السيرة
تمثّل البروفيسورة سوزان فولكمان (Susan Folkman)، المولودة في عام 1938، واحدة من أبرز القامات الفكرية والبحثية التي أعادت تشكيل مشهد علم النفس المعرفي وعلم النفس الصحي المعاصر. قبل ظهور إسهاماتها الرائدة بالتعاون مع عالم النفس الشهير ريتشارد لازاروس (Richard Lazarus)، كانت دراسات الإجهاد والضغوط النفسية ترزح تحت وطأة نماذج ميكانيكية وبيولوجية صرفة، تختزل الإنسان في مجرد متلقٍ سلبي للمثيرات البيئية العنيفة، أو تفترض استجابة فسيولوجية آلية موحدة للأخطار كما رسخها هانز سيلي. غير أن أبحاث فولكمان الميدانية والتنظيرية أحدثت ثورة إبستيمولوجية قلبت هذه الموازين؛ إذ بيّنت أن استجابة الكائن البشري للمحن والشدائد لا تتحدد بخصائص الحدث الخارجي المجرد، وإنما تتشكل عبر وسائط معرفية دقيقة، وعمليات تقييم ذاتية واعية وديناميكية، تزن طبيعة التهديد ومقدار الموارد المتاحة للمواجهة.
امتد عطاء سوزان فولكمان العلمي عبر مسار بحثي متفرّد، انطلق من أروقة جامعة كاليفورنيا في بيركلي حيث صيغت النظرية التفاعلية للضغوط ونُشر العمل الكلاسيكي الخالد Stress, Appraisal, and Coping عام 1984، ووصل إلى ذروة نضجه الإنساني والعيادي في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو إبان تفشي وباء الإيدز في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم. هناك، ووسط بيئة مثقلة بالفقد والاحتضار والوصم الاجتماعي، قادت فولكمان دراسات طولية مكثفة كشفت عن مفارقة نفسية مذهلة؛ تمثلت في قدرة البشر على توليد المشاعر الإيجابية واختبار لحظات المعنى العميقة حتى في أحلك ظروف الألم الإنساني المزمن، مما قادها إلى تطوير مفهوم “التكيف القائم على إيجاد المعنى” وإعادة صياغة نظرية الضغوط المعرفية لتشمل الدور الوظيفي الحيوي للانفعالات الإيجابية.
يتناول هذا المقال العلمي الشامل المسيرة الحياتية والفكرية لسوزان فولكمان من منظور تاريخي ونقدي وتطبيقي متكامل؛ مسلطاً الضوء على نشأتها وتحدياتها كباحثة رائدة في حقل هيمن عليه الرجال، وتفاصيل شراكتها التأسيسية مع لازاروس، والبنية السيكومترية لمقياس أساليب التكيف الذي ابتكراه، ومساهماتها القيادية في تأسيس مركز أوشر للطب التكاملي، وصولاً إلى موقع نظرياتها في التعامل مع الأزمات الإنسانية المعاصرة كالأوبئة والتحولات المناخية. إنها دراسة تستقصي كيف تمكنت هذه العالمة الاستثنائية من ترسيخ رؤية للإنسان ككائن فاعل يمتلك مرونة عقلية وروحية لا تنضب لمواجهة المجهول وإعادة بناء حياته الداخلية وسط الركام.
1. المدخل التأسيسي: السيرة الذاتية والنشأة الأكاديمية لسوزان فولكمان
1.1 النشأة والمراحل التعليمية الأولى
وُلدت سوزان فولكمان في مارس من عام 1938 في الولايات المتحدة الأمريكية، في حقبة تاريخية وسياسية معقدة كانت تتهيأ فيها الساحة الدولية لخوض غمار الحرب العالمية الثانية. ترعرعت فولكمان في بيئة عائلية واجتماعية أولت اهتماماً بالغاً بالمعرفة والتحصيل الفكري، ونشأ لديها منذ بواكير طفولتها ومراهقتها فضول متقد حول طبيعة السلوك الإنساني ودوافع التصرفات البشرية تحت وطأة الأزمات. قادها هذا الفضول المبكر إلى الانخراط في قراءات معمقة في مجالات الفلسفة الأخلاقية والعلوم الاجتماعية، حيث بدأت تتشكل لديها النواة الأولى لرؤيتها حول مركزية المعنى والقيم في توجيه الفعل البشري.
خلال دراستها الجامعية الأولى، تأثرت فولكمان بالتيارات الفكرية التي جمعت بين التحليل السلوكي والافتراضات الفلسفية للوجودية والإنسانية. وقد شكل هذا المزيج المعرفي وعيها النقدي تجاه التفسيرات الاختزالية التي كانت شائعة آنذاك، والتي كانت ترى في السلوك مجرد منعكس شرطي أو استجابة عمياء للغرائز الدفينة. كان تركيزها منصباً على فهم كيفية إدراك الأفراد لواقعهم، وكيف تؤثر البنى المعرفية الذاتية في تشكيل التجربة المعيشة للمرء في مواجهة متطلبات الحياة اليومية والصدمات غير المتوقعة.
لم يكن المسار الأكاديمي مفروشاً بالورود أمام فولكمان؛ إذ اصطدمت بالواقع المؤسسي الصارم للجامعات الأمريكية في منتصف القرن العشرين، حيث كانت الأقسام الأكاديمية لعلم النفس والطب النفسي تخضع لسيطرة ذكورية شبه مطلقة. واجهت الباحثات الإناث في ذلك الوقت حواجز هيكلية معقدة، تمثلت في التشكيك في قدراتهن المنهجية، وتقليص فرص حصولهن على المنح البحثية المستقلة، وتوجيههن نحو مجالات الدعم الثانوي بدلاً من قيادة المختبرات النظرية والتجريبية الكبرى. غير أن هذا المناخ التمييزي ولّد لدى فولكمان إصراراً مضاعفاً على التسلح بأقصى درجات الصرامة الإمبيريقية والمنهجية للدفاع عن أفكارها وإثبات جدارتها المعرفية في الساحة العلمية.
1.2 الانخراط الأكاديمي والتحول نحو علم النفس الصحي
شهدت المسيرة الأكاديمية لسوزان فولكمان نقطة تحول حاسمة عندما قررت الالتحاق ببرنامج الدراسات العليا في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، التي كانت تعد في ذلك الوقت واحدة من أهم بؤر التجديد الفكري والاضطراب السياسي والاجتماعي في العالم الغربي. في هذه البيئة المتقدة، اختارت فولكمان الانخراط المتخصص في دراسة التفاعل المعقد بين العمليات العقلية المعرفية والوظائف الفسيولوجية للجسم، وهو الحقل الناشئ الذي عُرف لاحقاً باسم علم النفس الصحي (Health Psychology).
كانت الأسئلة الأولى التي أثارت شغف فولكمان البحثي تدور حول لغز سريري ملموس: لماذا ينهار شخص ما نفسياً وجسدياً عند تعرضه لحدث صادم كفقدان وظيفة أو تشخيص مرضي، بينما ينجح شخص آخر يمر بالظروف ذاتها تماماً في التماسك، بل وتطوير قدرات صمود جديدة؟ لاحظت فولكمان أن النماذج الطبية السائدة عاجزة تماماً عن تقديم تفسير منهجي مقنع لهذا التباين الفردي الصارخ؛ إذ كانت تركز على شدة المثير الخارجي فقط أو على الاستعداد الوراثي دون النظر إلى الفضاء الذهني الوسيط بينهما.
خلال عملها على أطروحة الدكتوراه في بيركلي، كرست فولكمان جهودها لتصميم أدوات قياس رائدة تستطيع تتبع العمليات العقلية التي يمارسها الأفراد في معالجة أحداث الحياة المجهدة. وقد قادها هذا التوجه إلى التشكيك الجذري في نظريات “سمات الشخصية” الثابتة، والتي كانت تزعم أن التكيف مجرد سمة فطرية مستقرة يولد بها الفرد كالانطواء أو العصابية. وبدلاً من ذلك، بدأت فولكمان في صياغة مفهوم جديد يرى أن التكيف هو “عملية” (Process) ديناميكية سياقية تتغير وتتبدل لحظة بلحظة بحسب طبيعة التفاعل القائم بين الفرد وبيئته المحيطة.
1.3 السياق التاريخي لبحوث الضغوط النفسية في منتصف القرن العشرين
لفهم الثورة العلمية التي قادتها سوزان فولكمان، يجب إلقاء الضوء على المشهد النظري السائد لدراسات الضغط النفسي (Stress) قبل دخولها الميدان. كان الحقل محكوماً بنموذجين رئيسيين: الأول هو النموذج الفسيولوجي الميكانيكي المستمد من أبحاث والتر كانون (Walter Cannon) حول استجابة “القتال أو الهروب” (Fight-or-Flight)، وأبحاث هانز سيلي (Hans Selye) الرائدة حول “متلازمة التكيف العام” (General Adaptation Syndrome). افترض سيلي أن الضغط هو استجابة فسيولوجية ونمائية غير نوعية يتعرض لها الجسم تحت أي نوع من أنواع العبء البيولوجي، متجاهلاً بذلك الإدراك الذاتي للشخص ووعيه بالحدث.
أما النموذج الثاني، فكان يستند إلى المنهج السلوكي الحتمي الصارم القائم على ثنائية (المنبه والاستجابة – S-R)، والذي تجسد في نظريات قائمة أحداث الحياة مثل مقياس هولمز وراهي (Holmes and Rahe Stress Scale). كان هذا المقياس يفترض أن لأحداث معينة (مثل وفاة الشريك، أو الطلاق، أو السجن) وزناً عددياً ثابتاً من “وحدات التغيير الحياتي”، وأن تراكم هذه الوحدات يؤدي بصورة حتمية إلى تدهور الصحة النفسية والجسدية، بمعزل عن معنى الحدث لدى الشخص الذي يختبره أو موارده النفسية والاجتماعية للتعامل معه.
