سوزان جيلمان – 1957 حتى الوقت الحاضر

سوزان جيلمان (Susan A. Gelman)

  • 1957 – حتى الآن
  • علم النفس المعرفي والنمائي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 16 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 16 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • نظرية الجوهرانية النفسية
  • أبحاث تطور المفاهيم والاستدلال الاستقرائي لدى الأطفال
  • تأسيس مختبر التطور المفاهيمي

السيرة

تُمثّل البروفيسورة سوزان جيلمان (Susan A. Gelman)، المولودة في عام 1957، واحدة من أبرز القامات العلمية التي أحدثت ثورة معرفية جذرية في حقل علم النفس النمائي والإدراكي خلال العقود الأربعة الماضية. فعلى نقيض التصورات الكلاسيكية الراسخة التي سادت ردحاً طويلاً من الزمن—والتي نظرت إلى عقل الطفل باعتباره صفحة بيضاء أو أسيراً للمظاهر الإدراكية السطحية والحسية المباشرة—جاءت أبحاث جيلمان الرائدة لتبرهن على أن الأطفال، حتى في مراحل نموهم المبكرة، يمتلكون نزوعاً معرفياً فطرياً عميقاً للبحث عما وراء الظواهر الحسية المرئية، متبنين استراتيجية تفسيرية تفترض وجود “جواهر” باطنية غير مرئية تُحدد هوية الأشياء وتتحكم في خصائصها وسلوكياتها وتصنيفاتها الوجودية.

استطاعت جيلمان، من خلال صياغتها المتماسكة لنظرية الجوهرانية النفسية (Psychological Essentialism) وتطويرها المنهجي، أن تُعيد بناء فهم الأوساط الأكاديمية لآليات اكتساب اللغة، وتشكل المفاهيم، وبناء المعرفة البيولوجية والاجتماعية لدى البشر. ولم تكتفِ أبحاثها بتقديم شواهد تجريبية بالغة الدقة حول كيفية تصنيف الأطفال للأنواع الطبيعية والمصنوعات البشرية، بل امتدت لتكشف النقاب عن الجذور اللغوية والمعرفية العميقة التي تُغذي نشوء القوالب النمطية والتحيزات الاجتماعية؛ إذ أظهرت كيف أن اللغة اليومية والتعابير المعممة تسهم بطرق غير مباشرة في ترسيخ افتراضات جوهرانية قد تُسقط فروقاً طبيعية زائفة على فئات اجتماعية وثقافية متباينة.

يتناول هذا المقال الموسوعي الشامل المسيرة الفكرية والأكاديمية لسوزان جيلمان منذ انطلاقتها الأولى، مستعرضاً بالتحليل النقدي الرصين أطرها النظرية وابتكاراتها التجريبية، وفي مقدمتها كتابها التأسيسي الخالد “الطفل الجوهري” (The Essential Child). كما يتتبع العمل تقاطعات نظريتها مع فلسفة المعرفة، وعلم اللغة الدلالي، والأنثروبولوجيا، وعلم الأعصاب الإدراكي، مسلطاً الضوء على التأثيرات البيداغوجية والاجتماعية الواسعة التي أحدثتها أعمالها في مجال التربية، وتعديل المناهج، وتفكيك بنى التمييز الاجتماعي، مما رسخ اسمها كأيقونة معرفية لا غنى عنها لفهم العقل البشري في أطوار تشكله الأولى.

1. السيرة الذاتية والنشأة الأكاديمية لسوزان جيلمان

1.1 المراحل التعليمية المبكرة والتكوين الفكري

بدأت المسيرة الفكرية لسوزان جيلمان في بيئة أكاديمية خصبة اتسمت بالانفتاح على التخصصات المتداخلة؛ حيث التحقت بـ كلية أوبرلين (Oberlin College) المرموقة، وحصلت منها عام 1980 على درجة البكالوريوس بمرتبة الشرف في تخصصين رئيسيين هما علم النفس واللغويات. كان هذا الجمع المبكر بين دراسة آليات الاشتغال الذهني من جهة، وتحليل البنى اللغوية والرمزية من جهة أخرى، بمثابة حجر الزاوية الذي شكّل هويتها البحثية اللاحقة؛ إذ رسخ في ذهنها قناعة مبكرة بأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل الاجتماعي، بل هي نافذة معرفية وإطار هيكلي يُسهم بصورة مباشرة في صياغة التمثيلات العقلية وبناء المفاهيم التجريدية لدى الكائن البشري.

عقب تخرجها من كلية أوبرلين، انتقلت جيلمان إلى جامعة ستانفورد لمتابعة دراساتها العليا، حيث نالت درجة الدكتوراه في علم النفس المعرفي والنمائي عام 1984. شهدت فترة ستانفورد صقلاً نوعياً لمشروعها الفكري بفضل احتكاكها المباشر بكوكبة من رواد العلوم المعرفية، وعلى رأسهم عالمة النفس البارزة إلين ماركمان (Ellen Markman)، التي أشرفت على أطروحتها وتأثرت جيلمان بمنهجيتها التحليلية تأثراً عميقاً. في ذلك الوقت، كانت الساحة العلمية تموج بنقاشات حامية حول نظريات عالم النفس السويسري الشهير جان بياجيه، والتي افترضت أن تفكير الأطفال في مرحلة ما قبل العمليات هو تفكير مادي، محسوس، ومحكوم بـ”التمركز الحسي” السطحي، بحيث يعجز الطفل عن إدراك الروابط المنطقية المجردة دون سند مادي ظاهر للعيان.

غير أن جيلمان، مدفوعة بحدسها العلمي وفهمها اللغوي الدقيق، بدأت تشكك في هذه المسلمات البياجية التقليدية. لقد تساءلت بجدية: هل عجز الأطفال في التجارب الكلاسيكية نابع من قصور في بنيتهم المعرفية ذاتها، أم أنه ناجم عن تعقيد المهام اللغوية والتجريبية التي فُرضت عليهم؟ انطلاقاً من هذا التساؤل الجوهري، ركزت جيلمان اهتمامها البحثي المبكر على دراسة آليات اكتساب المفاهيم المجردة والتصنيفات الاستقرائية في بواكير الطفولة، وسعت إلى إثبات أن الأطفال الصغار يمتلكون قدرات استدلالية تتجاوز بكثير المعطيات الحسية المباشرة، وأنهم قادرون على توظيف أسماء الفئات لتنظيم معرفتهم بالعالم بناءً على خصائص غير مرئية ولكنها مفترضة منطقياً.

1.2 المسيرة المهنية في جامعة ميشيغان

في عام 1984، وفور إتمامها متطلبات الدكتوراه بنجاح باهر، انضمت سوزان جيلمان إلى قسم علم النفس في جامعة ميشيغان (University of Michigan) في آن أربور، وهي إحدى القلاع الأكاديمية الرائدة عالمياً في أبحاث العلوم السلوكية والمعرفية. تدرجت جيلمان في المراتب الأكاديمية داخل الجامعة بسرعة لافتة نظراً لغزارة إنتاجها العلمي وأصالته الفكرية؛ حيث رُقيت إلى أستاذة مشاركة ثم إلى أستاذة كرسي كاملة، لتتوج مسيرتها بمنحها لقب أستاذة كرسي “هاينز فيرنر” المتميز (Heinz Werner Distinguished University Professor) في علم النفس واللغويات، وهو أرفع تكريم أكاديمي تمنحه الجامعة لأساتذتها الاستثنائيين تقديراً لإسهاماتهم العالمية.

