتالية مسؤولة عن قراءة العقول:
- مكتشف النوايا (Intentionality Detector – ID): وهو نظام يفسر المثيرات الحركية ذاتية الحركة ككائنات تمتلك رغبات ونوايا أولية (مثل الاقتراب أو الابتعاد).
- مكتشف اتجاه العينين (Eye-Direction Detector – EDD): وهو نظام يستجيب للعيون ويفسر اتجاه النظرة لمعرفة ما يراه الكائن الآخر.
- آلية مشاركة الانتباه (Shared Attention Mechanism – SAM): وهي الآلية التي تبني علاقات ثلاثية بين الذات والشخص الآخر والشيء الخارجي (“أنا وأنت نرى نفس الشيء”).
- آلية نظرية العقل (Theory of Mind Mechanism – ToMM): وهي النظام الأعلى الذي يدمج كل المعارف السابقة لبناء منظومة متكاملة من المعتقدات والرغبات المعقدة.
أكدت الأطروحة أن الخلل في طيف التوحد يضرب تحديداً آليتي مشاركة الانتباه ونظرية العقل؛ مما يولد تداعيات سريرية واسعة النطاق تمس الحياة اليومية للفرد. فهذا العجز يفسر بشكل منهجي غياب التواصل البصري التلقائي، والافتقار إلى اللعب التخيلي والرمزي، والصعوبة البالغة في فهم المجازات اللغوية، والسخرية، والنكات، والأكاذيب البيضاء. كما يفسر لماذا يعاني الأفراد التوحديون من صدمات نفسية واجتماعية متكررة في تفاعلاتهم اليومية؛ إذ يجدون أنفسهم مضطرين لاستخدام التحليل المنطقي الواعي لفك شفرات السلوك البشري التي يحللها الأشخاص النمطيون عصبياً بلمح البصر وبشكل لاواعٍ وتلقائي تماماً.
4. نظرية التعاطف والتنظيم في تفسير الفروق الفردية
4.1 تفكيك مفهوم التعاطف (Empathizing)
مع بداية الألفية الجديدة، اتضح لبارون كوهين أن فرضية “عمى العقل” وحدها غير كافية لتقديم صورة كاملة عن التوحد؛ إذ ركزت النظرية فقط على جوانب القصور وتجاهلت مواطن القوة الاستثنائية التي يتمتع بها العديد من الأفراد التوحديين، مثل القدرة الخارقة على تذكر التفاصيل، والمهام الهندسية، وفهم الأنظمة المعقدة. دفع هذا التأمل بارون كوهين إلى تطوير نموذج ثنائي أكثر شمولاً واتساعاً يُعرف بـ نظرية التعاطف-التنظيم (Empathizing–Systemizing Theory – E-S) لتفسير الفروق الفردية بين البشر بشكل عام، وإعادة صياغة التوحد بشكل خاص.
فكك بارون كوهين مفهوم التعاطف (Empathizing) إلى بعدين جوهريين متمايزين من الناحية العصبية والنفسية:
- التعاطف المعرفي (Cognitive Empathy): وهو الشق المماثل لنظرية العقل، ويتمثل في القدرة الإدراكية على فهم واستيعاب وتقدير وجهة نظر شخص آخر، وقراءة مشاعره وحالته الذهنية من خلال سياق الحديث، وتعابير الوجه، ولغة الجسد بدقة وتجريد.
- التعاطف الوجداني أو الانفعالي (Affective Empathy): ويتمثل في الاستجابة العاطفية المناسبة والملائمة لحالة الشخص الآخر ومشاعره، مثل الشعور بالألم أو التعاطف عندما نرى شخصاً يبكي أو يتألم، والدافع الداخلي لمواساته ومساعدته.
ولتأسيس أرضية قياسية رصينة لهذا المفهوم، قام بارون كوهين وفريقه في عام 2004 بتصميم وبناء أداة قياس دقيقة أطلقوا عليها اسم مقياس حاصل التعاطف (Empathy Quotient – EQ). يتكون هذا المقياس من 60 عبارة مصممة لاستكشاف الاستجابات الاجتماعية والانفعالية في الحياة الواقعية دون الاعتماد على لغة معقدة. أظهرت الدراسات المسحية واسعة النطاق التي أجريت باستخدام هذا المقياس على عشرات الآلاف من الأفراد أن البشر يتوزعون على منحنى جرسي طبيعي في قدراتهم التعاطفية، مع وجود فروق إحصائية تظهر ميلاً أعلى لدى الإناث في المتوسط مقارنة بالذكور في درجات التعاطف الإجمالي.
4.2 بنية محرك التنظيم (Systemizing)
في الشق المقابل للتعاطف، صاغ بارون كوهين مفهوماً علمياً ثورياً ومبتكراً أسماه التنظيم (Systemizing). يُعرَّف التنظيم بأنه الدافع والقدرة الإدراكية على تحليل القواعد المحددة، وبناء الأنظمة والتنبؤ بسلوكها والتحكم بها، وفهم القوانين الضابطة والمحركة للمدخلات والعمليات والمخرجات. إذا كان التعاطف هو المحرك المخصص لفهم العالم الاجتماعي المتغير والغامض، فإن التنظيم هو المحرك المخصص لفهم العالم غير الاجتماعي القائم على القوانين الحتمية والأنماط الثابتة والمتكررة التي يمكن استنتاجها والتنبؤ بها بصورة قطعية.
حدد بارون كوهين ستة أشكال رئيسية للأنظمة التي يسعى العقل المنظم إلى فهمها والتعامل معها وتصنيفها:
- الأنظمة التقنية والميكانيكية: مثل المحركات، والأجهزة الإلكترونية، والآلات، وتفكيك الأدوات وإعادة تركيبها.
- الأنظمة الطبيعية: مثل خرائط الطقس، وعلم النبات، والجيولوجيا، والأفلاك، وحركة المد والجزر.
- الأنظمة المجردة: مثل الرياضيات، واللغات وقواعدها النحوية، والبرمجة الحاسوبية، والمنطق، والسلالم الموسيقية.
- الأنظمة التصنيفية: مثل جمع الطوابع، وفهرسة الكتب، وترتيب السجلات، وتصنيف السلالات الحيوانية.
- الأنظمة المكانية: مثل قراءة الخرائط الجغرافية ثلاثية الأبعاد، والملاحة وتخطيط المدن والمسارات.
- الأنظمة الاجتماعية المنظمة: مثل القوانين الدستورية، وقواعد لعبة الشطرنج، والهياكل التنظيمية للشركات.
ولقياس هذا المحرك الذهني بدقة تجريبية، طور بارون كوهين وزملاؤه مقياس حاصل التنظيم (Systemizing Quotient – SQ) ومراجعته اللاحقة (SQ-R). يقيس هذا الاختبار شغف الفرد واهتمامه بكيفية عمل الأشياء، وفهمه للأنظمة التكرارية، ودقة ملاحظته للأخطاء والتناقضات الطفيفة في البنى الهيكلية. أثبتت نتائج الاختبار أن الأفراد التوحديين يسجلون في العادة درجات مرتفعة واستثنائية في مقياس التنظيم، مما أظهر أن سماتهم ليست نقصاً محضاً بل هي تعبير عن تفوق واضح في معالجة التفاصيل الدقيقة والقواعد الصارمة والمنطقية.
4.3 النماذج الدماغية المعرفية الخمسة
دمج بارون كوهين هذين البعدين (التعاطف والتنظيم) في نموذج كارتيزي متماسك ينبثق منه تصنيف العقول البشرية إلى خمسة أنماط أو نماذج دماغية معرفية رئيسية، بناءً على الفوارق النسبية بين درجتي (E) و(S)، على النحو التالي:
- النمط E (الدماغ التعاطفي): وفيه تكون قدرة الفرد على التعاطف متفوقة بوضوح على قدرته على التنظيم (E > S). يميل أصحاب هذا النمط إلى الاهتمام العميق بالعلاقات الإنسانية والاتصال الوجداني وقراءة مشاعر الآخرين بدقة فائقة، بينما قد يجدون صعوبة أو مللاً في التفاعل مع الأنظمة الميكانيكية المعقدة أو الرياضيات الجافة.
- النمط S (الدماغ المنظم): وفيه تتفوق قدرة التنظيم بشكل بارز على التعاطف (S > E). يبرع أصحاب هذا النمط في الهندسة والبرمجة والفيزياء وتحليل البيانات وتفكيك المشكلات المعقدة إلى عناصرها الأولية، بينما يجدون المواقف الاجتماعية المفتوحة وغير المتوقعة مربكة ومرهقة عصبياً.
- النمط B (الدماغ المتوازن): ويمثل الأفراد الذين تتوازن لديهم قدرات التعاطف والتنظيم بمستويات متقاربة (E ≈ S)؛ حيث يتمتعون بكفاءة متكافئة في فهم الناس والأنظمة على حد سواء.
- النمط المتطرف E: وفيه يصل التعاطف إلى ذروته بينما يتدنى التنظيم إلى مستويات دنيا غير معتادة؛ مما يجعل الشخص شديد الحساسية الانفعالية المفرطة مع صعوبة ملحوظة في معالجة الأنظمة والقواعد الشكلية والمنطقية.
- النمط المتطرف S: وفيه تكون قدرات التنظيم متفوقة واستثنائية إلى أبعد الحدود، بينما تكون قدرات التعاطف المعرفي منخفضة جداً أو منعدمة تقريباً.