تزامن صعود فولكمان الأكاديمي مع انطلاق “الثورة المعرفية” في علم النفس، التي قادها علماء من أمثال جيروم برونر ونعوم تشومسكي وألبرت إليس. أدت هذه الثورة إلى كسر الهيمنة السلوكية وإعادة الاعتبار للعقل البشري، والتمثيلات الذهنية، والتقييمات الواعية بوصفها المحدد الأساسي للسلوك والمشاعر. في هذا السياق التاريخي الخصب، أدركت فولكمان أن الوقت قد حان لبناء نظرية متكاملة للضغط النفسي تجعل من الإدراك المعرفي جوهرها النابض، مما مهد البيئة العلمية لتقبل النماذج التفاعلية المعقدة وتجاوز النماذج البيولوجية الميكانيكية التي سادت لعقود طويلة.
2. الشراكة الفكرية مع ريتشارد لازاروس وتأسيس النموذج التفاعلي
2.1 التعاون الأكاديمي في جامعة كاليفورنيا بيركلي
في أواخر سبعينيات القرن العشرين، التقت سوزان فولكمان بالبروفيسور ريتشارد لازاروس في قسم علم النفس بجامعة كاليفورنيا في بيركلي. كان لازاروس في ذلك الحين باحثاً بارزاً ومعروفاً باعتراضاته النظرية على النماذج الفسيولوجية للضغط ودعوته المستمرة لدراسة “التقييم المعرفي”، غير أن أفكاره كانت تفتقر إلى الأطر المنهجية الإمبيريقية التطبيقية التي تحول هذه الرؤى الفلسفية إلى أدوات قياس كمية دقيقة ومثبتة تجريبياً في الميدان السريري والحياتي الواقعي.
شكل انضمام فولكمان إلى مختبر لازاروس التوليفة الأكاديمية المثالية؛ إذ جمعت الشراكة بين العبقرية التنظيرية والرؤية العيادية الشاملة التي تميز بها لازاروس، وبين البراعة المنهجية والصرامة الإحصائية والتحليلية والنزول الميداني الذي قادته فولكمان. سرعان ما تحول التعاون بينهما من علاقة أستاذ وتلميذة إلى شراكة فكرية ندية كاملة، أثمرت عن سلسلة من المشاريع البحثية التي شملت دراسات عينات مجتمعية من مختلف الأعمار لتتبع الضغوط اليومية الصغرى (Daily Hassles) ومقارنتها بأحداث الحياة الكبرى.
عمل الفريق في بيركلي على تفكيك بنية التجارب المعملية التقليدية، التي كانت تضع الأفراد في مواجهة صدمات كهربائية أو أفلام مرعبة لقياس نبضات القلب والتعرق، واستبدالها بدراسات طولية واقعية تعاين ما يعيشه البشر في حياتهم العائلية، وبيئات عملهم، ومواجهاتهم مع الأمراض العضوية المزمنة. قادت فولكمان هذا التحول المنهجي الميداني باقتدار، مما مهد الطريق لبلورة النظرية الأكثر شمولاً وتأثيراً في تاريخ علم النفس الصحي الحديث.
2.2 نقد النماذج الفسيولوجية التقليدية للضغط النفسي
انطلقت فولكمان ولازاروس في مشروعهما التأسيسي من توجيه نقد جذري لنظرية التكيف العام لهانز سيلي. وبيّنت فولكمان في أوراقها النقدية المبكرة أن افتراض سيلي بوجود استجابة فسيولوجية غير نوعية موحدة (Non-specific physiological response) يتجاهل تماماً دور القشرة المخية الحديثة والمراكز العليا في الدماغ التي تدرك المثير وتفسره. فالجسم لا يفرز هرمونات الضغط مثل الكورتيزول والأدرينالين بمجرد وقوع حدث فيزيائي، بل يفرزها عندما يحكم العقل بأن هذا الحدث يهدد استقراره وسلامته ويفوق قدراته على المواجهة.
كما فككت فولكمان أوجه القصور في النماذج السلوكية التي تعاملت مع الإنسان بوصفه صندوقاً أسود ينفعل بالمثيرات الخارجية مباشرة. وطرحت بديلاً جذرياً يؤكد أن الضغط النفسي ليس “مُثيراً” يكمن في البيئة (كفقدان المال أو المرض)، ولا هو مجرد “استجابة” فسيولوجية أو انفعالية ترصد في الجسد (كتسارع نبضات القلب أو البكاء)، بل هو علاقة تبادلية وتفاعلية (Transaction) محددة بين الشخص وبيئته.
تقوم هذه العلاقة التفاعلية على التقييم المستمر؛ فالحدث البيئي لا يكتسب صفة “الضاغط” إلا إذا قيّمه الشخص على أنه يستنزف موارده أو يتجاوزها، ويهدد بالتالي رفاهيته وصحته. وبهذا الطرح، انتزعت فولكمان مفهوم الضغط من حيز البيولوجيا الصرفة ومن حيز السلوكية الميكانيكية، لتضعه في قلب العمليات المعرفية الإنسانية والوعي الذاتي.
2.3 إصدار كتاب الضغط والتقييم والتكيف (1984)
في عام 1984، بلغت هذه الشراكة العلمية ذروتها الفكرية مع إصدار كتابهما المرجعي التاريخي: Stress, Appraisal, and Coping (الضغط، التقييم، والتكيف)، الصادر عن دار نشر سبرينغر (Springer). كان هذا الكتاب بمثابة زلزال معرفي أعاد رسم خريطة العلوم السلوكية والطب النفسي، حيث تضمن صياغة محكمة وممنهجة للنظرية المعرفية التفاعلية، معززة بالأدلة الإمبيريقية وأطر القياس الإحصائي المبتكرة.
أعاد المؤلف تعريف المفاهيم الضبابية التي كانت تحيط بمصطلحي “الضغط” و”التكيف”، ونقلها من المفاهيم الفلسفية المجردة إلى متغيرات علمية قابلة للملاحظة، والقياس، والتحقق التجريبي المتكرر. قسّم الكتاب العمليات التكيفية إلى أبعاد بنائية واضحة، وأرسى قواعد التفريق بين التقييم الأولي والتقييم الثانوي وإعادة التقييم، كما وضع الأساس العلمي للتفريق بين التكيف الموجه نحو حل المشكلات والتكيف الموجه نحو تنظيم الانفعالات.
حقق الكتاب نجاحاً أكاديمياً غير مسبوق، وأصبح في غضون سنوات قليلة واحداً من أكثر الكتب والمراجع استشهاداً (Citation) في تاريخ العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبية عموماً، متجاوزاً عشرات الآلاف من الاستشهادات في المجلات العلمية المحكمة. وبات الكتاب بمثابة “الإنجيل المعرفي” لكل باحث يدرس السلوك البشري تحت الضغط، والركيزة التي بنيت عليها آلاف الدراسات العيادية والتدخلات النفسية في مختلف بقاع الأرض.
3. النظرية المعرفية التفاعلية للضغوط النفسية
3.1 التقييم المعرفي الأولي وتحديد دلالة الموقف
يمثل مفهوم التقييم المعرفي الأولي (Primary Appraisal) حجر الزاوية في النموذج النظري الذي صاغته فولكمان. لا يُقصد بالأولي هنا الأسبقية الزمنية بالضرورة، بل الأسبقية في تحديد “الدلالة والمعنى”؛ إذ يجيب هذا التقييم عن السؤال الجوهري اللاواعي أو الواعي الذي يطرحه الإنسان فور مواجهة أي موقف بيئي: “هل يمس هذا الأمر مصلحتي أو رفاهيتي أو وجودي؟”
وفقاً لطرح فولكمان، يقود التقييم الأولي إلى تصنيف الموقف البيئي إلى ثلاثة مسارات رئيسية:
- موقف غير ذي صلة (Irrelevant): حيث يدرك الفرد أن الحدث لا يحمل أي انعكاسات إيجابية أو سلبية على أهدافه وقيمه وسلامته، فلا تتولد أي استجابة ضاغطة.
- موقف حميد وإيجابي (Benign-Positive): يرى فيه الشخص فرصة لتعزيز رفاهيته، أو تحقيق السعادة، أو الحفاظ على مكاسبه الحيوية، وتصاحبه انفعالات مبهجة كالارتياح والبهجة والفخر.
- موقف مجهد وضار (Stressful): وهو الموقف الذي يُقيَّم على أنه يشكل خطراً أو عبئاً على حياة الفرد واستقراره.
في حال تقييم الموقف كموقف مجهد، حددت فولكمان ثلاثة أبعاد فرعية حاسمة:
- الأذى والضرر (Harm/Loss): يشير إلى تقييم إصابة أو خسارة فعلية وقعت بالفعل في الماضي القريب، كوفاة شخص عزيز، أو فقدان عضو جسدي، أو خسارة مالية مدمرة.
- التهديد (Threat): يرتبط بتوقع أضرار أو خسائر وشيكة الوقوع في المستقبل القريب أو البعيد، ويصاحبه غالباً انفعالات الخوف والقلق والترقب المشحون بالتوتر.
- التحدي (Challenge): تقييم معرفي يتسم برؤية الموقف الصعب كفرصة للنمو والتعلم واكتساب القوة وتحقيق مكاسب شخصية، وتصاحبه انفعالات الأمل، واليقظة، والحماس التنافسي، والدافعية العالية للتحرك.
3.2 التقييم المعرفي الثانوي وتقدير موارد المواجهة
بينما يركز التقييم الأولي على تقييم خطورة الموقف ومغزاه، ينبري التقييم المعرفي الثانوي (Secondary Appraisal) للإجابة عن سؤال حاسم مكمل: “ما الذي يمكنني فعله لمواجهة هذا الموقف؟ وما هي الموارد المتاحة لدي؟” إنه عملية فحص وتقييم شاملة للخيارات المتاحة والإمكانات الذاتية والبيئية لتطويق الضرر أو درء التهديد أو استثمار التحدي.
يشمل تقدير موارد المواجهة وفق فولكمان فحص منظومة معقدة من الموارد:
- الموارد الداخلية: وتشمل الصلابة النفسية، والمهارات الشخصية، وحصيلة المعرفة والخبرات السابقة في مواجهة أزمات مماثلة، ومستوى الثقة بالنفس، والكفاءة الذاتية المدركة.
- الموارد الخارجية: وتشمل شبكة الدعم الاجتماعي والعائلي، والموارد المالية والمادية، وإمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية والقانونية المتخصصة.