أسست جيلمان في جامعة ميشيغان “مختبر التطور المفاهيمي” (Conceptual Development Lab)، الذي سرعان ما تحول إلى مركز جذب عالمي للباحثين والطلبة المهتمين بسبر أغوار الإدراك الطفولي وتكون المعرفة. تميزت إدارتها للمختبر بالجمع بين الصرامة المنهجية التجريبية والمقاربات الإثنوغرافية واللغوية الطبيعية؛ حيث صممت مئات التجارب الإبداعية المبتكرة التي تتيح فحص عقول الأطفال عبر اختبارات تبدو بسيطة في مظهرها ولكنها شديدة العمق في دلالاتها الاستدلالية. وقد وفر هذا المختبر بيئة تدريبية استثنائية لأجيال متتالية من الباحثين الذين باتوا اليوم يحتلون مواقع ريادية في كبرى الجامعات العالمية، مما جعل مدرسة جيلمان الفكرية تياراً قائماً بذاته في علم النفس المعرفي الحديث.

إلى جانب مهامها البحثية والإشرافية، تولت جيلمان أدواراً قيادية وإدارية فاعلة داخل الجامعة والجمعيات العلمية الدولية؛ حيث شغلت منصب العميد المشارك للعلوم الاجتماعية في كلية الآداب والعلوم والعلوم الإنسانية بجامعة ميشيغان، وشاركت في هيئات تحرير أرقى المجلات المتخصصة مثل Cognitive Psychology وChild Development. وقد اتسمت مسيرتها في ميشيغان بالالتزام الصارم بتطوير أدوات علم النفس النمائي وتوسيع آفاقه التجريبية، مؤكدة دوماً أن دراسة الطفولة ليست مجرد فرع تطبيقي للطبائع البشرية، بل هي المدخل الأساسي لفهم بنية العقل البشري وطبيعته الإبستيمولوجية على وجه العموم.

2. الإطار النظري الأساسي: نظرية الجوهرانية النفسية

2.1 تعريف الجوهرانية النفسية كبنية معرفية

تُعد نظرية الجوهرانية النفسية (Psychological Essentialism) الإسهام النظري الأبرز الذي ارتبط باسم سوزان جيلمان، بالتعاون مع فلاسفة وعلماء معرفة بارزين مثل دوغلاس مِدين (Douglas Medin). ترتكز هذه النظرية على افتراض مفاده أن العقل البشري يمتلك ميلاً معرفياً متأصلاً للاعتقاد بأن فئات معينة من الكيانات—ولا سيما الكائنات الطبيعية والحيوية—تحتوي في داخلها على “جوهر” باطني غير مرئي، غير قابل للملاحظة الحسية المباشرة، ولكنه المسؤول الحقيقي والنهائي عن تحديد هوية الكائن، وتشكيل سماته الخارجية، والتحكم في تطوره البيولوجي ومساراته السلوكية.

تُميز جيلمان بوضوح قاطع بين نوعين من الخصائص: الخصائص السطحية الملاحظة (Surface Features) مثل اللون، والحجم، والوزن، والنسيج الخارجي؛ والخصائص الجوهرية الثابتة (Core Essence) التي تُعد البنية التوليدية العميقة للكيان. في ضوء هذا النموذج، لا يُعد الكلب كلباً لمجرد أنه ينبح أو يمتلك أربع أرجل وفرواً كثيفاً؛ بل إن الكلب يمتلك هذه السمات وينبح تحديداً لأنه يحمل “جوهر الكلبية” في داخله. هذا التمييز يحمي المنظومة المعرفية من الوقوع في فخ التغيرات العارضة؛ فإذا فقد الكلب إحدى أرجله أو حُلق فروه كاملاً، فإنه يظل، في نظر المراقب البشري بما في ذلك الطفل الصغير، كلباً مكتملاً من حيث انتمائه النوعي لأن جوهره الداخلي ظل بمنأى عن التشويه المظهري.

تستمد الجوهرانية النفسية جذورها المفهومية من الفلسفة الميتافيزيقية الغربية الكلاسيكية، وتحديداً من نظرية الصور والطبائع لدى أرسطو، ونقاشات جون لوك حول الجواهر الاسمية والجواهر الحقيقية. ومع ذلك، تؤكد جيلمان باستمرار أن الجوهرانية النفسية ليست نظرية ميتافيزيقية تبحث في البنية الموضوعية الفعلية للكون، بل هي نظرية نفسية معرفية (Cognitive-Psychological Theory) تسعى لتوصيف الطريقة التي “يُمثل” بها العقل البشري الأشياء من حوله؛ أي أنها تتعامل مع الجوهر باعتباره “مكان حجز معرفي” (Cognitive Placeholder) يفترض البشر وجوده لتفسير ظواهر الواقع وتنظيمها، حتى وإن كانوا يجهلون الطبيعة الفيزيائية أو البيولوجية الدقيقة لهذا الجوهر المزعوم.

تتجلى الوظيفة الإبستيمولوجية الكبرى لهذا النموذج في تفسير كيفية صياغة وتوليد الاستدلالات الاستقرائية (Inductive Inferences). فبفضل الاعتقاد بوجود جوهر مشترك، يستطيع الإنسان تعميم سمة تم رصدها في عينة واحدة من فئة ما على جميع الأفراد المنتمين لتلك الفئة، حتى لو بدت تلك الأفراد شديدة التباين من حيث مظهرها الشكلي الخارجي. إن هذا “المحدد الجوهري” يمد التفكير البشري بقوة تنبؤية وتفسيرية هائلة تجعله يتحرر من التقييدات اللحظية للمدركات الحسية المباشرة.

2.2 الجوهرانية الفطرية مقابل البناء المعرفي المكتسب

طرحت نظرية جيلمان إشكالية شائكة في الأوساط الأكاديمية تتعلق بمسألة الفطرة والتعلم: هل التفكير الجوهراني بنية فطرية سابقة على التجربة أم أنه حصيلة بناء معرفي تراكمي تفرضه الخبرة الاجتماعية واللغوية؟ تقف سوزان جيلمان في هذا السجال موقفاً تركيبياً متوازناً، رافضةً الطروحات الفطرية الراديكالية المغلقة من جهة، والنظريات التجريبية الكلاسيكية السلوكية التي ترى في العقل مجرد آلة لتسجيل الارتباطات السطحية من جهة أخرى.

تُقدم جيلمان شواهد تجريبية مكثفة تؤكد أن التفكير الجوهراني يبدأ بالظهور في مراحل مبكرة جداً من الطفولة، تصل إلى سن الثانية والثالثة من العمر، وقبل أن يتلقى الطفل أي تعليم علمي منهجي أو تدريب أكاديمي حول علم الوراثة، أو الخلايا، أو البنى التحتية للمواد. هذا الظهور التلقائي المبكر يُشير بوضوح إلى وجود استعداد بيولوجي مسبق (Innate Cognitive Bias) ينحاز إليه الدماغ البشري لتقسيم العالم إلى فئات ذات جذور سببية باطنية، مما يحمي الوعي الناشئ من الغرق في التفاصيل الحسية المتغيرة والفوضى الإدراكية للعالم الخارجي.

في المقابل، ترفض جيلمان اعتبار الجوهرانية كتلة فطرية جاهزة ومكتملة المحتوى؛ فالتحيز الفطري يعمل كمجرد “هيكل افتراضي” (Skeletal Framework) أو إطار إرشادي فارغ، يتولى المحيط الاجتماعي واللغوي والتجريبي ملأه بالمضامين المحددة. فالطفل مهيأ فطرياً للاعتقاد بأن هناك سبباً باطنياً يجعل الكائن حياً أو ينتمي إلى جماعة معينة، ولكن الثقافة هي التي تحدد له ما هي الفئات التي ينبغي جوهرنتها وما هي الفئات التي يجب التعامل معها بمرونة، فضلاً عن تزويده بالتسميات اللغوية والقيم الرمزية المرتبطة بتلك الفئات.