شكّل هذا التصنيف الخماسي قفزة نوعية في فهم التوحد، حيث أعاد بارون كوهين تأطير طيف التوحد بوصفه تجسيداً كلاسيكياً لـ “النمط المتطرف S” من الدماغ البشري. بموجب هذا التأطير، لم يعد التوحد اضطراباً مدفوعاً بمرض أو تلف دماغي غير مفهوم، بل أصبح ملفاً إدراكياً فريداً ومتمايزاً؛ فهو يجمع بين موطن ضعف حقيقي في التعاطف المعرفي وموطن قوة استثنائي في التنظيم والبحث عن القوانين الثابتة. أضفى هذا التحليل بعداً إنسانياً وتطويرياً بالغ الأهمية؛ إذ أبرز كيف يمكن للأفراد ذوي هذا النمط أن يقدموا إسهامات حضارية كبرى عبر تفوقهم الحرفي في تحليل الأنظمة المجردة والتقنية المعقدة.
5. فرضية الدماغ الذكوري المتطرف في التوحد
5.1 الأسس البيولوجية والنفسية للفرضية
في عام 2002، نشر سيمون بارون كوهين واحدة من أكثر أطروحاته إثارة للجدل والنقاش العلمي في تاريخ علم النفس العصبي، وهي فرضية الدماغ الذكوري المتطرف (The Extreme Male Brain Theory of Autism – EMB). انطلقت الفرضية من رصد إحصائي تجريبي متكرر في دراسات علم النفس التطوري؛ مفاده أن الذكور النمطيين يميلون في المتوسط إلى تسجيل درجات أعلى في مقاييس التنظيم (النمط S)، بينما تسجل الإناث النميطات في المتوسط درجات أعلى في مقاييس التعاطف (النمط E). وبناءً على ذلك، اقترح بارون كوهين تعريف “الدماغ الذكوري” نفسياً وإدراكياً بأنه ذلك الدماغ الذي يمتلك فيه التنظيم أفضلية على التعاطف، بغض النظر عن جنس الشخص البيولوجي.
تتمثل الفكرة الجوهرية للفرضية في أن السمات السلوكية والمعرفية المرتبطة باضطراب طيف التوحد تمثل “تضخيماً وتكثيفاً وتطرفاً” للملامح المعرفية الذكورية النمطية. أي أن الفرد التوحدي يحمل نسخة بالغة الحدة والتطرف من نمط المعالجة المنطقي والتنظيمي، مصحوبة بانخفاض شديد في نمط المعالجة الاجتماعية والتعاطفية. وبالتالي، فإن التوحد ليس ظاهرة غريبة كلياً عن الطبيعة البشرية، بل يقع في أقصى الامتداد الخطي لنفس الفروق المعرفية الملاحظة بين الجنسين في عموم المجتمع البشري.
قدمت هذه الفرضية تفسيراً بيولوجياً ونفسياً محتملاً لواحدة من أكثر الظواهر السريرية استعصاءً على التفسير في تاريخ الطب النفسي، وهي عدم التوازن الجندري الصارخ في معدلات تشخيص التوحد؛ حيث تبلغ نسبة انتشار التوحد بين الذكور والإناث تاريخياً حوالي 4 إلى 1 في الحالات العامة، وترتفع إلى أكثر من 8 أو 10 إلى 1 في حالات التوحد عالي الأداء وما كان يُعرف بمتلازمة أسبرجر. جادل بارون كوهين بأن هذه النسبة ليست مجرد انحياز تشخيصي، بل تعكس أساساً بيولوجياً عميقاً يجعل المسارات العصبية الذكورية أكثر عرضة وقابلية للوصول إلى هذا النمط المعرفي المتطرف.
5.2 التمايز العصبي والمعرفي في الفرضية
لتأكيد وجاهة فرضية الدماغ الذكوري المتطرف، أجرى بارون كوهين وفريقه سلسلة واسعة من التجارب المعرفية والتصويرية التي قارنت أداء أربع مجموعات: ذكور نمطيين، إناث نمطيات، رجال توحديين، ونساء توحديات. أظهرت هذه الدراسات نمطاً متسقاً للغاية؛ حيث وُجد أن الأفراد التوحديين (ذكوراً وإناثاً على حد سواء) يظهرون استجابات معرفية تفوق تلك التي يظهرها الذكور النمطيون في المهام التي يتفوق فيها الذكور تقليدياً على الإناث، ويظهرون أدنى مستويات الأداء في المهام التي تتفوق فيها الإناث تقليدياً على الذكور.
تضمن هذا التمايز المعرفي عدداً من الميادين المحددة بدقة:
- معالجة التفاصيل الدقيقة مقابل السياق الكلي: يتفوق الذكور التوحديون والنمطيون على الإناث في اختبار الأشكال المضمنة (Embedded Figures Test)، والذي يتطلب العثور على أشكال هندسية صغيرة مخبأة داخل رسم معقد. سجل الأفراد التوحديون سرعة ودقة غير مسبوقة في هذا الاختبار، مما يعكس معالجة إدراكية تركز على التفاصيل الدقيقة (Local Processing) على حساب السياق الكلي (Global Processing).
- التدوير الذهني والملاحة المكانية: أظهر التوحديون أداءً يطابق أو يتفوق على أداء الذكور النمطيين في اختبارات التدوير الذهني ثلاثي الأبعاد للأجسام، وهي مهارة تسيطر عليها مستويات التيستوستيرون وتعتبر مؤشراً كلاسيكياً على التمايز المعرفي الجنسي.
- الاستجابة للمثيرات: بينت اختبارات تتبع العين أن أدمغة التوحديين، مثلها مثل أدمغة الذكور النمطيين ولكن بدرجة أشد، تنجذب بقوة نحو المثيرات الميكانيكية، والأرقام، والأنماط الهندسية، والخطوط، مقارنة بالمثيرات الانفعالية، والوجوه البشرية، والعيون الحية التي تفضلها الإناث النميطات منذ الشهور الأولى للحياة.
أما على الصعيد التشريحي والوظيفي للدماغ، فقد أشارت أبحاث التصوير بالرنين المغناطيسي إلى أن التوحديين يمتلكون في الطفولة المبكرة نمواً متسارعاً وحجماً كلياً للدماغ أكبر من المتوسط، وهو اتجاه يشبه الفروق التشريحية النمطية بين الذكور والإناث ولكن بشكل مضاعف. كما رصدت الدراسات نمطاً غير نمطي في تطور اللوزة الدماغية (Amygdala) ونقصاً في حجم الجسم الثفني (Corpus Callosum)، مما يشير إلى زيادة في الروابط العصبية الموضعية القصيرة داخل الفصوص الدماغية، على حساب الروابط التكاملية الطويلة المدى بين نصفي الكرة المخية، وهو النمط العصبي البنيوي الذي يفصل في رأي بارون كوهين بين معالجة الأنظمة وتكامل التعاطف.
5.3 دراسة التوحد المقنع لدى الإناث
قادت فرضية الدماغ الذكوري المتطرف بارون كوهين إلى إدراك أحد أخطر الثغرات التشخيصية في الطب النفسي: وهي ظاهرة نقص تشخيص الإناث في طيف التوحد وإغفالهن في الدراسات السريرية. فإذا كانت المعايير التشخيصية قد بُنيت تاريخياً على النمط السلوكي الذكوري للتوحد (الذي يتميز بالسلوكيات النمطية الصريحة، ونوبات الغضب الحسية، والاهتمامات الميكانيكية الظاهرة)، فإن التعبير الأنثوي عن التوحد ظل مغموراً وغير مرئي لسنوات طويلة تحت وطأة آليات التكيف النفسي والاجتماعي المعقدة.
أطلق بارون كوهين وفريقه أبحاثاً رائدة لتحليل ظاهرة “التمويه الاجتماعي” (Camouflaging) أو “التوحد المقنع” لدى الفتيات والنساء التوحديات. أظهرت هذه الأبحاث أن الإناث التوحديات، بسبب تمتعهن بمستويات أعلى نسبياً من التعاطف والدافع الاجتماعي مقارنة بالذكور التوحديين وتأثرهن بالتوقعات المجتمعية الصارمة، يلجأن إلى استخدام قدراتهن الإدراكية العالية “لتقليد” السلوكيات الاجتماعية النمطية بوعي مصطنع. فهن يقمن بحفظ تعابير الوجه، والتدرب على نبرات الصوت المناسبة، وإجبار أنفسهن على الاتصال البصري، وقراءة كتب علم النفس الاجتماعي لتعلم قواعد التصرف في الحفلات والمدارس.
كشف المركز أن هذا التمويه المكثف يكلف الإناث التوحديات ثمناً باهظاً؛ حيث يؤدي إلى استنزاف عصبي مزمن، وقلق حاد، واكتئاب سريري، واضطرابات في الأكل (مثل القهم العصابي Anorexia Nervosa، الذي أثبتت أبحاث بارون كوهين وجود تداخل جيني وسلوكي كبير بينه وبين سمات التوحد). وبناءً على هذه الاكتشافات، دعا بارون كوهين إلى ثورة منهجية في المعايير التشخيصية تشمل تطوير أدوات تقييم سريرية حساسة جندرياً تأخذ في الاعتبار آليات التمويه، لضمان حصول آلاف النساء اللاتي عشن لعقود يعانين في صمت على التشخيص الدقيق والدعم النفسي المستحق.
