السيرة
يُمثل الفيلسوف الإسكتلندي توماس ريد (1710–1796) إحدى الذرى المعرفية الشامخة في عصر التنوير الأوروبي، والمؤسس الفعلي لما عُرف تاريخياً بـ «مدرسة الحس المشترك الإسكتلندية» (Scottish Common Sense Realism). انطلق مشروعه الفكري من هاجس معرفي وأخلاقي عميق تبلور في مواجهة النتائج الشكوكية الراديكالية التي تمخضت عنها الفلسفة التجريبية الإنجليزية، وتحديداً بعد أن بلغت ذروتها المنطقية المقلقة في كتابات مواطنه الفيلسوف دافيد هيوم. لم يكن ريد مجرد معلق ناقد على كتابات معاصريه، بل كان نسّاقاً إبستيمولوجياً أصيلاً أعاد صياغة نظريات الإدراك البشري، واللغة، والإرادة، والأخلاق، مقدماً بديلاً واقعياً يقطع مع التراث التمثيلي الذي هيمن على الفلسفة الغربية منذ رينيه ديكارت وجون لوك.
لقد تنبه ريد، بحس تحليلي نافذ، إلى أن الشكوكية الهيومية، وإن بدت للمراقب الخارجي ضرباً من المفارقات الذهنية المترفة، فإنها تعبر في جوهرها عن مأزق بنيوي يسكن صلب الفلسفة الحديثة برمتها؛ مأزق أسماه ريد «طريق الأفكار» (The Way of Ideas). رأى ريد أن قبول الفرضية القائلة بأن العقل الإنساني لا يتعامل مع العالم الخارجي مباشرة، بل مع «تمثيلات» و«صور ذهنية» وسيطة تقبع داخل قفص الوعي الذاتي، يؤدي بالضرورة المنطقية الصارمة إلى عزل الذات المفكرة عن الواقع الموضوعي، وانهيار أي تبرير عقلاني لشهادة الحواس، واستمرار الهوية الشخصية، والحرية الإنسانية، واليقين الأخلاقي. ومن هنا، كرس ريد حياته الأكاديمية والفكرية لبناء صرح إبستيمولوجي يستند إلى منهج استقرائي مستلهم من روح الفيزياء النيوتونية، ليبرهن على أن مبادئ الإدراك السليم ليست نتاجاً لاستدلالات برهانية هشة، بل هي هبات فطرية متجذرة في التكوين الطبيعي للعقل الإنساني.
تتجاوز أهمية توماس ريد كونه مجرد قطب مواجه لدافيد هيوم في سياق إسكتلندي محلي؛ إذ إن أطروحاته في الواقعية المباشرة (Direct Realism)، وفلسفة اللغة، وسيكولوجيا الإدراك الحسي، وعلم نفس الملكات، مثلت إرهاصاً فلسفياً مبكراً لأهم التيارات الفكرية المعاصرة، بدءاً من الفينومينولوجيا وفلسفة اللغة العادية، وصولاً إلى نظريات الإدراك الإيكولوجي وعلوم الذكاء الاصطناعي المجسد. تقدم هذه المقالة دراسة تفصيلية شاملة وموسعة لمشروع توماس ريد، مستعرضة مساره الفكري، وبنيته المنهجية، وتطبيقاته السيكولوجية والأخلاقية، وأثره التاريخي والراهن في خارطة الفلسفة الإنسانية.
1. المقدمة والمسار الفكري لتوماس ريد في سياق التنوير الإسكتلندي
1.1 النشأة والخلفية الأكاديمية والبيئة الاجتماعية
ولد توماس ريد في السادس والعشرين من أبريل عام 1710 في بلدة ستراكان الواقعة بمقاطعة كينكاردينشاير في شمال شرق إسكتلندا. نشأ ريد في بيئة أسرية تتسم بالانضباط الديني والرسوخ الأكاديمي؛ فوالده، لويس ريد، كان قساً مشيخياً موقراً ينحدر من سلالة طويلة من رجال الدين الأكفاء في الكنيسة المشيخية الإسكتلندية، بينما كانت والدته، مارجريت غريغوري، تنتمي إلى عائلة غريغوري الشهيرة التي أنجبت نخبة بارزة من علماء الرياضيات والفيزياء والفلك في بريطانيا. هذا التزاوج الخلاق بين العمق اللاهوتي والأخلاقي للكالفينية المعتدلة وبين التقاليد العلمية والرياضية الدقيقة لعائلة غريغوري ترك بصمة حاسمة في تكوين ريد المعرفي والنفسي، وجعله ينفر مبكراً من المماحكات الميتافيزيقية العقيمة، مائلاً إلى الوضوح المنهجي والتحليل التجريبي الصارم.
التحق توماس ريد في سن مبكرة بـ كلية ماريشال التابعة لجامعة أبردين عام 1722، وتخرج منها عام 1726 حاملاً إجازة في الفنون. وخلال هذه السنوات التكوينية الخصبة، تتلمذ ريد على يد جورج تورنبول، الفيلسوف الإسكتلندي الرائد الذي كان من أوائل من دعوا إلى تطبيق المنهج الاستقرائي النيوتوني على الفلسفة الأخلاقية ودراسة العقل البشري. انخرط ريد بنهم في دراسة الرياضيات الكلاسيكية والفلسفة الطبيعية لإسحاق نيوتن، مما رسخ في وعيه قناعة منهجية راسخة بأن أي تقدم معرفي حقيقي في دراسة الطبيعة البشرية لا يمكن أن يتحقق بالافتراضات التخمينية أو النماذج الهندسية القبلية، بل بالملاحظة الدقيقة للظواهر وجمع الشواهد وتصنيف القوى الإدراكية بناءً على عملها الفعلي في التجربة اليومية المعاشة.
عُيّن ريد في عام 1737 راعياً لكنيسة نيومشار بالقرب من أبردين، وهو منصب رعوي شغله لأكثر من عقد من الزمان. ومع أن العمل الكنسي استهلك جزءاً كبيراً من طاقته، فإنه وفر له عزلة تأملية عميقة وفهماً مباشراً للنفس الإنسانية عبر احتكاكه اليومي بالرعايا من عامة الناس؛ مما عمق ثقته في سلامة الفطرة البشرية وقوة معتقدات الحس المشترك لدى غير المتفلسفين. وفي عام 1751، عاد ريد إلى الحقل الأكاديمي أستاذاً للفلسفة في كلية كينغز بأبردين، حيث اضطلع بتدريس الرياضيات والفيزياء والمنطق والميتافيزيقا والأخلاق، مما أكسبه نظرة شمولية واسعة قل نظيرها بين فلاسفة عصره.
بلغ النشاط الفكري لريد أوجه في أبردين عندما ساهم عام 1758 في تأسيس «الجمعية الفلسفية في أبردين»، والتي اشتهرت تاريخياً باسم «نادي الحكماء» (The Wise Club). ضمت هذه الجمعية نخبة من كبار رواد التنوير الإسكتلندي مثل جورج كامبل، وجيمس بيتي، وجون غريغوري، وألكسندر جيرارد. كانت الجمعية منتدى أكاديمياً فريداً لمناقشة أحدث النظريات العلمية والفلسفية، وكانت أوراق ريد الفلسفية التي قرأها وناقشها في هذا المحفل هي النواة الصلبة التي تخلقت منها نظريته في الحس المشترك، وصيغت فيها مسودات كتابه العمدة الأول في نظرية المعرفة. ونظراً للمكانة السامقة التي حققها، دُعي ريد في عام 1764 ليخلف المفكر الاقتصادي والأخلاقي الشهير آدم سميث في كرسي الفلسفة الأخلاقية المرموق في جامعة غلاسكو، وهو المنصب الذي استقر فيه ريد حتى تقاعده عن التدريس النظامي عام 1780 للتفرغ التام لتحرير وتنقيح أعماله الفلسفية الكبرى حتى وافته المنية عام 1796.
1.2 السياق الفلسفي: الصدمة الشكوكية لدافيد هيوم
لا يمكن استيعاب دوافع المشروع الفلسفي لتوماس ريد، ولا طبيعة المعارك النظرية التي خاضها، بمعزل عن «الصدمة الإبستيمولوجية» التي أحدثها نشر كتاب «رسالة في الطبيعة البشرية» للفيلسوف الإسكتلندي دافيد هيوم عام 1739. كان هيوم قد دفع بمقدمات التجريبية الحسية الكلاسيكية، كما صاغها جون لوك وجورج باركلي، إلى غاياتها المنطقية القصوى والأكثر راديكالية؛ منتهياً إلى نسق شكاكي قوض الركائز الأساسية للمعرفة الإنسانية برمتها. بيّن هيوم أن العلية ليست سوى ارتباط نفسي اعتيادي ناتج عن تكرار الاقتران، وأن الهوية الشخصية ليست سوى حزمة وهمية من الانطباعات المتغيرة، وأن وجود عالم خارجي مستقل عن الإدراك الحسي لا يملك أي دليل برهاني أو سند تجريبي قطعي.
استقبل المجتمع الفكري هذا الطرح الشكوكي إما بالاستهجان السطحي أو بالانكفاء اللاهوتي، غير أن ريد تعامل مع الأطروحة بجدية فلسفية استثنائية. أقر ريد ببراعة هيوم المنطقية الاستثنائية ونزاهته الفكرية، مدركاً أن مذهب الشك المطلق عند هيوم ليس مجرد خطأ عارض أو خلل في المحاكمة الصورية لدى مؤلفه، بل هو بالأحرى «فضيحة الفلسفة» والنتيجة الحتمية والضرورية لمنظومة فلسفية كاملة سادت منذ مطلع العصر الحديث. فإذا كانت فرضيات لوك وديكارت حول طبيعة الإدراك صحيحة، فإن خلاصات هيوم العدمية لا مناص منها. ومن ثم، فإن محاولة ترقيع المذهب التجريبي بذرائع تقليدية لن تجدي نفعاً، بل يتحتم إعادة فحص الأصول والمقدمات الأولى التي انطلقت منها هذه التقاليد الفلسفية وتقويضها من الجذور.
أدرك ريد أن المأزق الشكوكي لا يهدد النظريات العلمية والمعرفية فحسب، بل ينسف الأسس التي تقوم عليها الممارسة الأخلاقية، والقانونية، والاجتماعية للحياة البشرية برمتها. فإذا جُرد الإنسان من الثقة بيقين شهادة الحواس، وبثبات الهوية الشخصية المستمرة عبر الزمن، وبحرية الإرادة وصدق مبدأ السببية؛ فإن مفهوم المسؤولية الأخلاقية يصبح لغواً باطلاً، وتتحول العلوم الطبيعية إلى مجرد أوهام مفيدة سيكولوجياً. ولذا، باتت هناك حاجة معرفية ملحة وأكيدة لبناء سد فلسفي منيع ينقذ الفكر الإنساني والكرامة الأخلاقية من مستنقع الريبية دون الارتداد إلى الوثوقية الدوغمائية لما قبل الحداثة.
تميزت العلاقة الشخصية والفكرية بين ريد وهيوم بنبل فلسفي رفيع وإعجاب متبادل نادر الحدوث في تاريخ الصراعات الفكرية. فقبل نشر كتابه الأول، حرص ريد على إرسال فصول من مخطوطة كتابه عبر صديقهما المشترك الدكتور هيو بلير إلى هيوم ليطلع عليها. وقد أثنى هيوم في رسالة جوابية مؤرخة عام 1763 على عمق ريد وأسلوبه الفلسفي الدقيق وحيويته، رغم إدراكه أن الكتاب كُتب أساساً لتقويض مشروعه من القواعد. كتب ريد لهيوم مقراً بفضله المعرفي العظيم: «إنني أعترف لك صراحةً يا سيدي أنني إذا كنت قد حققت أي إنجاز في هذه المباحث، فإن الفضل يعود إليك أولاً؛ لأن تحليلاتك الشجاعة هي التي أيقظتني من سباتي، وأجبرتني على التفكير المستقل». هذا الود الإنساني الرفيع ترافق مع صراع فلسفي لا هوادة فيه حول طبيعة العقل، والحقيقة، والواقع.
1.3 المؤلفات المحورية وتطور المشروع الفكري
تجسد المشروع الفلسفي لتوماس ريد في ثلاثة مؤلفات كبرى تمثل مساراً متكاملاً في إعادة تأسيس الفلسفة الإنسانية على ركائز تجريبية استقرائية صارمة. الكتاب الأول، وهو البيان التأسيسي لمدرسته، صدر في إدنبرة عام 1764 بعنوان «بحث في العقل البشري وفق مبادئ الحس المشترك» (An Inquiry into the Human Mind on the Principles of Common Sense). كرس ريد هذا العمل لتشريح وتحليل الحواس الخمس (الشم، الذوق، السمع، اللمس، البصر)، متتبعاً بدقة سيكولوجية متناهية كيفية انتقال الوعي من الإحساس الأولي الذاتي إلى الإدراك الحسي المعرفي الموضوعي. مثل هذا الكتاب نقداً كاسحاً للمثالية الذاتية والشكوكية، وافتتح حقبة جديدة في دراسة فيزيولوجيا الإدراك وسيكولوجيا الحواس.
بعد انتقاله إلى غلاسكو وعكوفه لسنوات طويلة على التدريس الجامعي وتعميق رؤيته الفلسفية، نشر ريد كتابه الموسوعي الثاني عام 1785 بعنوان «مقالات في القوى الفكرية للإنسان» (Essays on the Intellectual Powers of Man). في هذا المؤلف الضخم، وسّع ريد أفقه المعرفي ليشمل دراسة شاملة لكافة ملكات الإدراك والتفكير الإنساني: من الذاكرة، والخيال، والتجريد، وصولاً إلى الحكم، والمحاكمة العقلية، ونظرية المبادئ الأولى للحس المشترك. فكك ريد في هذا العمل بصورة منهجية جبارة «نظرية الأفكار الكلاسيكية» عند ديكارت ولوك وهيوم وباركلي، مقدماً البديل الإبستيمولوجي القائم على الواقعية المباشرة ودحض التصورات الذاتية المغلقة للوعي.
اكتمل الصرح الفكري لريد مع صدور مؤلفه الثالث عام 1788 بعنوان «مقالات في القوى الفاعلة للإنسان» (Essays on the Active Powers of Man). انتقل ريد هنا من حقل نظرية المعرفة وعلم النفس الإدراكي إلى رحاب فلسفة الفعل، وعلم النفس الأخلاقي، وفلسفة الإرادة والحرية. تناول ريد في هذا الكتاب مفاهيم الفاعلية الإنسانية، وطبيعة الدوافع، والعلاقة بين العقل والرغبة، مقدماً دفاعاً فلسفياً صلباً عن حرية الإرادة الإنسانية في مواجهة النزعات الحتمية الميكانيكية التي كان يبشر بها مفكرون من أمثال جوزيف بريستلي وهولباخ. وأسس فيه لمفهوم «علية الفاعل» (Agent Causation) الذي لا يزال يشغل موقعاً محورياً في فلسفة الفعل المعاصرة.
اعتمد ريد طوال هذه المؤلفات منهجية فلسفية متميزة زاوجت بين التحليل المفاهيمي واللغوي الدقيق من جهة، والملاحظة الاستبطانية الظاهراتية للتجارب الذهنية الحية من جهة أخرى. رفض ريد الاستنتاجات الميتافيزيقية الاستنباطية ذات النزعة العقلانية المجردة التي تبتعد عن الواقع، كما رفض المادية الآلية التي تختزل العمليات الذهنية في حركة الذرات. كانت منهجيته استقرائية بطبيعتها؛ تبتدئ برصد الوقائع السيكولوجية كما تظهر في الوعي المباشر، وتستعين بالشواهد اللغوية وبنى النحو العالمي التي توافقت عليها البشرية عبر العصور، وصولاً إلى استخلاص القوانين الكلية الناظمة لعمل العقل البشري.