يمثل هذا المفهوم قطيعة إبستيمولوجية مع نماذج التصنيف التجريبية التقليدية، مثل نظريات “النماذج الأولية” (Prototype Theories) ونظريات “المثيلات التراكمية” (Exemplar Models)، التي افترضت أن تصنيف الكائنات يتم بمقارنة المظاهر الخارجية المباشرة أو حساب المتوسط الرياضي للسمات الإدراكية المشتركة. لقد بينت أبحاث جيلمان أن الأطفال غالباً ما يرفضون التصنيفات القائمة على مجرد التشابه البصري إذا تعارضت مع التسمية الجوهرية للفئة، مؤكدة أن البناء المعرفي للطفل محكوم بنظرية سببية تمنح الأولوية للمحتوى الجوهري المفترض على حساب البريق الحسي الخادع.

3. كتاب ‘الطفل الجوهري’ وتحليل نشأة المفاهيم

3.1 الأطروحات المركزية في كتاب ‘الطفل الجوهري’ (2003)

يُمثل كتاب الطفل الجوهري: أصول التفكير الجوهراني في مرحلة الطفولة (The Essential Child: Origins of Essentialism in Everyday Thought)، الصادر عام 2003 عن دار نشر جامعة أكسفورد، الذروة المنهجية والنظرية لمسيرة سوزان جيلمان. في هذا العمل الموسوعي، حشدت جيلمان حصيلة عقدين ونيف من البيانات التجريبية الدقيقة المستقاة من مئات الدراسات المختبرية والميدانية، لتقدم مرافعة علمية دامغة أعادت تشكيل فلسفة الإدراك الطفولي ومباحث تطور المفاهيم برمتها.

الأطروحة المركزية التي يدور حولها الكتاب هي تفنيد “الافتراض الحسي الكلاسيكي” الذي هيمن على علم النفس منذ جون لوك وحتى جان بياجيه ومفكري النصف الثاني من القرن العشرين، والذي صوّر الطفل الرضيع والدارج ككائن سجين لمعطياته الحسية المباشرة (Perceptually Bound)، يقيّم العالم وفق الألوان اللامعة، والحركات المتغيرة، والأشكال الخارجية. أثبتت جيلمان في كتابها أن هذا التصور قاصر ومضلل؛ فالأطفال الصغار، على العكس من ذلك، يتصرفون في حياتهم اليومية كـ”علماء ميتافيزيقيين بالفطرة”، ينظرون بعين الشك إلى المظاهر، ويفترضون وجود قوى باطنية، وأسباب خفية، وطبائع مستترة تمنح الكيانات استقرارها وهويتها الدائمة.

يتتبع الكتاب المسار التطوري لنشأة هذه الفرضيات الجوهرية عبر مراحل الطفولة المختلفة وحتى مرحلة الرشد، مستعرضاً كيف يعالج الأطفال مفاهيم الكائنات الحية، والأدوات، والأمراض، والمواد الخام، والأنواع الاجتماعية. وتوضح جيلمان كيف أن هذه النزعة الجوهرانية ليست مرحلة ارتقائية مؤقتة يتخلص منها العقل بنضجه، بل هي آلية تفكير معرفية مستدامة ترافق الإنسان طوال حياته، وتظل تُلقي بظلالها على الفكر الأكاديمي، والعلمي، والاجتماعي حتى لدى البالغين الأكثر تعليماً وتحضراً.

3.2 الاستدلال الاستقرائي وتعميم الخصائص

أفردت جيلمان في كتابها مساحة تحليلية واسعة لمفهوم “الاستدلال الاستقرائي” (Inductive Inference)؛ مبرهنة على أن تصنيف الأطفال للأشياء ليس مجرد فهرسة سكونية، بل هو محرك ديناميكي لتوليد التوقعات وتعميم المعارف غير المرصودة. وفي سلسلة تجارب بالغة الإحكام، قدمت جيلمان للأطفال صوراً لكائنات حية تتناقض فيها المظاهر البصرية مع التسميات النوعية؛ مثل تقديم طائر “النورس” وطائر “الخفاش” الذي يشبهه شكلياً، إلى جانب طائر “الفلامنغو” الذي يختلف عنه تماماً في الشكل والمظهر.

عندما سُئل الأطفال الصغار (في عمر 3 إلى 4 سنوات) عن الخصائص التشريحية والبيولوجية غير المرئية—مثل: “أي هذه الكائنات يمتلك قلباً ذا تركيبة معينة، أو دم يتجمد في البرد؟”—اختار الأطفال التعميم بناءً على الانتماء الفئوي المشترك (طائر مع طائر) متجاهلين التشابه البصري الخارجي بين النورس والخفاش. أثبتت هذه النتيجة التجريبية الحاسمة أن اسم الفئة يعمل كأداة قوية تطلق افتراض الجوهر، موجهة عقل الطفل إلى أن الأعضاء المنتمين للفئة نفسها يتقاسمون الخصائص الداخلية حتى وإن تباينت أشكالهم الخارجية تبايناً جذرياً.

امتدت أبحاث جيلمان لتشمل تجارب “التحولات المظهرية الجذرية” (Transformation Tasks). حيث عُرضت على الأطفال قصص توضح إجراء تعديلات فيزيائية وشكلية قاسية على حيوان معين (كأن يُرسم خط أبيض على ظهر قطة سوداء، ويُزرع في جسمها كيس يُفرز رائحة كريهة لتبدو تماماً مثل حيوان الظربان). أظهرت النتائج أن الأطفال الصغار يصرون بقوة على أن هذا الحيوان يظل “قطة”، وأن نسله المستقبلي سيكون قططاً وليس ظرابين، مما يعكس إدراكاً عميقاً لـ ثبات الهوية (Identity Constancy) ومناعة الجوهر الباطني ضد أي تلاعب فيزيائي أو تشويه مظهري خارجي.

4. دور اللغة في تشكيل التفكير المفاهيمي والتصنيف

4.1 تأثير الأسماء العامة وفئات الكلمات

أفردت سوزان جيلمان جزءاً معتبراً من مشروعها العلمي لدراسة التفاعل المعقد بين البنية اللغوية والتفكير الجوهراني، متبنية مقاربة تؤكد أن اللغة ليست مجرد مرآة تنعكس عليها المفاهيم المشكلة سلفاً، بل هي أداة توليدية فاعلة تُسهم في نحت تلك المفاهيم وتوجيهها. وفي هذا السياق، حللت جيلمان بعمق دلالي استثنائي وظيفة الأسماء العامة (Noun Labels) في مقابل الأوصاف والصفات المظهرية.

أوضحت التجارب التي قادتها جيلمان أن استخدام الأسماء (Nouns) يترك أثراً سيكولوجياً يفوق بكثير استخدام الصفات الوصفية (Adjectives) أو العبارات الفعلية؛ فعندما يوصف شخص للطفل بأنه “قارئ للكتب” (He reads books a lot) يميل عقل الطفل للتعامل مع السلوك كفعل عارض أو ممارسة وقتية، ولكن عندما يُقال عنه إنه “محب للقراءة / كُتُبي” (He is a book-lover)، فإن صيغة الاسم تُفعل تلقائياً بنية الجوهرانية النفسية، وتجعل الطفل يفترض أن هذا السلوك نابع من سمة شخصية متأصلة، ومستقرة، ودائمة عبر الزمن وسياقات الحياة المختلفة.

ولإثبات هذه الفرضية بمعزل عن المعارف المسبقة للأطفال، صممت جيلمان وزملاؤها تجارب تعتمد على “الكلمات المصطنعة المستعارة” (Novel Pseudo-words) مثل فئات “البليكيت” (Blickets) و”الدّاكس” (Daxes). كشفت النتائج أن إطلاق اسم جديد على كائن غير مألوف يقود الأطفال فوراً للبحث عن خصائص وظيفية وباطنية مشتركة، وتوجيه انتباههم بعيداً عن الملامح السطحية كالحجم واللون الموضعي. يبرهن هذا على أن مجرد استخدام الاسم النحوي يرسل إشارة معرفية صريحة للطفل تفيد بأن “هذا الكيان يمتلك جوهراً يستحق الاستكشاف والتعميم”.