6. أبحاث الهرمونات السابقة للولادة ونمو الدماغ الجنيني
6.1 قياس هرمون التستوستيرون في السائل السلوي
انتقلت أعمال بارون كوهين من مستوى النمذجة النفسية النظرية إلى البحث البيولوجي التجريبي المعمق من خلال بحثه عن الآلية العضوية المسببة للدماغ الذكوري المتطرف. تركزت فرضيته المركزية على أن البيئة الهرمونية المبكرة التي يتطور فيها الجنين داخل رحم الأم تلعب دوراً حاسماً في “برمجة” وتشكيل البنية العصبية للدماغ قبل الولادة بفترة طويلة. وبناءً على ذلك، دشن فريقه في كامبريدج واحداً من أكثر المشاريع البحثية الطولية طموحاً وأصالة في علم الغدد الصماء التنموي العصبي من خلال دراسة هرمونات السائل السلوي.
اعتمدت منهجية البحث على قياس مستويات هرمون التستوستيرون الجنيني (Fetal Testosterone – fT) وهرمونات الستيرويد المرتبطة به (مثل الإستروجين والكورتيزول) في عينات تم جمعها عبر الفحص الروتيني لبزل السلى (Amniocentesis) لدى آلاف النساء الحوامل في منطقة كامبريدجشير. تميزت هذه الطريقة بتفوقها العلمي المطلق على قياس الهرمونات بعد الولادة أو في مرحلة البلوغ؛ حيث وفرت سجلاً دقيقاً ومباشراً للمناخ الهرموني في الثلثين الأول والثاني من الحمل، وهي الفترة الذهبية الحرجة التي تتمايز وتهاجر فيها الخلايا العصبية وتتشكل فيها دوائر الدماغ المتخصصة.
قام بارون كوهين وباحثوه بتجميد هذه العينات وتحليلها بدقة كيميائية فائقة، ثم متابعة هؤلاء الأطفال الخاضعين للفحص عبر دراسات نمائية طولية امتدت لأكثر من عقدين من الزمان. شملت المتابعة فحص تطورهم المعرفي، واللغوي، والسلوكي عند عمر 12 شهراً، ثم سنتين، و4 سنوات، و8 سنوات، وحتى مرحلة البلوغ؛ بهدف ربط التركيزات الهرمونية الدقيقة المقاسة في الرحم بالسمات الإدراكية والسلوكية التي يظهرها الفرد في مراحل حياته اللاحقة، وهو ما وفر دليلاً تجريبياً تجنب المشكلات المنهجية للدراسات الاسترجاعية الكلاسيكية.
6.2 الارتباطات السلوكية والإدراكية للهرمونات الجنينية
أسفرت الدراسات الطولية لمركز أبحاث التوحد عن سلسلة من الاكتشافات العلمية الرائدة التي أثبتت وجود علاقات ارتباطية خطية ومباشرة بين تركيزات هرمون التستوستيرون الجنيني ومجموعة من الوظائف المعرفية والسلوكية الحاسمة في مسار نمو الطفل، وتلخصت أبرز هذه النتائج في النقاط التالية:
- التواصل البصري والانتباه الاجتماعي المبكر: وجد الفريق عند متابعة الأطفال في عمر 12 شهراً أن الأطفال الذين تعرضوا لمستويات أعلى من التستوستيرون في السائل السلوي أظهروا تواصلاً بصرياً أقل تواتراً مع أمهاتهم وتركيزاً أقل على الوجوه، مقارنة بالأطفال الذين نشأوا في بيئة هرمونية أقل تستوستيروناً.
- تطور الحصيلة اللغوية والمفردات: أظهرت البيانات عند عمر 18 و24 شهراً أن هناك علاقة ارتباطية عكسية بين مستويات التستوستيرون الجنيني وسرعة تطور الحصيلة اللغوية واستخدام المفردات الاجتماعية؛ حيث تأخر الأطفال ذوو التستوستيرون المرتفع نسبياً في اكتساب مهارات التعبير اللفظي اليومي.
- مؤشرات التعاطف وتطور نظرية العقل: عند قياس قدرات الأطفال في سن 4 إلى 8 سنوات باستخدام اختبارات التعاطف وقراءة العيون، ارتبطت التركيزات الهرمونية العالية بانخفاض واضح في درجات التعاطف المعرفي وصعوبة في التنبؤ بمشاعر الآخرين.
- كفاءة التنظيم والتركيز على التفاصيل: في المقابل، ارتبط ارتفاع التستوستيرون الجنيني ارتباطاً طردياً إيجابياً ومباشراً بزيادة دقة وسرعة الأداء في اختبار الأشكال المضمنة، وارتفاع درجات مقياس حاصل التنظيم، وتنامي الاهتمامات المقيدة والمفرطة بالأنظمة المادية والميكانيكية في سن الطفولة المتأخرة.
توجت هذه السلسلة البحثية بورقة تاريخية نُشرت في مجلة Molecular Psychiatry بالتعاون مع البنك الحيوي الدنماركي، حيث فحص الباحثون عينات السائل السلوي لأكثر من 19,000 طفل دنماركي. أثبتت الدراسة أن الأجنة الذين تم تشخيصهم لاحقاً باضطراب طيف التوحد كانوا قد تعرضوا بالفعل في المتوسط لمستويات مرتفعة بشكل ذي دلالة إحصائية من جميع هرمونات الستيرويد الجنسية الجنينية (بما فيها التستوستيرون والأندروسينديون والبروجستيرون)، مما قدم أول برهان وبائي جزيئي واسع النطاق يربط الغدد الصماء الجنينية بنشوء طيف التوحد.
6.3 التفاعل بين الغدد الصماء والمؤشرات العصبية
لم يكتفِ بارون كوهين بالربط الظاهري بين الهرمونات والسلوك، بل سعى إلى فك الشفرة العصبية التي يمارس من خلالها التستوستيرون الجنيني تأثيراته البنائية على الجهاز العصبي. بينت أبحاثه العصبية أن التعرض المبكر للأندروجينات الستيرويدية يؤثر مباشرة على مسارات هجرة الخلايا العصبية وآليات “التشذيب المشبكي” (Synaptic Pruning)؛ حيث يقلل من موت الخلايا المبرمج (Apoptosis) في مناطق معينة، مما يؤدي إلى زيادة الكثافة العصبية الموضعية ونمو متسارع في قشرة الدماغ المسؤولة عن التحليل الحسي الدقيق، مقابل إبطاء تشكل المسارات الرابطة بين نصفي المخ في الجسم الثفني.
امتدت هذه الرؤية البيولوجية لدراسة الأمهات أنفسهن والروابط المرضية النسائية المرتبطة بالغدد الصماء. قاد المركز دراسات استقصائية أظهرت أن الأمهات المصابات بـ متلازمة المبيض متعدد الكيسات (PCOS)—وهي حالة طبية تتميز بفرط إفراز الأندروجينات—يمتلكن احتمالية أعلى إحصائياً لإنجاب أطفال يقعون ضمن طيف التوحد. عززت هذه النتيجة فرضية الانتقال والتأثير الهرموني المشترك بين الأم والجنين، وفتحت آفاقاً لفهم البيولوجيا الإنجابية وعلاقتها بالنمو العصبي.
مع ذلك، شدد بارون كوهين في أطروحاته المتأخرة على ضرورة الحذر وتجنب الحتمية البيولوجية الاختزالية. وأوضح بجلاء أن الهرمونات الجنينية لا “تسبب” التوحد بمعزل عن العوامل الأخرى، بل هي عامل وساطة ونمو وتمايز بيولوجي يتفاعل بشكل معقد وديناميكي مع بنية جينية متعددة المورثات (Polygenic architecture) ومع العوامل البيئية المحيطة، محذراً من تحويل البيولوجيا الهرمونية إلى أداة لتقييم اختزالي يغفل التعقيد التكويني الفردي للإنسان.
7. علم الوراثة ومفهوم التنوع العصبي
7.1 مشروع جينومات التوحد والدراسات التوأمية
مع تطور أدوات التحليل الجيني في العقدين الأخيرين، قاد بارون كوهين وشارك في تحالفات دولية كبرى تهدف إلى استكشاف الأساس الوراثي لطيف التوحد والسمات المرتبطة به. أكدت الدراسات التوأمية الموسعة التي قادها وأشرف عليها باحثو كامبريدج أن التوحد يتمتع بأعلى معدل توريث بين جميع الحالات النفسية والنمائية العصبية؛ حيث تتراوح نسبة التوريث التقديرية بين 60% إلى 90%، مما حسم الجدل التاريخي نهائياً حول دور العوامل الأسرية والتربوية في نشوء الحالة.
شارك المركز بشكل فعال في دراسات الارتباط الجينومي الكامل (GWAS)، بما في ذلك التعاون الاستراتيجي مع شركة التحليل الوراثي 23andMe في دراسة تاريخية شملت ما يقرب من 50,000 فرد، نُشرت نتائجها في مجلة Nature Genetics. أثبتت هذه الدراسات الضخمة أن التوحد ليس ناتجاً عن طفرة جينية نادرة واحدة في معظم الحالات، بل ينشأ من تضافر مئات وربما آلاف المتغيرات الجينية الشائعة (Common Genetic Variants) ذات التأثيرات الصغيرة التراكمية، جنباً إلى جنب مع مساهمة طفرات نادرة (De novo mutations) في فئات سريرية معينة.