2. مدرسة الحس المشترك الإسكتلندية: الأسس المنهجية والإبستيمولوجية
2.1 تعريف مفهوم ‘الحس المشترك’ ودلالته الفلسفية
تعرض مفهوم «الحس المشترك» (Common Sense) في تاريخ الفلسفة لسوء فهم منهجي متكرر؛ حيث خلط العديد من النقاد والدارسين بين الدلالة الفلسفية الدقيقة التي قصدها توماس ريد، وبين المعنى الدارج للمصطلح بوصفه مجرد آراء عامية ساذجة أو أحكام شائعة متوارثة بين غير المختصين. حرص ريد بحزم على تجاوز هذا الفهم السطحي؛ مؤكداً أن الحس المشترك ليس مجرد تصويت ديمقراطي للأغلبية على قضايا اعتباطية، بل هو بنية أنطولوجية وإبستيمولوجية فطرية تتألف من جملة المبادئ الأولية التي جهزت بها الطبيعةُ العقلَ البشري كي يتمكن من ممارسة الحكم والتفكير والاستدلال.
يمثل الحس المشترك عند ريد درجة العقل الأساسية التي يتقاسمها جميع البشر الأسوياء الذين لم تُصب مداركهم بعطب ذهني أو اختلال عضوي. إنه النواة الصلبة للعقلانية الإنسانية؛ إذ لا يمكن لأي كائن أن يستدل أو يبرهن ما لم يكن حائزاً سلفاً على ملكة أولية تمكنه من الحكم المباشر على صحة القضايا البديهية. إن التفكير الاستدلالي (Reasoning) والحس المشترك ليسا قطبين متناقضين، بل هما درجات ضمن القوة العاقلة الواحدة؛ فالحس المشترك يقدم المبادئ والمقدمات الأولى غير القابلة للبرهان، بينما يتولى التفكير الاستدلالي استخلاص النتائج واللوازم المعرفية المعقدة من تلك المبادئ. فمن يفقد الحس المشترك، لا تنفعه براهين المنطق في شيء.
يذهب ريد إلى أن مبادئ الحس المشترك تمثل «شرط إمكان قبلي» لكل ممارسة إنسانية؛ فهي التي تجعل اللغة ممكنة، وتجعل التواصل الاجتماعي فاعلاً، وتمنح النشاط العلمي والعملي اليومي معناه واستقراره. لا يستطيع أحد، حتى المشكك الأكثر تطرفاً، أن يعيش دقيقة واحدة في واقعه العملي دون الامتثال التلقائي وغير المشروط لمبادئ الحس المشترك. إننا حين نمشي في الطريق، أو نتحدث إلى إنسان آخر، أو نتجنب السقوط في هاوية، نتصرف بناءً على يقين فطري بوجود العالم الخارجي وعقول الآخرين، وهو يقين لا يستند إطلاقاً إلى استدلال فلسفي مسبق.
تتميز هذه المبادئ الأولية بصفة إبستيمولوجية جوهرية وهي «استحالة البرهان عليها منطقياً» دون الوقوع في مغالطة المصادرة على المطلوب أو السقوط في الدور المنطقي (Begging the Question). إذا طالبنا بالبرهان على أن حواسنا لا تخدعنا في أصلها، فبأي أداة سنبرهن على ذلك؟ سنكون مجبرين حتماً على استخدام الحواس ذاتها أو الاستعانة بالعقل الذي يتطلب هو الآخر برهاناً على موثوقيته. يرى ريد أن البحث عن براهين لمبادئ الحس المشترك هو عبث إبستيمولوجي يشبه إضاءة شمعة لرؤية الشمس الساطعة؛ فهذه المبادئ تفرض نفسها بنورها الذاتي ويقينها الغريزي، وتُقبل بوصفها حقائق تأسيسية غير مبررة بغيرها، بل هي التي تبرر كل ما عداها من معارف وبراهين.
2.2 المبادئ الأولى للحس المشترك كبديهيات معرفية
قام توماس ريد في كتابه «مقالات في القوى الفكرية للإنسان» بمحاولة تصنيفية فريدة لصياغة قائمة بالمبادئ الأولى للحس المشترك التي لا تحتاج إلى استدلال، بل تنبثق فجأة في الوعي كأحكام فطرية فورية بمجرد نضج المدارك الإنسانية. من أبرز هذه المبادئ، المبدأ القائل بـ «وجود عالم مادي خارجي مستقل وجوداً كلياً عن إدراكنا الذاتي وتصوراتنا الذهنية». يرفض ريد أي تشكيك في وجود الطاولة أو الشجرة أو الصخرة كأعيان مادية واقعية؛ معتبراً أن الاعتقاد بوجودها الخارجي ليس فرضية فلسفية نستنتجها، بل هو مكون بنيوي لا ينفصل عن فعل الإدراك الحسي ذاته.
ومن المبادئ التأسيسية الأخرى، المبدأ المؤكد لـ «موثوقية شهادة الحواس والذاكرة واستمرار الهوية الشخصية عبر الزمن». يرى ريد أن الإنسان مفطور على الثقة في أن ما تدركه حواسه بوضوح في الظروف السوية هو حقيقة موضوعية، وأن ما تذكره به ذاكرته الحية قد وقع فعلاً في الماضي، وأن الذات العارفة الواعية التي تتذكر تلك الأحداث هي عينها الذات التي تختبرها اليوم. إن إنكار هذه المبادئ يقود مباشرة إلى شلل معرفي كامل؛ إذ كيف يصح الاستدلال المنطقي إن لم نكن موقنين بأن الذاكرة التي تحفظ المقدمات حتى نصل إلى النتيجة هي ذاكرة صادقة، وأن هويتنا لم تتبدل أثناء إجراء القياس المنطقي؟
كذلك يُفرد ريد مكانة خاصة للمبدأ القاضي بـ «انتظام الطبيعة وثبات قوانينها»، وهو المبدأ الذي يفترض أن المستقبل سيكون شبيهاً بالماضي في ظل نفس الشروط والظروف العلية. يقر ريد بأن هذا المبدأ مستحيل الإثبات بالمنطق المجرد كما أوضح هيوم، غير أنه لا يستنتج من ذلك كونه مجرد وهم نفسي خاوٍ من القيمة الإبستيمولوجية، بل يرى فيه هبة إلهية وغريزة عقلية غُرست في أصل التكوين البشري. وبدون هذا الاعتقاد الفطري الثابت بانتظام الطبيعة، ما كان للإنسان أن يتعلم من التجربة شيئاً، ولما أمكن تأسيس العلوم الطبيعية أو إجراء أي تجربة مختبرية أو استنباط أي قانون استقرائي في الفيزياء والكيمياء.
يتوج ريد هذه المبادئ بالمبدأ الإنساني والاجتماعي القائل بـ «وجود عقول بشرية أخرى كائنات واعية ومدركة تشاركنا التجارب الإنسانية». نحن لا نرى عقول الآخرين ولا نفوسهم مباشرة، بل نرى أجسادهم وحركاتهم؛ ومع ذلك، لا نتردد لحظة واحدة في إدراك أن هذه الأجساد تديرها عقول مفكرة ومشاعر حية مثلنا. لا يبنى هذا الإدراك على قياس تمثيلي ضعيف أو استنتاج معقد، بل على حدس إدراكي فوري ينبثق من بنية الطبيعة الاجتماعية للعقل البشري، التي بدونها يستحيل قيام المجتمعات أو ممارسة التكافل الأخلاقي والقانوني.
2.3 المنهج النيوتوني وتطبيقه على علم النفس التجريبي
تأثر توماس ريد بعمق بالثورة العلمية التي قادها السير إسحاق نيوتن في مجال الفلسفة الطبيعية، ولا سيما قواعد المنهج الاستقرائي التي أرساها نيوتن في كتابه «المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية». اتخذ ريد من المقولة النيوتونية الخالدة «أنا لا أصطنع الفروض» (Hypotheses non fingo) شعاراً منهجياً صارماً لمشروعه؛ حيث اعتبر أن الفلسفة العقلية وسيكولوجيا الإدراك يجب أن تتخلصا نهائياً من اصطناع الفروض الميتافيزيقية والتخمينات التخيلية، وأن تحذوا حذو الفيزياء النيوتونية في الانضباط بالوقائع المشاهدة.
رأى ريد أن أعظم آفات الفلسفة الكلاسيكية تمثلت في التسرع في بناء أنساق ميتافيزيقية شمولية انطلاقاً من مبادئ افتراضية لم تثبت تجريبياً؛ كالافتراض القائل بوجود أرواح حيوانية في الأعصاب تنقل الصور، أو تشبيه العقل بغرفة مظلمة أو بمرآة صقيلة. إن مهمة الفيلسوف الإبستيمولوجي، شأنه شأن عالم الطبيعة، ليست تفسير كيف «ينبغي» للعقل أن يعمل بناءً على نماذج ميكانيكية، بل هي «الملاحظة الواعية والدقيقة للعمليات والظواهر الذهنية كما هي بالفعل في التجربة الذاتية الحية»، وتصنيف قوى العقل وملكاته، والكشف عن القوانين الفطرية الحاكمة لتفاعلها.
رفض ريد بشدة التفسيرات المادية والميكانيكية الساذجة لآليات الإدراك والفكر الإنساني؛ مثل محاولات ديفيد هارتلي اختزال العمليات السيكولوجية والذهنية في «اهتزازات عصبية» (Vibrations) ميكانيكية في الدماغ والألياف الحسية. وجادل ريد بأن هناك هوة أنطولوجية لا يمكن جسرها بين الحركة المادية المكانية وبين فعل الإدراك الواعي؛ فالاهتزاز العصبي، مهما بلغت دقته الميكانيكية، يظل حركة فيزيائية لمادة في الفضاء، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يتحول ذاتياً إلى معنى أو فكرة أو حكم معرفي عن العالم الخارجي ما لم تكن هناك ملكات عقلية فاعلة تتولى تلقي تلك المثيرات وتأويلها فطرياً.
يتلخص المنهج النيوتوني عند ريد في مرحلتين متكاملتين: مرحلة «التحليل» (Analysis) عبر تفكيك المركبات النفسية المعقدة والظواهر الإدراكية إلى عناصرها الأولية البسيطة من خلال الملاحظة الدقيقة وتتبع شهادة الوعي الفوري؛ ثم مرحلة «التركيب» (Synthesis) التي تسعى إلى صياغة القوانين الكلية التي تنظم عمل الملكات الإنسانية. إن الهدف النهائي ليس التفسير الميتافيزيقي للعلل الغائبة التي استأثر الخالق بعلمها، بل الوقوف عند حدود الظواهر الإنسانية وقوانينها المطردة، معترفين بحدود العقل البشري بتواضع علمي ورفض أصيل لكل وهم نرجسي يدعي الإحاطة بكنه الجواهر.
3. نقد نظرية الأفكار الكلاسيكية عند ديكارت ولوك وهيوم
3.1 جوهر مغالطة ‘طريق الأفكار’ (The Way of Ideas)
يعد نقد توماس ريد لـ «نظرية الأفكار» (The Theory of Ideas)، أو ما اصطلح على تسميته بـ «طريق الأفكار» (The Way of Ideas)، أعظم إسهاماته النقدية في تاريخ الفلسفة الحديثة برمتها. بيّن ريد أن الفلسفة الغربية، ابتداءً من أفلاطون في العصور القديمة، ومروراً برينيه ديكارت وجون لوك ونيكولا مالبرانش وجورج باركلي، وانتهاءً بدافيد هيوم، كانت أسيرة فرضية أنطولوجية وإبستيمولوجية خفية وزائفة تم قبولها كمسلمة بديهية دون تمحيص؛ وهي أن العقل البشري عندما يدرك، لا يدرك الأشياء المادية الخارجية ذاتها بصورة مباشرة، بل يدرك فقط «أفكاراً» (Ideas) وصوراً وتمثيلات ذهنية وسيطة تقبع داخل حيز الوعي الذاتي الخاص به.
أوضح ريد أن هذه الفرضية المميتة أقامت حجاباً فاصلاً ومانعاً سميكاً بين الوعي الإنساني والواقع الخارجي. فإذا كان الكائن البشري حبيس تمثيلاته الذهنية، وإذا كانت الأشياء المدركة مباشرة هي الأفكار الحبيسة في الذهن فقط، فإن العقل يفقد كل اتصال مباشر بالعالم المادي المستقل. يصبح العقل كشخص محبوس داخل برج مغلق لا نوافذ له، ينظر إلى شاشة داخلية تعرض صوراً وظلالاً؛ وبالتالي لا يملك أي وسيلة عقلانية أو تجريبية للتحقق مما إذا كانت هذه الصور والظلال تشبه بأي شكل من الأشكال أشياء حقيقية موجودة خارج البرج، أو حتى ما إذا كان هناك عالم خارجي وراء هذا الحجاب أصلاً.
تتبع ريد ببراعة تاريخية وتحليلية مسار الانحدار الحتمي الناجم عن هذه المغالطة التأسيسية: فقد افترض ديكارت ثنائية الجوهرين وعزل الفكر عن الامتداد، محاولاً الاستعانة بالضمان الإلهي لإثبات مطابقة الأفكار للعالم الخارجي؛ ثم جاء جون لوك وأسس تجريبيته على فكرة أن المعرفة هي إدراك التوافق أو الاختلاف بين أفكارنا، معترفاً بعجزنا عن معرفة الجوهر الحقيقي للمادة؛ ثم التقط جورج باركلي الخيط ليعلن بجرأة منطقية أن الجواهر المادية غير موجودة أصلاً لعدم وجود برهان عليها، وأن الأشياء ليست سوى حزم من الأفكار الذهنية؛ وصولاً إلى المحطة النهائية عند دافيد هيوم، الذي ألغى الجوهر المادي والجوهر الروحي معاً، وحول العالم إلى سيل هائم من الانطباعات والأفكار المتناثرة دون ذات تستند إليها أو واقع يطابقها.
قام ريد بتفكيك التشبيهات البصرية المغلوطة التي اتكأت عليها نظرية الأفكار لتمرير هذه الفرضية؛ كتشبيه العقل بـ «مرآة» تعكس الصور، أو بـ «لوح شمعي» تنطبع عليه الآثار الخارجية، أو بـ «حجرة مظلمة» (Camera Obscura) تلتقط الأشعة. وأثبت أن هذه المجازات المادية تشوش الفهم الحقيقي لطبيعة الإدراك؛ لأن الصورة المنعكسة في المرآة تحتاج إلى عين أخرى خارجية لكي تراها، أما إدراك العقل للشيء الخارجي فهو فعل معرفي بسيط ومباشر وفريد لا يقبل التشبيه بالانعكاسات الفيزيائية، وأن تحويل «الفكرة» من كونها «فعل التفكير ذاته» إلى «موضوع للتفكير» يقف وسيطاً بين الذات والشيء هو أساس كل تخبط شكوكي أصاب الفلسفة الحديثة.