4.2 التعابير اللغوية المعممة ونقل الإرث الثقافي

يُعد بحث جيلمان في موضوع التعابير اللغوية المعممة (Generics / Generic Language) من أعمق إسهاماتها في حقل اللغويات المعرفية. والتعابير المعممة هي الجمل التي تشير إلى فئة كاملة من الكيانات دون استخدام محددات كمية صريحة (مثل: “كل”، “بعض”، أو “معظم”)؛ كقولنا: “الطيور تبني الأعشاش”، أو “الأولاد يلعبون بالسيارات”، أو “الكلاب تنبح”. هذه الصيغ اللغوية لا تعبر عن وقائع إحصائية مشروطة بزمان ومكان محددين، بل تدعي نقل “حقائق كينونية وجوهرية” غير قابلة للتقييد السياقي.

أثبتت جيلمان من خلال تحليل دقيق لمدونات المحادثات الأسرية والتفاعل اليومي العفوي بين الآباء والأطفال أثناء قراءة القصص المصورة، أن الآباء يستخدمون التعابير المعممة بكثافة لافتة ودون وعي مسبق بقوتها المعرفية. وتستقبل أدمغة الأطفال هذه التعابير ليس بوصفها ملاحظات ظرفية، بل باعتبارها إعلانات مطلقة عن الطبيعة الجوهرية للأنواع. فالطفل حين يسمع عبارة “الطيور تبني الأعشاش”، لا يُسقط هذه السمة على طائر بعينه، بل يعتبرها خاصية داخلية مقدرة في ماهية الطير، حتى لو علم لاحقاً أن ذكور بعض الطيور لا تبني أعشاشاً أو أن هناك طيوراً تعيش في كهوف.

تكمن خطورة هذا المسار اللغوي وأهميته في أنه يمثل الآلية الدقيقة التي ينتقل عبرها الإرث الثقافي والتصنيفات الاجتماعية بين الأجيال؛ فاللغة اليومية من خلال حمولتها المعممة تُمرر افتراضات غير مختبرة تجعل الطفل يتلقى التقسيمات الثقافية والتاريخية بوصفها حقائق طبيعية مطلقة ومكتملة الثبات، مما يؤسس لميكانيزمات معرفية تُرسخ الثبات المفاهيمي وتحد من التفكير النقدي المتشكك في مراحل التنشئة المبكرة.

5. التمييز المعرفي بين الكيانات الطبيعية والأدوات المصنوعة

5.1 إدراك الأنواع الطبيعية وخصوصيتها البيولوجية

أحد المحاور الكبرى في نموذج سوزان جيلمان التجريبي هو التمييز الصارم الذي يجريه عقل الطفل بين الأنواع الطبيعية (Natural Kinds)—كالذئاب، والأشجار، والذهب—والمصنوعات البشرية (Artifacts) كالكراسي، والمطارق، والسيارات. تؤكد جيلمان أن الأطفال يعاملون الأنواع الطبيعية باعتبارها كيانات تمتلك جوهراً بيولوجياً ومادياً مستقلاً عن الرغبة الإنسانية وقوانين الإدراك الظاهري.

تتبدى هذه الرؤية في التجارب التي عكفت فيها جيلمان على دراسة قضايا “الوراثة البيولوجية الساذجة” (Naive Biological Inheritance). فعندما يُعرض على طفل في سن الرابعة سيناريو افتراضي يتضمن ولادة حيوان رضيع، كأن يُؤخذ جرو صغير منذ لحظة ولادته وتتم تربيته حصرياً وسط قطيع من الخراف في بيئة مغلقة، يسأل الباحث: “عندما يكبر هذا الحيوان، هل سينبح أم سيمأمئ؟ وهل سيأكل اللحم أم العشب؟ وهل سيكون له ذيل مستقيم أم ملتف؟”. تأتي إجابات الأطفال متطابقة بصورة ساحقة لتؤكد أن الجرو سيكتسب حتماً خصائص الكلاب، وسينبح ويأكل اللحم، ضاربين بعرض الحائط تأثير البيئة التنشئية والتفاعل الاجتماعي المحيط به.

يستند هذا الاستدلال الطفولي الفطري إلى إيمان راسخ بوجود “برنامج داخلي” أو طبيعة عضوية أصيلة تُنقل من الآباء إلى الأبناء بيولوجياً، وهي فكرة تسبق أي معرفة علمية بقوانين الوراثة المندلية أو الحمض النووي (DNA). وتبرهن جيلمان على أن الأطفال يربطون السمات الوظيفية والتشريحية للكائنات الحية بهذا الجوهر الداخلي؛ فالنمر لا يمتلك أنياباً حادة لمجرد الصدفة، بل لأن طبيعته الباطنية ككائن مفترس هي التي تحتم وتولد هذه التراكيب العضوية بصورة غائية وحتمية.

5.2 إدراك المصنوعات البشرية وتأثير القصد التصميمي

في الطرف المقابل، ينقلب التفكير الجوهراني عند معالجة الأدوات والمصنوعات البشرية؛ حيث يدرك الأطفال في سن مبكرة أن الأدوات تفتقر إلى الجوهر الداخلي المستقل أو القوى البيولوجية التوليدية. وتثبت دراسات جيلمان أن تصنيف المصنوعات لا يستند إلى بنية باطنية مخفية، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ القصد التصميمي (Intentional Stance)؛ أي نية الصانع والغاية الوظيفية التي صُمم الكيان لأجلها، وفق ما هو موضح في المقارنة المنهجية التالية:

  • الأنواع الطبيعية: تتحدد الهوية فيها بالجوهر الداخلي، والوراثة، والتركيب العضوي الباطني؛ وتتمتع بمناعة تامة ضد التغيير المظهري؛ والسمات الوظيفية مشتقة من الهوية الوجودية ذاتها.
  • المصنوعات البشرية: تتحدد الهوية بالقصد الخارجي، ونية المصمم، والاستخدام العملي؛ وتتسم بالمرونة وقابلية التحول المادي الكامل (فإذا تم تفكيك الكرسي وإعادة تشكيله كطاولة، فإنه يصبح طاولة بصورة فعلية).

غير أن جيلمان تقدم إضافة نوعية مذهلة في تحليلها للأدوات، حينما تكتشف استثناءً حاسماً في إدراك المصنوعات؛ ويتجلى ذلك في نظرة الأطفال والبالغين للأشياء التي تتسم بـ الأصالة التاريخية أو القيمة العاطفية الفردية (Authenticity and Historical Relics). فالطفل الصغير يرفض بصورة قاطعة استبدال بطانيته المفضلة أو لعبته القطنية المتهالكة بلعبة أخرى متطابقة تماماً وجديدة خرجت لتوها من المصنع. لماذا؟

تُفسر جيلمان ذلك عبر مفهوم “العدوى المعرفية” أو “الجوهر الفردي التاريخي”؛ فالأشياء التي خضعت لتاريخ طويل من التفاعل الإنساني تكتسب في وعي الطفل نوعاً من “الجوهر غير المرئي” الذي يتجاوز خواصها المادية. إن القيمة هنا لا ترتبط بشكل الشيء، بل بسلسلة الاتصال التاريخي واللمس المعنوي الذي ارتبط به؛ وهي الظاهرة المعرفية نفسها التي تجعل البالغين مستعدين لإنفاق ملايين الدولارات لشراء غيتار عزف عليه جون لينون، بينما لا يساوون بينه وبين غيتار من نفس الطراز لم يلمسه الموسيقار، مما يؤكد أن التفكير الجوهراني يتسلل أيضاً إلى عالم المصنوعات عبر بوابة التاريخ والأصالة.