يمتد التقييم الثانوي إلى تفحص جدوى خيارات المواجهة المتاحة؛ فالفرد يقيّم ما إذا كان تطبيق استراتيجية معينة سيؤدي بالضرورة إلى إزالة الخطر (توقعات فاعلية الاستجابة)، وما إذا كان هو شخصياً قادراً على تنفيذ هذا الإجراء بمهارة وتحمل تبعاته (توقعات الكفاءة الذاتية). ولا يعمل التقييم الأولي والثانوي كخطين متتابعين بجمود، بل يدخلان في حوار جدلي وتغذية راجعة فورية ومستمرة؛ فالشعور بتوفر موارد فائقة (تقييم ثانوي ممتاز) يحول إدراك التهديد الشديد في التقييم الأولي إلى مجرد تحدٍ يمكن السيطرة عليه والانتصار في معركته.
3.3 إعادة التقييم المعرفي والديناميكية الموقفية
رفضت سوزان فولكمان رفضاً قاطعاً النماذج الساكنة التي تتعامل مع التكيف كحالة ثابتة أو سمة شخصية جامدة لا تتغير. وقدمت بدلاً من ذلك مفهوم إعادة التقييم المعرفي (Cognitive Reappraisal)، الذي يعكس المرونة التكيفية المستمرة للإنسان استجابةً للمتغيرات البيئية وظهور معلومات جديدة لم تكن معلومة عند اللحظة الأولى للحدث.
تحدث عملية إعادة التقييم كرد فعل مباشر للتغيرات التي تطرأ على الموقف إما نتيجة للتدخلات التكيفية التي قام بها الفرد نفسه (مثل نجاحه في حل جزء من المشكلة)، أو نتيجة لتبدل مسارات الحدث الخارجي بصورة تلقائية، أو نتيجة لاكتساب معارف وأدلة عقلانية تفكك مخاوفه الأولية. تتيح إعادة التقييم للشخص تعديل حكمه الأول؛ فما كان يبدو بالأمس تهديداً كارثياً ساحقاً قد يتحول اليوم، بعد اتضاح الحقائق، إلى مكسب شخصي أو تحدٍ مقدور عليه.
أشارت فولكمان كذلك إلى نوع خاص يُعرف بـ إعادة التقييم الدفاعي (Defensive Reappraisal)، وهو جهد معرفي يهدف إلى تخفيف التوتر عبر تحريف الإدراك للواقع أو إنكاره بصورة مؤقتة لحماية الذات من الانهيار العاطفي السريع عند غياب أي موارد حقيقية للتحكم. تؤكد هذه الصياغة الديناميكية أن الضغط النفسي معركة معرفية مفتوحة تتنقل باستمرار بين التقييم، والفعل التكيفي، ومراجعة النتائج، وإعادة التقييم في تدفق حياتي دائم لا يهدأ إلا بزوال الموقف أو استقرار الفرد في نمط جديد من التوازن.
4. تصنيف استراتيجيات التكيف: التكيف الموجه نحو المشكلة والانفعال
4.1 التكيف الموجه نحو المشكلة وطرق التعامل الإجرائي
في إطار سعيها لتشريح السلوك التكيفي بدقة إمبيريقية، صاغت سوزان فولكمان بالاشتراك مع لازاروس تصنيفاً ثنائياً كلاسيكياً يعد الأكثر شهرة وتطبيقاً في العلوم النفسية، حيث ميزت بين استراتيجيات التكيف الموجه نحو المشكلة (Problem-Focused Coping) واستراتيجيات التكيف الموجه نحو الانفعال. يهدف التكيف الموجه نحو المشكلة بصورة أساسية إلى تغيير أو تعديل الواقع الموضوعي الخارجي المسبب للإجهاد، أو إزالة العوائق التي تحول دون تحقيق الأهداف الشخصية.
يتضمن هذا المسار آليات إجرائية وعقلانية واعية، تركز على العمل المباشر وتفكيك الأزمة إلى عناصر قابلة للحل. من أبرز هذه الآليات:
- حل المشكلات التحليلي (Problem Solving): تحليل جذور الموقف الضاغط، وتوليد بدائل للحلول، وتقييم كلفة كل مسار وعوائده، واختيار البديل الأكثر كفاءة للتنفيذ.
- التخطيط الاستراتيجي (Planning): وضع جداول زمنية وإجراءات مرحلية منظمة لتفادي المخاطر المستقبلية وتوزيع الموارد بحكمة.
- جمع المعلومات والتقصي (Information Seeking): السعي النشط لفهم البيئة المحيطة، واستشارة الخبراء، والبحث عن البيانات التي تزيل الغموض وتكشف طبيعة التهديد.
- المواجهة الحازمة (Confrontive Coping): اتخاذ إجراءات مباشرة وديناميكية لتعديل سلوك الآخرين، أو الدفاع عن الحقوق الشخصية، أو إزاحة العقبات المؤسسية والاجتماعية بقوة وإصرار.
أكدت فولكمان أن فاعلية هذا النمط التكيفي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بشرط بنيوي حاسم: وهو وجود إمكانية موضوعية واقعية للتحكم وتغيير الموقف. فعندما يكون الموقف قابلاً للحل (كالتحضير لامتحان صعب، أو التفاوض على عقد عمل، أو الخضوع لجراحة طبية علاجية ناجزة)، يكون التكيف الموجه نحو المشكلة هو المسار الأمثل لخفض مستويات الضغط النفسي على المدى الطويل وتحقيق نتائج صحية إيجابية.
4.2 التكيف الموجه نحو الانفعال وإدارة المشاعر الداخلية
على النقيض من المسار الإجرائي الخارجي، يبرز التكيف الموجه نحو الانفعال (Emotion-Focused Coping)، وهو حزمة معقدة من الاستراتيجيات المعرفية والسلوكية التي تستهدف ضبط وتعديل الاستجابة العاطفية والفسيولوجية المتولدة عن الموقف الضاغط، دون تغيير الموقف البيئي الموضوعي ذاته. يتدخل هذا النمط عندما يدرك الفرد أن الحدث أكبر من قدرته على التعديل الفوري، فيعمل على حماية نفسه من الاحتراق الوجداني والقلق المفرط.
تتعدد أشكال هذا التكيف وتتباين ما بين استراتيجيات ناضجة وتكيفية، واستراتيجيات قد تكون انسحابية أو ضارة إذا استمرت طويلاً. وتشمل:
- إعادة التأطير الإيجابي (Positive Reappraisal): بناء سردية عقلية جديدة للموقف تركز على الجوانب المضيئة، والدروس المستفادة، وتجاوز التركيز الأحادي على الخسائر.
- التباعد المعرفي (Distancing): محاولة الانفصال النفسي الواعي عن وطأة الحدث، والنظر إليه بنوع من الحياد الفكري لتقليل الصدمة العاطفية.
- الإنكار والتجنب (Denial and Avoidance): التظاهر بعدم وجود المشكلة أو الهروب منها عبر النوم المفرط أو الانغماس في أنشطة بديلة، وهي آلية قد توفر حماية عاجلة ومؤقتة للصدمات الفجائية الشديدة.
- التفريغ الانفعالي وضبط الذات (Self-Control & Venting): إدارة التعبير عن المشاعر، إما بكبح الجماح لتفادي تفاقم الصراع الاجتماعي، أو التعبير المنظم عن الحزن والغضب للتخلص من الاحتقان الوجداني.
أثبتت فولكمان في دراساتها أن التكيف الموجه نحو الانفعال ليس خياراً انهزامياً كما كانت تروج بعض المدارس السلوكية الصارمة؛ بل هو أداة لا غنى عنها لبقاء الإنسان وتوازنه، ولا سيما في المواقف التي تنعدم فيها إمكانية التحكم الفعلي، مثل الإصابة بمرض عضال لا شفاء منه، أو وفاة مفاجئة لأحد أفراد الأسرة، أو وقوع كوارث طبيعية ساحقة.
4.3 مبدأ الملائمة بين الاستراتيجية وإمكانية التحكم
واحدة من أهم الركائز النظرية التي أرستها سوزان فولكمان هي فرضية التوافق والملائمة (Goodness-of-Fit Hypothesis). تنص هذه الفرضية على أن استراتيجية التكيف لا يمكن الحكم عليها بأنها “جيدة” أو “سيئة” بذاتها وبمعزل عن سياقها الموقفي؛ بل إن كفاءة التكيف تتوقف على مدى التطابق المنطقي بين درجة التحكم المدركة في الموقف وبين نوع الاستراتيجية المستخدمة لمواجهته.
تتولد الاضطرابات النفسية وتتعمق المعاناة الوجودية، وفق هذا المبدأ، عندما يحدث اختلال بين الأمرين:
- استخدام التكيف الموجه نحو المشكلة في مواقف غير قابلة للتحكم: كأن يحاول الشخص بكل ما أوتي من قوة تغيير سلوك مريض بالخرف في مراحله المتأخرة، أو يرفض تقبل تشخيص طبي قطعي مستمراً في إنفاق أمواله وطاقته في معارك طبية خاسرة. يؤدي هذا النمط إلى استنزاف عصبي مزمن، ومشاعر ساحقة بالإحباط، والعجز المكتسب، والاكتئاب السريري.
- استخدام التكيف الموجه نحو الانفعال في مواقف قابلة للتحكم والتغيير: كأن يلجأ الطالب إلى تشتيت انتباهه والتأمل والاسترخاء لتخفيف قلقه من الامتحان دون أن يفتح كتاباً واحداً للمذاكرة، أو يكتفي المريض بتطمين نفسه دون الذهاب لتلقي العلاج المتاح. يؤدي هذا النمط إلى تفاقم المشكلة البيئية الأصلية وانهيار الواقع الحياتي للشخص.
من هنا، صاغت فولكمان مفهوماً متقدماً لـ المرونة التكيفية (Coping Flexibility)، بوصفها القدرة العقلية الفائقة للشخص على تقييم حدود قدرته على التحكم بدقة وموضوعية، والتنقل بمرونة وسلاسة بين محاولة تغيير ما يمكن تغييره في الواقع الخارجي، وبين احتواء وإدارة ما لا مفر من قبوله والتكيف معه في الفضاء الداخلي للنفس البشرية.
5. تطوير مقياس أساليب التكيف والريادة القياسية
5.1 الدوافع المنهجية لتصميم أداة قياس عملية
حتى مطلع ثمانينيات القرن العشرين، كانت دراسات التكيف تفتقر بشدة إلى أدوات قياس سيكومترية تمتلك موثوقية إحصائية وصلاحية عيادية كافية. كانت الساحة العلمية تهيمن عليها استخبارات الشخصية التقليدية التي تقيس آليات الدفاع النفسي اللاشعورية من منظور فرويدي تحليلي، أو اختبارات السمات الثابتة التي تسأل المفحوصين عن “كيف يتصرفون عموماً وبصورة دائمة” في الحياة، وهو ما اعتبرته فولكمان تشويهاً منهجياً لطبيعة السلوك الإنساني الديناميكي.
كانت دوافع فولكمان المنهجية تتمحور حول ضرورة تصميم أداة بحثية قادرة على رصد ما يفعله ويفكر فيه الإنسان بالفعل في مواجهة أحداث محددة وفي أزمنة واقعية معلومة. أرادت الانتقال الصارم من دراسة التكيف كـ “سمة فطرية راكدة” (Trait) إلى دراسته كـ “عملية معرفية وسلوكية متغيرة سياقياً” (Process). تطلبت هذه الرؤية ابتكار مقياس يتميز بحساسية عالية لالتقاط التغيرات اللحظية في الاستجابات الإنسانية عند انتقال الفرد من سياق ضاغط إلى سياق آخر، أو عبر مراحل زمنية متتالية لنفس الأزمة الضاغطة.
شرعت فولكمان بالتعاون مع لازاروس في إجراء مقابلات عيادية معمقة ومفتوحة مع مئات الأفراد من فئات عمرية واجتماعية متباينة، واستخلصت منها قائمة ضخمة من العبارات والبنود التي تصف أفعالاً واقعية، وحوارات ذاتية معرفية، وسلوكيات مواجهة حية. خضعت هذه العبارات لعمليات تنقيح لغوي ومنهجي دقيق، تمهيداً لإخضاعها لأدوات التحليل الإحصائي المتقدم والتصنيف العاملي لاستخراج بنيتها الكامنة.
5.2 البنية العاملية لمقياس أساليب التكيف
أثمر هذا الجهد المنهجي الشاق عن ولادة مقياس تاريخي في علم النفس الحديث، عُرف باسم مقياس أساليب التكيف (Ways of Coping Questionnaire – WOCQ)، الذي نشرت نسخته المقننة عام 1980 وخضعت للمراجعة المعمقة عام 1988. لم تكن الأداة مجرد استبانة عادية، بل كانت منصة سيكومترية رائدة تتألف من 66 بنداً، يطلب فيها من المشارك تذكر حدث مجهد محدد وقع له خلال أسبوع أو شهر ماضٍ، وتحديد درجة استخدامه لكل سلوك أو فكرة على مقياس متدرج (Likert scale).
أفرزت دراسات التحليل العاملي الاستكشافي والتوكيدي التي قادتها فولكمان ثمانية أبعاد عاملية فرعية مستقرة تمثل الاستراتيجيات التكيفية الكبرى للبشر:
- المواجهة المباشرة والحازمة (Confrontive Coping): بذل جهود عدوانية أو حاسمة لتعديل الموقف والتعبير عن الغضب.
- التباعد المعرفي (Distancing): محاولة الانفصال عن المشكلة وتصغير حجم تأثيرها في الذهن.
- ضبط الذات والتنظيم الداخلي (Self-Controlling): بذل مجهود واعٍ للسيطرة على المشاعر وعدم إظهار التوتر للآخرين.
- البحث عن الدعم الاجتماعي (Seeking Social Support): السعي للحصول على مساعدة ملموسة، أو نصائح فكرية، أو تعاطف عاطفي من المحيطين.
- قبول المسؤولية (Accepting Responsibility): إدراك دور الفرد في خلق المشكلة وتوجيه اللوم الذاتي العقلاني للإصلاح.
- الهروب والتجنب (Escape-Avoidance): التفكير الرغبوي واللجوء للحلول الخيالية أو المواد المخدرة للهروب من الواقع.
- حل المشكلات التخطيطي (Planful Problem Solving): التركيز الإجرائي على وضع خطط عمل عقلانية وتنفيذها تدريجياً.
- إعادة التقييم الإيجابي (Positive Reappraisal): استخلاص الدروس المعنوية والبحث عن النواحي الإيجابية الكامنة في التجربة.
أظهرت التحليلات الإحصائية للمقياس تمتع الأداة بخصائص سيكومترية رفيعة المستوى؛ حيث بلغت معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) للأبعاد درجات عالية، وتأكدت قدرة المقياس التمييزية في التفريق بين الاستجابات لمختلف أنواع الضغوط، مما جعله الأداة الذهبية المعتمدة في الأبحاث النفسية حول العالم لعقود طويلة.
5.3 الاستخدامات الميدانية للمقياس في الأبحاث الدولية
تحول مقياس أساليب التكيف (WOCQ) بسرعة قياسية إلى لغة مشتركة بين الباحثين في قارات العالم المختلفة؛ إذ تُرجم وتكيف ثقافياً وسيكومترياً إلى أكثر من 40 لغة حية، بما فيها العربية، والفرنسية، واليابانية، والصينية، والإسبانية. لم تقتصر تطبيقاته على علم النفس العيادي، بل توغلت في أبحاث التمريض، والطب المهني، وعلم الاجتماع الأسري، والإدارة وسلوك المنظمات، والعلوم التربوية.
استُخدم المقياس في دراسة كيفية تعامل رواد الفضاء مع العزلة الشديدة، وكيفية مواجهة مرضى السرطان لجلسات العلاج الكيماوي المؤلمة، وكيف يدير المسؤولون التنفيذيون ضغوط الانهيارات المالية للأسواق، وكيف يتعامل الجنود والأطباء مع صدمات ساحات الحروب وأقسام الطوارئ. وقد وفر هذا التدفق الهائل من البيانات الدولية دعماً غير مسبوق للنموذج التفاعلي، وأكد أن الأبعاد الثمانية للتكيف تعبر عن بنى إنسانية كونية، وإن كانت الثقافات تؤثر في ترجيح أسلوب على آخر.
رغم هذا النجاح الكاسح، لم تتردد فولكمان في استقبال ونقد الملاحظات المنهجية التي وُجهت للمقياس لاحقاً؛ ومنها صعوبة تذكر تفاصيل العمليات العقلية بعد انقضاء الحدث بفترة طويلة (تحيز الاسترجاع الذاتي – Recall Bias)، والتداخل الإحصائي بين بعض البنود في الثقافات غير الغربية. قاد هذا الحوار المنهجي الصارم فولكمان إلى تطوير منهجيات جديدة أكثر دقة وتزامناً في أواخر مسيرتها العلمية لتجاوز عيوب القياس بالاستبانات التقليدية.
6. أبحاث التكيف مع وباء الإيدز ودراسة مقدّمي الرعاية
6.1 مشروع دراسة الشركاء ومقدمي الرعاية لمرضى الإيدز
في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، ومع اندلاع وباء متلازمة نقص المناعة المكتسب (HIV/AIDS) بصورة مرعبة حصدت أرواح الآلاف دون وجود أي علاج طبي ناجع آنذاك، انتقلت سوزان فولكمان إلى جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو (UCSF). كانت سان فرانسيسكو في ذلك الوقت البؤرة الجغرافية الأكثر اشتعالاً وتألماً بالمرض في الغرب، وكان المصابون يواجهون ليس فقط حتمية الوفاة المبكرة والمهينة جسدياً، بل وأيضاً وطأة التمييز الاجتماعي، والوصمة الأخلاقية، والعزلة الطبية الشاملة.
في هذا المناخ التراجيدي، صممت فولكمان واحداً من أعظم المشاريع البحثية الطولية في تاريخ علم النفس الصحي؛ وهو مشروع دراسة التكيف النفسي لمقدمي الرعاية (Caregivers) من الشركاء الذكور لمرضى الإيدز. كانت هذه الفئة تتعرض لضغوط نفسية وجسدية تفوق الوصف؛ حيث كان الشريك يراقب تدهور شريك حياته البطيء وفقدانه لوظائفه الحيوية والعقلية يوماً بعد يوم، مع تحمله أعباء التمريض الشاقة في المنزل، ومواجهة العداء الاجتماعي، وإدراكه المستمر بأنه هو نفسه قد يكون حاملاً للمرض ومواطناً مستقبلياً في طابور الموت المحتوم.
صممت فولكمان وفريقها البحثي دراسة تتبعت مئات الشركاء ومقدمي الرعاية على مدى سنوات طويلة، قبل وفاة المرضى وأثناء الاحتضار وبعد الفقد لشهور وسنوات. تميزت الدراسة بجمع بيانات شهرية وأسبوعية دقيقة، لا ترصد الاستجابات السيكولوجية للمشاركين فحسب، بل وتفحص مؤشراتهم البيولوجية، مثل مستويات هرمونات الضغط في الدم، ووظائف خلايا الجهاز المناعي، ومعدلات الإصابة بالأمراض العضوية المختلفة.
6.2 ديناميات الحزن والتوقع ومواجهة الفقد المستمر
وثقت دراسات فولكمان في سان فرانسيسكو ظاهرة نفسية بالغة القسوة أطلقت عليها أدبيات الفقد اسم “الحزن الاستباقي” (Anticipatory Grief) والإنهاك الوجودي المزمن. كان مقدمو الرعاية يعيشون حالة متواصلة من الترقب الكارثي؛ فكل حمى مفاجئة أو هبوط في الوزن للمريض كانت تعني اقتراب النهاية. أظهرت البيانات في البداية الارتفاع الهائل في معدلات الاكتئاب العيادي، والقلق العام، واضطرابات النوم، والاحتراق النفسي، مع تراجع ملحوظ في كفاءة الخلايا المناعية القاتلة الطبيعية (NK cells) لدى هؤلاء الشركاء.