3.2 تهافت الشكوكية كمنتج ثانوي لنظرية الأفكار
خلص توماس ريد عبر نقده الحفري لمسار الفلسفة إلى نتيجة معرفية بالغة الأهمية؛ وهي أن «شكوكية دافيد هيوم ليست هزيمة للعقل البشري، وليست إعلاناً لعجزه الفطري عن الوصول إلى اليقين، بل هي مجرد هزيمة للنموذج الفلسفي الزائف للأفكار». لقد أثبت هيوم بعبقرية لا مراء فيها أنه إذا انطلقنا من مقدمات نظرية الأفكار الكلاسيكية، فإن النتيجة الحتمية هي الشك في كل شيء؛ ولكن بما أن النتيجة تناقض بداهة الواقع وحقائق الحياة الثابتة، فإن الخلل يكمن بالضرورة في المقدمة النظرية الافتراضية، وليس في الطبيعة المعرفية للإنسان أو العالم الخارجي.
سلّط ريد الضوء على «التناقض السلوكي الصارخ» الذي يقع فيه الفيلسوف المشكك؛ مبيناً أن المشكك، بمجرد مغادرته لغرفة مكتبه الفلسفية وتوقفه عن التجريدات الخيالية، يمارس حياته اليومية شأنه شأن أي إنسان عادي تماماً وفق قوانين الحس المشترك. إنه يخرج من الباب لا من النافذة تحاشياً لكسر عنقه، ويهرب من العربة المسرعة حتى لا تدهسه، ويأكل الخبز ليقينه بأنه يغذي ولا يتسمم بحصى الطريق، ويثق في أصدقائه ويحاسب خدمه. هذا الانفصام التام بين «النظرية الشكوكية المزعومة» و«الممارسة السلوكية الإلزامية» يمثل عند ريد دليلاً قاطعاً على بطلان المذهب الشكوكي وزيفه الصوري؛ إذ لا يمكن لنظرية تدعي الحقيقة أن تكون مستحيلة التطبيق في الحياة المعاشة.
استخدم ريد في ردوده حجة معرفية شهيرة يمكن تسميتها بـ «حجة اللامعقولية واستحالة المذهب» (Reductio ad Absurdum)؛ ومفادها أن أي نظرية فلسفية تنتهي إلى نتائج ترفضها الفطرة السليمة للإنسانية جمعاء—مثل إنكار العالم المادي، أو التشكيك في وجود عقول أخرى، أو اعتبار الهوية الشخصية وهماً—هي نظرية أسقطت نفسها بنفسها وحكمت على مقدماتها بالتهافت والبطلان. فالأولى بالفيلسوف أن يشك في افتراضاته ونماذجه النظرية بدلاً من الشك في وجود أمه وأبيه والشمس الساطعة فوق رأسه.
أكد ريد، بحس إنساني رفيع، أن «الفلسفة وُجدت لتخدم الإدراك الطبيعي للإنسان وتعمقه، لا أن تقوض أسسه وتربك يقينه الفطري». إن الحكمة الفلسفية الحقيقية تكمن في احترام الحدود التأسيسية التي رسمتها الطبيعة للبشر، وفي الاعتراف بأن اليقين العملي الغريزي بالحس المشترك يسبق كل تنظير معرفي ويتفوق عليه في الثبات والمصداقية. وكما صرح ريد بلهجة ساخرة: «إذا كانت الفلسفة تطلب مني أن أثق ببرهان دقيق يخبرني بأني غير موجود وأني لست نفس الشخص الذي كان بالأمس، فإنني أختار بفخر أن أكون عاقلاً وفق الفطرة على أن أكون فيلسوفاً مجنوناً وفق البرهان المنطقي المنحرف».
3.3 الموقف من المثالية الذاتية عند جورج باركلي
واجه توماس ريد بكل صرامة أطروحة الفيلسوف الإيرلندي جورج باركلي القائلة بأن «أن توجد يعني أن تُدرك» (Esse est percipi). رأى ريد أن باركلي يمثل أوضح تجليات الهوس الفلسفي المشتق من نظرية الأفكار؛ حيث انطلق باركلي بنوايا حسنة للدفاع عن الدين والأخلاق ضد المادية الإلحادية، غير أنه وقع في خطأ قاتل عندما ظن أن إبطال المادية يستوجب إنكار وجود العالم المادي الخارجي برمته واختزاله في أفكار يلقيها الله مباشرة في عقولنا المجردة.
قام ريد بتفكيك الخلط المفاهيمي الذي وقع فيه باركلي بين «الوجود المادي كحقيقة موضوعية مستقلة» وبين «الإحساسات الذاتية الذاتية للمدرِك». جادل باركلي بأن الصوت، واللون، والحرارة، والشكل ليست سوى إحساسات في النفس، وبما أن الإحساس لا يمكن أن يوجد في مادة غير عاقلة بل في جوهر روحاني مفكر فقط، فإن العالم المادي لا وجود له. رد ريد بأن هذا الاستدلال يقوم على مغالطة لغوية ومنطقية فادحة؛ فالصوت أو اللون كظاهرة فيزيائية في الموضوع الخارجي يختلف جذرياً عن «إحساسنا بالصوت أو اللون» في جهازنا العصبي، وإن خلع صفات الإحساس الذاتي على الموضوع الخارجي ثم إنكار الموضوع لعدم قدرته على الإحساس هو دوران مغالط ومصادرة مفضوحة.
أثبت ريد أن إنكار وجود المادة يتناقض تناقضاً كلياً مع «تركيب لغة الإنسان وبنية حواسه الطبيعية». فجميع اللغات البشرية تفرق بشكل عفوي وبديهي بين «الفعل الإدراكي» (Act of Perception) و«الموضوع المدرَك» (Object of Perception). فعندما أقول: «أنا أرى الشجرة»، فإن لغة البشرية تميز بوضوح بين ثلاثة عناصر لا يمتزج أحدها بالآخر: الذات الرائية (أنا)، وفعل الرؤية الحادث في وعيي، والشجرة الخارجية كجسم مادي ممتد في المكان. إن مذهب باركلي يلغي العنصر الثالث كلياً ويدمجه في الثاني، مدعياً أن الشجرة هي فعل الرؤية ذاته، وهو ما ينسف بنية التفكير اللغوي والعقلي المشترك للإنسانية.
أعاد ريد الاعتبار للأشياء الخارجية بصفتها حقائق موضوعية صلبة لا تتوقف في وجودها الأنطولوجي أو استمرارها المكاني والزماني على إدراك أي كائن مخلوق. فالشجرة كانت موجودة قبل أن نولد، وستبقى قائمة بعد فنائنا، ولها خصائص واقعية من صلابة وكثافة وكتلة تؤثر في العالم الفيزيائي سواء نظرنا إليها أم أشحنا بوجوهنا عنها. إن الوجود لا يستمد مشروعيته من كوننا مدرِكين له، بل إن إدراكنا له هو الذي يستمد مشروعيته وصدقه من كونه استجابة موضوعية لحقيقة وجوده المستقل.
4. نظرية الإدراك الحسي والواقعية المباشرة (Direct Realism)
4.1 أركان الواقعية المباشرة عند ريد
في مقابل النظريات التمثيلية التي عزلت الإنسان في عوالمه الذهنية الباطنية، أسس توماس ريد ما يعرف في الإبستيمولوجيا المعاصرة بـ «الواقعية المباشرة» أو «الواقعية الساذجة» بالمعنى الفلسفي النبيل (Direct / Naïve Realism). يكمن الركن الجوهري في هذه النظرية في التأكيد الصارم على وجود «اتصال معرفي مباشر وفوري بين الذات المدرِكة والشيء الخارجي المدرَك»، دون وساطة أي كيانات أنطولوجية ثالثة تسمى «أفكاراً» أو «صوراً ذهنية» أو «بيانات حسية» (Sense-data).
يؤكد ريد أن فعل الإدراك الحسي هو «عملية ذهنية بسيطة وغير قابلة للاختزال» إلى خطوات وسيطة متسلسلة زمانياً. فعندما أنظر إلى الكتاب الموضوع أمامي على المنضدة، فإنني لا أدرك صورة للكتاب في شبكية عيني أو في ذهني ثم استدل منها بالمنطق على وجود كتاب مادي في الغرفة؛ بل إن الموضوع المباشر لوعيي هو الكتاب الفيزيائي الحقيقي ذاته بجلده وأوراقه. لقد أنهى ريد بذلك فرضية الوسيط المعرفي الشبحية، مؤكداً أن العقل منفتح جوهرياً وبطبيعته الفطرية على العالم المحيط به انخراطاً مباشراً.
يحل هذا المنظور المعضلة الإبستيمولوجية الكبرى التي عجزت الفلسفة الحديثة عن فك طلاسمها؛ وهي معضلة سد الهوة بين الذات والواقع الخارجي. ففي الفلسفة التمثيلية، كانت العزلة الوجودية للوعي البشري حتمية، وكان لزاماً البحث عن جسر مستحيل يربط الفكرة الذاتية بالجوهر الموضوعي. أما عند ريد، فإن المشكلة برمتها لا وجود لها؛ لأن الجسر غير مطلوب أصلاً طالما أن الوعي حاضر في حضرة الموضوع الخارجي بلا وسائط. إن إدراك الشيء هو حضوره المباشر للذهن بواسطة الملكات الحسية الفطرية التي صممتها الطبيعة لتحقيق هذه الغاية المعرفية على أكمل وجه.
تستند هذه الواقعية المباشرة إلى ثقة مطلقة في التناغم الأنطولوجي بين الملكات الإدراكية للإنسان وبين بنية الكون المخلوق. إن ريد ينطلق من رؤية تنويرية مؤمنة ترى أن الطبيعة لم تزودنا بحواس كاذبة أو تصنع لنا خدعة بصرية كبرى تدوم طوال العمر. فعندما تعمل حواسنا وفق شروطها الطبيعية السليمة وفي وسائطها المادية المناسبة، فإن ما تقدمه لنا ليس خيالاً شاعرياً، بل هو معطى موضوعي حقيقي يكشف عن بنية الواقع كما هي في ذاتها.
4.2 ثنائية الإحساس والإدراك: التمييز المفاهيمي الدقيق
يُعد التمييز الصارم بين مفهوم «الإحساس» (Sensation) ومفهوم «الإدراك الحسي» (Perception) أحد أعظم الإنجازات السيكولوجية والإبستيمولوجية التي تفرد بها توماس ريد في الفلسفة الحديثة. لقد لاحظ ريد أن الفلاسفة التجريبيين من لوك إلى هيوم وقعوا في بلبلة مفاهيمية مزمنة لأنهم خلطوا عمداً أو سهواً بين هاتين العمليتين الذهنيتين المختلفتين تماماً في الطبيعة والوظيفة، واستخدموا الكلمتين كمترادفين متطابقين؛ مما أدى إلى ابتلاع الإدراك الموضوعي داخل الإحساس الذاتي.
يعرّف ريد «الإحساس» (Sensation) بأنه «حالة شعورية باطنية ذاتية صرفة تحدث في النفس، ولا تتضمن بذاتها أي إشارة أو إحالة إلى موضوع خارجي مستقل». الإحساس هو مجرد انفعال وجداني؛ إنه الكيفية التي تتأثر بها الذات المدركة لحظة التنبيه الحسي. فالألم، واللذة، والشعور بالدوار، والغثيان، وطعم الحلاوة، وحرقة النار كلها إحساسات لا توجد إلا في النفس الحاسة؛ ولا معنى للقول بوجود «ألم» خارج الوعي أو في ذات المسمار الذي وخز الإصبع. إن الإحساس لا موضوع له سوى ذاته وحالته الشعورية اللحظية.
أما «الإدراك الحسي» (Perception)، فهو على النقيض من ذلك تماماً: إنه «فعل معرفي موضوعي يتجاوز الذات دوماً، ويتضمن فهماً وتصوراً لموضوع خارجي، مقروناً باعتقاد راسخ وفوري بوجود هذا الموضوع واستقلاله عن الوعي». الإدراك له دائماً موضوع (Object) خارجي يتجه إليه؛ فعندما ألمس حجراً، فإن الإدراك لا يتعلق بحالة أصابعي، بل يتعلق بصلابة الحجر، وشكله الهندسي، ووجوده في الفضاء الخارجي كحقيقة قائمة سواء أحسست بها أم لم أحس.
يضرب ريد أمثلته الإيضاحية البارعة لفك هذا الاشتباك: خذ وخزة الإبرة في الإصبع؛ هنا نجد عمليتين متمايزتين تحدثان بالتزامن: الأولى هي «الألم الحاد» الذي يشعر به الشخص في إصبعه، وهذا ألم محض وإحساس ذاتي لا وجود له في الإبرة ولا يتصف بأي شكل أو امتداد؛ والثانية هي «إدراك نقطة الإبرة المستدقة وصلابة معدنها»، وهذا إدراك موضوعي ينسب خصائص واقعية لجسم خارجي. خلط التجريبيين بين الإحساس الذاتي والإدراك المعرفي جعلهم يعتبرون صلابة الحجر مجرد إحساس في الذهن مثل الألم، ومن ثم خلصوا زيفاً إلى أن العالم المادي ليس سوى مجموعة إحساسات نفسية.
4.3 عناصر الفعل الإدراكي وبنيته السيكولوجية
قام توماس ريد في تحليلاته العميقة بتشريح بنية «الفعل الإدراكي» (Perceptual Act)، مبيناً أنه يتألف سيكولوجياً من ثلاثة عناصر مترابطة ومندمجة في وحدة كلية غير قابلة للانفصام في التجربة الحية، وهي: المفهوم، والاعتقاد الذي لا يقاوم، وفورية الحدوث.
العنصر الأول هو «حضور المفهوم أو التصور» (Conception) للموضوع المدرَك في العقل. لا يمكن لإنسان أن يدرك جسماً دون أن يحصل في ذهنه في الآن ذاته مفهوم واضح عن طبيعة ذلك الجسم وسماته؛ فعندما أرى مثلثاً خشبياً، يحضر في ذهني مفهوم المثلث كشكل هندسي ذي ثلاثة أضلاع وزوايا. هذا المفهوم ليس فكرة تمثيلية تحجب الشيء كما ادعى مذهب الأفكار، بل هو المعنى العقلي الذي بموجبه يتم التعرف على الشيء وفهم خصائصه الموضوعية.
العنصر الثاني هو «الاعتقاد الذي لا يقاوم» (Irresistible Belief) في الوجود الآني والمستقل لذلك الموضوع المدرَك. يؤكد ريد أن الإدراك ليس مجرد تخيل أو استحضار لمعنى مجرد في الفضاء، بل هو مقترن حتماً بقوة تصديقية قاهرة تجعل المدرِك موقناً بحقيقة وجود هذا الشيء في الواقع الخارجي في لحظة الرؤية أو اللمس. هذا الاعتقاد يتميز بأنه جازم وقاهر؛ بحيث يعجز العقل البشري، حتى مع أعتى محاولات الشك الإرادي، عن التحرر منه أو مقاومة سلطانه أثناء ممارسة الإدراك الفعلي.
العنصر الثالث هو «الطبيعة الفورية والتلقائية» لهذا الاعتقاد (Immediacy). يشدد ريد على أن هذا الاعتقاد بوجود الشيء الخارجي لا ينشأ عن قياس منطقي أو استدلال برهاني أو قياس علة ومعلول؛ فنحن لا نقول لأنفسنا: «أنا أحس بكذا، وبما أن لكل حادث علة، إذن هناك جسم خارجي يحدث هذا الإحساس». إن مثل هذه السفسطة الاستدلالية لا تخطر ببال طفل ولا رجل بسيط ولا حتى فيلسوف أثناء حياته الطبيعية. إن الاعتقاد ينبثق فوراً وغريزياً بموجب قانون فطري ركّبته الطبيعة في النفس البشرية؛ حيث جعلت من الإحساس الباطني مجرد علامة طبيعية تدق ناقوس الإدراك، فيتجه الوعي مباشرة وبلا إبطاء نحو الاعتقاد بحقيقة الشيء الخارجي.