6. التعميمات اللغوية وتأثيرها على القوالب النمطية والتحيزات

6.1 نشأة الجوهرانية الاجتماعية لدى الأطفال

لم تنحصر أبحاث سوزان جيلمان داخل حدود علم النفس المعرفي المحض المرتبط بالبيولوجيا والأدوات، بل امتدت لتحدث زلزالاً علمياً في دراسة علم النفس الاجتماعي الإدراكي، وتحديداً في فهم أصول التعصب وظهور القوالب النمطية. وقد صاغت جيلمان في هذا الإطار مفهوم الجوهرانية الاجتماعية (Social Essentialism).

تتمثل المشكلة الكبرى في أن الآلية المعرفية التي طوّرها العقل البشري لفهم الطبيعة الحية وتصنيف الذئاب والأرانب، تُسقط بصورة غير واعية على الفئات الاجتماعية كالعرق، والجنس، والطبقة، والدين، والقومية. كشفت أبحاث جيلمان أن الأطفال يميلون في مراحل نموهم المبكرة إلى التعامل مع الفروق العرقية أو الفروق بين الجنسين بوصفها حدوداً بيولوجية قاطعة لا يمكن تخطيها، معتقدين أن سمات الجماعة وسلوكياتها نابعة من “جوهر باطني حتمي” يُحدد أداءهم وأخلاقياتهم ورغباتهم.

وتلعب اللغة المعممة الدور الأبرز في هذه الكارثة الإدراكية؛ فعندما يسمع الطفل في بيئته المنزلية عبارات مثل: “الفتيات خجولات”، أو “الأولاد لا يبكون”، أو “أفراد تلك الطائفة عدوانيون”، تلتقط أجهزته الدلالية هذه الصيغ بصفتها قوانين وجودية مطلقة. ولا تسجل التجربة هنا مجرد تصرف فردي، بل تُسقط السلوك الملحوظ على الفئة برمتها، جاعلة الطفل يعتقد أن الانتماء لهذه الفئة يحمل في طياته دافعاً غريزياً حتمياً يدفعهم للتصرف على هذا النحو، وهو ما يُمثل النواة التأسيسية لجميع أشكال العنصرية والتحيز الإقصائي في المجتمعات البشرية.

6.2 آليات تقليل التحيز وتعديل المفاهيم الاجتماعية

انطلاقاً من تشخيصها الدقيق للجذور المعرفية واللغوية للتعصب، طوّرت سوزان جيلمان وفريقها استراتيجيات تدخل إدراكية ولغوية مبتكرة تهدف إلى تفكيك التفكير الجوهراني الاجتماعي في سن الطفولة المبكرة والحد من آثاره التدميرية. ارتكزت هذه الاستراتيجيات على قاعدة واضحة: إذا كانت اللغة هي الحامل الأساسي للجوهرنة الاجتماعية، فإن تعديل الخطاب اللغوي يمثل المفتاح الذهبي لتعزيز المرونة الفكرية وتقبل التنوع.

صممت جيلمان برامج تجريبية استهدفت تدريب الآباء والمعلمين على تجنب استخدام التعابير المعممة (Generics) عند الحديث عن المجموعات البشرية، واستبدالها بـ صيغ وصفية ظرفية ومقيدة سياقياً (Specific and Episodic Language). فبدلاً من القول: “الفتيات ماهرات في الفنون”، يُدرب المربون على صياغة العبارة كالتالي: “هاتان الفتاتان رسمتا لوحة رائعة في حصة اليوم”. وقد بينت القياسات المعرفية اللاحقة أن الأطفال الذين نشأوا في بيئات لغوية تتحاشى التعميمات أظهروا مستويات متدنية للغاية من التنميط الاجتماعي، وكانوا أكثر قدرة على رؤية الأفراد كذوات مستقلة تتمتع بالاختيار والتمايز الشخصي.

علاوة على ذلك، سعت أبحاث جيلمان إلى تزويد مصممي المناهج التعليمية في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية بأدوات بيداغوجية تعمل على “نزع الصفة البيولوجية” عن الفروق الثقافية؛ وذلك من خلال التركيز على تفسير السلوك الإنساني عبر العوامل التاريخية والبيئية وسياقات التنشئة والفرص المتاحة، بدلاً من إرجاعها إلى طبائع موروثة. يمثل هذا التوجه تطبيقا عملياً رائداً لكيفية تحويل الأبحاث المعملية في علم النفس الإدراكي إلى سياسات تربوية وإنسانية تعزز العدالة الاجتماعية وتكافح العنصرية من جذورها العقلية الأولى.

7. تطور الفهم البيولوجي ونظرية العقل لدى الأطفال

7.1 الاستقلالية المفاهيمية لعلم الأحياء الساذج

شكّل كتاب جيلمان وأبحاثها المتزامنة مع أعمال عالم النفس سوزان كاري (Susan Carey) نقطة تحول في دراسة ما يُعرف بـ علم الأحياء الساذج (Naive Biology or Folkbiology). كان الرأي السائد قديماً هو أن فهم الأطفال للظواهر الحية هو مجرد فرع مشتق من “علم النفس الساذج”؛ أي أن الطفل يفسر حركة الحيوانات ونموها بنفس الطريقة التي يفسر بها أفعال البشر، معتمداً على مفاهيم الرغبة والقصد والإرادة الواعية.

نجحت جيلمان في إثبات خطأ هذا التصور، مؤكدة أن علم الأحياء الساذج يمثل مجالاً معرفياً مستقلاً بذاته في عقل الطفل الصغير، يمتلك قواعده التفسيرية الخاصة المنفصلة تماماً عن النوايا النفسية. يستوعب الأطفال الصغار ظواهر حيوية معقدة مثل: النمو التلقائي عبر الزمن (Growth)، والشفاء الداخلي للجروح (Healing)، والموت الحتمي، والتنفس، والوراثة؛ ليس بوصفها أفعالاً مقصودة يختار الكائن ممارستها، بل كنتيجة حتمية لاشتغال “قوى بيولوجية باطنية” تعمل داخل الجسد تلقائياً حتى أثناء النوم والغيبوبة.

أبرزت أبحاث جيلمان أن مفهوم “القوة الحيوية الداخلية” (Vitalism) يمثل الركيزة البيولوجية للجوهرانية لدى الطفل؛ فالأطفال الصغار الذين يجهلون كلياً فسيولوجيا الأعضاء، وتركيب الخلايا، وجريان الدم، يتصورون مع ذلك أن هناك طاقة أو جوهراً حيوياً مركزياً يُبقي الكائن على قيد الحياة ويدفعه للنمو. تتكامل هذه المنظومة مع النموذج الجوهراني لجيلمان، لتؤكد أن العقل يفرز تلقائياً تصنيفاً مستقلاً لعالم الأحياء يتميز عن عالم الجمادات وعالم المقاصد النفسية البشرية.

7.2 التفاعل بين نظرية العقل والجوهرانية النفسية

في مقابل استقلال علم الأحياء، درست جيلمان التفاعل الوثيق بين الجوهرانية المعرفية ونظرية العقل (Theory of Mind)، وهي القدرة الإدراكية التي تمكن الكائن البشري من إسناد الحالات العقلية—كالمعتقدات، والرغبات، والنوايا، والمشاعر—إلى الذات وإلى الآخرين لتفسير سلوكياتهم وتوقعها.

كشفت الدراسات أن الأطفال يطبقون مبادئ الجوهرانية ليس فقط على الأجساد والأنواع، بل على السمات الشخصية والأخلاقية أيضاً (Psychological Traits). فعندما يلاحظ الطفل نمطاً متكرراً من سلوكيات شخص ما (كالطيبة، أو العدوانية، أو الذكاء)، فإنه لا يتعامل مع هذا النمط بوصفه مجرد حالات عقلية طارئة أو استجابات مؤقتة لظروف متغيرة، بل يُسرع إلى عزوها إلى “جوهر نفسي ثابت” في تكوين ذلك الفرد، متوقعاً بقاء تلك السمة واستمراريتها عبر مراحل عمرية متباعدة (من الطفولة إلى الكهولة).