أزاحت هذه الأبحاث الجينية الستار عن حقيقة مذهلة واستثنائية: وهي وجود تداخل جيني واسع وكثيف بين المتغيرات الوراثية التي ترفع احتمالية التوحد وتلك المسؤولة عن تعزيز القدرات الإدراكية العامة، والموهبة الرياضية، والكفاءة في معالجة العلوم والرياضيات والتقنية (STEM). أثبت هذا الاكتشاف أن الجينات المؤدية للتوحد لم تكن مجرد أخطاء جينية عشوائية، بل هي جزء أصيل من الخزان الجيني التطوري الذي ساهم في بناء وتطوير المواهب التحليلية المتقدمة للنوع البشري عبر العصور.
7.2 تبني إطار التنوع العصبي (Neurodiversity)
كان لهذه الاكتشافات الوراثية والمعرفية أثر بالغ في صياغة التحول الفلسفي والأخلاقي الأكبر في مسيرة سيمون بارون كوهين؛ حيث تحول تدريجياً من النموذج الطبي الكلاسيكي الصرف (Medical Model of Disability)—الذي ينظر إلى التوحد كمرض عصبي واضطراب كارثي يجب “علاجه” و”استئصاله”—إلى تبني والدفاع المستميت عن إطار التنوع العصبي (Neurodiversity) الذي صاغته عالمة الاجتماع الأسترالية جودي سينغر في أواخر التسعينيات.
أعاد بارون كوهين صياغة المفاهيم السريرية داعياً إلى تفكيك الخلط الشائع بين مفهومي “الاختلاف” (Difference) و”الإعاقة” (Disability):
- الاختلاف العصبي (Neuro-difference): يتمثل في الطريقة الفريدة التي يعالج بها الدماغ المعلومات، مثل التفضيل الصارم للتنظيم، والقدرة الفائقة على التركيز، والحساسية الحسية للمحفزات، والانغماس في التفاصيل. هذه السمات تمثل تبايناً حيوياً طبيعياً يثري الوجود البشري، وليست نقصاً بيولوجياً يحتاج إلى محو.
- الإعاقة (Disability): وتنشأ في نظره من سببين رئيسيين: إما وجود صعوبات وظيفية عضوية مرافقة (مثل التخلف اللغوي الشديد، أو الصرع، أو القلق المزمن، أو المشكلات المعدية المعوية)، أو نتاج الصدام الحتمي بين الاختلاف العصبي وبيئة مجتمعية غير مرنة صُممت حصرياً لتناسب الأغلبية النمطية عصبياً.
دعا بارون كوهين من خلال مقالاته وخطاباته إلى قبول السمات التوحدية كجزء لا يتجزأ من الطيف الطبيعي للتنوع الإنساني، تماماً مثل التنوع في الهوية العرقية، أو لون البشرة، أو اليد المهيمنة (عُسر اليد). جادل بأن الموقف الإنساني والمدني السليم يفرض على المجتمعات والمؤسسات التعليمية تكييف البيئات الخارجية لتصبح صديقة وشاملة للتنوع العصبي، بدلاً من إجبار الأفراد على طمس هوياتهم العصبية ليتماشوا مع تعريفات السواء المعرفي الضيقة.
7.3 أخلاقيات علم الوراثة والتدخل الجيني
مع تصدر بارون كوهين لمشروعات دراسة الجينوم، كان من أوائل العلماء الذين دقوا ناقوس الخطر بخصوص المعضلات الأخلاقية المعقدة المرافقة للتقنيات الوراثية الحديثة. أعلن صراحة في مقالات رأي نُشرت في صحيفة The Guardian ومجلات علمية محكمة موقفه الأخلاقي الصارم والحاسم ضد استخدام فحوصات الكشف الجيني أو المؤشرات البيولوجية الجنينية كأداة للإجهاض الانتقائي للأجنة التوحدية (Selective Termination).
حذر بارون كوهين الإنسانية من الانزلاق غير الواعي نحو برامج “تحسين النسل الجديدة” (New Eugenics)؛ حيث نبّه إلى أن السعي لمحاربة التوحد واستئصاله عبر التدخل الجيني السابق للولادة قد يحرم البشرية في الوقت ذاته من إنجاب عقول عبقرية ومبتكرة في مجالات الرياضيات، والموسيقى، والهندسة، والفلسفة. وأشار إلى أن تصفية هذه التنوعات البيولوجية تنطوي على إفقار خطير لمستقبل الإبداع والتطور البشري.
وضع بارون كوهين خطاً فاصلاً بين نوعين من التدخلات الطبية: التدخلات العلاجية الأخلاقية التي تستهدف تخفيف المعاناة الجسدية والنفسية والأمراض المرافقة (Comorbidities) التي تقوض جودة حياة الفرد (مثل نوبات الصرع الحادة، والأرق المزمن، والألم الجسدي، والاضطرابات الهضمية المعيقة)، وبين التدخلات غير الأخلاقية التي تحاول استبدال الشخصية والهوية العصبية للأفراد التوحديين. وطالب بأن تشمل لجان أخلاقيات الأبحاث الجينية ممثلين فعليين عن مجتمع التوحد لضمان احترام الكرامة الإنسانية واستقلالية الأفراد في كل مشروع علمي مستقبلي.
8. تطوير أدوات القياس والفحص والتشخيص السريري
8.1 مقياس طيف التوحد (AQ) وتطبيقاته العالمية
إلى جانب مساهماته النظرية، حقق سيمون بارون كوهين ثورة عملية في ميدان القياس النفسي السريري بتصميمه مجموعة من الأدوات القياسية التي باتت معايير ذهبية يُعمل بها في المستشفيات والجامعات والمراكز البحثية حول العالم. يأتي في مقدمة هذه الأدوات مقياس حاصل طيف التوحد (Autism Spectrum Quotient – AQ)، الذي نشره في عام 2001 بالتعاون مع زملائه في جامعة كامبريدج.
يتكون المقياس من 50 عبارة ذاتية التقرير تقيس خمسة أبعاد معرفية وسلوكية وسيطة:
- المهارات الاجتماعية (Social Skills): تقييم السهولة والارتياح في التفاعل الاجتماعي اليومي.
- تحويل الانتباه (Attention Switching): قياس مدى المرونة الذهنية في الانتقال بين المهام والأنشطة المختلفة.
- الانتباه للتفاصيل (Attention to Detail): رصد الحساسية العالية للملاحظات والأنماط البصرية والحسية الدقيقة.
- التواصل (Communication): تقييم استيعاب المعاني غير المباشرة ولغة الحوار التلقائي.
- الخيال (Imagination): فحص القدرة على التخيل الرمزي والأدبي وافتراض السيناريوهات البديلة.
يتميز مقياس AQ بكونه أداة قياس كمية مستمرة تعالج سمات التوحد كطيف ممتد في عموم السكان وليس كفئة ثنائية جامدة (مصاب / غير مصاب). فبينما يحقق معظم الأفراد النمطيين درجات تقع بين 10 و20 نقطة، فإن تسجيل درجة 32 فأكثر يمثل مؤشراً إحصائياً قوياً يستدعي إجراء تقييم سريري شامل. قام المركز لاحقاً بتطوير نسخ معدلة من المقياس مخصصة للمراهقين (Adolescent AQ) وللأطفال (Child AQ) تُملأ بواسطة الوالدين، وتُرجمت هذه الأدوات إلى عشرات اللغات العالمية، واستُخدمت في دراسات وبائية وسكانية واسعة شملت مئات الآلاف من البشر، موفرة أداة فرز أولية فائقة السرعة والدقة والاعتمادية.
8.2 اختبار قراءة العقل في العيون (Eyes Test)
لتجاوز القيود المنهجية التي واجهت اختبارات “نظرية العقل” الكلاسيكية (مثل اختبار سالي-آن) والتي كانت تعاني من تأثير السقف (Ceiling Effect) لدى المراهقين والبالغين ذوي التوحد عالي الأداء والذكاء اللغوي المرتفع، ابتكر بارون كوهين في عام 1997، وأعاد تنقيحه في عام 2001، واحدة من أكثر أدوات القياس شهرة في علم النفس العصبي الحديث: اختبار قراءة العقل في العيون (Reading the Mind in the Eyes Test).
يقوم الاختبار على تقديم 36 صورة فوتوغرافية متتالية بالأبيض والأسود تركز حصرياً على منطقة العينين والحاجبين لوجوه بشرية متنوعة التعبيرات. يُطلب من المفحوص النظر إلى منطقة العين فقط واختيار كلمة واحدة من بين أربع كلمات تصف بدقة ما يشعر به الشخص في الصورة أو يفكر فيه (مثل: متشكك، مفعم بالأمل، قلق، حائر، ساخر، جاد). يتطلب هذا الاختبار كفاءة بالغة التعقيد في التعاطف المعرفي الحسي؛ إذ يجرد المفحوص من السياق الاجتماعي وحركة الشفاه والصوت، مجبراً الدماغ على فك الرموز العاطفية المجهرية والدقيقة المنعكسة في النظرة الإنسانية.
أثبتت مئات الدراسات المستقلة حول العالم فاعلية اختبار العيون في رصد الفروق المعرفية المجهرية بين الأفراد النمطيين والتوحديين، كما أثبت حساسيته في قياس الفروق المعرفية بين الجنسين لصالح الإناث في المتوسط. علاوة على ذلك، استُخدم الاختبار كأداة وظيفية أثناء التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ (fMRI)؛ حيث أظهر أن أدمغة التوحديين تسجل نشاطاً منخفضاً بوضوح في “شبكة الدماغ الاجتماعي” المعنية بفك شفرات العيون، والتي تشمل التلفيف المغزلي (Fusiform Gyrus)، واللوزة الدماغية، والقشرة الجبهية الحجاجية (Orbitofrontal Cortex).