حللت فولكمان كيفية محاولة هؤلاء الأفراد إدارة التكيف مع الخسارة المتدرجة والبطيئة؛ حيث كان عليهم التخلي تدريجياً عن خططهم المستقبلية وأحلامهم المهنية، والتركيز على إدارة اللحظة الراهنة وتوفير الراحة التلطيفية للمريض المشرف على الموت. وتتبعت الدراسة مرحلة ما بعد الوفاة، مسجلة تبايناً هائلاً في مسارات التعافي؛ فبينما غرق البعض في حزن اكتئابي ممتد قاد إلى تدهور صحتهم الجسدية، أظهرت نسبة كبيرة قدرة مذهلة على استعادة توازنهم النفسي وتجاوز المحنة وإعادة بناء حياتهم وشبكاتهم الاجتماعية بعد الفقد.
بيّنت فولكمان أن العامل الحاسم في النجاة من هذا النفق المظلم لم يكن غياب مشاعر الحزن والألم، بل كان يرتبط بطبيعة العمليات المعرفية التي مارسها مقدمو الرعاية أثناء وبعد عملية الرعاية الشاقة، وكيفية تفسيرهم للموت ليس كنهاية عبثية مدمرة، بل كخاتمة لرحلة من الوفاء الإنساني الأسمى والبذل المتفاني.
6.3 اكتشاف المفارقة النفسية: المشاعر الإيجابية في قلب الكارثة
أثناء تدقيق فولكمان في البيانات الكمية والمقابلات النوعية لمشروع الإيدز، برزت نتيجة إحصائية غير متوقعة هزت الأوساط الأكاديمية ووصفتها فولكمان بـ “المفارقة المعرفية الكبرى”. أظهرت البيانات أن مقدمي الرعاية، ورغم انغماسهم في بيئة مثقلة بالموت والمعاناة اليومية وارتفاع درجات الاكتئاب لديهم، كانوا يسجلون بشكل مستمر ومتكرر مشاعر إيجابية حقيقية (Positive Affect) كالحب، والامتنان، والبهجة، والسلام الداخلي، جنباً إلى جنب مع مشاعر الحزن والأسى.
كانت النظريات السائدة في علم النفس الإكلينيكي تفترض آنذاك أن المشاعر الإيجابية والمشاعر السلبية تقع على طرفي نقيض في خط أحادي البعد؛ أي أنه في حال وجود ضغط شديد وحزن عميق، فإن المشاعر الإيجابية تغيب تماماً بالضرورة وتنعدم من الوجود الداخلي للشخص. غير أن المعطيات الميدانية الصارمة لفولكمان دحضت هذه الفرضية بالكامل، وأثبتت أن المشاعر الإيجابية والسلبية يمكن أن تتعايشا معاً في نفس اليوم، بل وفي نفس اللحظة النفسية، وأن هذا التعايش ليس علامة على الإنكار أو الذهان، بل هو آلية تكيف بيولوجية ونفسية عبقرية تحمي الإنسان من التمزق الشامل.
دفعت هذه المفارقة التجريبية سوزان فولكمان إلى إعادة توجيه مسارها البحثي بصورة جذرية؛ حيث كرست الجزء المتبقي من مسيرتها العلمية للإجابة عن أسئلة جديدة: من أين تأتي هذه المشاعر الإيجابية في قلب المحن الكارثية؟ وما هي وظيفتها التكيفية للبقاء والصمود؟ وكيف يمكن للبشر توليدها عمداً لمنع الانهيار؟
7. تطوير مفهوم التكيف القائم على إيجاد المعنى
7.1 قصور النموذج الثنائي التقليدي والحاجة للتحديث
أدركت سوزان فولكمان بجرأة العالم الحقيقي أن النموذج الثنائي للتكيف الذي صاغته مع لازاروس عام 1984 (التكيف الموجه للمشكلة والتكيف الموجه للانفعال) يعاني من قصور نظري جوهري؛ إذ عجز عن تفسير كيفية بقاء وصمود الإنسان تحت وطأة الضغوط المزمنة والمصيرية وغير القابلة للتغيير. ففي تجربة وباء الإيدز، لم يكن تغيير المشكلة ممكناً (حيث كان المرض قاتلاً حتمياً)، ولم تكن استراتيجيات ضبط الانفعال التقليدية (كالإنكار أو التشتيت أو التخدير) كافية للحفاظ على استمرار الفرد وقدرته على الاستيقاظ كل صباح لتقديم الرعاية بحب وتفانٍ لشهور طويلة.
كان هناك عنصر مفقود يتجاوز الإجراءات العملية وتسكين المشاعر اللحظية، وهو: المنظومة القيمية والروحية والوجودية للإنسان. رأت فولكمان أن الإنسان يحتاج في المحن الوجودية الكبرى إلى “سبب للحياة”، وإلى رؤية معنى في عذاباته الخاصة، وهي أفكار كانت تحوم في فضاء الفلسفة الوجودية وأطروحات فيكتور فرانكل حول إرادة المعنى، لكنها كانت تفتقر إلى المعالجة المعرفية الدقيقة والتحقق الإمبيريقي المقنن.
من هذا المنطلق، أعلنت فولكمان في عام 1997 عن تحديث تاريخي للنظرية التفاعلية؛ حيث أدخلت بعداً تكيفياً ثالثاً مستقلاً ومحورياً أطلقت عليه: التكيف القائم على إيجاد المعنى (Meaning-Focused Coping). يمثل هذا النمط التدخل المعرفي العميق الذي يستند إلى المعتقدات، والقيم، والأهداف الوجودية العليا للشخص، لإعادة تقييم المحنة بصورة تولد أملاً ودافعية متجددة للصمود واستكمال الرحلة.
7.2 الآليات والعمليات الفرعية للتكيف القائم على المعنى
لم تترك فولكمان مفهوم “المعنى” مفهوماً هلامياً غامضاً، بل فككته إلى أربع عمليات معرفية وسلوكية دقيقة قابلة للملاحظة والتدريب الإكلينيكي:
- إعادة التقييم الإيجابي العميق (Positive Reappraisal): وهي عملية عقلية نشطة لا تنكر الألم أو الخسارة، بل تبحث عن الخير الكامن والنمو الشخصي داخل المحنة؛ كأن يقول مقدم الرعاية: “لقد كشف لي هذا المرض عن مدى قدرتي على التضحية وحبي العميق لشريكي، وجعلني أرى جوهر الحياة الحقيقي بعيداً عن المظاهر الزائفة”.
- مراجعة الأهداف واستبدالها (Goal-Directed Coping & Revision): عندما تصبح الأهداف الحياتية الكبرى مستحيلة التحقق (مثل تأسيس شركة أو السفر حول العالم)، يقوم الفرد بمراجعة منظومة أهدافه والتخلي بمرونة عن الأهداف المتعذرة، واستبدالها بأهداف يومية صغيرة وواقعية يمكن إنجازها؛ كقضاء يوم هادئ دون ألم للمريض، أو استكمال قراءة كتاب مشترك. يمنح هذا الإنجاز شعوراً حيوياً بالكفاءة والسيطرة والفاعلية.
- تفعيل المعتقدات الروحية والدينية (Spiritual and Existential Beliefs): توظيف المفاهيم الدينية والروحية (مثل الصبر، والاحتساب، والإيمان بحكمة إلهية عليا، والارتباط بالكون) لتفسير الحدث الكارثي ضمن سياق كوني ممتد يتجاوز حدود الفناء المادي للأجساد، مما يضفي سكينة واستقراراً داخلياً عميقاً.
- التقدير الوجودي لأحداث الحياة اليومية (Infusing Ordinary Events with Meaning): إضفاء مغزى وقيمة استثنائية على اللحظات اليومية الروتينية البسيطة؛ كشرب فنجان قهوة معاً في الصباح، أو تبادل ابتسامة دافئة، أو مشاهدة غروب الشمس، وتحويل هذه الأحداث العادية إلى مناسبات للشعور بالامتنان والترابط البشري العميق.
7.3 العلاقة مع مفهوم النمو ما بعد الصدمة والمرونة النفسية
شكل مفهوم التكيف القائم على إيجاد المعنى الذي طورته فولكمان الجسر المعرفي التأسيسي الذي انطلقت منه لاحقاً نظريات النمو ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Growth – PTG) لكل من ريتشارد تيديشي ولورانس كالهون، بالإضافة إلى أبحاث المرونة النفسية (Resilience) المعاصرة. بيّنت فولكمان أن مواجهة الشدائد الساحقة ليست بالضرورة تدميراً نهائياً للشخصية، بل يمكن أن تصبح بيئة خصبة لإعادة البناء المعرفي الجذري لنظرة الفرد لذاته، وللآخرين، ولأولوياته في الحياة.
من خلال صناعة المعنى، يعيد الأفراد ترتيب أولوياتهم الوجودية؛ فيتخلون عن الاهتمامات السطحية والمطامع المادية التافهة، ويتعمق لديهم التعاطف مع آلام الضعفاء والمحرومين، وتزداد حميمية علاقاتهم الإنسانية، ويتعاظم شعورهم بالقوة والصلابة الشخصية الناتجة عن علمهم اليقيني بأنهم واجهوا أقصى أهوال الحياة واستطاعوا الوقوف على أقدامهم مجدداً.
علاوة على ذلك، أثبتت الدراسات البيولوجية التي شاركت فيها فولكمان أن توليد المعنى لا يقتصر أثره على الراحة النفسية، بل يمتد ليترك بصمة فسيولوجية عميقة؛ إذ يرتبط بانخفاض مستويات الالتهاب الجهازي، وانضباط إفراز هرمون الكورتيزول، مما يمنح الجسم حماية ملموسة ضد الأمراض القلبية الوعائية والانهيارات المناعية التي تسببها الضغوط المزمنة، ليصبح المعنى بمثابة “درع فسيولوجي” حقيقي يصون الجسد والنفس معاً.
8. النموذج المحدث لديناميات الانفعالات الإيجابية والضغوط المزمنة
8.1 الوظائف التكيفية للمشاعر الإيجابية وفق فولكمان
في عام 2000، نشرت سوزان فولكمان بالتعاون مع جوديث تيدلي موسكوفيتز (Judith Tedlie Moskowitz) ورقة بحثية بارزة أحدثت ثورة جديدة في علم النفس، قدمتا فيها نموذجاً نظرياً محدثاً يفكك الوظائف التكيفية الدقيقة للمشاعر الإيجابية أثناء المعاناة والضغوط المزمنة الشديدة. حددت فولكمان ثلاث وظائف حيوية رئيسية تلعبها هذه الانفعالات الإيجابية لضمان بقاء الفرد وتماسكه:
- توفير فترات راحة نفسية وفواصل عقلية (Breathing Space / Respite): تعمل المشاعر الإيجابية العابرة كاستراحة تكتيكية قصيرة ومكثفة تقطع التدفق المتواصل لهرمونات التوتر في الجسد والأفكار القاتمة في العقل. هذه الهدنة المؤقتة تمنع العقل من الانزلاق إلى حالة “الانهيار العصبي والاحتراق التام”، وتمنح الأنسجة الفسيولوجية فرصة سريعة للترميم والراحة.
- استعادة وتجديد الموارد المستنزفة (Restoration): إن مواجهة الصعاب تتطلب طاقة عقلية ومعرفية وإرادية هائلة؛ مما يؤدي إلى استنزاف الأنا ونضوب الصبر والكفاءة. تعمل مشاعر الفرح البسيطة والضحك والامتنان كـ “محطة وقود معرفية” تعيد شحن بطاريات الإرادة والدافعية، وتمنح الفرد الشجاعة اللازمة لاستئناف القتال التكيفي في اليوم التالي.
- الحفاظ على الروابط وشبكات الدعم الاجتماعي (Sustaining): إن الشخص الذي يغرق في الحزن والاكتئاب والشكوى المتواصلة يواجه مع الوقت خطر نفور الآخرين وانسحاب الداعمين نتيجة الإنهاك التعاطفي. بينما ينجح الشخص القادر على إظهار الدفء والامتنان والابتسام في الحفاظ على شبكة علاقاته الاجتماعية متماسكة، بل ويجذب إليه المزيد من المساندين المستعدين للوقوف بجانبه في محنته.
8.2 التقاطع مع نظرية التوسيع والبناء لباربرا فريدريكسون
شهدت هذه المرحلة حواراً علمياً وتكاملياً بارزاً بين أطروحات سوزان فولكمان ونظرية التوسيع والبناء (Broaden-and-Build Theory) التي صاغتها عالمة النفس باربرا فريدريكسون (Barbara Fredrickson). بينما ركزت فريدريكسون على دراسة المشاعر الإيجابية في الظروف الحياتية الطبيعية وتأثيرها النمائي على المدى الطويل، قدمت فولكمان التطبيق الإمبيريقي والسريري الحاسم للنظرية في أتون الأزمات والصدمات المرضية الكبرى.
أكدت النظريتان مجتمعتين أن المشاعر السلبية بطبيعتها التطورية تضيق الذخيرة المعرفية والسلوكية للإنسان؛ إذ تجعله يركز تركيزاً نفقياً على الخطر والهروب منه، بينما تفعل المشاعر الإيجابية العكس تماماً: إذ تعمل على “توسيع” أفق التفكير والانتباه والوعي، مما يسمح للفرد برؤية حلول بديلة ومبتكرة للمشكلات لم تكن لتخطر على باله وهو في قمة الذعر والتوتر.
تؤدي هذه الحالة التوسعية إلى “بناء” موارد شخصية واجتماعية ونفسية متينة ومستدامة بمرور الوقت، مما يعزز الصلابة الذاتية للمستقبل. وقد نجحت فولكمان في إقناع الأوساط العلمية بأن المشاعر الإيجابية ليست مجرد نتائج ثانوية للرفاهية (By-products)، بل هي أدوات تكيفية نشطة وفاعلة لا يمكن للإنسان أن يواجه الضغوط المزمنة ويشفى منها بدون استدعائها المستمر.
8.3 أحداث الحياة الإيجابية اليومية ودورها التعويضي
من أهم التطبيقات الميدانية لهذا النموذج المحدث، تركيز فولكمان على ما أسمته “أحداث الحياة الإيجابية البسيطة” (Positive Daily Events). أوضحت أن الخطأ القاتل الذي يقع فيه الكثير من البشر أثناء المصائب هو انتظارهم لمعجزة كبرى أو انتهاء الأزمة بالكامل حتى يسمحوا لأنفسهم بالشعور بالبهجة أو الراحة، وهو ما قد يستغرق شهوراً أو سنين، أو قد لا يحدث أبداً في حالات الأمراض المزمنة والفقد الحتمي.
دعت فولكمان إلى تبني استراتيجية معرفية وسلوكية تقوم على “التلذذ المعرفي الواعي” (Savoring) للحظات الصغيرة التي يزخر بها اليوم العادي؛ كمحادثة هاتفية مبهجة، أو تناول وجبة طعام شهية، أو نجاح طفل في واجب مدرسي، أو الاستمتاع بنسمة هواء عليلة. وبيّنت في دراساتها أن هذه الأحداث الصغيرة تمتلك قدرة تعويضية هائلة؛ إذ تعمل كـ “مصدات صدمات” (Buffers) تحمي الفرد من التآكل التدريجي الذي تسببه الضغوط الحياتية الكبرى.
أكدت فولكمان أن تحقيق هذا التوازن يتطلب دقة نفسية وأخلاقية فائقة؛ فالهدف ليس اصطناع “إيجابية سامة” تتجاهل الحزن وتكبت المعاناة الحقيقية، بل القدرة على احتواء المشاعر المتناقضة في آن واحد: الاعتراف الكامل بالحزن والألم والبكاء عليهما دون خجل، وفي الوقت عينه فتح نوافذ الروح للبحث عن ومضات الأمل والسكينة وتثمينها بكل امتنان وتواضع.
9. الريادة المؤسسية: إدارة مركز أوشر للطب التكاملي
9.1 تأسيس وإدارة مركز أوشر في جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو
في عام 2001، خطت سوزان فولكمان خطوة تاريخية أخرى في مسيرتها المهنية؛ إذ اختيرت لتكون المديرة الافتتاحية التأسيسية لـ مركز أوشر للطب التكاملي (Osher Center for Integrative Medicine) في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، وهو أول مركز أكاديمي من نوعه يتم دمجه رسمياً داخل كلية طبية رائدة في الولايات المتحدة والعالم الغربي للبحث في الطب التكاملي وتطبيقه وفق أعلى المعايير العلمية.
كان تولي فولكمان لهذا المنصب الرفيع بمثابة اعتراف دولي بمكانتها الأكاديمية ونزاهتها المنهجية التي لا تشوبها شائبة. قادت المركز برؤية استراتيجية واضحة تهدف إلى مد الجسور العلمية بين الطب الحيوي الغربي الصارم المبني على الدليل الجزيئي والصيدلاني، وبين الممارسات النفسية، والسلوكية، والتكاملية الشاملة التي تركز على شفاء الإنسان ككل متكامل (جسداً وعقلاً وروحاً).
قامت فولكمان ببناء بنية تحتية مؤسسية جبارة تضمنت عيادات سريرية متعددة التخصصات يتجاور فيها أطباء الأورام، والقلب، والطب النفسي، مع ممارسي تقنيات التأمل، والوخز بالإبر، واليوغا، والتدخلات الغذائية، تحت مظلة بروتوكولات بحثية وتقييمية دقيقة للغاية، لتخليص هذه الممارسات من الصبغة التجارية الهامشية وإدماجها في صلب التعليم والتدريب الطبي الأكاديمي.
9.2 دمج علم النفس المعرفي مع ممارسات التأمل واليقظة الذهنية
شهد مركز أوشر تحت قيادة سوزان فولكمان الانطلاقة الكبرى لأبحاث دمج علم النفس المعرفي بنظريات التكيف مع برامج تقليل الضغوط المعتمدة على اليقظة الذهنية (Mindfulness-Based Stress Reduction – MBSR)، التي كان قد أسسها جون كابات زين. رأت فولكمان في اليقظة الذهنية الأداة المثالية لتعزيز “التقييم المعرفي المتزن والواعي”؛ حيث يتدرب الشخص على ملاحظة أفكاره ومشاعره المؤلمة بحياد ودون إصدار أحكام متسرعة أو الوقوع في فخ التهديد المبالغ فيه.
أطلقت فولكمان بالتعاون مع باحثين بارزين مثل إيليسا إيبل (Elissa Epel) دراسات بيولوجية ونفسية إمبيريقية متقدمة، فحصت كيف تؤثر ممارسات التأمل واليقظة الذهنية على المؤشرات الحيوية للشيخوخة الخلوية والالتهاب. وقادت هذه الأبحاث إلى اكتشافات تاريخية ربطت بين تقليل الضغوط النفسية عبر اليقظة الذهنية وبين الحفاظ على طول التيلوميرات (Telomeres) ونشاط إنزيم التيلوميراز، مما وفر دليلاً جزيئياً قاطعاً على قدرة العقل المتزن على حماية الحمض النووي (DNA) من التآكل وتأخير الشيخوخة البيولوجية.
أصبحت هذه البرامج التداخلية ركناً أساسياً في رعاية مرضى السرطان، والآلام المزمنة، واضطرابات التمثيل الغذائي داخل المشافي التابعة لجامعة كاليفورنيا، مما عزز من مصداقية التدخلات العقلية-الجسدية وأخرجها من حيز التشكيك العلمي إلى آفاق العلم المنهجي الرصين.
9.3 توجيه الأبحاث الطبية متعددة التخصصات وتطوير السياسات
طوال فترة إدارتها للمركز التي امتدت لما يقرب من عقد كامل حتى تقاعدها في عام 2009، خاضت فولكمان معارك أكاديمية وإدارية حاسمة لكسر “العزلة التخصصية” والحواجز التقليدية التي تفصل بين كليات الطب وأقسام علم النفس وعلوم المناعة والبيولوجيا العصبية. نجحت في تشكيل فرق بحثية هجينة استطاعت الفوز بمنح تمويلية كبرى بملايين الدولارات من المعاهد الوطنية للصحة (NIH).