يخلق هذا التفاعل بين نظرية العقل والجوهرانية نموذجاً تفسيرياً مركباً: إذ يتعلم الطفل مع تقدم العمر أن يميز بدقة بالغة بين نوعين من الأحداث النفسية:
الحالات العقلية العابرة اللحظية (كمشاعر الغضب، أو الرغبة المؤقتة في تناول طعام ما) والتي تخضع لسياقات نظرية العقل الديناميكية؛ والسمات الجوهرية الدائمة للشخصية (كالنزاهة، أو الكرم، أو الأنانية) التي تُعالج عبر المنظومة الجوهرانية كخصائص شبه بيولوجية متأصلة. هذا التمايز يمنح الاستدلالات الاجتماعية والنفسية للأطفال نضجاً نوعياً يُمكنهم من التنبؤ بالمسارات السلوكية للآخرين والتكيف مع شبكات العلاقات الاجتماعية المعقدة.

8. التفاعل بين الفطرة والتنشئة في نموذج جيلمان

8.1 التحيزات الإدراكية الفطرية كمنطلق للتعلم

يحتل نموذج سوزان جيلمان موقعاً فريداً ومؤسساً في النقاش الإبستيمولوجي التاريخي بين دعاة الفطرة (Nativism) ودعاة التنشئة والتجربة (Empiricism). تطرح جيلمان رؤية متقدمة تُعرف في الأدبيات المعرفية المعاصرة بـ التحيزات الإدراكية الموجهة (Constrained Learning or Skeletal Biases). وفقاً لهذا المنظور، فإن عقل الرضيع لا يدخل العالم كوعاء فارغ يتلقى المثيرات بلا انتظام، بل هو مجهز بتفضيلات تطورية وانحيازات مسبقة توجه الانتباه نحو جوانب محددة من البيئة وتتجاهل جوانب أخرى.

تتمثل الوظيفة الحيوية لهذه التحيزات الفطرية في حماية الطفل من السقوط فيما أطلق عليه الفيلسوف ويليام جيمس “الفوضى الصاخبة المتدفقة للإدراك الحسي” (Blooming, Buzzing Confusion)؛ فلو كان العقل البشري مضطراً لحساب كافة الاحتمالات السطحية والروابط الإدراكية الممكنة بين الأشياء، لتعطلت قدرته على التعلم تماماً. هنا تتدخل الجوهرانية كـ”قالب معرفي موجه”؛ إذ تدفع الطفل افتراضياً للبحث عن العمق والسببية الباطنية، مما يقلص بصورة دراماتيكية مساحة الفرضيات الممكنة، ويسمح للطفل بالوصول إلى تعميمات صحيحة ومفاهيم دقيقة بناءً على تجارب محدودة للغاية وعينات قليلة من الواقع المحيط.

يتناغم هذا الطرح توافقاً عميقاً مع مكتشفات علم النفس التطوري والعلوم العصبية الإدراكية؛ فالافتراض بوجود جواهر ثابتة للكائنات والأنواع الحية مثل ميزة تكيفية استثنائية للإنسان الأول في بيئات الصيد والالتقاط. كان التعرف السريع على أن هذا الحيوان المفترس يمتلك “طبيعة قاتلة” بغض النظر عن لونه أو حجمه أو حالته الراهنة، مسألة تتعلق بالبقاء والنجاة جينياً؛ مما جعل هذه البنية الجوهرانية تتجذر في العمارة العصبية للدماغ البشري عبر ملايين السنين من الانتقاء الطبيعي.

8.2 دور المدخلات الثقافية والتفاعلات الاجتماعية

على الرغم من إقرارها الراسخ بالأساس الفطري الموجه، ترفض جيلمان بشكل قاطع الحتمية البيولوجية الاختزالية؛ فالتحيز الجوهراني في نموذجها هو مجرد إمكانية معرفية كامنة واستعداد هيكلي فارغ، يظل عاجزاً عن العمل بمفرده دون تغذية مستمرة ومشروطة من المدخلات الثقافية والاجتماعية (Cultural Input). فالبيئة لا تخلق الآلية، ولكنها تحدد بصورة حاسمة مجالات تطبيقها ومحتوياتها الموضوعية.

تُظهر دراسات جيلمان المتنوعة أن المجتمعات البشرية تختلف بشكل جوهري في كيفية ملء هذا القالب؛ ففي حين تجوهر بعض الثقافات الفروق العرقية أو الفئوية وتعتبرها طبائع منغلقة، تتجه ثقافات أخرى نحو جوهرنة المفاهيم الروحية، أو النسب والقرابة، أو الروابط البيئية مع الأرض والطبيعة. وتتم هذه الصياغة الثقافية عبر التفاعلات والمحادثات اليومية المشتركة التي تجمع الطفل بوالديه ومعلميه وأقرانه، حيث تفرز الثقافة تسمياتها وتصنيفاتها وقيمها الرمزية وتضخها داخل الإطار المعرفي المتوثب للطفل.

وبذلك، تقدم جيلمان حلاً تركيبياً فذاً للجدلية التقليدية بين الفطرة والتنشئة: فالطبيعة الفطرية توفر “الهيكل الاستدلالي” وآليات البحث عن الجوهر، في حين تتولى الثقافة والتنشئة تزويد هذا الهيكل بـ”المحتوى التجريبي” وتحديد خطوط الفصل والوصل بين الكيانات في العالم الخارجي؛ مما يدحض فكرة الفطرة التامة المغلقة وفكرة التكيف البيئي الخالص والعشوائي في آن واحد.

9. الابتكارات المنهجية والتجريبية في أبحاث سوزان جيلمان

9.1 تصميم التجارب التفاعلية مع الأطفال الصغار

لم يكن للثورة الفكرية التي قادتها سوزان جيلمان أن ترى النور وتكتسب هذه القوة الإقناعية الحاسمة لولا براعتها الاستثنائية وابتكاراتها الرائدة في تصميم البروتوكولات المنهجية التجريبية الملائمة لقدرات الأطفال الصغار والرضع. تمثلت المعضلة التاريخية لعلم النفس التنموي في أن الأطفال في سن ما قبل المدرسة (من 2 إلى 4 سنوات) يمتلكون حصيلة لغوية محدودة ويعجزون عن التعبير الشفهي المعقد عن أفكارهم، مما جعل الاختبارات البياجية القديمة تخلط بين عجز الطفل اللغوي وعجزه المعرفي الإدراكي.

تغلبت جيلمان على هذه الإشكالية عبر تطوير مهام تجريبية إبداعية تعتمد على التفاعل البصري والقصص المصورة والمهام غير اللفظية الذكية، وأطلقت منهجية شهيرة تُعرف بـ مهمة الاستدلال الثلاثية (Triad Paradigm). في هذه المهمة، يُعرض على الطفل كائن مستهدف (Target) بجانبه كائنان اختباريان:

  1. كائن يماثل الكائن المستهدف بشكل لافت في مظهره البصري الخارجي ولكنه ينتمي لفئة نوعية مغايرة (مثل سمكة قرش تشبه الدولفين بصرياً).
  2. كائن يختلف عنه كلياً في المظهر الشكلي الخارجي ولكنه يحمل الاسم والتصنيف النوعي نفسه (مثل سمكة صغيرة بيضاوية تختلف جذرياً في المظهر ولكنها تُسمى “سمكة”).

ثم يُخبر الطفل بمعلومة باطنية جديدة وغير مرئية عن الكائن المستهدف (كأن يُقال: “هذا الكائن يتنفس الأكسجين عبر خياشيم داخلية مخفية”)، ويُطلب منه تحديد أي من الكائنين الآخرين يشاركه هذه الخاصية الداخلية. أظهرت هذه التقنية المنهجية البارعة قدرة لا تقبل الشك على عزل المظهر الحسي عن الانتماء المفهومي، وضبط المتغيرات بدقة متناهية، مما مكن جيلمان من قياس الأداء المعرفي الجوهري للطفل دون إرهاقه بأعباء لغوية تفوق طاقته النمائية.