8.3 أدوات الكشف المبكر والتقييم السريري
إيماناً منه بأن التدخل العلاجي والتربوي الفعال يتوقف على سرعة التشخيص في السنوات التكوينية الأولى من عمر الطفل، ركز بارون كوهين جهوده على تطوير أدوات الكشف المبكر المخصصة للأطفال الصغار في مراكز الرعاية الصحية الأولية. بدأ ذلك بتطوير قائمة CHAT (Checklist for Autism in Toddlers)، ثم أعقبتها النسخة الكمية الأكثر تطوراً وحساسية Q-CHAT (Quantitative Checklist for Autism in Toddlers) المخصصة للأطفال في سن 18 إلى 24 شهراً.
صُممت هذه الأدوات لرصد مؤشرات الإنذار المبكر الحاسمة التي تسبق اكتمال اللغة، والتي تتلخص في ثلاث ركائز سلوكية رئيسية:
- الإشارة بالأصابع للفت الانتباه (Protodeclarative Pointing): قياس ما إذا كان الطفل يشير إلى شيء ما لمجرد مشاركة الاهتمام والدهشة مع والديه، وليس فقط للحصول على الشيء كأداة (Protoimperative Pointing).
- تتبع النظرة والانتباه المشترك (Gaze Following): التأكد من استجابة الرضيع لحركة عيون ومؤشرات وجه والديه ومتابعته لما ينظرون إليه في الفضاء المكاني.
- اللعب التخيلي التمثيلي (Pretend Play): اختبار ما إذا كان الطفل قادراً على استخدام الأشياء المجردة في اللعب التظاهري (مثل التظاهر بأن موزة تمثل سماعة هاتف، أو تقديم الشاي لدمية خيالية).
أتاحت أدوات الفرز المبكر هذه للأطباء والمشرفين الصحيين اكتشاف مؤشرات التوحد قبل ظهور الأعراض السلوكية الواضحة في سن الثالثة والرابعة؛ مما فتح الباب واسعاً أمام برامج التدخل المبكر والتربية الخاصة المساندة في وقت تكون فيه المرونة العصبية (Neuroplasticity) لدماغ الطفل في أعلى مستوياتها. أثمرت هذه التدخلات عن تخفيف الصدمات الأسرية وتوجيه برامج الدعم الحسي واللغوي المبكر دون انتظار فوات النوافذ النمائية الحساسة للنمو الدماغي.
9. الجدل العلمي والانتقادات الموجهة لأطروحاته
9.1 الانتقادات الموجهة لفرضية الدماغ الذكوري
أثارت أطروحات سيمون بارون كوهين، وعلى رأسها “فرضية الدماغ الذكوري المتطرف”، عواصف من النقاشات والاعتراضات الأكاديمية الحامية من قِبل علماء النفس، وعلماء الأعصاب، والباحثين في دراسات الجندر والنسوية العصبية. تزعمت هذه الانتقادات عالمات بارزات في علم الأعصاب مثل كورديليا فاين (Cordelia Fine) مؤلفة كتاب Delusions of Gender، والبروفيسورة جينا ريبون (Gina Rippon) مؤلفة كتاب The Gendered Brain.
تركزت جوهر هذه الاعتراضات على النقاط المنهجية والنظرية التالية:
- مخاطر “الحتمية العصبية الجندرية” (Neurosexism): جادلت الناقدات بأن تصنيف المهارات الإنسانية المعقدة مثل التعاطف والتنظيم على أنها سمات “أنثوية” و”ذكورية” يعزز الصور النمطية البالية التي تبرر الفوارق الطبقية والوظيفية بدعوى البيولوجيا، وتمنح الذكور أفضلية مسبقة في مجالات القيادة والعلوم والتكنولوجيا، بينما تحصر الإناث في أطر الرعاية والانفعال.
- إغفال أثر التنشئة الاجتماعية والثقافية (Socialization): وجهت انتقادات حادة لبارون كوهين لتجاهله النسبي للدور الحاسم الذي تلعبه التربية، والتوقعات المجتمعية، والألعاب، والتعليم في تشكيل أدمغة الأطفال وتفضيلاتهم السلوكية؛ حيث يمنح المجتمع الصبيان ألعاب البناء والآلات منذ الولادة، بينما يُغدق على الفتيات ألعاب العرائس والرعاية والتواصل، مما يخلق هذه الفوارق عبر آليات التعلم المكتسب والمرونة العصبية وليس عبر الهرمونات الفطرية فقط.
- العيوب المنهجية في دراسات الرضع: شكك باحثون في مدى دقة وصلاحية دراسات تفضيل الأطفال الرضع للنظر إلى الوجوه مقابل الأشكال الميكانيكية، مشيرين إلى أن الفوارق المسجلة كانت شديدة الضآلة من الناحية الإحصائية وتأثرت بالعديد من المتغيرات الدخيلة، مما يجعل بناء نظرية كبرى عن “الدماغ الجنسي” استناداً إليها استنتاجاً متسرعاً.
9.2 مسألة التعاطف وتحدي التعاطف المزدوج
جاء النقد الأكثر جذرية وعاطفية من داخل مجتمع التوحد ذاته والباحثين التوحديين المدافعين عن حقوق التنوع العصبي. احتج هؤلاء بقوة على مقولة إن الأفراد التوحديين يعانون من “نقص التعاطف” أو “عمى العقل”، معتبرين أن هذه المصطلحات تساهم في “تجريد التوحديين من إنسانيتهم” (Dehumanization) وتصويرهم ككائنات باردة تفتقر للقلب والمشاعر، مما ينعكس سلباً على قبولهم في المدارس وبيئات العمل، ويعرضهم للتنمر والإقصاء المجتمعي.
في عام 2012، طرح عالم الاجتماع التوحدي البريطاني داميان ميلتون (Damian Milton) أطروحته النقدية الشهيرة المعروفة بـ “مشكلة التعاطف المزدوج” (The Double Empathy Problem)، والتي شكلت تحدياً مباشراً لنظرية بارون كوهين. جادل ميلتون بأن صعوبات التواصل والتفاهم بين التوحديين والنمطيين عصبياً لا تنبع من عجز أصيل أحادي الجانب لدى التوحديين، بل هي نتاج “سوء فهم متبادل وثنائي الاتجاه” بين مجموعتين من البشر تمتلكان خبرات وتجارب حسية وطرق تعبير وتواصل مختلفة جذرياً.
أكدت دراسات لاحقة دعمت نظرية ميلتون أن التوحديين يتواصلون فيما بينهم بتناغم وسلاسة وفهم متبادل فائق، ويتعاطفون مع بعضهم البعض بكفاءة عالية، مما يثبت أنهم يمتلكون تعاطفاً ولغة تواصل فعالة، لكنها تختلف في بنيتها وإشاراتها عن لغة الأغلبية النمطية عصبياً. وبناءً على ذلك، فإن عجز النمطيين عصبياً عن قراءة مشاعر ونوايا التوحديين يمثل دليلاً على أن النمطيين أنفسهم يعانون من “عمى عقل” متبادل تجاه عالم التوحد الداخلي، مما يجعل إلقاء اللوم الحصري على التوحديين انحيازاً غير منصف من قبل الأغلبية المسيطرة.
9.3 ردود بارون كوهين والمراجعات النظرية
أظهر سيمون بارون كوهين انفتاحاً ملحوظاً ورصانة أكاديمية في التعامل مع هذه الانتقادات الحادة، وأجرى مراجعات وتنقيحات دورية لنظرياته وأدواته السيكومترية استجابةً للنقاشات العلمية وحواراته المستمرة مع مجتمع التوحد. وفي معرض رده على اتهامات تجريد التوحديين من الإنسانية، شدد بحزم وتكرار على الفصل المنهجي والأخلاقي الصارم بين “التعاطف المعرفي” و”التعاطف الوجداني”:
أوضح بارون كوهين أن الصعوبة التي يواجهها التوحديون تقتصر على “التعاطف المعرفي” (فك شفرات السلوك الاجتماعي وتخمين المعتقدات الخفية)، بينما يتمتعون بـ “تعاطف وجداني وأخلاقي” فائق وربما أكثر نبالة وأصالة من غيرهم؛ فهم يشعرون بحزن عميق ومؤلم عندما يرون إنساناً أو حيواناً يتألم، ويمتلكون حساسية فائقة للعدالة والصدق، ويمقتون النفاق والخداع الاجتماعي. كما أشار إلى أن الأفراد الذين يفتقرون إلى التعاطف الوجداني والأخلاقي هم “السيكوباتيون” (المصابون بالاعتلال النفسي المضاد للمجتمع)، مؤكداً أن التوحد يقع على النقيض التام من السيكوباتية في جميع المحددات العصبية والسلوكية والأخلاقية.
فيما يتعلق بجدل الفروق بين الجنسين، أقر بارون كوهين في كتبه وأبحاثه المتأخرة بالدور العميق للمرونة العصبية والتأثيرات البيئية والثقافية، مبيناً أن مصطلحات “الدماغ الذكوري” و”الدماغ الأنثوي” هي تصنيفات إدراكية مجردة لا تنطبق حتماً على كل ذكر وأنثى بشكل قطعي، بل تعبر عن متوسطات إحصائية سكانية تتداخل فيها المنحنيات بشكل واسع. كما واصل تحديث مقاييسه (مثل اختبار العيون وAQ) لتفادي التحيزات الثقافية والجندرية المحتملة، ودمج منظور التنوع العصبي بشكل عضوي في كافة منشوراته الحديثة، مما عكس نضجاً علمياً ورغبة في تجديد مشروعه الفكري باستمرار.
10. كتاب صانعو الأنماط وتفسير الابتكار البشري
10.1 محرك البحث عن الأنماط والتطور الحضاري
في خريف عام 2020، تُوّج المسار الفكري لسيمون بارون كوهين بصدور كتابه الموسوعي والفلسفي “صانعو الأنماط: كيف يقود التوحد الابتكار البشري” (The Pattern Seekers: How Autism Drives Human Invention). في هذا الكتاب، قفز بارون كوهين فوق الأطر السريرية الضيقة للطب النفسي، ليقدم نظرية تطورية كبرى تحاول تفسير أحد أعظم ألغاز الأنثروبولوجيا وعلم الآثار: ما الذي حدث في الدماغ البشري قبل نحو 70,000 إلى 100,000 عام وأدى إلى انفجار شرارة “الثورة الإدراكية” التي ميزت جنسنا البشري (Homo sapiens) عن باقي الكائنات الحية والأسلاف المنقرضين؟
يجيب بارون كوهين بأن القفزة التطورية الكبرى تمثلت في التطور المفاجئ لآلية معرفية فريدة يمتلكها الإنسان حصرياً، أطلق عليها اسم “محرك البحث عن الأنماط” (The Systemizing Mechanism)، والذي يعمل وفق منطق عقلي تحليلي حاسم هو: منطق “إذا-و-حينئذ” (If-And-Then). مكن هذا المنطق الإنسان للمرة الأولى من تفكيك الطبيعة إلى متغيرات والربط بينها سببياً لاختراع شيء جديد كلياً لم يكن موجوداً من قبل في الطبيعة:
- المعادلة: إذا أخذت حجراً صلباً صوانياً (If)، وضربته بزاوية معينة بحجر آخر (And)، حينئذ أحصل على نصل حاد يقطع اللحم (Then).
- إذا وضعت بذرة في تربة رطبة (If)، ووفرت لها الشمس والماء (And)، حينئذ تنمو نبتة تثمر طعاماً (Then)؛ وهو ما قاد إلى اختراع الزراعة.
- إذا قمت بشد وتر مصنوع من أمعاء الحيوان على قطعة خشب مجوفة (If)، ونقرته بأصبعي (And)، حينئذ يصدر نغمة موسيقية محددة (Then)؛ وهو ما قاد لاختراع الموسيقى والآلات الوترية.
جادل بارون كوهين بأن الحيوانات والكائنات الأخرى تتعلم بالاقتران الشرطي البسيط (إذا رأيت ناراً أهرب)، لكنها عاجزة تماماً عن ابتكار وتعديل واختراع الأدوات المركبة وفق هذا المنطق الخوارزمي الدقيق. هذا التحول المعرفي قاد النوع البشري من مجرد متأقلم مع البيئة إلى صانع ومغير لها، واضعاً أسس الحضارة الإنسانية والتطور التقني المتسارع.
10.2 العلاقة الوثيقة بين التوحد والاختراع التكنولوجي
في الشق الأكثر إثارة من الكتاب، ربط بارون كوهين بين هذا المحرك التطوري والسمات المعرفية للأفراد التوحديين. جادل بأن الأشخاص الذين يمتلكون مستويات استثنائية من محرك “إذا-و-حينئذ” هم تحديداً الأفراد ذوو “النمط S المتطرف” في التفكير، والذين يقعون في صلب طيف التوحد. فالميل التوحدي الطبيعي للبحث عن الأنماط، وتكرار التجارب مئات المرات بصبر لا ينفد، والانتباه الهائل لأدق التفاصيل، والانغماس الكلي في اهتمامات محددة، هي الشروط السيكولوجية والعصبية الجوهرية التي صنعت كبار المخترعين والمكتشفين عبر تاريخ البشرية.
عزز بارون كوهين هذه الفرضية التطورية بدراسات ميدانية حديثة أجراها فريقه في هولندا وبريطانيا، حيث درسوا تركز الجينات والسمات التوحدية في عواصم التكنولوجيا العالمية، مثل مدينة أيندهوفن الهولندية (عاصمة التقنية الأوروبية ومقر شركات مثل فيليبس وأشباه الموصلات ASML)، ومدينة كامبريدج، ومنطقة وادي السيليكون (Silicon Valley) في كاليفورنيا. أثبتت الدراسات أن معدلات تشخيص التوحد بين أطفال هذه المناطق تزيد بمقدار مرتين إلى أربع مرات عن المعدلات في المدن والبيئات غير التكنولوجية؛ نظراً لأن المهندسين والرياضيين ومبرمجي الحواسيب ذوي السمات التنظيمية العالية يلتقون ويتزاوجون بمعدلات أعلى (Assortative Mating)، مما يضاعف من تركيز الجينات المسؤولة عن البحث الفائق عن الأنماط في نسلهم.
يقدم الكتاب قراءة تاريخية تعيد تقييم السير الذاتية لأعلام العلم والفن؛ معتبراً أن شخصيات تاريخية بارزة مثل إسحاق نيوتن، وتوماس إديسون، وألبرت أينشتاين، وتشارلز داروين، والموسيقار بيتهوفن، ورائد الحوسبة آلان تورينج، كانوا يمتلكون سمات توحدية وتنظيمية بالغة الوضوح. إن قدرتهم على عزل أنفسهم عن صخب العلاقات الاجتماعية والتفرغ المطلق لتفكيك أنظمة الكون، والجاذبية، والمعادلات، والموسيقى، تثبت أن الابتكار التكنولوجي والحضاري البشري مَدين بشكل لا رجعة فيه لأولئك الذين يفكرون خارج الأطر النمطية السائدة.
10.3 إعادة تقييم مكانة العقول المنظمة في التعليم
وجه سيمون بارون كوهين في ختام كتابه نداءً ملحاً واستراتيجياً لإصلاح وإعادة هيكلة الأنظمة التربوية والتعليمية المعاصرة. انتقد بشدة المدارس التقليدية التي تعتمد حصرياً على أساليب التلقين الجماعي، وتقييم الطلاب وفق معايير اجتماعية سطحية، ومعاقبة الطلاب الذين لا يندمجون اجتماعياً بسهولة أو الذين يركزون بشكل مفرط على موضوع واحد محدد (Hyperfocus)، واصفاً هذه الممارسات بأنها تسحق المواهب الابتكارية الواعدة في مهدها.
دعا بارون كوهين إلى تصميم مناهج وبيئات تعليمية تحتفي بالتنوع العصبي وتستوعب “صانعي الأنماط”:
- المرونة في المناهج: السماح للأطفال ذوي التفكير التنظيمي بالغوص في مجالات شغفهم المحددة (مثل البرمجة، أو الروبوتات، أو الموسيقى، أو علم الحشرات) واستخدام هذه الاهتمامات كبوابات لتعلم المهارات الأكاديمية الأخرى، بدلاً من إجبارهم على نمط تعليمي عام ومشتت.
- بيئات خالية من الإرهاق الحسي: توفير فصول دراسية هادئة الإضاءة ومنخفضة الضوضاء، ومزودة بمساحات آمنة تسمح بالانسحاب الحسي وإعادة الشحن العصبي عند حدوث الإثارة المفرطة.
- تعديل طرق التقييم: الانتقال من الاعتماد الكلي على الامتحانات الشفهية أو العروض التقديمية الجماعية المرهقة، إلى تقييم القدرات عبر المشاريع الفردية العملية، وحل المشكلات الواقعية، والإنتاج التقني المباشر.
أكد أن حماية ورعاية هؤلاء المبتكرين غير النمطيين في المدارس ليس مجرد واجب أخلاقي تجاه حقوق الطفل، بل هو استثمار استراتيجي لا غنى عنه للأمن العلمي والاقتصادي للمجتمعات الإنسانية؛ إذ إن العقول التي تلاحظ الأنماط المجهرية التي يغفل عنها الجميع هي العقول ذاتها التي ستقود ابتكارات المستقبل في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومكافحة التغير المناخي، واكتشاف أسرار الفضاء والطب الحيوي.
11. التأثير في السياسات العامة وحقوق التنوع العصبي
11.1 إصلاح بيئات العمل واستثمار الطاقات التوحدية
لم يكتفِ بارون كوهين بالمقاعد الأكاديمية والمختبرات البحثية، بل كرس جهوداً هائلة لنقل أبحاثه إلى واقع السياسات العامة وسوق العمل. واجه بارون كوهين الحقيقة المؤلمة المتمثلة في أن أكثر من 80% من البالغين التوحديين حول العالم يعانون من البطالة أو العمالة الناقصة (Underemployment)، على الرغم من امتلاك العديد منهم لكفاءات ذهنية وأكاديمية تفوق المتوسط بكثير؛ وذلك بسبب الإخفاق في المقابلات الشخصية التقليدية التي تعتمد على المهارات الاجتماعية السطحية والانطباعات الأولى الزائفة بدلاً من الكفاءة الوظيفية الحقيقية.