5. سيكولوجيا الحواس والسمات الأولية والثانوية
5.1 إعادة بناء التمييز بين الصفات الأولية والثانوية
أعاد توماس ريد بناء التمييز الفلسفي الشهير بين الصفات الأولية والثانوية، والذي كان قد صاغه جون لوك وبنى عليه نتائج إبستيمولوجية مضطربة استغلها جورج باركلي لاحقاً لإسقاط المادة. كان لوك قد جادل بأن الصفات الأولية (كالامتداد والشكل والصلابة والحركة) توجد في الأجسام وتماثلها أفكارنا عنها شبهاً دقيقاً، بينما الصفات الثانوية (كاللون والحرارة والطعم والرائحة) لا توجد في الأجسام بذاتها بل هي مجرد قوى تثير إحساسات ذاتية فينا لا تشبه الجسم الخارجي بأي حال من الأحوال.
وجه ريد نقداً لاذعاً لمعيار «الشبه» (Resemblance) الذي اتكأ عليه لوك؛ متسائلاً بلهجة حاسمة: كيف يمكن لفكرة ذهنية أو إحساس سيكولوجي غير مادي، يقطن النفس الواعية، أن يشبه شكلاً هندسياً أو امتداداً مكانياً لمادة صلبة ميتة؟ إن الفكرة لا تشبه إلا فكرة أخرى، والإحساس لا يشبه إلا إحساساً آخر؛ وبالتالي فإن استناد لوك إلى التشابه لتبرير واقعية الصفات الأولية كان سقطة إبستيمولوجية مهدت لباركلي أن يقول بحق: طالما أن أفكارنا لا تشبه المادة، فإن الصفات الأولية ذاتية تماماً كالصفات الثانوية، ولا وجود لمادة ممتدة خارج الوعي.
قدم ريد بديلاً قائماً على «طبيعة المعرفة والمفهوم» وليس على التشابه الصوري الزائف. فـ «الصفات الأولية» (Primary Qualities)—كالامتداد، والصلابة، والخشونة، والشكل، والحركة—هي تلك الصفات التي نمتلك عنها «مفهوماً مباشراً، وواضحاً، ومحدداً تماماً لطبيعتها الذاتية وماهيتها» من خلال حواسنا وحركتنا الجسدية. فالإنسان يفهم تماماً ما يعنيه الشكل الهندسي أو الامتداد المكاني أو الصلابة كحقائق موضوعية لا علاقة لها بحالته الوجدانية.
أما «الصفات الثانوية» (Secondary Qualities)—كاللون، والطعم، والرائحة، والحرارة—فإننا لا نمتلك عنها مفهوماً مباشراً لماهيتها الفيزيائية في ذاتها، بل نمتلك عنها مفهوماً نسبياً غير مباشر. إننا نعرفها بوصفها «قوة أو بنية مجهولة غير معروفة بدقة في الموضوع الخارجي، صممتها الطبيعة لإثارة إحساسات شعورية خاصة في أجهزتنا العصبية». فاللون الأحمر في الوردة ليس الإحساس بالاحمرار الذي يعيشه الوعي، بل هو خاصية فيزيائية موضوعية في نسيج البتلة تعكس الضوء بطريقة محددة. وهكذا، أنقذ ريد الصفات الثانوية من الذاتية التامة لباركلي، مؤكداً أن كلاً من الصفات الأولية والثانوية موضوعية وواقعية في العالم الفيزيائي، غير أن الفارق بينهما يكمن في درجة وضوح مفهومنا عن كنه كل منهما لطاقتنا الإدراكية.
5.2 تشريح الحواس الخمس في كتاب ‘بحث في العقل البشري’
يعد كتاب «بحث في العقل البشري وفق مبادئ الحس المشترك» لتوماس ريد أحد أعظم الأعمال الرائدة في تاريخ علم النفس الحسي؛ حيث كرسه لتشريح حواس الإنسان الخمس بدقة متناهية وترتيب تصاعدي يوضح التدرج من الحواس الأكثر انغلاقاً في الذاتية إلى الحواس الأكثر موضوعية وانفتاحاً على الفضاء الخارجي.
بدأ ريد بدراسة حواس «الشم، والذوق، والسمع»؛ موضحاً أن هذه الحواس الثلاث يغلب عليها طابع الإحساس الباطني الذاتي. فعندما أشم رائحة الوردة، فإن الحدث النفسي المباشر هو إحساس وجداني قوي ومستقل في النفس؛ إنه شعور باطني لذيذ أو كريه. هذا الإحساس في حد ذاته لا يحمل أي صورة مادية للموضوع المسبب له، ولا يحتوي على امتداد أو شكل. غير أن العقل البشري، بموجب تركيبته الفطرية، لا يكتفي بالاستمتاع بالإحساس، بل يربطه غريزياً وبلا تردد بعلة خارجية كائنة في الوردة أو الجسم المحترق، محيلاً الذاتي إلى موضوعي بالدلالة الفطرية للعلامات الطبيعية.
ثم انتقل ريد إلى فحص حاسة «اللمس» (Touch)، واعتبرها الحاسة المركزية والمفصلية التي تكشف للبشرية عن العالم المادي بحق. فاللمس ليس مجرد تلقي انفعال، بل هو مقترن بحركة الأعضاء ومقاومة الأجسام لجهدنا العضلي. ومن خلال اللمس، نلتقط بصورة مباشرة وغير قابلة للشك حقائق الصفات الأولية: كالامتداد المكاني، والمقاومة، والصلابة، والانقسامية. إن الإحساس المرافق للمس يتلاشى بسرعة من بؤرة الانتباه ليحل محله فوراً الإدراك المعرفي الطاغي بوجود جسم مادي صلب في حيز المكان يقاوم حركتنا.
بلغ تحليل ريد ذروته المعرفية في دراسة «سيكولوجيا الإبصار» (Vision)؛ حيث قام بتمييز علمي بالغ الدقة بين «الشكل المرئي» (Visible Figure) و«الشكل الحقيقي» (Tangible/Real Figure). الشكل الحقيقي هو الشكل الهندسي الأصيل ثلاثي الأبعاد للجسم كما يكشفه اللمس ويقيسه علم الهندسة، أما الشكل المرئي فهو الإسقاط ثنائي الأبعاد لهذا الجسم على السطح البصري للعين والذي يتغير باستمرار مع تغير زاوية الرؤية والمسافة والمنظور.
وفي هذا السياق البصري، حقق توماس ريد كشفاً رياضياً وفلسفياً استثنائياً أذهل مؤرخي العلوم في القرن العشرين؛ حيث استنبط في مبحثه عن الشكل المرئي ما يُعرف اليوم بـ «الهندسة اللاإقليدية» (Non-Euclidean Geometry)، وتحديداً هندسة الفضاء الإهليلجي أو الكروي؛ وذلك قبل نيكولاي لوباتشيفسكي وبيرنارد ريمان بعقود طويلة. أثبت ريد أن هندسة الأشكال المرئية للعين البشرية على سطح كروي لا تخضع لمسلمات إقليدس؛ فالمستقيمات فيها تلتقي، ومجموع زوايا المثلث يتجاوز دائماً 180 درجة. هذا الاستباق العلمي المذهل برهن على مدى اتساع أفق ريد الرياضي وصرامته التجريبية في وصف الإدراك الحسي.
5.3 الإدراك الأصيل والإدراك المكتسب
لضمان متانة بنيانه الإبستيمولوجي والدفاع عن مصداقية الحواس ضد دعاوى المشككين المتكررة حول أوهام الحواس والخدع البصرية، أقام توماس ريد تمييزاً جوهرياً بين نوعين من الإدراك: «الإدراك الأصيل أو الفطري» (Original Perception)، و«الإدراك المكتسب» (Acquired Perception).
الإدراك الأصيل هو القدرة المعرفية الفطرية المباشرة التي زودت الطبيعة بها الإنسان منذ لحظة ولادته، دون حاجة إلى تدريب أو خبرة تراكمية أو اعتياد زمني. ومن أمثلة ذلك: إدراك الصلابة والامتداد بمجرد اللمس، وإدراك الأشكال المرئية البسيطة، والشعور بالألم عند التعرض للأذى. هذه الإدراكات الأصيلة هي من صنع الخالق الخالص؛ وتتميز بالدقة المطلقة، واليقين الكامل، واستحالة الخطأ الذاتي في ظروفها الطبيعية السوية، وهي الضمانة المعرفية الأساسية التي لا يمكن أن تخدعنا لأنها تمثل بنية العقل ذاته.
أما الإدراك المكتسب، فهو مهارات وتفسيرات إدراكية تنمو وتتشكل لدى الإنسان تدريجياً عبر التجربة التراكمية، وملاحظة الاقترانات المتكررة، وتعود العقل على تأويل إشارات حسية معينة كدلالات على وقائع أخرى. من أبرز أمثلة الإدراك المكتسب: تقدير مسافات الأجسام وأحجامها الحقيقية بواسطة حاسة البصر وحدها. إن العين لا ترى المسافة الفيزيائية مباشرة، لأن الضوء يسقط على شبكية مستوية ثنائية الأبعاد، وإنما ندرك البعد والمسافة عبر التجربة التراكمية التي ربطت بين تلاشي وضوح التفاصيل وزيادة عتامة الألوان وبين بعد المسافة المقاسة باللمس والمشي.
تكتسب هذه التفرقة أهمية فلسفية حاسمة في دحض شبهات الشكوكية الكلاسيكية القائمة على «أخطاء الحواس»؛ كالعصا التي تبدو مكسورة في الماء، أو تباين حجم الشمس في الأفق عن حجمها في كبد السماء، أو رؤية برج مربع من بعيد وكأنه أسطواني. يوضح ريد أن الحاسة لا تخطئ إطلاقاً في معطاها الأصيل؛ فالشمس في العين تترك حجماً مرئياً مطابقاً لحجم قطعة نقدية صغيرة، وهذه حقيقة بصرية لا ريب فيها. الخطأ لا ينشأ من الحاسة وفطرتها، بل من «أحكامنا السريعة واستدلالاتنا الإدراكية المكتسبة» التي تسقط تأويلات خاطئة وغير متقنة على تلك العلامات الحسية في ظروف فيزيائية غير اعتيادية. ومن ثم، فلا يجوز تحميل الفطرة والطبيعة البشرية مسؤولية أخطاء التجربة المكتسبة وسوء تأويل الإنسان لإشارات حواسه.
6. فلسفة اللغة ونظرية العلامات الطبيعية والمصطنعة
6.1 نظرية العلامات السيميائية عند ريد
قدم توماس ريد نظرية رائدة في السيميائيات وفلسفة العلامات تجاوز بها التصورات الكلاسيكية لعصره؛ حيث جعل من مفهوم «العلامة» (Sign) الأساس التفسيري للعلاقة بين التجربة الذاتية والواقع الموضوعي. قسّم ريد العلامات الإنسانية بصورة عامة إلى فئتين رئيسيتين: «العلامات الاصطلاحية أو المصطنعة» (Artificial Signs)، و«العلامات الطبيعية» (Natural Signs).
العلامات الاصطلاحية هي تلك التي يبتكرها البشر بالتوافق والاتفاق الاجتماعي لتسهيل المعاملات؛ كرموز الكتابة، وإشارات المرور، والكلمات اللغوية المنطوقة في مختلف اللغات البشرية المتمايزة. ترتبط هذه العلامات بمدلولاتها عبر علاقة اعتباطية واصطلاحية صرفة نشأت بالعادة والتعليم؛ ولا يوجد أي رابط ذاتي أو طبيعي بين كلمة «ماء» العربية أو كلمة «Water» الإنجليزية وبين الجوهر الفيزيائي الشفاف السائل الذي نشربه.
أما العلامات الطبيعية، فهي تلك التي ربطت الطبيعةُ بينها وبين مدلولاتها برباط تكويني أصيل سابق على أي مواضعة بشرية. وقد صنف ريد العلامات الطبيعية إلى ثلاثة أصناف دقيقة: الصنف الأول يقوم على «الرابط السببي» الذي نكتشفه بالتجربة؛ كالدخان كعلامة طبيعية على وجود النار. والصنف الثاني يقوم على «التشابه الصوري»؛ كاللوحة المرسومة التي تدل على وجه صاحبها. أما الصنف الثالث والأهم إبستيمولوجياً، فهو «العلامات الطبيعية الفطرية التي لا تقوم على رابط تجريبي ولا تشابه صوري، بل على برمجة عقلية غريزية تجعل العقل ينتقل فوراً من العلامة إلى المعنى المدرَك دون معرفة كيفية هذا الارتباط».
تطبيق هذا الصنف الثالث من العلامات الطبيعية يظهر بجلاء في نظرية ريد للإدراك؛ فالإحساسات الباطنية ليست سوى «علامات طبيعية» صممتها يد الخالق لتنبه العقل مباشرة إلى وجود الصفات المادية الخارجية. كما يظهر ذلك في «اللغة الطبيعية للإنسان» (Natural Language of Mankind)؛ وهي اللغة البدائية المشتركة بين جميع البشر والمكونة من تعابير الوجه، وتقاسيم الملامح، ونبرات الصوت، والإيماءات الجسدية. فالرضيع يبتسم بوجه أمه ويفهم ابتسامتها، ويفزع من صوت الغضب وتجهم الملامح قبل أن يتعلم كلمة واحدة من لغة قومه؛ مما يدل على أن التواصل الإنساني تأسس أصلاً على شفرة سيميائية طبيعية فطرية مكنت الجنس البشري من التآلف والبقاء.
6.2 سيكولوجيا التواصل وأفعال الكلام
تمثل معالجة توماس ريد لمسألة اللغة تواصلاً فلسفياً مبكراً مع ما عُرف في الفلسفة التحليلية للقرن العشرين بنظرية «أفعال الكلام» (Speech Acts). انتقد ريد بشدة النظريات الأحادية التقليدية التي اختزلت اللغة في مجرد كونها «أداة للتعبير عن الأفكار» ونقل المعاني المحبوسة في رأس المتكلم إلى رأس السامع؛ مؤكداً أن اللغة بطبيعتها هي أداة اجتماعية، وعملية، وتفاعلية تهدف إلى إنجاز أفعال وربط العلاقات وتغيير الوقائع الإنسانية.
فرّق ريد في كتابه «مقالات في القوى الفكرية» بين نوعين من العمليات الذهنية: «العمليات الفردية المنعزلة» (Solitary Operations)؛ كالتخيل، والتأمل، والمقارنة المجردة، والحكم الذهني الصامت؛ وهي عمليات يمكن أن يمارسها كائن منعزل تماماً في جزيرة مقفرة؛ وبين «العمليات الاجتماعية» (Social Operations)؛ وهي عمليات تفاعلية لا يمكن أن تكتمل أو توجد إلا بحضور الآخر ومخاطبته. من هذه العمليات الاجتماعية: فعل «الوعد»، وفعل «الطلب»، وفعل «الاستفهام»، وفعل «الشهادة» (Testimony)، وإصدار «الأوامر». ففي الوعد، لا يكتفي المتكلم بنقل خبر عن حالة ذهنية مستقبلية، بل يلتزم أخلاقياً وقانونياً أمام كائن عاقل آخر بالفعل الموعود، وتتغير بذلك البنية الحقوقية للموقف.
توقف ريد طويلاً عند إبستيمولوجيا «الشهادة» (Testimony) ودورها في بناء المعرفة الإنسانية، وصاغ في هذا السياق مبدأين نفسيين فطريين هما: «مبدأ الصدق» (The Principle of Veracity)، و«مبدأ التصديق أو الثقة» (The Principle of Credulity). ينص مبدأ الصدق على أن الإنسان مفطور على ميل طبيعي لقول الحقيقة ومطابقة كلامه لواقع الأمور كما يراها؛ فالكذب عملية ذهنية شاقة ومفتعلة تتطلب جهداً متكلفاً لتأليف سيناريو غير موجود، بينما الصدق هو الانسياب الطبيعي التلقائي للكلام. أما مبدأ التصديق، فينص على ميل الإنسان الفطري والجارف، لا سيما في مراحل الطفولة الأولى، إلى الثقة العميقة بما يخبره به الآخرون وتصديق شهادتهم دون طلب براهين استدلالية أو اختبارات تجريبية سابقة.
يرى ريد أن حكمة الطبيعة تتجلى في غرس هذين المبدأين في النفس البشرية؛ فلولاهما لاستحال على الأطفال اكتساب المعرفة واللغة، ولتوقف انتقال التراث الحضاري بين الأجيال. إن الطفل لو كان يولد مشككاً على طريقة الفلاسفة النظريين يطلب برهاناً عقلياً على صدق والديه في تسمية الأشياء أو التحذير من المخاطر قبل أن يقبل كلامهم، لقضى نحبه جهلاً وخوفاً في مهده. إن الثقة الغريزية في الشهادة هي التي تمكننا من تلقي معارف العالم قبل أن تشتد مداركنا العقلية الناقدة، فتأتي التجربة والسنوات لتعدل تلك الثقة وتوجهها بنضج واعتدال، دون أن تلغي أصلها الفطري الصلب.
6.3 نقد النظريات الأحادية لاختزال اللغة
شن توماس ريد هجوماً منهجياً على النظريات العقلانية والتعاقدية التي حاولت تفسير نشأة اللغة البشرية بوصفها نتيجة لـ «عقد اجتماعي واصطلاح متفق عليه مسبقاً» بين جماعة من البشر الأوائل الذين كانوا عاجزين عن الكلام؛ وهي الأطروحة التي روج لها فلاسفة من طراز توماس هوبز وجان جاك روسو. بيّن ريد التهافت المنطقي الصارخ الذي يكتنف هذا التصور الميكانيكي؛ إذ كيف يمكن لبشر يفتقرون إلى لغة أن يجتمعوا ويتفاوضوا ويتفقوا على اصطلاح الكلمات ودلالاتها؟ إن مجرد عقد الاجتماع ومناقشة وضع مصطلحات للأشياء يتطلب سلفاً وجود لغة مشتركة ومعقدة يتم بها هذا الاتفاق.
أكد ريد أن الاصطلاح اللغوي مستحيل التحقق ما لم تكن هناك «لغة طبيعية» سابقة عليه مكنت البشر من التفاهم البدئي، وهي لغة الأصوات والإيماءات والانفعالات الفطرية المشتركة. لقد انبثقت اللغات المصطنعة تدريجياً من رحم تلك اللغة الطبيعية الحية وتغذت عليها، ولم تأت كقرار تعاقدي مفاجئ. فالطبيعة هي المعلم الأول للإنسان، والصانع الحقيقي لقدرته التواصلية.
اتخذ ريد من «البنى النحوية الشاملة للغات البشرية» (Universal Grammar) دليلاً إبستيمولوجياً قاطعاً على صحة مبادئ مدرسة الحس المشترك وخطأ النظريات الفلسفية الشكوكية. لاحظ ريد أن جميع اللغات، من أكثرها بدائية إلى أرقى اللغات تحضراً، تشترك في بنية تركيبية واحدة: فهي تميز بين «الفاعل» و«الفعل» و«المفعول به»، وتميز بين «الجوهر» و«العرض»، وتشتمل على صيغ للتأكيد والنهي والطلب والاستفهام. هذا التطابق اللغوي الشامل ليس مصادفة عابرة، بل هو مرآة صادقة تعكس التركيب الفطري والمشترك للعقل البشري؛ وتؤكد أن البشرية جمعاء، باختلاف أعراقها وأزمنتها، تعيش في عالم واقعي متماسك يتكون من ذوات فاعلة، وأشياء مادية مستقلة، وأفعال حقيقية تحدث في الزمان والمكان.
7. علم نفس الملكات وبنية العقل البشري
7.1 تصنيف القوى العقلية والنشاط النفسي
أسس توماس ريد في كتابيه «مقالات في القوى الفكرية» و«مقالات في القوى الفاعلة» ما بات يُعرف تاريخياً بـ «علم نفس الملكات» (Faculty Psychology) في أكثر صيغه نضجاً وإحكاماً في القرن الثامن عشر. رفض ريد بشدة النماذج الاختزالية المعاصرة له—سواء الترابطية الميكانيكية عند ديفيد هارتلي وأتباع لوك، أو النموذج الحسي الجذري عند إتيان دي كوندياك—التي حاولت رد العمليات العقلية العليا والمعقدة إلى مجرد ميكانيكا تداعي المعاني وتراكم الانطباعات الحسية السلبية.
أقام ريد تمييزه الهيكلي الأكبر في بنية النشاط النفسي بين فئتين عريضتين من القوى: «القوى الفكرية» (Intellectual Powers)، وهي الملكات المعرفية التي يتناول بها العقل الحقيقة ويطلب المعرفة ويدرك الوجود؛ و«القوى الفاعلة» (Active Powers)، وهي الملكات المتعلقة بالإرادة، والرغبة، والدافعية، وتوجيه السلوك البشري نحو الغايات. غير أن ريد حرص أشد الحرص على التأكيد بأن هذا التقسيم لا يعني تجزئة العقل إلى حجرات مغلقة أو آلات متباينة تعمل بمعزل عن بعضها، بل إن العقل البشري يمثل «وحدة عضوية وبسيطة وكلية» تتجلى طاقاتها الحية في قوى وملكات متعددة تتآزر في كل تجربة واعية.
تشتمل القوى الفكرية الكبرى عند ريد على سلسلة من الملكات الأساسية التي تتكامل وظيفياً: ملكة الإدراك الحسي (Perception) التي تربطنا بالعالم الخارجي الحاضر؛ وملكة الذاكرة (Memory) التي تفتح نافذة الوعي على الماضي المنصرم؛ وملكة التخيل (Conception / Imagination) التي تتيح استحضار المعاني وتركيب الصور الممكنة؛ وملكة التمييز (Distinction) والتحليل والمقارنة؛ وملكة التجريد وتشكيل المفاهيم الكلية (Abstraction)؛ وأخيراً ملكة الحكم (Judgment) والتفكير الاستدلالي (Reasoning). هاجم ريد الفكرة القائلة بأن العقل متلقٍ سلبي، مشدداً على أن كل ملكة من هذه الملكات تتضمن فاعلية ونشاطاً ذاتياً وقوانين فطرية تخصها ولا يمكن اشتقاقها من ملكة أخرى.
7.2 أسبقية الحكم والاعتقاد على التصور المجرد
دحض توماس ريد أطروحة كلاسيكية شهيرة هيمنت على المنطق الصوري والأبستمولوجيا التجريبية منذ أرسطو حتى لوك وهيوم؛ وهي الأطروحة القائلة بأن مسار التفكير البشري يسير خطياً من البسيط إلى المركب عبر ثلاث مراحل متتالية: أولاً، حصول «التصور المجرد أو الفكرة البسيطة» (Simple Apprehension) دون حكم؛ ثانياً، تركيب هذه الأفكار لتكوين «الحكم» (Judgment)؛ وثالثاً، ربط الأحكام للوصول إلى «الاستدلال» (Reasoning). واعتبر أصحاب هذا الطرح أن الحكم هو عملية تركيبية متأخرة يضيف فيها العقل الإثبات أو النفي إلى فكرتين منفصلتين كانتا حاضرتين أمامه سلفاً.
قلب ريد هذه المعادلة تماماً، مبرهناً ببراعة استبطانية على «أسبقية الحكم والاعتقاد على التصور البسيط المجرد». يرى ريد أن التفكير الإنساني الفعلي لا يبدأ أبداً بذرات حسية معزولة أو أفكار مجردة خالية من الحكم، بل إن «الحكم هو الفعل العقلي الأولي والمباشر المصاحب لكل تجربة وإدراك». فعندما نفتح أعيننا لأول مرة في الصباح، فإننا لا نتلقى في وعينا فكرة مجردة اسمها «ضوء» وفكرة أخرى اسمها «ناصع» ثم نعقد مقارنة بينهما لنصدر حكماً؛ بل إننا ندرك فوراً وبحكم مركب لا يقاوم أن: «هناك ضوءاً ناصعاً يملأ الغرفة». إن الحكم متضمن في صميم الإدراك الحسي كحقيقة متكاملة.
بيّن ريد أن «التصور البسيط المجرد» ليس نقطة البداية الفطرية للوعي، بل هو نتاج متأخر ومصطنع لـ «عملية التحليل والتجريد الفلسفي» التي يمارسها العقل لاحقاً. إن الطبيعة تعطينا المركبات والظواهر ككليات تامة ينطوي الوعي بها على تصديق واعتقاد راسخ بوجودها؛ ثم يأتي الفكر المتأمل ليجزئ هذا المعطى الكلي، ويعزل الصفات عن موصوفاتها، ليحصل بالتحليل على مفهوم مجرد كـ «البياض» أو «المثلثية». إن الاعتقاد بالوجود والحكم به هبة فطرية مغروسة في صلب الإدراك البشري وليست استنتاجاً يتم تركيبه عبر صمغ الأفكار المنطقي المصطنع.
7.3 الذاكرة والوعي واستمرار الهوية الشخصية
تناول توماس ريد ملكة الذاكرة (Memory) بوصفها إحدى القوى الفكرية التأسيسية التي تقدم دليلاً حاسماً على خطأ نظرية الأفكار وصحة الواقعية المباشرة. انتقد ريد الفلاسفة الذين زعموا أن ما نذكره في الحاضر هو مجرد «صورة ذهنية راهنة» للماضي؛ متسائلاً: كيف يمكن لصورة حاضرة في وعيي في هذه اللحظة أن تجعلني موقناً بأن حدثاً ما قد وقع لي شخصياً قبل عشرين عاماً؟ إن حصر الذاكرة في صور حاضرة يسلبها طابعها الزمني المنصرم، ويفتح الباب واسعاً للشك في الماضي بأكمله. إن الذاكرة عند ريد هي «قوة فكرية تعطينا اتصالاً معرفياً مباشراً وموثوقاً بالحدث الماضي ذاته»، مقروناً باعتقاد غريزي لا يتزعزع بأن الحادثة قد تمت فعلاً، وأننا كنا شهوداً عليها.
قاد هذا التحليل ريد إلى تقديم نقد فلسفي شهير وتاريخي لنظرية جون لوك في «الهوية الشخصية» (Personal Identity). كان لوك قد عرّف الهوية الشخصية بأنها استمرار الوعي وتطابق الذات المدركة عبر الذاكرة؛ مما يعني أن الإنسان يظل هو نفس الشخص فقط في حدود ما تتذكره ذاكرته الحالية من أفعاله الماضية. صاغ ريد ضد هذا الطرح مفارقته الفلسفية الخالدة المعروفة بـ «مفارقة الضابط الشجاع والطفل والجنرال» (The Paradox of the Brave Officer):
تخيلوا صبياً صغيراً سُرق منه بستانه وجُلد في المدرسة؛ ثم كبر هذا الصبي ليصبح ضابطاً عسكرياً شجاعاً استولى على راية العدو في أول معركة له، وكان أثناء استيلائه على الراية يتذكر حادثة جلده في المدرسة تذكراً تاماً؛ ثم واصل الضابط ترقيه حتى صار جنرالاً طاعناً في السن قاد الجيوش، وكان الجنرال يتذكر بوضوح شجاعته يوم استولى على الراية وهو ضابط، ولكنه نسي تماماً وبشكل مطلق حادثة جلده في المدرسة وهو طفل. وفقاً لنظرية لوك، فإن الضابط هو نفس الشخص الذي جُلد في المدرسة (لأنه يتذكر)، والجنرال هو نفس الشخص الذي استولى على الراية كضابط (لأنه يتذكر)؛ ولكن بما أن الجنرال لا يتذكر جلده في المدرسة، فإنه «ليس» نفس الشخص الذي كان صبياً! وهكذا، نصل إلى النتيجة المستحيلة منطقياً وهي أن الشخص (أ) هو (ب)، و(ب) هو (ج)، ومع ذلك فإن (أ) ليس هو (ج)؛ وهو ما يناقض صريح البديهية المنطقية التي تقضي بأن ما ساوى شيئاً ساوى مساويه.
خلص ريد إلى أن الهوية الشخصية لا يمكن أن تُؤسس على الذاكرة أو أي معطى تجريبي متحول؛ فالذاكرة لا «تصنع» الهوية الشخصية، بل «تشهد» عليها وتكشف عنها فقط. إن الهوية الشخصية حقيقة أنطولوجية بسيطة، وغير قابلة للتجزئة أو الزيادة والنقصان؛ إنها تشير إلى وجود «جوهر مفكر وذات واعية وبسيطة وثابتة ومستمرة في الوجود» عبر كل التحولات الفيزيائية التي تعتري جسدنا وكل التيارات السيكولوجية التي تتدافع في أذهاننا. وهذه الحقيقة التأسيسية تتجلى مباشرة لنور «الوعي الفوري» (Consciousness)، وتُقبل كمبدأ أولي من مبادئ الحس المشترك التي لا تحتاج إلى إثبات ولا يمكن للشك أن يطالها دون نسف العقل الإنساني من أركانه.
8. القوى الفاعلة والإرادة والحرية الإنسانية
8.1 مفهوم الفاعلية والعلية عند توماس ريد
يحتل مفهوم الفاعلية مكانة محورية في كتاب «مقالات في القوى الفاعلة للإنسان»؛ حيث انطلق ريد من تحليل نقدي لمفهومي «القوة» (Power) و«العلية» (Causation) اللذين شوهتهما النزعة الآلية والشكوكية الهيومية. رفض ريد الأطروحة الشائعة التي تعزو «القوة الفاعلة» إلى الأجسام المادية الجامدة؛ كأن نقول إن النار تملك قوة الإحراق، أو أن الريح تملك قوة تحريك السفن، أو أن المغناطيس يجذب الحديد بقوة كامنة فيه.
أكد ريد أن المادة بطبيعتها تتصف بـ «القصور الذاتي التام والسكون المطلق» (Inertia)، ولا يمكن لأي جسم مادي أن يمتلك قوة حقيقية أو أن يبادر بذاته بالفعل. وما نسميه في العلوم الطبيعية بـ «الأسباب المادية» ليس في الحقيقة سوى مجرد مسارات وقوانين مطردة ترتبت عليها الأحداث الفيزيائية وفق مشيئة إلهية مدبرة. إن العالم المادي هو مسرح تُجرى فيه الحركات، لكنه ليس مصدراً للأفعال؛ فالسببية الفيزيائية ليست فاعلية أنطولوجية ذاتية، بل هي توصيف لتراتبية الظواهر الطبيعية.
أما المصدر الحقيقي الوحيد لمفهوم «القوة الفاعلة والعلية الأصيلة»، فهو التجربة الباطنية الحية للإنسان ووعيه الذاتي بكونه «فاعلاً عاقلاً ومريداً» (Agent). إننا عندما نقرر بإرادتنا الحرة أن نرفع أذرعنا أو نوجه انتباهنا نحو فكرة معينة، ونرى أن الحركة الجسدية تقع استجابة فورية لهذا القرار الإرادي، فإننا نختبر معنى «القدرة على الإحداث والبدء بالفعل» اختباراً حياً ومباشراً لا لبس فيه. هذا الوعي بالقدرة الإرادية هو النموذج المعرفي الأصيل الذي استقى منه العقل البشري مفهوم السببية، ثم أسقطه مجازاً على الطبيعة الفيزيائية الجامدة.
وجه ريد في هذا السياق ضربة قاصمة لنظرية دافيد هيوم حول العلية؛ حيث كان هيوم قد زعم أن العلية ليست سوى «اقتران مطرد» (Constant Conjunction) بين حادثين منفصلين، يولد اعتياداً نفسياً في الذهن دون وجود أي رابط ضروري بينهما. جادل ريد بأن هذا التعريف يسقط في مغالطة الخلط بين «التوالي الزمني المطرد» وبين «العلية الحقيقية». فالليل يتلو النهار باطراد تام منذ فجر التاريخ، ومع ذلك لا يخطر ببال أي إنسان سوي أن يدعي أن النهار هو علة الليل أو أن الليل أحدث النهار. إن الاقتران المطرد ليس هو العلية؛ فالعلية تفترض بالضرورة وجود «قوة وفاعلية مبادرة» يمارسها فاعل مريد، وهو ما ينعدم في الطبيعة الصماء ويتحقق فقط في الكائنات العاقلة الحرة والعلة الإلهية الأولى المدبرة للكون.
8.2 الدفاع عن حرية الإرادة ضد الحتمية الميكانيكية
خاض توماس ريد معركة فلسفية ضروساً للدفاع عن «حرية الإرادة» (Free Will) في وجه مذاهب الحتمية الصلبة (Hard Determinism) ومذهب الضرورة الحتمية (Philosophical Necessity) الذي راج في عصر التنوير وتزعمه في بريطانيا المفكر جوزيف بريستلي وقبله أنطوني كولينز وسبينوزا. حاول هؤلاء الحتميون تفسير أفعال الإنسان وقراراته الأخلاقية بنفس القوانين الميكانيكية التي تحكم حركة كرات البلياردو والمسننات الحديدية في الساعات.
عرّف ريد حرية الإرادة بأنها «قدرة الفاعل العاقل على توجيه إرادته وقوته نحو خيار معين أو الامتناع عنه، في نفس اللحظة وتحت نفس الظروف، دون أي إكراه حتمي». إن الحرية ليست خلو الفعل من الدوافع كما يدعي الخصوم زيفاً، بل هي امتلاك القوة السيادية للتحكم في تلك الدوافع والاختيار المستقل بينها. وإذا كان الفاعل مجبراً حتماً على اتخاذ المسار الوحيد الذي تحدده الدوافع السابقة بنفس الضرورة التي تسقط بها الصخرة نحو الأرض، فإن مفهوم الإرادة يفرغ من معناه، وتتحول الكائنات البشرية إلى دمى ميكانيكية متحركة.
استند ريد في برهانه على حرية الإرادة إلى حجة أخلاقية ونفسية كاسحة مستمدة من الحس المشترك: وهي «بداهة المسؤولية الأخلاقية، وأفعال اللوم، والاستحقاق، والندم، والقانون الجنائي». يوضح ريد أن جميع البشر في كافة الحضارات والأزمنة يجمعون على لوم المجرم، ومدح المحسن، ومحاكمة الجاني، ومعاتبة المسيء. كل هذه الممارسات الإنسانية الراسخة تبطل تماماً إذا كانت أفعال البشر محكومة بالضرورة الحتمية؛ إذ لا أحد يلوم حجراً سقط على رأس إنسان فأرداه، ولا أحد يقدم الشكر لجدول ماء لأنه روى عطشه. إننا نلوم الإنسان ونحاسبه فقط لأننا ندرك بيقين فطري بديهي أنه كان يملك القدرة على أن لا يفعل ذلك الفعل، وأنه هو العلة المبادرة لجريرته.
تصدى ريد ببراعة للمغالطة المركزية التي تحجج بها الحتميون، وهي قولهم إن «الفعل يتبع دائماً الدافع الأقوى حتماً» (The Strongest Motive). أثبت ريد أن هذه الحجة مصادرة مفضوحة على المطلوب وسفسطة لغوية فارغة؛ لأن الحتميين لا يملكون أي مقياس مستقل لتحديد «قوة الدافع» سوى الفعل الحادث ذاته! فإذا اختار الإنسان خياراً معيناً، قالوا: هذا يثبت أن دافعه كان هو الأقوى، وإذا اختار العكس، قالوا: هذا يثبت أن الدافع الآخر كان هو الأقوى. إن الدوافع عند ريد ليست «عللاً مادية فاعلة» تدفع النفس قسراً، بل هي «أسباب ومبررات ومحفزات معروضة أمام العقل»؛ والفاعل العاقل هو الذي يقيمها بحريته، فيمنح القوة لهذا الدافع أو ذاك بموجب إرادته الذاتية الحرة.
8.3 نظرية فاعلية الفاعل (Agent Causation)
يُعد توماس ريد المؤسس الفعلي والملهم التاريخي لـ «نظرية علية الفاعل» (Agent Causation)، وهي النظرية التي تقف اليوم في طليعة فلسفة الفعل المعاصرة كبديل راسخ لنظرية «علية الأحداث» (Event Causation) السائدة في الفلسفات الطبيعانية والمادية.
تذهب نظرية «علية الأحداث» إلى أن كل حدث ينبغي أن يكون معلولاً لحدث سابق عليه في الزمان وفق سلسلة سببية حتمية متصلة؛ وبالتالي فإن الفعل الإنساني ليس سوى نتاج لتفاعل رغبات واعتقادات ودوافع وأحداث عصبية تحدث «داخل» الشخص وتدفعه نحو الحركة؛ مما يلغي الذات الفاعلة ويحول القرار إلى مجرد مسرح لتدافع الحالات النفسية الجزئية. رفض ريد هذا التصور قطعياً، مؤكداً أن الحدث النفسي أو الرغبة المجردة لا تملك أي قوة عليّة لإحداث حركة بمفردها؛ فالرغبات لا تفعل، بل «الشخص الفاعل هو الذي يفعل».
تقوم «علية الفاعل» عند ريد على فكرة أن «الفاعل العاقل يمثل علة أولى حقيقية، وبداية غير معلولة بحوادث حتمية سابقة لسلسلة أفعاله الإرادية». إن الإنسان هو الذي يبادر بإطلاق القدرة الفاعلة وتحريك الفعل، ولا يمكن تفسير اختياره النهائي بمجرد صراع ميكانيكي بين رغبات متضادة تتصارع كالنواقل المتجهة في الفيزياء ثم تتغلب إحداها بحسب محصلة القوى الرياضية. إن الذات الإنسانية كائن جوهري بسيط وحي، يملك سلطة التحكيم والسيادة والتوجيه الذاتي المستقل.
تتضمن هذه النظرية إعلاءً سامياً لـ «سيادة القوى الفكرية والأخلاقية للإنسان على الغرائز الحيوانية والشهوات العمياء». فالإنسان ليس عبداً لنوازعه البيولوجية اللحظية؛ إنه يملك ملكة التروي والحكم العقلاني التي تمكنه من كبح أشد الرغبات الجسدية إلحاحاً والامتناع عن الاستجابة لها بدافع التزامه بالواجب الأخلاقي المجرد أو بمصلحته الكلية بعيدة المدى. هذه القدرة على الانفكاك من أسر المثيرات الحسية والاستجابات الميكانيكية هي جوهر الكرامة الإنسانية التي دافع عنها ريد، والتي تميز الإنسان كجوهر حر مخلوق على صورة العقل في هذا الوجود.
9. علم النفس الأخلاقي ونظرية الحس الأخلاقي والضمير
9.1 طبيعة المبادئ الأخلاقية والحس الأخلاقي
بنى توماس ريد فلسفته الأخلاقية على ذات الركائز الإبستيمولوجية التي أقام عليها نظريته في المعرفة؛ مؤكداً أن «المبادئ الأخلاقية الأولى» تمثل جزءاً لا يتجزأ من صميم الحس المشترك الفطري للإنسانية. انتقد ريد بعنف الاتجاهات الشكوكية والنفعية والنسبية التي انتشرت في التنوير—سواء نزعة توماس هوبز التي ردت الأخلاق إلى الخوف والأنانية وعقد السلطة المستبدة، أو مذهب برنارد ماندفيل الذي اعتبر الفضائل نفاقاً اجتماعياً، أو شكوكية دافيد هيوم التي حصرت الأحكام الأخلاقية في مجرد انفعالات ذاتية ومشاعر استحسان واستهجان نفسي.
جادل ريد بأن الأحكام الأخلاقية ليست مجرد تعبيرات عن عواطف ذاتية عمياء؛ فعندما نحكم بأن «العدل فضيلة» أو أن «غدر الصديق جريمة نكراء»، فإننا لا نصف شعوراً باللذة أو الألم في صدورنا، بل نصدر «أحكاماً معرفية موضوعية» تتعلق بصفات حقيقية وأصيلة في الأفعال ذاتها. إن الصواب والخطأ الأخلاقيين هما حقائق موضوعية قائمة بذاتها، ويدركها العقل السوي بنفس الوضوح واليقين الذي يدرك به أن الكل أكبر من الجزء، أو أن الدائرة ليست مربعاً.
يتبنى ريد مفهوم «الحس الأخلاقي» (Moral Sense)، غير أنه يحرره تماماً من النزعة العاطفية الذاتية التي لحقت به عند فرانسيس هاتشيسون وهيوم. الحس الأخلاقي عند ريد ليس مجرد حاسة تذوق انفعالية شبيهة بحاسة تذوق الطعوم والروائح، بل هو «ملكة إدراكية وعقلانية أصيلة» صممت لتقييم الأفعال والمقاصد وإصدار أحكام ملزمة حول القيمة الأخلاقية. إن هذا الحس الأخلاقي يرى القيمة الموضوعية للواجب الأخلاقي مباشرة، ويدرك التطابق التام بين ما يجب فعله وبين الخير الموضوعي للأفراد والمجتمعات.
يؤكد ريد أن المبادئ الأخلاقية التأسيسية كـ «وجوب رد الجميل، وصدق الوعود، وعدم الإضرار بالبريء، ونصرة المظلوم» هي بديهيات عقلية تنبثق في كل مجتمع إنساني لم تفسده التربية المنحرفة أو التمحل الفلسفي المغالي. هذه المبادئ لا تحتاج إلى برهان فلسفي استنباطي؛ بل إن البرهان الأخلاقي نفسه يعتمد عليها ولا يمكن أن يبتدئ إلا بها، وهي التي تؤمن النظام الأخلاقي المستقر وتضمن التماسك الوجودي للحياة المشتركة بين البشر.
9.2 الضمير كقوة عقلية حاكمة وموجهة
يخصص توماس ريد لمفهوم «الضمير» (Conscience) مكانة الصدارة في علم النفس الأخلاقي؛ معتبراً إياه السلطة المعيارية العليا والتاج الحاكم لقوى الإنسان كافة. متأثراً في ذلك بالأسقف والفيلسوف جوزيف بتلر، يرى ريد أن الضمير ليس مجرد عاطفة انفعالية طارئة، بل هو «قوة عقلية وحكمية وأخلاقية شاملة» تمتلك السيادة الطبيعية المشروعة على سائر الملكات والشهوات البشرية.
تتمثل الوظيفة الجوهرية للضمير في كونه حكماً وقائداً وموجهاً يراقب السلوك الإنساني، ويقيس المقاصد والنوايا، ويصدر أحكاماً إلزامية فورية على الأفعال بالصواب أو الخطأ، معلناً استحقاق فاعلها للمدح أو الجزاء العادل. يمتلك الضمير سلطة آمرة أصيلة؛ فسلطانه ليس مشتقاً من القوانين الوضعية للمجتمع ولا من التهديد بالعقوبات الخارجية، بل من شهادة العقل الفطرية على كونه صوت الحكمة والحق الإلهي المغروس في سويداء النفس الإنسانية.
يحلل ريد الظواهر السيكولوجية العميقة المرافقة لعمل الضمير؛ لا سيما مشاعر «الندم» (Remorse) اللاذعة، و«المصادقة والسكينة الداخلية» (Self-Approbation). يوضح ريد أن الندم الذي يعتصر قلب المجرم ليس مجرد خوف من اكتشاف أمره أو حسرة على خسارة مادية لحقت به، بل هو ألم أخلاقي فريد ينبع من إدراكه الذاتي الواعي بأنه أتى فعلاً يستحق العقاب واللوم، وخالف القانون الأخلاقي الذي يفرضه ضميره. وعلى العكس من ذلك، فإن راحة الضمير وسكينته تمنح الإنسان سلاماً داخلياً لا يتزعزع، حتى وإن حلت به أعظم المصائب الدنيوية وساءت سمعته ظلماً بين الناس.
يربط ريد بين حكم الضمير وبين مشروعية النظام القانوني والجنائي في الدولة الإنسانية. فالقضاة والمشرعون، وسائر أفراد المجتمع، يفترضون دائماً في كل إنسان راشد سوي أنه يمتلك ضميراً يميز به بين الحق والباطل، ولهذا يعتبرونه مؤهلاً لتحمل المسؤولية الجنائية عن أفعاله. وبدون الاعتراف بالضمير كقوة عقلية حاكمة، يصبح العقاب القانوني ضرباً من الانتقام الأعمى أو القهر الميكانيكي الفاقد لأي أساس أخلاقي أو تبرير حقوقي عادل.
9.3 دوافع الفعل الإنساني وتقسيماتها النفسية
قدم توماس ريد في مقالاته حول القوى الفاعلة تصنيفاً نفسياً وتحليلياً متكاملاً لـ «دوافع ومبادئ الفعل الإنساني» (Principles of Action)؛ مقسماً إياها بدقة تراتبية إلى ثلاثة مستويات كبرى تتكامل في بنية الشخصية البشرية السوية: المبادئ الميكانيكية، والمبادئ الحيوانية، والمبادئ العقلانية.
المستوى الأول هو «المبادئ الميكانيكية» (Mechanical Principles)، وتضم الغرائز الأولية والعادات التلقائية الراسخة. هذه المبادئ تدفع الإنسان نحو الفعل بصورة ميكانيكية مباشرة وتلقائية دون حاجة إلى تدبر فكري مسبق، أو حضور واعٍ للنية، أو موازنة بين الغايات. ومن أمثلة ذلك: إغماض العين فور اقتراب جسم غريب منها، أو الحركات الانعكاسية للمشي والكتابة بعد تحولها إلى عادة متجذرة. صممت هذه الغرائز لتأمين الحفظ الذاتي الفوري للإنسان قبل أن يجد العقل المتأمل وقتاً للتفكير والتردد.