وضعت فولكمان معايير تقييم صارمة للأبحاث الطبية التكاملية؛ مانعة نشر أي دراسة تفتقر إلى مجموعات الضبط العشوائية (RCTs)، والتعمية المنهجية، والمقاييس الموضوعية، مما أسهم في تنقية هذا الحقل من الادعاءات الزائفة، وأكسب مركز أوشر ثقة المجتمع الطبي الدولي. كما ساهمت في تطوير سياسات الرعاية الصحية التي تعترف بدور نمط الحياة والعوامل النفسية كمحددات أساسية للشفاء والوقاية من الأمراض المزمنة.
أطلقت فولكمان مبادرات رائدة لتدريب الأطباء المقيمين وطلبة كليات الطب على “مهارات الرعاية التلطيفية والاستماع التعاطفي”، مؤكدة أن فهم كيفية تقييم المريض لمرضه وموارده التكيفية لا يقل أهمية سريرية عن قراءة صوره الإشعاعية وتحاليله المخبرية، مما ترك أثراً دائماً على أجيال من الكوادر الطبية التي تدربت تحت إشرافها.
10. الإسهامات المنهجية والأخلاقيات البحثية في علم النفس الصحي
10.1 تطوير منهجيات التقييم اللحظي والبيئي
تعد سوزان فولكمان واحدة من رواد التجديد المنهجي في القياس السلوكي؛ إذ قادت ثورة علمية لتجاوز القيود القاتلة للاستبانات بأثر رجعي. كانت تدرك أن سؤال شخص في نهاية الشهر عن “كيف تكيفت مع ضغوط الشهر الماضي؟” ينتج بيانات محرفة تتأثر بالمزاج الحالي للشخص عند ملء الاستبانة وما استطاعت ذاكرته الانتقائية استرجاعه، وهي المعضلة المعروفة سيكومترياً بالتحيز الاسترجاعي.
لمواجهة ذلك، كانت فولكمان من أوائل من طبقوا منهجيات المذكرات اليومية المركزة (Daily Diary Methods) وتقنيات التقييم اللحظي البيئي (Ecological Momentary Assessment – EMA). في هذه الدراسات، كان المشاركون يُطلب منهم تسجيل تقييماتهم المعرفية، ومشاعرهم، وسلوكياتهم التكيفية عدة مرات في اليوم في بيئتهم الطبيعية الحقيقية (في المنزل أو العمل أو المستشفى)، لحظة وقوع الحدث أو بعده بدقائق معدودة.
أتاح هذا النهج المنهجي الثوري لفولكمان وفريقها إجراء تحليلات إحصائية معقدة باستخدام السلاسل الزمنية (Time-Series Analysis) ونمذجة المعادلات البنائية متعددة المستويات (Multilevel Modeling). مكنت هذه التحليلات من رسم خرائط ديناميكية ترصد كيف يؤدي تقييم معرفي في الصباح إلى تغير في كفاءة التكيف في الظهيرة، وكيف ينعكس ذلك على مستويات هرمونات الضغط والأعراض الجسدية في المساء، ناقلة أبحاث الضغط من الوصف السكوني إلى رصد الحركة الحية للوعي الإنساني وتفاعلاته البيولوجية بدقة غير مسبوقة.
10.2 الأبعاد الأخلاقية لدراسة الفئات شديدة الهشاشة النفسية
طرحت دراسات فولكمان حول مرضى الإيدز ومرضى السرطان في مراحله النهائية ومقدمي الرعاية المنهكين تحديات أخلاقية معقدة واستثنائية؛ إذ كيف يمكن لباحث أن يطرح أسئلة مؤلمة وحساسة على أفراد يواجهون الموت الوشيك أو يفقدون أحباءهم، دون أن يتسبب التدخل البحثي نفسه في تعميق جراحهم وزيادة كربهم ومعاناتهم النفسية؟
وضعت فولكمان ميثاقاً أخلاقياً صارماً شكّل دليلاً إرشادياً لمجالس مراجعة الأخلاقيات البحثية المؤسسية (IRB) حول العالم. كان جوهر هذا الميثاق ينص على أن “العملية البحثية بحد ذاتها يجب ألا تكون حيادية سلبية، بل يجب أن تحمل أثراً تلطيفياً وتكريمياً لتجربة المشارك”. صممت مقابلاتها لتكون مساحات آمنة للتفريغ الانفعالي الواعي والتأمل الذاتي، ودربت باحثيها على أعلى مستويات الحساسية السريرية والتدخل الإنساني لتقديم الدعم الفوري والإحالة النفسية المتخصصة إذا ظهرت على أي مشارك علامات خطر الانهيار أو التفكير الانتحاري.
كما كانت فولكمان رائدة في حماية خصوصية الأقليات والمجتمعات المهمشة والوصومة؛ إذ اتخذت إجراءات فائقة التشفير لحماية سرية بيانات المشاركين في أبحاث الإيدز في زمن كان تسريب مثل هذه المعلومات فيه كفيلاً بتدمير المستقبل المهني والاجتماعي للشخص. وأصرت دوماً على إشراك ممثلي هذه المجتمعات في صياغة الأسئلة البحثية لضمان احترام كرامتهم وثقافتهم وتطلعاتهم الحقيقية من نتائج العلم.
10.3 الدور الاستشاري في المعاهد الفيدرالية للصحة واللجان الوطنية
بفضل رصانتها الفكرية ونزاهتها المنهجية، انتُخبت سوزان فولكمان لعضوية كبرى اللجان الاستشارية والمجالس العلمية الفيدرالية في الولايات المتحدة. عملت لسنوات طويلة كمستشارة خبيرة ومحكمة رئيسية للمنح البحثية في المعاهد الوطنية للصحة (NIH)، ولا سيما في المعهد الوطني للصحة النفسية (NIMH)، والمعهد الوطني للشيخوخة (NIA)، والمعهد الوطني لبحوث التمريض (NINR).
وظفت فولكمان موقعها القيادي للدفاع المستميت عن ضرورة تخصيص ميزانيات تمويلية كبرى للعلوم السلوكية وعلم النفس الاجتماعي، مؤكدة لصناع القرار في الكونغرس والمؤسسات الفيدرالية أن الأسباب الرئيسية للوفاة والمرض في العالم الحديث (كأمراض القلب، والسرطان، والسكري، والأوبئة الفيروسية) ترتبط في جوهرها بسلوكيات الإنسان، وإدارته للضغوط، ونمط حياته، وليست مجرد أعطال ميكانيكية يمكن حلها بالأدوية وحدها.
كما ساهمت بفعالية في تقارير ولجان الأكاديمية الوطنية للطب (National Academy of Medicine – معهد الطب سابقاً)، حيث صاغت توصيات حاسمة حول دمج العلوم النفسية والسلوكية في الاستجابات الوطنية للأزمات الصحية الكبرى، ورسم استراتيجيات مكافحة الاحتراق المهني للأطباء والكوادر التمريضية في المستشفيات والمراكز الحيوية.
11. التكريم والجوائز والتأثير في المجالات السريرية والتطبيقية
11.1 جوائز جمعية علم النفس الأمريكية والاعتراف الأكاديمي الدولي
توجت المسيرة العلمية لسوزان فولكمان بسيل من أرفع الجوائز والأوسمة التقديرية التي تمنحها المحافل الأكاديمية والطبية العالمية. وفي مقدمة هذه التكريمات، نالت في عام 2010 جائزة الإسهامات العلمية المتميزة مدى الحياة (Distinguished Scientific Contribution Award) من جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، وهي أرفع جائزة علمية يمكن أن يحصل عليها عالم نفس في العالم، وتُمنح لأولئك الذين غيرت أبحاثهم مسار الفكر السلوكي بصورة جذرية ودائمة.
كما توجت بجائزة المساهمات البارزة في علم النفس الصحي من الفرع 38 لجمعية علم النفس الأمريكية، وحازت على أرقى جوائز جمعية الطب السلوكي (Society of Behavioral Medicine)، بالإضافة إلى نيلها الدكتوراه الفخرية من جامعات ومؤسسات طبية وأكاديمية عريقة في الولايات المتحدة وأوروبا؛ تقديراً لريادتها في كسر العزلة بين علم النفس والطب السريري.
تجاوز الاعتراف بفولكمان حدود الدوائر الأكاديمية المتخصصة ليصل إلى المنتديات الصحية العامة؛ حيث صُنفت باستمرار كواحدة من أكثر الشخصيات العلمية تأثيراً في سياسات الصحة العامة وإدارة الضغوط في العصر الحديث، واستمرت أوراقها البحثية في تصدر قوائم المراجع الأكثر قراءة وتأثيراً في الدوريات العلمية العالمية المحكمة.
11.2 التطبيقات في الإرشاد النفسي وعلم الأورام النفسي
لم تبقَ نظريات سوزان فولكمان حبيسة الأدراج الأكاديمية أو الأبحاث الإحصائية الجافة، بل تحولت إلى بروتوكولات وتطبيقات إكلينيكية حية تنقذ الأرواح وتخفف المعاناة في العيادات والمشافي حول العالم. في مجال علم الأورام النفسي (Psycho-Oncology)، تم توظيف النموذج التفاعلي لصياغة برامج علاج نفسي قصير المدى لمساعدة مرضى السرطان فور تلقيهم التشخيص الصادم.
تساعد هذه البروتوكولات المريض على تفكيك التقييم الأولي الكارثي للسرطان، وإعادة تصنيفه كـ “تحدٍ مرضي” يتطلب حشد الموارد وتشكيل تحالف علاجي مع الأطباء، بدلاً من اعتباره حكماً بالإعدام الفوري. كما يتم تدريب المرضى على التمييز الواعي بين ما يقع تحت سيطرتهم المباشرة (كالالتزام بالعلاج، والغذاء، وممارسة الحركة) وما هو خارج سيطرتهم (كردود الفعل الجينية للورم)، مما يوفر طاقتهم النفسية ويقيهم الانهيار الاكتئابي.
وفي مجال رعاية المسنين والطب التلطيفي، أصبحت استراتيجيات التكيف القائم على المعنى هي الأساس في بروتوكولات مرافقة الاحتضار ودور رعاية المسنين (Hospice Care)؛ حيث يتم مساعدة الفرد على مراجعة شريط حياته واستخراج المعنى، وصناعة السلام الداخلي مع محيطه الأسري، مما يمكنه من مواجهة اللحظات الأخيرة بكرامة وسكينة روحية تفوق الوصف.
11.3 تأثيرها كمعلمة ومرشدة للأجيال البحثية اللاحقة
إلى جانب عبقريتها البحثية الفذة، برزت سوزان فولكمان كمعلمة ومرشدة أكاديمية (Mentor) استثنائية تركت بصمة لا تمحى في عقول وقلوب عشرات الباحثين والعلماء الذين تتلمذوا على يديها وأشرفت على أطروحاتهم وأبحاثهم لما بعد الدكتوراه. قاد العديد من طلابها لاحقاً أقسام علم النفس الصحي والطب السلوكي في كبرى الجامعات العالمية، مثل هارفارد، وييل، وستانفورد، وكولومبيا.
غرست فولكمان في طلابها نهجاً يجمع بين الصرامة الإمبيريقية الصادمة في تصميم التجارب والتحليل الإحصائي، وبين التعاطف الإنساني العميق والاحترام المطلق للمشارك البشري ومعاناته الواقعية. كانت تؤكد دائماً في مختبرها البحثي أن الأرقام والبيانات الإحصائية ليست غاية في ذاتها، بل هي وسيلة لفهم الأنين الإنساني ومساعدة البشر على العيش بحكمة أكبر وسط عالم مضطرب.
ظل مختبرها البحثي في سان فرانسيسكو نموذجاً فريداً للإنتاج المعرفي التعاوني والمتعدد التخصصات؛ حيث كانت تشجع طلابها من تخصصات الطب، والتمريض، وعلم النفس، وعلم الاجتماع على الجلوس معاً حول طاولة واحدة وتبادل الأفكار بحرية وشغف وتواضع علمي نادر، مما جعل مدرستها الفكرية شجرة وارفة الظلال تتوارث أجيالها المعرفة والتجديد باستمرار.
12. الإرث المعرفي لسوزان فولكمان وآفاق البحث المستقبلي
12.1 موقع النظرية في مواجهة التحديات العالمية المعاصرة
مع دخول البشرية العقد الثالث من الألفية الثالثة، تتجلى راهنية وقوة الإرث المعرفي لسوزان فولكمان بصورة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى في مواجهة التحديات الكوكبية العاصفة. لقد أثبتت جائحة كوفيد-19 والاضطرابات التي رافقتها أن النموذج التفاعلي هو العدسة النظرية الأقدر على تفسير التباين السلوكي والنفسي الهائل في استجابة المجتمعات والأفراد لإجراءات العزل، والتهديد الفيروسي، وفقدان الأحبة، وتوقف عجلة الاقتصاد.
وعلى صعيد أزمة التغير المناخي والانهيارات البيئية المتسارعة، يبرز مفهوم التكيف القائم على إيجاد المعنى كأداة حيوية لمواجهة ما يسمى اليوم بـ “القلق البيئي” (Eco-Anxiety) والشعور بالعجز الوجودي أمام ضخامة الكارثة المناخية؛ حيث يساعد الأفراد على تحويل هذا القلق المهدد إلى مبادرات تكيف جماعية وفعل بيئي ونضالي واعد يصنع المعنى والأمل من قلب التحدي.
كما تمتد تطبيقات النظرية إلى فضاءات العصر الرقمي وضغوط الاتصال المتواصل وإدمان شبكات التواصل الاجتماعي، والتحولات الكبرى في سوق العمل العالمي بعد ظهور الذكاء الاصطناعي والأتمتة الشاملة؛ حيث يوفر إطار التقييم المعرفي أداة حيوية للأفراد لإعادة تقييم هوياتهم المهنية ومواردهم الشخصية والتنقل بمرونة في واقع رقمي واقتصادي متسارع ودائم التغير.
12.2 الانتقادات العلمية المعاصرة وتطورات النماذج البديلة
كما هي الحال مع أي نظرية علمية كبرى، لم تسلم أطروحات فولكمان من النقد العلمي المنهجي الذي واكب تطور تقنيات البيولوجيا العصبية والعلوم المعرفية الحديثة. تركز أحد أبرز هذه الانتقادات على مسألة “الفصل المفاهيمي والتجريبي” بين عمليتي التقييم الأولي والتقييم الثانوي؛ إذ بيّنت أبحاث التصوير العصبي الوظيفي الحديثة (fMRI) أن معالجة الدماغ للمثيرات العاطفية والخطرة في مناطق مثل اللوزة الدماغية (Amygdala) ومحور الهيبوثالاموس-النخامية-الكظرية (HPA Axis) تتم في أجزاء من الثانية وقبل وصول الإشارات إلى القشرة المخية الحديثة المسؤولة عن التقييم المعرفي الواعي، مما يشير إلى أن الاستجابة الانفعالية قد تسبق التقييم في بعض المواقف الفجائية الحادة.
كما وُجهت انتقادات لمدى صلاحية النموذج وتطبيقه في المجتمعات الجمعية (Collectivist Cultures) في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية؛ حيث تجادلت بعض الدراسات الأنثروبولوجية في أن مفهوم التكيف لدى فولكمان تشكل في بيئة أمريكية غربية تركز على النزعة الفردية (Individualism)، والسيطرة الذاتية، وحل المشكلات الفردي، بينما تعتمد آليات التكيف في المجتمعات الجمعية بصورة أساسية على التوافق الجمعي، والقبول القدري الهادئ، والاندماج في الإرادة المجتمعية دون سعي مفرط للسيطرة الفردية المستقلة.
استقبلت فولكمان وتلامذتها هذه الانتقادات بصدر رحب، وأسهمت في دعم أبحاث تهدف إلى تكييف النموذج التفاعلي عصبياً وثقافياً؛ ليكون نموذجاً ديناميكياً متعدد المستويات يدمج المعالجات العصبية التلقائية اللاواعية مع العمليات المعرفية الواعية، ويراعي الخصوصيات الثقافية للبشر في صياغتهم لمعاني الأزمات والمحن.
12.3 الخاتمة الاستشرافية: الإنسان كفاعل تكيفي متجدد
إن مسيرة سوزان فولكمان العلمية تمثل، في جوهرها، انتصاراً للروح الإنسانية وإعادة اعتبار لإرادة الكائن البشري وكرامته العقلية. لقد انتشلت الإنسان من النظرة الميكانيكية البائسة التي صورته كمجرد دمية تحركها الهرمونات أو لعبة تتجاذبها المثيرات البيئية العمياء، لترسخ مكانته كـ فاعل واعٍ ونشط، وخالق للمعنى، وشريك كامل في تقرير مصيره النفسي والوجودي.
علمتنا فولكمان أن المعاناة جزء لا يتجزأ من الشرط الإنساني والرحلة الأرضية؛ فالبشر لا يملكون دائماً القدرة على منع المصائب من الوقوع، ولا يمكنهم تفادي الأمراض العضال، أو رد الأوبئة الكونية، أو إيقاف حتمية الفقد والموت. غير أن الإنسان، وفق الرؤية العميقة التي أرستها هذه العالمة الجليلة، يمتلك دائماً المساحة الحرة المطلقة لاختيار “معنى” ما يحدث له، وكيفية تفسيره، وتوليد أسباب للأمل والابتسامة حتى وهو يقف على حافة الهاوية.
سيظل إرث سوزان فولكمان منارة فكرية وإنسانية خالدة تضيء دروب العلماء والباحثين والأطباء، وركيزة نظرية وعيادية لا يمكن الاستغناء عنها لكل من يسعى لفهم أسرار النفس البشرية، وقدرتها المذهلة على الشفاء والنهوض من بين الرماد كالعنقاء، وإثبات أن أعظم قوى الإنسان لا تتجلى في غياب الألم، بل في انتزاع النور والمعنى من قلب الظلام الحالك.
المراجع
- Folkman, S. (1984). Personal control and stress and coping processes: A theoretical analysis. Journal of Personality and Social Psychology, 46(4), 839–852. https://doi.org/10.1037/0022-3514.46.4.839
- Folkman, S. (1997). Positive psychological states and coping with severe stress. Social Science & Medicine, 45(8), 1207–1221. https://doi.org/10.1016/S0277-9536(97)00040-3
- Folkman, S. (2008). The case for positive emotions in the stress process. Anxiety, Stress, and Coping, 21(1), 3–14. https://doi.org/10.1080/10615800701740457
- Folkman, S. (Ed.). (2011). The Oxford handbook of stress, health, and coping. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780195375343.001.0001
- Folkman, S., & Lazarus, R. S. (1980). An analysis of coping in a middle-aged community sample. Journal of Health and Social Behavior, 21(3), 219–239. https://doi.org/10.2307/2136617
- Folkman, S., & Lazarus, R. S. (1985). If it changes it must be a process: Study of emotion and coping during three stages of a college examination. Journal of Personality and Social Psychology, 48(1), 150–170. https://doi.org/10.1037/0022-3514.48.1.150
- Folkman, S., & Lazarus, R. S. (1988). Manual for the Ways of Coping Questionnaire. Consulting Psychologists Press.
- Folkman, S., & Moskowitz, J. T. (2000). Positive affect and the other side of coping. American Psychologist, 55(6), 647–654. https://doi.org/10.1037/0003-066X.55.6.647
- Folkman, S., & Moskowitz, J. T. (2004). Coping: Pitfalls and promise. Annual Review of Psychology, 55, 745–774. https://doi.org/10.1146/annurev.psych.55.090902.141456
- Fredrickson, B. L. (2001). The role of positive emotions in positive psychology: The broaden-and-build theory of positive emotions. American Psychologist, 56(3), 218–226. https://doi.org/10.1037/0003-066X.56.3.218
- Lazarus, R. S., & Folkman, S. (1984). Stress, appraisal, and coping. Springer Publishing Company.
- Moskowitz, J. T., Folkman, S., Collette, L., & Vittinghoff, E. (1996). Coping and affective state in gay men with HIV: Before and after the introduction of combination antiretroviral therapy. Health Psychology, 15(6), 425–432. https://doi.org/10.1037/0278-6133.15.6.425