قاد مركز أبحاث التوحد مبادرات كبرى بالتعاون مع كبرى الشركات التكنولوجية والمصرفية العالمية، مثل SAP، ومايكروسوفت، ودويتشه بنك، لتأسيس برامج توظيف تعتمد على التنوع العصبي (Autism at Work). شملت هذه المبادرات الاستفادة من الطاقات التوحدية الفريدة في قطاعات بالغة الحساسية، مثل الأمن السيبراني، ومراقبة الجودة البرمجية (Software Testing)، والتحليل المالي الجنائي للبيانات الضخمة، والأنظمة اللوجستية المعقدة، حيث تتطلب هذه المهام دقة استثنائية، وتركيزاً مستمراً لساعات طويلة، وقدرة خارقة على اكتشاف الثغرات والأنماط الشاذة التي يعجز العقل النمطي عن رصدها.
ترافقت هذه الجهود مع وضع أدلة إرشادية وتدريبية لأرباب العمل والشركات لتكييف بيئات العمل الفيزيائية والاجتماعية؛ شملت توفير إضاءات غير فلورية، وسماعات عازلة للضوضاء لتقليل الحمل الحسي الزائد، وإلغاء متطلبات العمل في المكاتب المفتوحة غير المريحة حسياً. كما شملت استبدال المقابلات الاجتماعية التقليدية باختبارات كفاءة تقنية عملية تتيح للمتقدمين إثبات مهاراتهم الفعلية دون الخضوع لضغوط التواصل البصري والتلميحات الاجتماعية المبهمة.
11.2 التطبيقات البرمجية والتعليمية المساندة
سخر سيمون بارون كوهين التكنولوجيا الرقمية مبكراً لتطوير أدوات تفاعلية مبتكرة تهدف إلى مساعدة الأطفال التوحديين على التعلم والتواصل دون إخضاعهم لعلاجات قسرية. ومن أبرز هذه المشروعات التطبيقية:
- مشروع قراءة العقل (Mind Reading): وهو برنامج تفاعلي رائد وموسوعة برمجية حاسوبية طُورت في كامبريدج، ضمت مكتبة بصرية وصوتية تحتوي على أكثر من 412 حالة عاطفية وذهنية بشرية مصنفة بدقة. صُمم البرنامج لتدريب الأفراد التوحديين على فك شفرات المشاعر عبر تعابير الوجه ونبرات الصوت من خلال سيناريوهات تفاعلية وألعاب حاسوبية محفزة تعتمد على أسلوب التعلم المنطقي المنظم والمحبب لديهم.
- سلسلة الرسوم المتحركة “المحولات” (The Transporters): وهي سلسلة تلفزيونية مبتكرة موجهة للأطفال الصغار في مرحلة ما قبل المدرسة، دمجت بين وجوه بشرية حقيقية تعرض مشاعر أساسية وثانوية ومحركات ميكانيكية وقطارات متحركة تسير على قضبان ثابتة. صُممت السلسلة لاستثمار شغف الأطفال بالأنظمة الميكانيكية التكرارية واستخدامه كجسر بصري يجذب انتباههم التلقائي نحو قراءة الوجوه الإنسانية وفهم معاني المشاعر.
أثبتت التجارب الإكلينيكية المعشاة المنشورة في المجلات الطبية أن مشاهدة الأطفال لسلسلة “The Transporters” لمدة 15 دقيقة يومياً على مدى أسابيع أدت إلى تحسن ملحوظ في كفاءتهم في التعرف على تعابير الوجه في الحياة الواقعية، لتقترب من مستويات أقرانهم النمطيين عصبياً. تميزت هذه الوسائل باحترامها لاستقلالية الطفل وتوفير بيئة تعليمية ممتعة تخلو من أي إكراه حركي أو نفسي، وتعتمد كلياً على التكنولوجيا المساندة كأداة لتمكين الفرد وتعزيز فرصه في التفاعل مع محيطه الأسري والمدرسي.
11.3 المشاركة في صياغة التشريعات والخطاب الحقوقي
لعب بارون كوهين أدواراً قيادية بارزة في التأثير المباشر على صناع القرار والبرلمان البريطاني والمؤسسات الصحية العالمية. كان له إسهام رئيسي في تقديم الاستشارات العلمية والأدلة الطبية التي استند عليها إقرار “قانون التوحد” البريطاني (Autism Act 2009)، وهو القانون التاريخي الأول والوحيد من نوعه في المملكة المتحدة المخصص لاضطراب نمائي عصبي بعينه، والذي ألزم الحكومة والخدمات الصحية الوطنية (NHS) بوضع استراتيجيات ملزمة لتوفير التشخيص للبالغين، وتقديم خدمات الدعم المجتمعي، وتدريب الكوادر الطبية والعدلية على التعامل الإنساني مع التنوع العصبي.
تولى بارون كوهين رئاسة الجمعية الدولية لأبحاث التوحد (INSAR) بين عامي 2017 و2019، وهي المنظمة المهنية الأرفع في العالم في هذا التخصص. وخلال فترة رئاسته، قاد تحولاً استراتيجياً وأخلاقياً في سياسات الجمعية وأولوياتها التمويلية؛ حيث حرص على زيادة تمثيل الباحثين والأفراد التوحديين في اللجان العلمية والمؤتمرات السنوية، والتركيز على أبحاث الصحة النفسية، ومنع الانتحار، والخدمات الداعمة وجودة الحياة لكبار السن، بعد أن كانت المؤتمرات تركز تاريخياً على البيولوجيا الجزيئية فقط وتتجاهل أصوات الأفراد المعنيين.
تقديراً لإسهاماته العلمية والإنسانية الاستثنائية التي امتدت لعقود في خدمة العلم والمجتمع ودعم الأفراد ذوي التنوع العصبي، قلدته الملكة إليزابيث الثانية في قائمة تكريمات العام الجديد 2021 وسام الفارس (Knighthood)، ليحمل رسمياً لقب “السير سيمون بارون كوهين”. عكس هذا التكريم الملكي الرفيع إدراك الدولة والمجتمع الدولي للمكانة الرائدة التي حققها هذا العالم في تغيير الوعي الجمعي والسياساتي نحو قضية التوحد، ونقلها من فضاء الهامش والوصم إلى صلب قضايا حقوق الإنسان والريادة العلمية.
12. الإرث العلمي والمستقبل البحثي لعلم النفس الإدراكي
12.1 مكانة سيمون بارون كوهين في تاريخ علم النفس
عند النظر إلى المشهد التاريخي لتطور العلوم السلوكية والعصبية في القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، يبرز سيمون بارون كوهين كواحد من القادة الفكريين القلائل الذين نجحوا في إعادة كتابة فصول كاملة في كتاب علم النفس الإدراكي. إن الإرث العلمي الأكبر الذي تركه حتى الآن يكمن في دوره الجوهري في إسقاط نظرية “الأم الثلاجة” التحليلية القديمة بشكل نهائي لا رجعة فيه؛ تلك النظرية الظالمة التي صاغها ليو كانر وبرونو بيتلهايم في منتصف القرن العشرين وكانت تلوم الأمهات وتتهمهن بالبرود الانفعالي كسبب لإصابة أطفالهن بالتوحد.
قاد بارون كوهين عملية نقل دراسات التوحد إلى أرضية علم النفس النمائي العصبي التجريبي الرصين، مؤكداً أن التوحد هو حالة بيولوجية تكوينية أصيلة في الدماغ، لا يد للوالدين في التسبب فيها، ولا تنشأ عن صدمات نفسية طفولية. كما أعاد رسم خريطة الإدراك البشري من خلال تقسيمه الثنائي الثوري بين أبعاد “التعاطف والتنظيم”؛ وهو نموذج تحليلي تجاوز حدوده السريرية ليصبح نموذجاً معتمداً في دراسة الشخصية الإنسانية، وتفسير الفروق الفردية في عموم المجتمعات البشرية.
تحولت مؤلفاته وأوراقه البحثية—مثل كتاب Mindblindness (1995)، وكتاب The Essential Difference (2003)، ومئات الدراسات المنشورة—إلى كلاسيكيات علمية يندر أن يخلو منها مرجع أكاديمي في كليات الطب النفسي والعلوم العصبية والإنسانية. وقد أظهرت أبحاثه كيف يمكن للبحث العلمي الجريء أن يفتح نوافذ جديدة لفهم أسرار الوعي، واللغة، والإدراك الاجتماعي، مقدماً نموذجاً للعالم الذي لا يكتفي بفهم الظواهر، بل يعمل بجهد على إعادة تعريف نظرة الإنسان لذاته ولأخيه الإنسان.
12.2 الآفاق البحثية الواعدة في مركز أبحاث التوحد
يواصل مركز أبحاث التوحد في جامعة كامبريدج تحت الإشراف المستمر لبارون كوهين، قيادة آفاق بحثية بالغة الحداثة والأهمية ترسم ملامح مستقبل علم النفس العصبي. من أبرز هذه المسارات المستقبلية تعميق استكشاف التفاعل التراكمي والديناميكي بين التعبير الجيني المعقد والعوامل فوق الجينية (Epigenetics)؛ أي دراسة الكيفية التي تتفاعل بها المتغيرات البيئية الدقيقة مع الجينات لتفعيل أو تثبيط مسارات نمو عصبي معينة لدى الأجنة والأطفال.
كما يوجه المركز جهوده البحثية المكثفة نحو واحدة من أكثر القضايا المهملة عالمياً: وهي دراسة صحة وجودة حياة كبار السن من ذوي طيف التوحد (Autism in Aging). فمعظم الدراسات التاريخية تركزت على الطفولة، تاركة البالغين وكبار السن في مواجهة شيخوخة غامضة تفتقر للمعلومات السريرية. يبحث فريق كامبريدج حالياً تأثير التقدم في العمر على الوظائف المعرفية، وخطر الإصابة بمرض ألزهايمر والخرف لدى التوحديين، وكيفية تطوير أنظمة دعم متخصصة ومستدامة توفر لهم العيش الكريم والرعاية الصحية الملائمة في خريف العمر.
مسار بحثي آخر واعد يتمثل في تطوير تدخلات علاجية مخصصة ومصممة وفق “الطب النفسي الدقيق” (Precision Psychiatry)؛ تركز حصرياً على دعم الصحة النفسية، وتخفيف القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة التي يعاني منها الأفراد التوحديون بمعدلات تفوق المتوسط، مع الابتعاد التام عن التدخلات السلوكية القديمة التي كانت تحاول إجبارهم على إخفاء سلوكياتهم التوحدية (مثل حركات التهدئة الذاتية Stimming). ينصب الهدف المعاصر للمركز على صياغة برامج دعم نفسي تعزز احترام الذات والكرامة الشخصية والاستقلالية الفردية الكاملة لكل شخص.
12.3 خلاصة الرؤية الإنسانية والمهنية للباحث
إن ما يميز المسيرة الطويلة والملهمة للسير سيمون بارون كوهين هو ذلك التوازن الاستثنائي بين الصرامة العلمية التجريبية الباردة والتعاطف الإنساني الدافئ والعميق. فعلى الرغم من براعته الفائقة في معالجة المعادلات الإحصائية، وتحليلات الجينوم المعقدة، والمسوحات الهرمونية المخبرية الدقيقة، إلا أنه لم ينسَ قط الوجه الإنساني الذي يقف خلف كل عينة بحثية وكل رقم إحصائي. ظل دائماً قريباً من العائلات والأفراد، ومستمعاً متواضعاً لآرائهم وشكاواهم وتطلعاتهم الحياتية واليومية.
تجسد رسالته المهنية والأخلاقية التزاماً صارماً بمبدأ أن العلم التجريبي يجب أن يوضع دائماً في خدمة العدالة الإنسانية والكرامة المتأصلة لكل فرد. دافع باستمرار عن حق الأشخاص غير النمطيين عصبياً في ألا يُعاملوا كمشكلات تتطلب الحل أو أمراض تستوجب الاستئصال، بل كأفراد يمتلكون أساليب إدراكية متمايزة ومواهب نوعية فريدة تستحق التقدير، والدعم، والإشراك العادل في بناء وتسيير المجتمع الإنساني المشترك.
في خاتمة المطاف، يعلمنا مشروع سيمون بارون كوهين الفكري والعلمي درساً فلسفياً وحضارياً عميقاً يتجاوز حدود علم النفس والطب النفسي؛ مفاده أن التقدم الحقيقي للبشرية لا يتحقق عبر السعي لفرض التماثل والنمطية القسرية على العقول والأفكار، بل ينبع من الاحتفاء الصادق بالتنوع الخلاق، وإدراك أن جمال اللوحة الإنسانية يكمن في تنوع وتعدد الطرق التي نرى ونفكر ونشعر من خلالها بالعالم.
خاتمة
يمثل استعراض المسيرة الحافلة للسير سيمون بارون كوهين من عام 1958 وحتى عصرنا الحاضر رحلة ملهمة في تطور الفكر العلمي المعاصر؛ حيث قاد بمفرده وبمعية زملائه تحولات جذرية أعادت تعريف بنية العقل البشري وآليات عمله. من خلال صياغته لاختبار “سالي-آن” وفرضية “عمى العقل”، ثم تطويره لنظرية “التعاطف-التنظيم” وأبحاث الهرمونات الجنينية والدماغ الذكوري المتطرف، وضع بارون كوهين أسساً علمية غير قابلة للنقض مكنت الإنسانية من استيعاب طيف التوحد بأسلوب منهجي وموضوعي بعيد عن الوصم والتهميش.
إن الإنجاز التاريخي الأكبر لمسيرته المستمرة لا ينحصر في مئات الأوراق البحثية والمقاييس السيكومترية المرجعية التي قدمها للمكتبة العلمية، بل يتجلى في قيادته للتحول الأخلاقي والحضاري نحو تبني مفهوم “التنوع العصبي”. لقد أثبت بارون كوهين أن العقول المنظمة التي طالما عانت من صعوبات في قراءة الملامح الاجتماعية والانفعالية، هي العقول ذاتها التي قادت الثورة الإدراكية، واخترعت الأدوات، وشيدت الحضارات الإنسانية التكنولوجية عبر التاريخ البشري من خلال منطق “إذا-و-حينئذ”.
يقف السير سيمون بارون كوهين اليوم كواحد من أعظم قادة علم النفس المعرفي والطب النفسي التطوري في العالم؛ باحثاً لم يفصل يوماً بين حقيقة المختبر وكرامة الإنسانية، وموجهاً أجيالاً متعاقبة من العلماء والسريريين نحو احترام الاختلاف العقلي البشري. إن إرثه العلمي يظل نبراساً مستمراً لكل من يسعى لفهم أسرار الدماغ الاجتماعي، وتذكيراً دائماً بأن المجتمع العادل والصالح هو ذلك المجتمع الذي يمتلك من الرحمة والاتساع ما يجعله يستوعب ويحتفي بكافة أشكال التفكير والوعي البشري.
المراجع
- Baron-Cohen, S., Leslie, A. M., & Frith, U. (1985). Does the autistic child have a “theory of mind”?. Cognition, 21(1), 37–46. https://doi.org/10.1016/0010-0277(85)90022-8
- Baron-Cohen, S. (1995). Mindblindness: An essay on autism and theory of mind. MIT Press. https://mitpress.mit.edu/9780262522250/mindblindness/
- Baron-Cohen, S., Wheelwright, S., Skinner, R., Martin, J., & Clubley, E. (2001). The Autism-Spectrum Quotient (AQ): Evidence from Asperger syndrome/high-functioning autism, males and females, scientists and mathematicians. Journal of Autism and Developmental Disorders, 31(1), 5–17. https://doi.org/10.1023/A:1005653411471
- Baron-Cohen, S., Wheelwright, S., Hill, J., Raste, Y., & Plumb, I. (2001). The “Reading the Mind in the Eyes” Test revised version: A study with normal adults, and adults with Asperger syndrome or high-functioning autism. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 42(2), 241–251. https://doi.org/10.1111/1469-7610.00715
- Baron-Cohen, S. (2002). The extreme male brain theory of autism. Trends in Cognitive Sciences, 6(6), 248–254. https://doi.org/10.1016/S1364-6613(02)01904-6
- Baron-Cohen, S. (2003). The essential difference: The truth about the male and female brain. Basic Books. https://www.basicbooks.com
- Baron-Cohen, S., & Wheelwright, S. (2004). The Empathy Quotient: An investigation of adults with Asperger syndrome or high functioning autism, and normal sex differences. Journal of Autism and Developmental Disorders, 34(2), 163–175. https://doi.org/10.1023/B:JADD.0000022607.19833.00
- Baron-Cohen, S., Lutchmaya, S., & Knickmeyer, R. (2004). Prenatal testosterone in mind: Amniotic fluid studies. MIT Press. https://doi.org/10.7551/mitpress/5512.001.0001
- Baron-Cohen, S., Auyeung, B., Nørgaard-Pedersen, B., Hougaard, D. M., Abdallah, M. W., Melgaard, L., Cohen, A. S., Chakrabarti, B., Ruta, L., & Lombardo, M. V. (2015). Elevated fetal steroidogenic activity in autism. Molecular Psychiatry, 20(3), 369–376. https://doi.org/10.1038/mp.2014.48
- Baron-Cohen, S. (2017). Editorial Perspective: Neurodiversity – a revolutionary concept for understanding and supporting atypical development. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 58(6), 744–747. https://doi.org/10.1111/jcpp.12703
- Baron-Cohen, S. (2020). The pattern seekers: How autism drives human invention. Basic Books. https://www.basicbooks.com/titles/simon-baron-cohen/the-pattern-seekers/9781541647145/
- Fine, C. (2010). Delusions of gender: How our minds, society, and neurosexism create difference. W. W. Norton & Company.
- Lai, M. C., Lombardo, M. V., & Baron-Cohen, S. (2014). Autism. The Lancet, 383(9920), 896–910. https://doi.org/10.1016/S0140-6736(13)61539-1
- Milton, D. E. (2012). On the ontological status of autism: The ‘double empathy problem’. Disability & Society, 27(6), 883–887. https://doi.org/10.1080/09687599.2012.710008
- Rippon, G. (2019). The gendered brain: The new neuroscience that shatters the myth of the female brain. Bodley Head.
- Warrier, V., Toro, R., Chakrabarti, B., Børglum, A. D., Grove, J., The iPSYCH-Broad Consortium, The Autism Spectrum Disorders Working Group of the Psychiatric Genomics Consortium, & Baron-Cohen, S. (2018). Genome-wide analyses of self-reported empathy: Correlations with autism, schizophrenia, and anorexia nervosa. Translational Psychiatry, 8(1), Article 35. https://doi.org/10.1038/s41398-017-0082-6