9.2 تحليل الخطاب والتفاعل الطبيعي في البيئات الواقعية

إلى جانب التجارب المعملية الصارمة، تميزت منهجية جيلمان بـ الصدق البيئي والواقعي (Ecological Validity)؛ إذ لم تحبس أبحاثها داخل أروقة المختبرات المعزولة، بل انفتحت على السياقات الحياتية الطبيعية للطفل. وقد قادت مشاريع بحثية استمرت سنوات لرصد وتسجيل المحادثات التلقائية العفوية بين الأمهات والآباء وأطفالهم في غرف المعيشة والمنازل والحدائق، وتحديداً أثناء جلسات القراءة التشاركية للقصص والكتب المصورة.

طوّرت جيلمان بالتعاون مع فريقها أطراً دلالية ولغوية شديدة التعقيد لترميز البيانات النوعية وتحليل الخطاب اللغوي؛ حيث تم تفريغ آلاف الساعات من التسجيلات الصوتية والمرئية، وتصنيف كل جملة تصنيفاً نحوياً ودلالياً دقيقاً (هل الجملة محددة، أم معممة، أم استفسارية، أم وصفية؟). وقد أتاح هذا الجمع بين الملاحظة الإثنوغرافية الميدانية والتحليل الإحصائي الدقيق للبيانات اللغوية، تتبع كيفية تسرب المفاهيم الجوهرية من لسان الأبوين إلى الوعي المفاهيمي للطفل بصورة عضوية وتدريجية.

تُعد هذه المقاربة المزدوجة—التي تزاوج بين عمق التجارب المخبرية المصممة بعناية والتحليل الطبيعي للخطاب اليومي—علامة فارقة في التطور المنهجي للعلوم المعرفية؛ إذ سدت الفجوة المزمنة بين دقة المختبر المصطنعة وثراء الحياة الواقعية الحقيقية المعقدة.

10. الدراسات الثقافية المقارنة وعالمية التفكير الجوهراني

10.1 اختبار الجوهرانية في المجتمعات غير الغربية

واجهت نظرية سوزان جيلمان في بداياتها نقداً إبستيمولوجياً معتاداً في العلوم الإنسانية: هل التفكير الجوهراني بنية معرفية إنسانية عامة، أم أنه مجرد نتاج ثقافي غربي يعكس أساليب التعليم واللغة في المجتمعات الصناعية الحديثة (مجتمعات WEIRD)؟ استجابت جيلمان لهذا التحدي العلمي بإطلاق سلسلة واسعة من الدراسات الثقافية المقارنة (Cross-Cultural Studies)، عابرة للقارات والمجتمعات التقليدية.

شملت تلك الأبحاث الميدانية دراسات مكثفة أُجريت على أطفال وشبكات عائلية في مجتمعات ريفية غير غربية، ومنها مجتمعات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية (مثل أمة المينوميني Menominee)، ومجتمعات تقليدية في أمريكا اللاتينية (مثل مجتمعات المايا في غواتيمالا)، ومجتمعات في مدغشقر، والهند، والشرق الأوسط. أظهرت النتائج المقارنة اتساقاً باهراً في البنى الأساسية للجوهرانية الطبيعية؛ حيث تبين أن الأطفال في جميع هذه الثقافات المتباينة جذرياً يمتلكون نفس الميل التلقائي للاعتقاد بأن الحيوانات والنباتات تمتلك طبائع باطنية غير مرئية تُحدد هويتها ونوعها البيولوجي وتتحكم في خصائصها الوراثية.

في المقابل، كشفت الدراسات عن تباينات ثقافية مذهلة في الجوهرانية الاجتماعية؛ ففي المجتمعات التي تتبنى أنظمة تراتبية صارمة مثل نظام الطوائف (Caste System) في الهند، يظهر الأطفال ميلاً أقوى بكثير وأبكر زمناً لجوهرنة الفئات الاجتماعية والطبقية مقارنة بالأطفال في المجتمعات ذات الحراك الاجتماعي الأكثر انفتاحاً ومرونة. أثبتت هذه البيانات الشاملة صحة أطروحة جيلمان المركزية: فـ الآلية المعرفية الاستدلالية عامة وعالمية بامتياز، ولكن الأطر الأيديولوجية والأنظمة الثقافية الخاصة بكل مجتمع هي التي توجه البوصلة نحو الفئات الاجتماعية التي يتم شحنها بتلك الحمولة الجوهرانية.

10.2 تأثير البيئة الإيكولوجية والتجربة المباشرة مع الطبيعة

كشفت أبحاث جيلمان المقارنة، بالتعاون مع علماء معرفة وأنثروبولوجيا بارزين مثل دوغلاس مِدين وسكوت أتران (Scott Atran)، عن متغير حاسم يؤثر في صياغة الفهم البيولوجي؛ ألا وهو مستوى الخبرة والتفاعل البيئي المباشر مع الطبيعة (Direct Ecological Exposure). وقد قارنت هذه الدراسات بدقة بالغة بين أطفال الضواحي الحضرية الكبرى الذين يعيشون في بيئات إسمنتية معزولة عن النظم البيئية الحية، والأطفال الذين ينشؤون في بيئات ريفية زراعية أو مجتمعات الصيد التقليدية.

بينت النتائج أن أطفال المدن الحضرية يميلون إلى تطبيق تفكير جوهراني “مبسط ومجرد” يركز حصرياً على الفئات النوعية الثابتة والتشريح الباطني الفردي المنعزل للكائن، وغالباً ما يستحضرون نموذج “الإنسان” كمعيار وحيد لقياس وفهم سائر الكائنات الحية (Anthropocentric Model). في المقابل، يمتلك الأطفال في البيئات الريفية ومجتمعات السكان الأصليين، بفضل احتكاكهم اليومي المباشر بحركة النباتات والحيوانات، فهماً بيولوجياً ناضجاً يجمع بين الجوهرانية والوعي الإيكولوجي العلائقي؛ فهم يدركون جوهر الحيوان وخصائصه الأصيلة، ولكنهم يفهمون في الوقت نفسه شبكة التفاعلات البيئية المعقدة والروابط التكافلية التي تربط الكائن ببيئته وموطنه ومصادر غذائه.

أكدت هذه المكتشفات أن التجربة الحياتية العملية لا تلغي النزوع الجوهراني الفطري بل تهذبه وترقيه؛ فتحوله من مجرد قالب تبسيطي سكوني إلى نموذج معرفي إيكولوجي وديناميكي ثري، قادر على استيعاب التعقيد البيئي دون التضحية بالثبات المفهومي للأنواع.

11. المكانة الأكاديمية والجوائز والتأثير العلمي

11.1 الاعتراف المؤسسي والجوائز العلمية الكبرى

حظيت البروفيسورة سوزان جيلمان بأرفع درجات التقدير المؤسسي والأكاديمي على الصعيدين الأمريكي والدولي؛ تقديراً لأبحاثها الاستثنائية التي غيرت مسار العلوم السلوكية والمعرفية. وقد تُوّج هذا الاعتراف العلمي بانتخابها عضواً في أرقى الهيئات العلمية في العالم، وفي مقدمتها:

  • عضوية الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية (National Academy of Sciences – NAS)، وهو أعلى تكريم علمي يمكن أن يناله باحث أمريكي.
  • عضوية الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم (American Academy of Arts and Sciences – AAA&S).
  • زمالة الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم (AAAS)، وزمالة جمعية العلوم المعرفية (Cognitive Science Society).