المستوى الثاني هو «المبادئ الحيوانية» (Animal Principles)، وتتضمن الشهوات الجسدية (Appetites) كالجوع والعطش والرغبة الجنسية؛ والعواطف والميول (Affections) وتضم الميول الخيرة كحب الأبناء والتعاطف مع المتألم، والميول الصراعية كالغضب والدفاع عن النفس؛ والشغف والرغبة في المكانة والسلطة والتميز. هذه المبادئ تشترك فيها الإنسانية مع الحيوانات العليا؛ وهي تتطلب حضوراً لنية أو إحساس برغبة معينة نحو هدف محدد في العالم الخارجي، وتلعب دور المحرك النشط الذي يدفع الإنسان للسعي وتأمين حاجاته الاجتماعية والبيولوجية.
المستوى الثالث والأسمى هو «المبادئ العقلانية» (Rational Principles)، وتقتصر على الإنسان العاقل وحده، وتنقسم إلى قطبين: الأول هو «مبدأ مصلحتنا الكلية وحسن حالنا في الحياة» (Our Good upon the Whole)؛ وهو الدافع الذي يترفع عن الملذات الآنية العابرة ليخطط لمستقبل الشخص وسعادته وصحته الشاملة على المدى الطويل. والثاني والأقدس هو «مبدأ الواجب الأخلاقي الصرف» (The Sense of Duty)؛ وهو الدافع الذي يأمر بالفعل لأنه صواب وحق في ذاته، حتى لو تعارض ذلك تعارضاً تاماً مع المصلحة الشخصية والراحة المادية لصاحبه.
يؤكد ريد أن الشخصية الإنسانية السوية والراشدة هي التي تتحقق فيها سيادة المبادئ العقلانية والضمير على المبادئ الحيوانية والميكانيكية؛ بحيث تعمل الشهوات والرغبات كجنود خاضعين لقيادة الحكمة والواجب. أما الاضطراب النفسي، والخلل السلوكي، والجريمة، والانحلال الأخلاقي، فليست سوى نتائج مباشرة لانقلاب هذه التراتبية الفطرية؛ حين تطغى الشهوة الحيوانية أو العادة العمياء فتستلب العقل، وتطيح بسلطة الضمير، وتهبط بالإنسان إلى مرتبة البهائم العاجزة عن توجيه مصائرها.
10. التأثير التاريخي على تطور علم النفس والفلسفة الأوروبية
10.1 الأثر في الفلسفة الفرنسية والمدرسة الانتقائية
عبرت فلسفة توماس ريد الحدود الإسكتلندية والبريطانية لتلعب دوراً تاريخياً وتأسيسياً بالغ الأهمية في مسار الفلسفة الفرنسية في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ حيث أصبحت الفلسفة الرسمية للتعليم الجامعي الفرنسي لعدة عقود متتالية.
بدأ هذا التأثير الكبير عندما اكتشف الفيلسوف والسياسي الفرنسي بيير بول روييه كولار (Pierre Paul Royer-Collard) كتابات ريد في مطلع القرن التاسع عشر، ووجد فيها الترياق المعرفي الشافي الذي كان يبحث عنه لمواجهة النزعة المادية والحسية المتطرفة لكوندياك وجماعة «الإيديولوجيين» (Idéologues) التي كانت مهيمنة على الفكر الفرنسي بعد الثورة. تبنى روييه كولار منهج ريد في الحس المشترك، وأسس على ركائزه محاضراته المؤثرة في جامعة السوربون بين عامي 1811 و1814، ملتقطاً بذكاء تمييز ريد الصارم بين الإحساس والإدراك لدحض محاولات اختزال النفس في مجرد مادة حساسة.
تلقف الفيلسوف الفرنسي البارز فيكتور كوزان (Victor Cousin) شعلة فلسفة ريد من أستاذه روييه كولار، وجعل من واقعية الحس المشترك الإسكتلندية العمود الفقري لـ «المدرسة الانتقائية الفرنسية» (French Eclecticism) التي سيطرت على الأكاديميا الفرنسية. قام كوزان وتلميذه تيودور جوفري (Théodore Jouffroy) بترجمة الأعمال الكاملة لتوماس ريد ودوغالد ستيوارت إلى اللغة الفرنسية مع مقدمات وشروح مستفيضة. وصارت كتب ريد تدرس رسمياً في كل المدارس العليا والجامعات في فرنسا بتوجيه من وزارة التعليم، بوصفها الحصن الفكري الذي يوفق بين صرامة المنهج العلمي وبين حماية القيم الروحية والأخلاقية وحرية الإرادة ضد التحلل المادي الإلحادي.
امتد هذا التأثير إلى علم النفس الفرنسي الناشئ مع تيودور جوفري ومين دو بيران (Maine de Biran)؛ حيث استلهم مين دو بيران تحليلات ريد حول القوى الفاعلة والعلية الإرادية ليؤسس علم النفس الاستبطاني للجهد والإرادة (Psychology of the Will)، معترفاً بأن تحليل ريد للشعور بالفاعلية هو نقطة الانطلاق لكل فهم حقيقي للوعي بالذات وتمايزها عن العالم المادي.
10.2 الانتشار في أمريكا وتأسيس الفكر الأكاديمي والعملي
إذا كانت فلسفة توماس ريد قد حظيت بنفوذ واسع في أوروبا، فإن تأثيرها في الولايات المتحدة الأمريكية خلال القرن التاسع عشر كان هيمنة فكرية وثقافية شبه مطلقة؛ إلى الحد الذي جعل مؤرخي الفكر يصفون مدرسة الحس المشترك الإسكتلندية بأنها كانت بمثابة «الفلسفة الوطنية غير الرسمية لأمريكا» طوال أكثر من قرن من الزمان.
تعود جذور هذه الهيمنة إلى الدور التاريخي الذي لعبه القس والمربي الإسكتلندي جون ويذرسبون (John Witherspoon)، أحد الموقعين على إعلان الاستقلال الأمريكي، حين تولى رئاسة «كلية نيوجيرسي» (جامعة برينستون لاحقاً) عام 1768. كان ويذرسبون متحمساً كبيراً لمشروع توماس ريد، فأدرج فلسفته في المناهج الجامعية وجعلها الأساس المعرفي والأخلاقي لتعليم أجيال متتابعة من قادة الأمة الأمريكية، ومنهم الرئيس جيمس ماديسون والعديد من قضاة المحكمة العليا والسياسيين والمفكرين البارزين الذين شاركوا في صياغة الدستور الأمريكي وبناء المؤسسات الفيدرالية.
أصبحت «فلسفة الحس المشترك» المنظومة الفكرية المهيمنة في كليات هارفارد، وييل، وبرينستون، وسائر المعاهد الأكاديمية الأمريكية حتى مطلع القرن العشرين. توافقت واقعية ريد المباشرة وثقته في المبادئ الأولى وتأكيده على الملاحظة التجريبية بدقة مذهلة مع المزاج الأمريكي الناشئ الذي يميل بطبعه إلى البراغماتية، والوضوح، والواقعية العملية، والنفور من التجريدات الميتافيزيقية المعقدة للرومانسية والمثالية الألمانية.
مهد هذا المناخ المعرفي الصلب الذي أرساه ريد الطريق لظهور أعظم تيار فلسفي أمريكي أصيل وهو «البراغماتية» (Pragmatism)؛ حيث اعترف روادها الكبار، وبخاصة تشارلز ساندرز بيرس وويليام جيمس، بالدين المعرفي الكبير لتوماس ريد. طور بيرس ما أسماه بـ «الحس المشترك النقدي» (Critical Common-sensism)، مستلهماً أطروحة ريد بأن الشك يجب أن يكون صادقاً وملموساً ونابعاً من التجربة الحقيقية، لا شكاً مصطنعاً على طريقة ديكارت. كما استلهم ويليام جيمس واقعية ريد المباشرة في صياغة «التجريبية الراديكالية» ورفض ثنائيات التمثيل الذهني المنعزل عن الممارسة الحية.
10.3 التمهيد لنشأة علم النفس التجريبي والملكات الذهنية
لم يقتصر تأثير توماس ريد على النقاشات الفلسفية والأخلاقية، بل امتد ليلعب دوراً تحفيزياً ومؤسساً في مسار ولادة وتطور «علم النفس التجريبي» المستقل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
كان لـ «علم نفس الملكات» الذي صاغه ريد ورتبه بعناية فائقة تأثير غير مباشر ولكنه حاسم على الطبيب والباحث النمساوي فرانز جوزيف غال (Franz Joseph Gall)، مؤسس نظرية «علم فراسة الدماغ» أو الفرينولوجيا (Phrenology). استعار غال تصنيف ريد لقوى العقل وملكاته المستقلة—كالتخيل، والحس الأخلاقي، واللغة، وإدراك المكان والمسافات—وحاول ربط هذه الملكات المحددة بمناطق ومراكز تشريحية معينة في قشرة الدماغ البشري. ورغم سقوط النزعة التبسيطية للفرينولوجيا لاحقاً، فإن فكرة «توطين الوظائف الدماغية» (Localization of Brain Functions) التي انبثقت من تصنيفات ريد لملكات العقل لا تزال تمثل الحجر الأساس لعلوم الأعصاب المعرفية المعاصرة.
وعلاوة على ذلك، انتقل منهج ريد الاستقرائي في تحليل العمليات الذهنية عبر وريثه الفلسفي السير ويليام هاملتون ومن بعده ألكسندر باين في أبردين، ليلهم الباحثين الأوائل في مختبرات علم النفس الفسيولوجي والتجريبي؛ ولا سيما في أعمال فيلهلم فونت في جامعة لايبتزغ بألمانيا. كان تمييز ريد الصارم والتأسيسي بين «البيانات الحسية الفسيولوجية» (Sensations) وبين «العمليات الإدراكية المعرفية» (Perceptions) هو الإطار النظري الموجه الذي بنى عليه فونت وإدوارد تيتشنر تجاربهم المعملية في قياس عتبات الحواس وسرعة رد الفعل الإدراكي وزمن الاستجابة للعلامات المنبهة.
كما كانت تحليلات ريد الهندسية والفسيولوجية العميقة حول «الإدراك البصري»، وحركة عضلات العين، والاندماج الصوري في الرؤية بالعينين (Binocular Vision)، والتمايز بين الإسقاط ثنائي الأبعاد والإدراك ثلاثي الأبعاد، مصدراً ملهماً لأبحاث كبار علماء البصريات والفسيولوجيا في القرن التاسع عشر؛ وعلى رأسهم هيرمان فون هلمهولتز وإرنست هاينريش فيبر وتشارلز ويتستون (مخترع المجسم البصري أو الستيريوسكوب)، والذين استندوا إلى حدوس ريد في فحص كيفية تفسير الدماغ للعلامات البصرية وتقدير المسافات والأبعاد في الفضاء الفيزيائي.
11. المقارنات الفلسفية المعاصرة: ريد في مواجهة كانط والظاهراتية
11.1 توماس ريد وإيمانويل كانط: الرد المزدوج على هيوم
يقف توماس ريد والفيلسوف الألماني إيمانويل كانط تاريخياً كأعظم قطبين فكريين استجابا للصدمة الشكوكية لدافيد هيوم في عصر التنوير؛ حيث أقر كلاهما بأن هيوم هو الذي أيقظهما من «السبات الدوغمائي». غير أن المسارين المعرفيين اللذين سلكهما المفكران للخروج من المأزق كانا على طرفي نقيض، ومثلا مفترق طرق حاسم في الفلسفة الغربية.
تتمثل نقطة الالتقاء الظاهري بينهما في إدراك أن الاستدلال التجريبي الخالص عاجز عن تبرير المعرفة، وأنه لا بد من وجود «مبادئ قبلية غير مستمدة من التجربة» لضمان اليقين العلمي؛ فكان المقابل لـ «المبادئ الأولى للحس المشترك» عند ريد هو «المقولات القبلية للعقل الخالص وصورتا الزمان والمكان الحديتان» عند كانط. غير أن الاختلاف الأنطولوجي والإبستيمولوجي بينهما جذري؛ فبينما تحصن كانط بـ «المثالية الترنسندنتالية» (Transcendental Idealism) التي اعتبرت أن العقل يفرض شروطه ومقولاته على الظواهر (الفينومينا) مع بقاء «الشيء في ذاته» (النومينا) مجهولاً ومستحيل الإدراك، تمسك ريد بـ «الواقعية المباشرة» (Direct Realism)؛ مؤكداً أن العقل لا يفرض قوالب ذهنية على المادة بل ينفتح مباشرة على الأشياء الخارجية الحقيقية كما هي في ذاتها.
شن كانط نقداً شهيراً وظالماً لتوماس ريد في كتابه «مقدمات لأي ميتافيزيقا مقبلة» (1783)؛ حيث اتهم كانط مدرسة الحس المشترك الإسكتلندية بالسطحية والافتقار إلى البصيرة النقدية، زاعماً أن ريد وجماعته احتكموا إلى «رأي العامة والدهماء» كبديل عن البرهان الفلسفي الدقيق، وتهربوا من معضلة هيوم الصعبة بدلاً من حلها ترنسندنتالياً. غير أن مؤرخي الفلسفة المعاصرين أثبتوا أن كانط كتب نقده هذا دون أن يقرأ كتابات ريد الأصلية، بل اعتمد على ملخصات مجتزأة وترجمات رديئة لكتابات تابعه السطحي جيمس بيتي؛ مما جعله يخلط خلطاً معيباً بين الحس المشترك الفلسفي لريد وبين الرأي الشائع الساذج.
تشهد الإبستيمولوجيا المعاصرة اليوم تحولاً لافتاً لصالح توماس ريد على حساب كانط؛ حيث يرى العديد من الفلاسفة المعاصرين—كألفين بلانتينغا وجون غريغوري وبول سنودون—أن حل ريد كان أكثر أصالة وتماسكاً وأقل كلفة ميتافيزيقية من حل كانط. لقد انتهى كانط دون أن يقصد إلى شكل متطور من المثالية التي تبتلع العالم الخارجي داخل الشروط الذاتية للوعي، بينما استطاع ريد بحس تحليلي رصين أن يقدم تبريراً واقعياً للمعرفة الطبيعية دون أن يقطع الصلة بالشيء في ذاته ودون أن يسقط في تعقيدات المثالية الترنسندنتالية المربكة.
11.2 التقاطعات مع الظاهراتية (Phenomenology)
تكشف القراءة المعاصرة لنصوص توماس ريد عن تقاطعات مذهلة وغير مسبوقة مع تيار «الظاهراتية» أو الفينومينولوجيا (Phenomenology)؛ إلى الحد الذي جعل بعض الباحثين يعتبرون ريد بمثابة «فينومينولوجي سابق لعصره» برز في قلب القرن الثامن عشر.
يظهر هذا التقاطع جلياً في المنهج الوصفي الرصين الذي اعتمده ريد في تحليل التجربة الواعية والشعور المعاش كما يتجلى في الخبرة الذاتية الحية، وهو ذات المبدأ الذي أسس عليه إدموند هوسرل مشروعه الظاهراتي القائم على العودة «إلى الأشياء ذاتها» وتجاوز البناءات الميتافيزيقية المصطنعة. لقد رفض ريد تفكيك التجربة الواعية إلى ذرات حسية ميكانيكية ميتة كما فعل التجريبيون، مصراً على وصف المعطى الإدراكي ككلية حية مفعمة بالمعنى والدلالة.
كما استبق ريد المفهوم الفينومينولوجي المركزي وهو «القصدية» (Intentionality)، والذي أعاد إحياءه فرانز برنتانو وهوسرل لاحقاً كسمة جوهرية للوعي؛ ومفاده أن الوعي هو دائماً «وعي بشيء ما». كان هذا المبدأ حاضراً بقوة في صلب تفريق ريد بين الإحساس والإدراك؛ فالإدراك عند ريد هو فعل قصدي بطبيعته يتجه مباشرة نحو الموضوع الخارجي، ولا يمكن اختزاله في انفعال ذاتي خالص، والشيء المدرك حاضر بذاته في بؤرة القصد المعرفي وليس عبر صورة ذهنية بديلة تقف في الطريق.
تتعزز هذه المقاربة عند مقارنة نصوص ريد بتحليلات الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي في كتابه العمدة «فينومينولوجيا الإدراك». يلتقي المفكران في التأكيد على مركزية «الجسد الحي الفاعل» في عملية الإدراك الحسي، وفي دحض النزعة الاختزالية الفيزيائية التي تعامل الجسد كآلة ميكانيكية منفصلة عن العقل. إن إدراك الفضاء والمكان والمقاومة والصلابة عند ريد هو تجربة جسدية معاشة وحركية متجذرة في «العالم المعاش» (Lebenswelt)، وهو ما يتماهى عميقاً مع الأطروحات الفينومينولوجية حول الإدراك المتجسد والوجود في العالم.
11.3 ريد وفلسفة اللغة العادية في أكسفورد
شهدت الفلسفة التحليلية في النصف الثاني من القرن العشرين، ولا سيما مدرسة أكسفورد المعروفة بـ «فلسفة اللغة العادية» (Ordinary Language Philosophy)، بعثاً حقيقياً لمنهجية توماس ريد وأسلوبه التحليلي في مواجهة المعضلات الميتافيزيقية والشكوكية.
تتجلى هذه القرابة الفكرية في أوضح صورها عند دراسة نصوص الفيلسوف البريطاني جورج إدوارد مور (G. E. Moore)، وبخاصة في مقالته الخالدة «دفاع عن الحس المشترك» (A Defence of Common Sense) عام 1925 وبرهانه الشهير على وجود العالم الخارجي برفع يديه أمام الحضور. استعار مور حرفياً استراتيجية ريد الإبستيمولوجية في تفكيك الشكوكية؛ مؤكداً أن يقيننا بوجود أيدينا وأجسادنا وعالمنا الخارجي أقوى وأرسخ بكثير من يقيننا بصحة أي مقدمة أو برهان فلسفي مجرد يدعي المشكك من خلاله إنكار تلك الحقائق البديهية.
كما تلتقي منهجية ريد بوضوح مع فلسفة لودفيغ فيتغنشتاين في مرحلته المتأخرة، وتحديداً في كتابه «في اليقين» (On Certainty) ومباحثه في «تحقيقات فلسفية». يتفق فيتغنشتاين مع ريد في أن الشك الفلسفي المطلق هو شك متكلف وخاوٍ من المعنى، وأن اللغة والمعرفة ترتكزان على أرضية صلبة من اليقينيات العملية والبديهيات المشتركة التي تمثل «إطار الصورة» أو قواعد لعبة اللغة التي لا يمكن التشكيك فيها لأن الشك ذاته يفترضها سلفاً كشرط لإمكان صياغته.
أما في حقل اللسانيات التداولية، فإن التأثير الريادي لريد على فيلسوف أكسفورد جون لانغشو أوستن (J. L. Austin) ونظريته في «أفعال الكلام» هو حقيقة تاريخية لا مراء فيها. طور أوستن تمييز ريد المبكر بين العمليات الذهنية الفردية والعمليات الاجتماعية، وأعاد صياغة أطروحة ريد القائلة بأن اللغة الطبيعية والعادية للشعوب تختزن حكمة عميقة ومتراكمة تعبر عن فروق ووقائع حقيقية لا ينبغي للفلاسفة تجاوزها أو اختزالها. أصبح الاحتكام إلى «الاستخدام العادي للألفاظ» في قواميس البشر أداة إبستيمولوجية صارمة لفض النزاعات الفلسفية المعقدة وكشف المغالطات الناتجة عن ليّ عنق الكلمات.
12. الإرث المعاصر: توماس ريد في فلسفة العقل والعلوم الاستعرافية المعاصرة
12.1 إحياء إبستيمولوجيا ريد في الفكر المعاصر
شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين حركة إحياء واسعة النطاق لفلسفة توماس ريد في صلب الإبستيمولوجيا التحليلية المعاصرة؛ حيث تحول فكره من مجرد محطة تاريخية في التنوير الإسكتلندي إلى أحد أهم الروافد الحية لتأسيس نظريات المعرفة الحديثة.
قاد هذا التحول التاريخي الفيلسوفان الأمريكيان البارزان ألفين بلانتينغا (Alvin Plantinga) ونيكولاس ولترستورف (Nicholas Wolterstorff) من خلال تأسيس ما عُرف بـ «الإبستيمولوجيا الإصلاحية» (Reformed Epistemology). اتكأ بلانتينغا في كتبه الشهيرة حول «الضمان» (Warrant) على مفهوم توماس ريد للمبادئ الأولى لصياغة نظريته الثورية في «الاعتقاد الأساسي السليم» (Properly Basic Belief). نسف بلانتينغا، مستنداً إلى ريد، النزعة التأسيسية الديكارتية الصارمة (Classical Foundationalism) التي تشترط البرهان المنطقي أو اليقين العصمة لتبرير المعتقدات؛ مبيناً أن اعتقاداتنا في وجود العالم الخارجي، وعقول الآخرين، والذاكرة، بل وحتى الاعتقاد الفطري بوجود الإله، هي معتقدات أساسية عقلانية ومبررة تبريراً ذاتياً كاملاً دون حاجة إلى أدلة برهانية مساعدة، ما دامت صادرة عن ملكات معرفية تعمل وفق «وظيفتها السليمة» (Proper Functioning) في بيئة معرفية ملائمة صُممت لها.
كما ساهمت رؤية ريد في ازدهار تيار «الاعتمادية» (Reliabilism) في نظرية المعرفة المعاصرة، والتي يدافع عنها فلاسفة من أمثال ألفين غولدمان؛ حيث يُنظر إلى تبرير المعرفة بوصفه نتاجاً لعمل «آليات وقوى إدراكية موثوقة» أنتجت الاعتقاد بصورة طبيعية، دون اشتراط قدرة المدرِك على تقديم مرافعات منطقية عن كيفية عمل تلك الملكات.
وفي مجال «إبستيمولوجيا الشهادة والذاكرة» (Epistemology of Testimony and Memory)، يقف توماس ريد اليوم بوصفه الأب الروحي للنزعة غير الاختزالية (Non-reductionism) التي يدافع عنها فلاسفة معاصرون كـ تايلر بورج وس. أ. كودي؛ حيث تم الاعتراف بالشهادة الإنسانية والذاكرة كمصادر أصيلة ومستقلة وموثوقة بذاتها لتبرير المعرفة، قاطعين نهائياً مع المحاولات التبسيطية لهيوم التي حاولت اختزال الشهادة في مجرد استدلال استقرائي شخصي ضيق.
12.2 ريد ونظرية الإدراك الإيكولوجي المعاصرة
في حقل العلوم الاستعرافية المعاصرة وسيكولوجيا الرؤية، تجلت راهنية أفكار توماس ريد بصورة مذهلة عبر التطابق البنيوي والمنهجي الكامل بين واقعيته المباشرة وبين «نظرية الإدراك الإيكولوجي» (Ecological Psychology) التي أسسها عالم النفس الشهير جيمس جيروم جيبسون (James J. Gibson) في النصف الثاني من القرن العشرين.
قام جيبسون، تماماً كما فعل ريد قبل مائتي عام، برفض «النموذج الحاسوبي والمعرفي غير المباشر» السائد في علوم الاستعراف؛ وهو النموذج الذي يفترض أن الدماغ يتلقى بيانات حسية مبهمة وناقصة من شبكية العين ثم يقوم بعمليات معالجة حاسوبية وتأويلات واستدلالات خوارزمية داخلية لتركيب صورة للعالم الخارجي. أكد جيبسون، مستعيداً حدوس ريد، أن «الإدراك البصري هو التقاط مباشر وفوري للمعلومات الغنية والمستمرة في البيئة الفيزيائية» دون وساطة تمثيلات ذهنية داخلية أو عمليات استدلال غير واعية.
طور جيبسون مفهوم «الإمكانات أو الإتاحات» (Affordances)؛ ومفاده أن الكائن الحي لا يدرك في بيئته خصائص هندسية مجردة وكتلاً صماء، بل يدرك مباشرة ما تتيحه له الأشياء من إمكانات للفعل الحركي والحياتي: فالأرض الصلبة تُدرك مباشرة كـ «مكان للمشي»، والكرسي يُدرك كـ «موضع للجلوس»، والثمرة تُدرك كـ «شيء للأكل». يلتقي هذا الطرح الإيكولوجي تماهياً تاماً مع تحليلات ريد حول الإدراك الحسي بوصفه استجابة فطرية ومباشرة لمعانٍ وعلامات طبيعية صممت لخدمة الفاعلية العملية والحيوية للكائن في بيئته المحيطة.
تجد هذه الرؤية الريدية-الجيبسونية اليوم تطبيقاتها الرائدة في أبحاث «الذكاء الاصطناعي المجسد» (Embodied AI) ونظريات «الاستعراف المتجسد والممتد» (Embodied and Enactive Cognition – 4E Cognition)؛ حيث أثبت مهندسو الروبوتات المعاصرة—مثل رودني بروكس—أن بناء روبوت قادر على التفاعل الناجح والملاحة في العالم الحقيقي يتحقق بصورة أسرع وأكثر كفاءة عبر ربط مستشعرات الروبوت وحركاته مباشرة بالبيئة المحيطة (الالتقاط المباشر للعلامات وتعديل السلوك) دون إثقال معالجه الداخلي بنماذج تمثيلية وحسابية شمولية ومعقدة للعالم الخارجي، في استعادة تقنية مذهلة لواقعية ريد التفاعلية المباشرة.
12.3 القيمة المستمرة لأفكار توماس ريد للدراسات النفسية
إن القيمة المعرفية المستمرة لمشروع توماس ريد في مطلع الألفية الثالثة لا تنبع فقط من تفكيكه التاريخي للشكوكية الكلاسيكية، بل من كونه يقدم حصناً إبستيمولوجياً وأخلاقياً متيناً لمواجهة ما يمكن تسميته بـ «العدمية الإبستيمولوجية والسيكولوجية المعاصرة» التي تنكر قدرة العقل البشري على الوصول إلى الحقيقة، وتحاول تفكيك الهوية الإنسانية ورد الوعي الأخلاقي إلى محض صدف داروينية عمياء أو تفاعلات كهروكيميائية لا معنى لها.
تكمن فرادة ريد في قدرته الفذة على إعادة نسج الثقة الفلسفية في «الحدوس الفطرية والتجربة الإنسانية المباشرة» للإنسان العادي؛ دون أن يسقط في الوثوقية الدوغمائية الساذجة أو يفرط في روح الشك المنهجي العلمي الرصين. لقد علمنا ريد أن التواضع المعرفي الحقيقي لا يتحقق بالتشكيك في أصل حواسنا ومداركنا التي لا نملك غيرها لممارسة الحياة، بل بالاعتراف بحدود تلك الحواس، واحترام النسيج التكويني الذي ركبته الطبيعة في النفس البشرية، وحماية الفطرة الإنسانية من شطحات التنظير الميتافيزيقي المغترب عن الواقع المعاش.
يمثل التراث الريدي نموذجاً رائداً وفريداً في بناء «علم نفس إنساني تكاملي» يحترم وحدة الكيان البشري؛ حيث تتضافر في هذا النموذج المعرفة، واللغة، والإرادة، والأخلاق في تناغم عضوي بديع. إن ريد يرفض اختزال الإنسان في مجرد متفرج بارد يتأمل صوراً ذهنية داخل رأسه، كما يرفض تحويله إلى كائن بيولوجي مقهور بحتميات المادة والشهوة؛ بل يراه «فاعلاً عاقلاً، حراً، ومسؤولاً»، مزوداً بملكات فطرية تمكنه من الانخراط الصادق في العالم المادي، وبناء مجتمعات قائمة على الصدق والعدل والمحبة، والشهادة بثقة على بهاء الحقيقة في هذا الوجود.
إن إعادة قراءة توماس ريد اليوم ليست ترفاً أكاديمياً أو نبشاً في أروقة التاريخ الإسكتلندي القديم، بل هي ضرورة ملحة لاستعادة البوصلة الإبستيمولوجية والأخلاقية للفلسفة المعاصرة؛ بغية الحفاظ على كرامة العقل الإنساني وسلامة الحس السليم في مواجهة عالم تزداد فيه عوالم التمثيل الافتراضي تشويشاً على صلب الواقع الحقيقي للإنسان.
خاتمة
يقف توماس ريد كأحد أرسخ وأشجع أعمدة عصر التنوير الأوروبي، وفيلسوفاً استثنائياً نجح في تحرير العقل الغربي من سجن «طريق الأفكار» والمثالية الذاتية والشكوكية الراديكالية. لم تكن فلسفته ارتداداً عن العقلانية، بل كانت تصحيحاً لمسارها المغلوط، وإعادة تأسيس لها على أرضية الواقعية المباشرة والملاحظة الاستقرائية الدقيقة ومبادئ الحس المشترك الفطرية.
لقد صاغ ريد رؤية فلسفية ممتدة وشاملة؛ فكك فيها الوهم الشكوكي، وأعاد بناء سيكولوجيا الحواس والإدراك، ورسم الخطوط التأسيسية لفلسفة اللغة وأفعال الكلام، ودافع باستماتة عن حرية الإرادة وفاعلية الذات وموضوعية الضمير والأخلاق. وإن راهنية أفكاره المتجددة اليوم في أحدث نظريات المعرفة والعلوم الاستعرافية وفلسفة العقل تؤكد أن «فلسفة الحس المشترك» ليست مرحلة انقضت، بل هي تيار حي ونبض دائم يذكر الفلسفة بوظيفتها الأسمى: أن تكون صوتاً للحقيقة، وخادمةً للحياة الإنسانية المعاشة، وحارسةً لكرامة الإنسان وفطرته السليمة.
المراجع
- Beanblossom, R. E., & Lehrer, K. (Eds.). (1983). Thomas Reid’s Inquiry and Essays. Hackett Publishing Company.
- Cuneo, T., & Woudenberg, R. van (Eds.). (2004). The Cambridge Companion to Thomas Reid. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CCOL052182283X
- Fraser, A. C. (1898). Thomas Reid. Oliphant, Anderson and Ferrier.
- Gibson, J. J. (1979). The Ecological Approach to Visual Perception. Houghton Mifflin.
- Lehrer, K. (1989). Thomas Reid. Routledge.
- Nichols, R. (2007). Thomas Reid’s Theory of Perception. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780199276912.001.0001
- Plantinga, A. (1993). Warrant and Proper Function. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/0195078640.001.0001
- Reid, T. (1764). An Inquiry into the Human Mind on the Principles of Common Sense. A. Kincaid and J. Bell. (Reprinted by Edinburgh University Press, 1997, Ed. Derek R. Brookes).
- Reid, T. (1785). Essays on the Intellectual Powers of Man. John Bell. (Reprinted by Edinburgh University Press, 2002, Ed. Derek R. Brookes).
- Reid, T. (1788). Essays on the Active Powers of Man. John Bell. (Reprinted by Edinburgh University Press, 2010, Ed. Knud Haakonssen & James A. Harris).
- Wolterstorff, N. (2001). Thomas Reid and the Story of Epistemology. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511613807
- Yaffe, G. (2004). Manifest Activity: Thomas Reid’s Theory of Action. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/0199268398.001.0001