نالت جيلمان خلال مسيرتها الحافلة حزمة من أرفع الجوائز التقديرية التخصصية؛ حيث منحتها الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) جائزة الإسهامات العلمية المتميزة في علم النفس (Distinguished Scientific Contribution Award)، وهي جائزة مخصصة للعلماء الذين أسهمت أبحاثهم في تغيير البارادايم الفكري لحقولهم العلمية. كما حصلت على جائزة جيروم س. برونر المرموقة في علم النفس التنموي، وحصد كتابها العمدة “الطفل الجوهري” جائزة “إليانور ماكوبي” للكتاب المتميز في علم نفس الطفل من الجمعية الأمريكية لعلم النفس، محققاً إجماعاً نقدياً منقطع النظير كأحد أهم المراجع السيكولوجية الصادرة في مطلع القرن الحادي والعشرين.

11.2 التأثير الفكري على العلوم المعرفية المعاصرة

يتجاوز التأثير الفكري لسوزان جيلمان حدود الجوائز والألقاب إلى إعادة هيكلة الخارطة المعرفية لعلوم العقل الحديثة برمتها. لقد أسست أبحاثها جسراً إبستيمولوجياً متيناً وحد بين مجالات كانت متباعدة تقليدياً: فجمعت بين الصرامة التجريبية لـ علم النفس المعرفي، والعمق التحليلي لفلسفة اللغة والذهن، ودقة الدراسات اللغوية التركيبية والدلالية، والآفاق المفتوحة للأنثروبولوجيا الثقافية.

تُعد أطروحات جيلمان اليوم مرجعيات كلاسيكية إجبارية في كل دراسة تتناول تطور المفاهيم، أو التصنيف الدلالي، أو الإدراك الاجتماعي للطفولة، وهو ما تعكسه كثافة الاستشهادات الأكاديمية بأعمالها في كبرى الدوريات المحكمة، حيث تصنف باستمرار ضمن أكثر علماء النفس تأثيراً وحضوراً في الإنتاج البحثي العالمي المعاصر. لقد غيرت أعمالها جذرياً الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى الأطفال؛ فلم يعد الطفل يُعامل كعقل بدائي غير ناضج، بل ككيان معرفي مبهر يمتلك منظومة استدلالية سببية فائقة التطور، تسعى بلا كلل لاكتشاف النظام الباطني للوجود وإضفاء المعنى على عالم دائم التغير والتحول.

12. التطبيقات العملية والرؤى المستقبلية لمسيرة جيلمان

12.1 التطبيقات في التربية والتعليم وتطوير المناهج

تركت أبحاث سوزان جيلمان بصمات تطبيقية عميقة الأثر في حقول التربية والتعليم وتصميم المناهج الدراسية، ولا سيما في مجالات تعليم العلوم الطبيعية (Science Education) للأطفال في المراحل التأسيسية الأولى. فقد كشفت أعمالها أن الأطفال يدخلون الفصول الدراسية وهم محملون بـ”نظريات بديهية مسبقة” حول العالم البيولوجي والمادي، وأن تجاهل هذه النظريات الجوهرانية الفطرية يُفشل العملية التعليمية برمتها.

على سبيل المثال، يجد الأطفال صعوبة بالغة في استيعاب نظرية التطور البيولوجي والانتقاء الطبيعي؛ لأن التفكير الجوهراني الفطري لديهم يقاوم فكرة تحول نوع إلى نوع آخر عبر ملايين السنين، انطلاقاً من إيمانهم بثبات “جوهر النوع”. وبفضل أبحاث جيلمان، بدأ خبراء التربية في تصميم مناهج حديثة للعلوم تراعي هذه التحيزات المعرفية المسبقة، وتقدم شروحاً تدريجية تفكك الفهم الاستاتيكي للجوهر، وتستثمر الميل الفطري لدى الطفل نحو السببية لشرح مفاهيم الطفرات الجينية، والتكيف، والتنوع الحيوي بصورة سلسة تتناغم مع بنية تفكيره وتطورها.

يمتد التطبيق العملي كذلك إلى تدريب المعلمين وتأهيلهم اللغوي؛ حيث تم تطوير برامج تدريبية متخصصة تهدف إلى توعية الكوادر التعليمية بخطورة “اللغة المعممة” داخل الفصول الدراسية. يُدرب المعلمون اليوم على تجنب صياغة العبارات التي توحي بثبات قدرات الطلاب ومواهبهم (مثل: “هذا طالب موهوب بطبعه في الرياضيات” أو “الفتيان مشاغبون”)، واستبدالها بلغة نقدية مرنة تركز على عقلية النمو (Growth Mindset)، والجهد المبذول، والمسارات الإجرائية للتفكير والتعلم، مما يسهم في خلق بيئة مدرسية تدمج الجميع وتحد من التنميط الطبقي والجنساني والأكاديمي.

12.2 الآفاق المستقبلية للأبحاث والأسئلة المفتوحة

مع استمرار سوزان جيلمان في قيادة النشاط البحثي في مختبرها بجامعة ميشيغان، تتجه أبحاثها المعاصرة نحو آفاق جديدة ومثيرة تشتبك مع أعقد القضايا المعرفية والتكنولوجية الراهنة. ومن أبرز تلك المجالات الحديثة استكشاف كيفية تفاعل التفكير الجوهراني لدى الأطفال مع الروبوتات ووكلاء الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence and Social Robots)؛ حيث تسعى أبحاثها الحالية للإجابة عن أسئلة معرفية متقدمة: هل ينسب أطفال اليوم جوهراً داخلياً باطنياً للروبوتات الشبيهة بالبشر ولنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، أم يعاملونها كمجرد مصنوعات بشرية وأدوات متطورة؟

يتناول مسار بحثي آخر ريادي الأساس العصبي الحيوي (Neural Substrates) للتفكير الجوهراني؛ وذلك عبر توظيف أحدث تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لرصد الشبكات العصبية التي تنشط في الدماغ البشري عندما يستدعي الفرد مفاهيم جوهرية مقارنة بالمفاهيم السطحية أو الإدراكية، مما يفتح آفاقاً رحبة لربط التحليلات السلوكية والتجريبية لجيلمان بالبنية العصبية الدقيقة للدماغ.

كما تواصل جيلمان تقصي مرونة المفاهيم الجوهرية في ظل المجتمعات الرقمية والتحولات السريعة المتعلقة بسيولة الهويات وتعددها، مؤكدة أن مشروع فهم العقل البشري يظل مفتوحاً على مصراعيه؛ حيث يظل إرثها الفكري نبراساً يهتدي به العلماء في كل سعي نحو سبر أغوار البراءة الأولى لعقولنا، وكيفية نسجنا لنسيج الحقيقة والمعنى في هذا الكون الشاسع.

خاتمة

تُمثّل المسيرة العلمية لسوزان جيلمان علامة فارقة في تاريخ العلوم المعرفية والإنسانية؛ فقد تمكنت عبر صرامتها المنهجية، وعمقها النظري، وبصيرتها اللغوية النافذة من تحطيم الجدار الفاصل بين الفلسفة الميتافيزيقية وتجارب علم النفس المختبرية. لقد أعادت الاعتبار لعقل الطفل، كاشفةً عن كائن معرفي بديع لا يكتفي بما تمليه عليه حواسه المباشرة، بل يغوص بشجاعة فكرية فطرية في أعماق الأشياء بحثاً عن جواهرها المستترة وقوانينها الحاكمة.

إن أطروحات جيلمان حول الجوهرانية النفسية، وسطوة التعابير اللغوية المعممة، والفصل المعرفي الحاسم بين عوالم الطبيعة وصنائع الإنسان، قد وفرت للبشرية أدوات تفكير بالغة الحيوية ليس لفهم الطفولة فحسب، بل لفهم أزمات الراشدين أنفسهم، وفي مقدمتها آليات التعصب والانغلاق الفكري. يظل إرث سوزان جيلمان، الذي يتواصل عطاؤه المتجدد حتى يومنا هذا، شهادة خالدة على قدرة العلم الرصين على كشف أسرار الوعي، وإرساء أسس مجتمع أكثر فهماً لطبيعته البشرية، وأكثر مرونة في تقبل التنوع، وأقدر على تحرير العقل من أوهام الجواهر الزائفة.

المراجع

★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات