السيرة
يقف الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679) في مفترق طرق حاسم من تاريخ الفكر الإنساني؛ إذ يُمثّل نقطة القطيعة المعرفية والسياسية الكبرى مع التراث المدرسي الوسيط والفلسفة السياسية الكلاسيكية الموروثة عن أفلاطون وأرسطو. فبينما تأسست الفلسفة القديمة على مقولة مركزية تفترض أن الإنسان “حيوان سياسي بطبعه”، وأن الاجتماع البشري نزوع غائي وفطري نحو الفضيلة والخير الأسمى، جاء هوبز ليقلب هذا البناء رأساً على عقب، مؤسساً رؤيته على أرضية مادية حركية صارمة تستلهم منجزات الثورة العلمية الناشئة في القرن السابع عشر، لا سيما فيزياء غاليليو غاليلي وهندسة إقليدس. لقد نظر هوبز إلى الإنسان ليس بوصفه كائناً مجبولاً على الوئام الاجتماعي والفضيلة الغائية، بل بوصفه منظومة ميكانيكية حيوية تحركها الشهوات والنفورات، ويدفعها خوف بنيوي متأصل من الموت العنيف وسعي لا ينقطع وراء امتلاك القوة تلو القوة.
تكمن فرادة المشروع الهوبزي في شجاعته النظرية التي واجهت أسوأ كوابيس العصر الأوروبي المتمثلة في التفكك الاجتماعي، والاحتراب الأهلي، والنزاعات العقائدية المذهبية التي عصفت بإنجلترا والقارة الأوروبية إبان حرب الثلاثين عاماً والثورة البيوريتانية. ومن قلب هذا الرعب الوجودي، لم يلجأ هوبز إلى الطوباوية أو التعزيات اللاهوتية المتعالية، بل أقدم على تشريح الطبيعة البشرية بمشرط فيزيائي لا يرحم، مجرداً إياها من هالات القداسة الأخلاقية الزائفة. فكانت أطروحته الراديكالية تدشيناً لـ الفلسفة الأخلاقية والسياسية الحديثة القائمة على أسس واقعية ترتكز على التعاقد، والشرعية العقلانية، واحتكار العنف المشروع، وتحييد الميتافيزيقا لصالح نموذج تفسيري صارم ينطلق من حركة الجسد وينتهي ببناء الدولة بوصفها “إلهاً فانياً” أو كائناً اصطناعياً عملاقاً هو “اللفياثان”.
إن استكشاف فكر توماس هوبز لا يمثل مجرد استذكار تاريخي لأطروحات فيلسوف عاش في القرن السابع عشر، بل هو تفكيك للشيفرة التأسيسية التي قامت عليها الدولة القومية الحديثة ومنظومات الضبط الاجتماعي والسياسي برمتها. من نظرية المعرفة الاسمية، مروراً بسيكولوجيا الانفعالات وآليات الإدراك، وصولاً إلى فكرة حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي والعلاقة الملتبسة بين الدين والسيادة؛ يظل هوبز المفكر الأكثر إزعاجاً وعمقاً في آن واحد. فهو الذي يجبرنا على التفكير في أثمان السلم الأهلي، وحدود الحرية الفردية، وحقيقة البنية التحتية النفسية التي تحرك مجتمعاتنا خلف أقنعة الحضارة الهشة. يطمح هذا البحث الاستقصائي الموسع إلى الإحاطة الشاملة بالمشروع الهوبزي في كافة تمفصلاته المعرفية، والنفسية، والسياسية، واللاهوتية، مقدماً قراءة تركيبية نقدية تبرز راهنية هذا الفيلسوف في عالمنا المعاصر.
1. السياق التاريخي والسيرة الفكرية لتوماس هوبز (1588-1679)
1.1 النشأة والتعليم والبيئة السياسية المضطربة
وُلد توماس هوبز في الخامس من أبريل عام 1588 في بلدة مالمسبري بمقاطعة ويلتشير الإنجليزية، في لحظة تاريخية حبلى بالذعر الجمعي؛ إذ كانت الأرمادا الإسبانية، الأسطول البحري الضخم لإسبانيا الكاثوليكية، تشق طريقها نحو الشواطئ البريطانية لغزو إنجلترا الإليزابيثية وإسقاط البروتستانتية فيها. يروي هوبز لاحقاً في سيرته الذاتية الشعرية تلك الواقعة بعبارة شهيرة أضحت مفتاحاً تأويلياً لسيكولوجيته وفلسفته برمتها: “لقد وضعت أمي توأمين: أنا والخوف”. إن اقتران الميلاد بالخوف من الهلاك العنيف لم يكن مجرد صدفة بيولوجية أو مجاز أدبي، بل كان المحرّك الوجداني العميق الذي تسرب إلى صلب نسقه الفلسفي، وجعل من البحث عن الأمان والاستقرار والنجاة من الفوضى الشغل الشاغل لمسيرته الفكرية المديدة.
تلقى هوبز تعليمه الأولي الكلاسيكي في مدارس محلية أظهر فيها نبوغاً لافتاً في اللغتين اليونانية واللاتينية، مما أهله للالتحاق بـ جامعة أكسفورد (كلية مجدلين هول) بين عامي 1603 و1608. بيد أن الفضاء الأكاديمي الإنجليزي في ذلك الوقت كان خاضعاً لهيمنة الفلسفة السكولاستية (المدرسية) المتأخرة، المستندة إلى تأويلات محرفة لأرسطو تمزج المنطق الصوري باللاهوت الكاثوليكي والأنغليكاني. وقد شعر هوبز الشاب بنفور عميق وضيق ذرعٍ من هذا النمط التعليمي الذي رآه تلاعباً بالألفاظ الفارغة، وثرثرة ميتافيزيقية مضللة تفتقر إلى أي قيمة عملية أو أساس علمي، مما ولّد لديه حساسية نقدية صارمة تجاه الميتافيزيقا التقليدية لازمته طوال حياته.
عقب تخرجه، التحق هوبز بأسرة كافنديش الأرستقراطية الثرية والمؤثرة بوصفه معلماً خاصاً ومستشاراً، وهي علاقة استمرت لعقود ووفرت له استقراراً مادياً وإمكانية الوصول إلى مكتبات ضخمة وشبكات نفوذ واسعة. أتاحت له هذه الرعاية القيام بثلاث جولات كبرى في القارة الأوروبية (الرحلة الكبرى)، وهي التي شكلت منعطفه الإبستمولوجي الحقيقي. هناك، احتك هوبز بالدوائر العلمية الرائدة في باريس وفلورنسا؛ والتقى بعالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي عام 1636، وتأثر تأثراً بالغاً بنظريته في القصور الذاتي وحركة الأجسام. كما انخرط في حوارات وسجالات حامية مع الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت من خلال حلقة الأب ميرسين العلمية، مما دفعه إلى إدراك أن النموذج الهندسي الفيزيائي الجديد هو الأداة الوحيدة القادرة على تفسير الكون، والإنسان، والدولة.
مع حلول أربعينيات القرن السابع عشر، بدأت إنجلترا تنزلق نحو أتون أزمة سياسية غير مسبوقة تجسدت في الصدام العنيف بين التاج الملكي ممثلاً في تشارلز الأول والبرلمان الإنجليزي المدعوم من التيارات البيوريتانية المتشددة. اندلعت الحرب الأهلية الإنجليزية (1642-1651)، وشهد هوبز بأم عينيه انهيار المؤسسات، وتفشي الفتن الدينية، وتحول المجتمع إلى حالة احتراب شامل، بلغت ذروتها بإعدام الملك تشارلز الأول عام 1649. هذا الانهيار المروع للشرعية دفع هوبز للفرار إلى منفاه الباريسي لعشر سنوات، وهناك وجّه كل طاقته الفكرية نحو التنظير السياسي والنفسي، محاولاً الإجابة عن سؤال ملح: كيف يمكن تجنيب البشرية جحيم الحرب الأهلية وإعادة تأسيس النظام السياسي على أسس لا تتزعزع؟
1.2 المحطات الفكرية الكبرى وتطور مؤلفاته
بدأ الإنتاج الفكري لهوبز متأخراً نسبياً بمقاييس عصره، وجاءت باكورته منشغلة بالتاريخ والسياسة الكلاسيكية؛ حيث قام في عام 1629 بنشر ترجمته الإنجليزية الرائدة لكتاب “تاريخ الحرب البيلوبونيزية” للمؤرخ الإغريقي ثوكيديدس. لم تكن هذه الترجمة ترفاً لغوياً، بل كشفت عن انجذاب مبكر لتحليل سيكولوجيا الصراع، وتفكيك هشاشة الديمقراطية الأثينية في مواجهة الانفعالات الشعبية والديماغوجيا، وإدراك مركزية الخوف والمصلحة والشرف في تصرفات الدول والأفراد. رأى هوبز في تشريح ثوكيديدس لحرب البيلوبونيز مرآة كاشفة للاضطرابات التي كانت تنذر بها الساحة السياسية الإنجليزية في عهد ستيوارت.
في منفاه الفرنسي، تبلور لدى هوبز مشروع معرفي كلي طموح عُرف بثلاثية “عناصر الفلسفة” (Elementa Philosophiae). كان تصوره يقضي بأن المعرفة الفلسفية يجب أن تُبنى بالتدريج الصارم؛ انطلاقاً من دراسة المادة الفيزيائية في كتاب “عن الجسد” (De Corpore)، ثم دراسة النفس البشرية والإدراك في كتاب “عن الإنسان” (De Homine)، وصولاً إلى النظام الاجتماعي والسياسي في كتاب “عن المواطن” (De Cive). غير أن وتيرة الأزمة الإنجليزية المتسارعة جعلته يقدّم نشر الجزء الثالث، فطبع “عن المواطن” لأول مرة في باريس عام 1642 ليضع فيه اللبنات الأساسية لنظريته في السيادة المطلقة والعقد الاجتماعي، قبل أن يستكمل الجزأين الآخرين لاحقاً في صياغة نسق معرفي محكم ينقل قوانين الحركة من الذرات إلى المجتمعات.
بلغ النضج الفلسفي الهوبزي ذروته الشاهقة في عام 1651 عندما نشر في لندن تحفته الخالدة كتاب اللفياثان (Leviathan, or The Matter, Forme, and Power of a Common-Wealth Ecclesiasticall and Civill). صاغ هوبز في هذا العمل بياناً ثورياً حول أصل السلطة وطبيعة الإنسان، واقترح صورة ذلك الوحش التوراتي العظيم الموصوف في سفر أيوب كاستعارة للدولة المركزية المطلقة. أثار الكتاب عاصفة مدوية من الجدل السياسي والديني؛ إذ اتهمه الملكيون بالبراغماتية والتنظير لشرعية سلطة الأمر الواقع (أوليفر كرومويل) لأنه ربط واجب الطاعة بقدرة الحاكم الفعلية على الحماية، في حين اتهمه رجال الدين والإكليروس بالإلحاد والهرطقة بسبب نزعته المادية الصارمة وإخضاعه الكنيسة بالكامل للسيادة المدنية.
لم تتوقف مغامرات هوبز الفكرية بعد عودته إلى إنجلترا واستقراره فيها؛ فقد خاض في العقود الأخيرة من عمره مساجلات فكرية شرسة ومضنية امتدت لسنوات طويلة. اشتبك مع عالم الرياضيات جون واليس في نزاع حول قضايا تربيع الدائرة وطبيعة الهندسة واللانهاية، كما خاض مواجهة إبستمولوجية كبرى مع العالم الفيزيائي روبرت بويل ومجتمعه الملكي الناشئ حول صلاحية المنهج التجريبي وحدود التجارب المعملية باستخدام مضخة الهواء. دافع هوبز بصلابة عن المنهج الاستنباطي الاستدلالي القائم على التعاريف العقلية الصارمة، رافضاً اقتصار العلم على مجرد جمع الملاحظات التجريبية العرضية، مما جعله قطباً فلسفياً صلباً لا يهادن حتى آخر أيامه.
1.3 الظروف الجيوسياسية وأزمة الشرعية السياسية
شهد القرن السابع عشر في أوروبا زلزالاً بنيوياً في المفاهيم السياسية نتيجة تآكل دعائم النظام الإقطاعي القديم وانهيار وحدة العالم المسيحي بعد حركة الإصلاح الديني والحروب المذهبية الدموية. وفي الحالة الإنجليزية تحديداً، أدى تفجر الصراع بين الملك تشارلز الأول من جهة، والبرلمان ذي الأغلبية البيوريتانية من جهة أخرى، إلى شلل تام في مؤسسات الحكم المركزية. لقد كان هذا التصدع كارثياً على الوعي الجمعي؛ إذ تجرد المجتمع في لحظات معدودة من شبكات الأمان التقليدية، ووجد المواطن الإنجليزي نفسه مهدداً في حياته، وملكيته، وعقيدته، في مواجهة جيوش وميليشيات متناحرة يدّعي كل طرف منها النطق باسم الحق الإلهي أو العدالة الدستورية.
تكمن معضلة العصر الأساسية في أزمة “الشرعية السياسية”. كان الفكر السياسي الملكي التقليدي يستند حصرياً إلى “نظرية الحق الإلهي للملوك” التي طورها منظّرون مثل روبرت فيلمر، مفادها أن سلطة الملك مستمدة مباشرة من الله، وأن طاعته واجبة دينياً وأخلاقياً كطاعة الأب في الأسرة البطريركية، ولا حق لأحد في مساءلته أو مقاومته. في المقابل، استند معارضو الملكية من البرلمانيين والجمهوريين إلى مفاهيم القانون العام الإنجليزي، والحريات التاريخية، والمواثيق القديمة (مثل الماغنا كارتا)، زاعمين أن الأمة ممثلة في برلمانها هي مصدر السلطة الأصلية، وأنه يحق لها التمرد على الحاكم إذا جار أو خالف الشريعة.
أدرك هوبز بعبقريته النافذة أن كلا الفريقين يستندان إلى مبررات وهمية تقود حتماً إلى الحرب الأهلية الدائمة؛ فالحق الإلهي لم يعد قادراً على توحيد مجتمع تتعدد فيه الطوائف والتفسيرات اللاهوتية المتنازعة، والتعويل على الحريات الدستورية وتجزئة السلطة يفتح الباب واسعاً أمام الانشقاق والفتنة وفقدان القرار الحاسم. لذلك، انخرط هوبز في مهمة فكرية راديكالية: البحث عن أساس علماني وعقلاني ووضعي يبرر سلطة الدولة المطلقة دون الحاجة إلى التوكيل الإلهي المباشر، ودون الوقوع في مصيدة الفوضى البرلمانية. أراد هوبز استنتاج السياسة من طبائع البشر ذاتها، من غرائزهم الأساسية، وتحديداً من مصلحتهم العقلانية في النجاة، مما جعل مشروعه التأسيس الحقيقي الأول للنظرية السياسية الحداثية.
2. الأسس الإبستمولوجية والمنهجية المادية عند هوبز
2.1 المادية الحركية وتفسير الوجود
يقوم البناء الفلسفي الشامل لتوماس هوبز على أطروحة أنطولوجية واحدة شديدة الراديكالية والتماسك: الكون بأكمله ليس سوى مادة في حالة حركة. لا يعترف هوبز بأي كينونة خارج نطاق الأجسام المادية الطبيعية التي تشغل حيزاً مكانياً، وتمتلك أبعاداً هندسية (طولاً، وعرضاً، وعمقاً)، وتخضع لقوانين فيزيائية ميكانيكية صارمة. يقول هوبز بوضوح قاطع في “اللفياثان”: “الكون، أي كلية الأشياء الموجودة، هو جسد؛ وما ليس جسداً، ليس جزءاً من الكون؛ ولما كان الكون هو الكل، فإن ما ليس جسداً ليس شيئاً على الإطلاق، وبالتالي فهو عدم”.
بهذا الإعلان المادي الجريء، وجه هوبز ضربة قاصمة إلى الميتافيزيقا الغائية الأرسطية والمفاهيم الكنسية عن “الصور الجوهرية” و”النفوس اللامادية” المفارقة للأجسام. رفض هوبز رفضاً باتاً ثنائية ديكارت التفاعلية القائلة بوجود جوهر مفكر غير مادي (Res Cogitans) وجوهر ممتد (Res Extensa)؛ فبالنسبة له، العقل والتفكير ليسا سوى حركة مادية متطورة تحدث داخل الجسد الفيزيائي المعقد. الروح والوعي والفكر لا تتمتع بأي استقلال أنطولوجي عن الترتيب الحركي للذرات والأنسجة العضوية؛ وكل ما لا يمتلك جسماً فهو محض وهم لغوي أو اختراع من اختراعات اللاهوت المدرسي الذي كان هوبز يسميه بازدراء “فلسفة الأشباح والأوهام”.
استلهم هوبز في بناء نسقه الفيزيائي هذا قوانين غاليليو في الميكانيكا، لا سيما مبدأ القصور الذاتي الذي ينص على أن الجسم المتحرك يظل متحركاً في خط مستقيم ما لم يعترضه عائق مادي خارجي يبطئ حركته أو يغير مساره. قام هوبز بنقل هذا المبدأ الفيزيائي العياني بصورة مباشرة وتطبيقية إلى مجال سيكولوجيا الإنسان والعلوم الاجتماعية والسياسية. فالإنسان في المنظور الهوبزي هو “آلة بيولوجية ذاتية الحركة”؛ قلبه ليس سوى مضخة، ومفاصله هي عجلات وأربطة، وأعصابه هي خيوط وأوتار تنقل الحركات من الخارج إلى الداخل ومن الداخل إلى الخارج، في سلسلة متصلة من الأسباب والمسببات الفيزيائية الحتمية.
يترتب على هذا التأسيس المادي إلغاء أي قطيعة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية؛ إذ تصبح السياسة والأخلاق مجرد امتداد علمي وحتمي لدراسة الأجسام وحركاتها. فكما تخضع الكواكب ومقذوفات المدافع لقوانين الحساب والجاذبية والتصادم، كذلك يخضع سلوك الأفراد داخل الدولة لقوانين حركة الرغبات والنفورات والانفعالات. إن وحدة المنهج هذه تمثل الطموح الإبستمولوجي الأقصى عند هوبز، حيث يصبح علم السياسة “هندسة مدنية” تهدف إلى ضبط حركة الأجسام البشرية ومنع تصادمها الكارثي في الفضاء الاجتماعي المشترك.
2.2 المنهج التركيبي التحليلي في فحص الظواهر المعقدة
لم يكن هوبز مجرد مفكر تأملي، بل كان مهندساً منهجياً بارعاً استعار أدوات المعرفة العلمية من مدرسة بادوا الإيطالية ومنجزات جاليليو، متبنياً ما يُعرف في فلسفة العلم بـ “المنهج التركيبي التحليلي” (Methodus Resolutivo-Compositiva). يقوم هذا المنهج على مرحلتين أساسيتين ومتكاملتين لفهم أي ظاهرة مركبة، سواء كانت ساعة ميكانيكية، أو عضواً حياً، أو دولة سياسية بأكملها: المرحلة التحليلية التفكيكية (Resolutive)، والمرحلة التركيبية التوليدية (Compositive).
في المرحلة الأولى (التفكيكية)، يرى هوبز أنه لكي نفهم كيف تعمل الدولة المركبة وقوانينها وتشريعاتها، لا بد من تفكيكها ذهنياً إلى أجزائها وعناصرها الأولية الأبسط. والدولة في نهاية المطاف ليست سوى تكتل بشري عملاق؛ لذا يتوجب تفكيكها إلى آحادها المكونة لها، أي الأفراد المنعزلين. ومن ثم، يتوجب تفكيك الفرد ذاته إلى غرائزه ودوافعه وآليات الإدراك والانفعال لديه. إن فهم الكائن الاجتماعي المعقد يقتضي رده إلى حالته الذرية الأولى؛ تماماً كما يفعل مصلح الساعات حين يفكك التروس والزنبركات قطعة قطعة ليعرف أين يكمن مبدأ الحركة الخفي ونقاط الاحتكاك والخلل.
أما في المرحلة الثانية (التركيبية)، فينطلق العقل من تلك العناصر الأولية البسيطة التي تم عزلها وتشريحها—أي دوافع الفرد الفطرية، وحبه للبقاء، وخوفه من الموت، وحاجته إلى القوة—ثم يبدأ في إعادة بناء البناء الاجتماعي خطوة بخطوة بطريقة استنتاجية برهانية. هنا، لا يتعامل الفيلسوف مع المجتمع كمعطى تاريخي اعتباطي، بل يعيد إنتاجه ذهنياً كضرورة عقلانية محتومة تقتضيها طبيعة تلك الذرات الفردية وحركاتها المتصادمة؛ وصولاً إلى إثبات أن تشكيل السيادة المطلقة هو النتيجة الحتمية الوحيدة لسلامة حركة تلك الأجسام.
هذا النمط من الاستدلال هو استلهام مباشر للهندسة الإقليدية التي شغف بها هوبز في سن الأربعين حين قرأ كتاب “الأصول” لإقليدس مصادفة في إحدى المكتبات. سحرته الطريقة الهندسية التي تنطلق من بديهيات وتعريفات أولية واضحة لا تقبل الشك، لتنتقل منها عبر استدلالات منطقية متسلسلة إلى مبرهنات معقدة ومحكمة. قرر هوبز أن يؤسس الفلسفة السياسية والأخلاقية على هذا المنوال الإقليدي الصارم؛ بحيث تصبح نتائج فلسفته السياسية ملزمة للعقل بالضرورة البرهانية ذاتها التي تجعلنا نقر بأن زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين.
2.3 الاسمية اللغوية ونظرية المعرفة
تستند نظرية المعرفة عند هوبز إلى نزعة اسمية راديكالية (Radical Nominalism) تتجاوز أطروحات ويليام الأوكامي ومفكري العصور الوسطى المتأخرين. يذهب هوبز إلى أن العالم الواقعي الخارجي لا يحتوي إلا على أشياء مفردة وجزيئات متعينة متباينة؛ أما المفاهيم “الكلية” (Universals) مثل “الإنسان”، “الحيوان”، “العدالة”، و”الشجرة”، فليست سوى “أسماء لأشياء” (Nomina) وليست “أشياء حقيقية” قائمة بذاتها، ولا تشير إلى أي طبائع أو ماهيات ميتافيزيقية مسبقة. إنها مجرد علامات اعتباطية وأدوات وضعها العقل الإنساني لتصنيف الانطباعات الحسية المتعددة وتسهيل استدعائها في الذاكرة والتواصل بها مع الآخرين.
تتمثل الوظيفة الحيوية للغة عند هوبز في مستويين: مستوى فردي استذكاري تُستعمل فيه الألفاظ كـ “علامات” (Marks) لتذكير الفرد بأفكاره وترتيبها الذاتي، ومستوى اجتماعي تواصلي تُستعمل فيه الألفاظ كـ “رموز” (Signs) لنقل تلك الأفكار والمشاعر إلى الآخرين لغايات التفاهم والتعاون. غير أن هذه الهبة اللغوية الفريدة التي ميزت الإنسان عن بقية الحيوانات وحولته إلى كائن عاقل، هي ذاتها الباب الملكي لأخطر الأوهام؛ فالإنسان هو الحيوان الوحيد القادر على إنتاج “الكلام الفارغ” وتوليد الأكاذيب والمغالطات الفلسفية والمفاهيم المتناقضة داخلياً حين يستعمل ألفاظاً لا تطابق أي حركة حسية حقيقية، مثل قوله “الجوهر اللامادي” أو “الإرادة الحرة”.
يرى هوبز أن معظم الصراعات السياسية والحروب العقائدية المدمرة التي تفتك بالأمم لا تنبع من تعارض المصالح الحقيقية فحسب، بل من فوضى الاستخدام اللغوي والغموض الدلالي المتعمد أو الساذج. فالكلمات الأخلاقية مثل “الخير”، “الشر”، “الفضيلة”، “الاستبداد”، و”العدالة” ليست تسميات لأعيان موضوعية ثابتة، بل هي أوصاف متغيرة تعكس مشاعر الأفراد وهواهم المادي؛ فالشيء الذي يرغبه شخص يطلق عليه اسماً حسناً مثل “الفضيلة” أو “الشجاعة”، بينما يطلق عليه شخص آخر يكرهه اسم “الرذيلة” أو “التهور”. هذا التباين الدلالي يقود إلى برج بابل معرفي يغذي النزاعات الدموية والاحتراب الأهلي.
من هنا، يجعل هوبز من “التعريفات الإجرائية الصارمة” حجر الزاوية لأي علم يقيني بالأخلاق والسياسة. لا يمكن تأسيس مجتمع مستقر دون توافق حاسم على معاني الكلمات المركزية التي تضبط الحقوق والواجبات. ولما كان الأفراد يستحيل أن يتفقوا طوعياً وبشكل تلقائي على دلالات مشتركة لمفاهيم الخير والعدالة نظراً لاختلاف أمزجتهم ومصالحهم، فإن مهمة إرساء هذه التعريفات وتثبيتها لا يمكن أن تُترك للأفراد؛ بل هي الوظيفة السيادية الأولى للدولة والحاكم. السيادة عند هوبز هي التي تفرض القاموس اللغوي والتشريعي الموحد، وتحدد ما هو “عدل” وما هو “ظلم”، وبذلك تصبح الحقيقة في النظام السياسي نتاجاً للقانون والتعريف السلطوي لا للجدل الفلسفي اللامتناهي.
3. سيكولوجيا العقل والإدراك: الآلية المادية للوعي الإنساني
3.1 الإحساس كحركة فسيولوجية داخلية
يستهل هوبز الجزء الأول من كتابه “اللفياثان” المعنون “عن الإنسان” بفصل محوري عن “الإحساس”، مؤكداً المبدأ التجريبي القائل بأنه لا يوجد أي محتوى في العقل البشري لم يكن قد دخل أصلاً عن طريق الحواس؛ “فالأصل في كل أفكارنا هو ما نسميه الإحساس، إذ ليس في ذهن الإنسان أي تصور لم يكن في بدايته قد تولد كلياً أو جزئياً من أعضاء الحس”. لكن هوبز يصوغ هذا المبدأ بلغة ميكانيكية وفسيولوجية متقدمة؛ فالإحساس عنده ليس قبولاً سلبياً لطبيعة الشيء الخارجي، بل هو عملية ميكانيكية تصادمية بحتة تنتقل فيها حركة المادة عبر وسائط مادية متصلة.
تتمثل الآلية الفسيولوجية للإحساس في أن جسماً خارجياً متحركاً يضغط على العضو الحسي البشري (العين، الأذن، الجلد…)، وينتقل هذا الضغط عبر الأعصاب والأنسجة اللحمية نحو الداخل حتى يصل إلى الدماغ ومنه إلى القلب. ولما كان القلب والدماغ جسمين ماديين يتمتعان بمقاومة طبيعية، فإنهما يُحدثان حركة ارتدادية مضادة أو “جهداً عكسياً” (Endeavour/Conatus) نحو الخارج، في محاولة من الجسم الحي لتفريغ الضغط الواقع عليه وحماية حركته الحيوية الذاتية. هذه الحركة الارتدادية نحو الخارج هي التي تجعلنا نتخيل أن ما نحس به موجود خارج أجسامنا، في حين أنه مجرد حدث فسيولوجي باطني في الدماغ والقلب.
يقود هذا التحليل المادي هوبز إلى صياغة تمييز فيزيائي حاسم سبق به أطروحات جون لوك حول الكيفيات الأولية والثانوية؛ حيث يرى أن العالم الخارجي لا يحتوي في ذاته على ألوان، أو أصوات، أو روائح، أو مذاقات؛ بل يحتوي فقط على كتل وأجسام تتحرك بسرعات وأشكال هندسية مختلفة. أما “الضوء واللون”، فليسا سوى أشباح وتخيلات ذاتية (Phantasms) تنشأ في الدماغ جراء ارتداد حركة الضغط القادمة من مصدر الضوء. وبالمثل، فالصوت ليس سوى حركة اهتزازية للهواء تضغط على طبلة الأذن، فتولد انطباعاً داخلياً نسميه صوتاً. إن الإحساس عند هوبز هو في جوهره “وهم ذاتي مبرمج فسيولوجياً”، وارتداد عصبي ميكانيكي بحت لا يحيل إلى أي تطابق جوهري بين ما في الذهن وما في الخارج المادي للأجسام.
3.2 الخيال، الذاكرة، وتيار الأفكار
في سياق استكماله للنسق المادي، ينتقل هوبز إلى تفسير الوظائف الإدراكية الأكثر تعقيداً، واضعاً تعريفاً فريداً للخيال يصفه بأنه ليس سوى “إحساس متحلل” أو خافت (Decaying Sense). انطلاقاً من مبدأ القصور الذاتي؛ فالإحساس عندما ينتهي المؤثر الخارجي المباشر لا يزول فجأة من الجسم، بل يستمر كحركة داخلية متموجة في الدماغ تخبو تدريجياً وببطء، تماماً كما تظل أمواج البحر تضطرب وترتطم بعد هدوء العاصفة والرياح التي أثارتها. هذا الأثر الحركي المتبقي في الجهاز العصبي بعد غياب موضوع الرؤية أو السمع هو ما نسميه “الخيال”.
من هذه الزاوية الميكانيكية، يقرر هوبز أن “الذاكرة والخيال هما في الحقيقة شيء واحد، غير أنهما يُسميان باسمين مختلفين بالنظر إلى اعتبارات متباينة”. فالخيال يركز على الصورة الذهنية ذاتها بوصفها حركة خافتة، بينما تُطلق الذاكرة على تلك الصورة عندما نقرنها بالوعي بالزمن ونقيس تقادمها وزوال جِدّتها، كأن نقول إننا نتذكر شيئاً رأيناه في الماضي. كما يقسم هوبز الخيال إلى نوعين: “خيال بسيط” وهو استحضار صورة شيء مدرك سابقاً كما هو (كرؤية حصان)، و”خيال مركب” وهو تركيب حركي داخلي لصورتين أو أكثر مخزنتين في الدماغ لم تلتقيا في الواقع الخارجي قط، مثل تخيل “قنطور” عبر دمج حركة صورة الإنسان مع حركة صورة الحصان.
يتناول هوبز بالتشريح الدقيق كيفية انتظام هذه الصور في تيار مستمر يسميه “تتابع الأفكار” أو التداعي الذهني (Train of Thoughts). لا شيء يحدث في الذهن مصادفة أو بانبثاق روحي سحري؛ فحركة فكرة معينة تجر وراءها بالضرورة حركة فكرة أخرى ارتبطت بها زمنياً أو سببياً في التجربة الحسية السابقة. ويميز هوبز بين نمطين من هذا التتابع: نمط غير موجه أو تداعٍ حر (Unguided Train)، وهو التدفق العشوائي الذي نراه في الأحلام أو السرحان حيث تتقافز الصور دون بوصلة واضحة؛ ونمط موجه ومنظم تقوده رغبة أو غاية عملية (Regulated Train)، وفيه يقوم الذهن بالبحث العكسي الحثيث عن الأسباب والوسائل المؤدية إلى تحقيق هدف معين، أو استشراف النتائج والآثار المترتبة على فعل راهن، وهو جوهر الذكاء التكتيكي والاستراتيجي الذي يحكم سلوك الإنسان الواعي.
3.3 العقل والحساب الفكري في المنظور الهوبزي
يصل هوبز إلى واحدة من أكثر أطروحاته الإبستمولوجية إثارة للجدل حين يجرّد “العقل” (Reason) من أي طابع إشراقي، أو ميتافيزيقي، أو فطري متعالٍ، مقدماً تعريفاً ميكانيكياً-حسابياً مدهشاً يسبق نظريات علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي المعاصرة. يكتب هوبز في الفصل الخامس من اللفياثان: “حينما يفكر الإنسان بالعقل، فإنه لا يفعل شيئاً سوى إدراك مجموع ناتج عن إضافة الأجزاء، أو إدراك باقٍ ناتج عن طرح مقدار من آخر… فالعقل بهذا المعنى ليس سوى عملية حسابية (Reckoning)، أي جمع وطرح، لنتائج الأسماء العامة التي اتفقنا عليها لتعليم أفكارنا وتثبيتها”.
هذا الفهم الحسابي للعقل يوسع دلالة الرياضيات لتشمل الفكر البشري بأكمله؛ فكما أن المحاسب يجمع الأرقام ليخرج بالميزانية، وكما أن المهندس يطرح المسافات والزوايا ليصمم البناء، كذلك يفعل المنطقي والسياسي. فالمنطقي يجمع كلمتين ليصنع قضية (مثل: إنسان + كائن حي)، ويجمع قضيتين ليصنع قياساً؛ والسياسي يجمع الواجبات والعهود ليرى ما ينتج عنها من سلام أو حرب. العقل إذن ليس جوهراً روحياً مودعاً في النفس، بل هو “قدرة حسابية إجرائية” تُمارَس على الرموز اللغوية المحددة بدقة.
يؤكد هوبز بصرامة أن العقلانية ليست ملكة فطرية وُلدت مع الإنسان كاملة كما كان يزعم العقليون الديكارتيون، بل هي “مهارة مكتسبة” تكتسب بالكد، والتعليم الصارم، والممارسة المستمرة، وحسن استخدام اللغة، وضبط التعريفات. فالبشر لا يولدون بالعقل، بل يولدون بإمكانية اكتسابه عبر الحواس والتجربة؛ ومعظم الناس يكتفون في حياتهم اليومية بتسيير أمورهم عبر التجربة الحسية المباشرة والذاكرة الغريزية دون ارتقاء حقيقي إلى مرتبة العقل البرهاني. ومن ينحرف في حساباته عن المدلولات الواقعية للأسماء يقع في الخطأ، أما من يركّب أسماء مستحيلة تفتقر إلى أي مرجع حسي (كالزعم بوجود جسد غير مادي) فإنه لا يخطئ فحسب، بل يقع في “اللانهاية من الهراء والعبث” (Absurdity).
4. ديناميكية الانفعالات والدوافع النفسية للسلوك الإنساني
4.1 نظرية الحركة الحيوية والحركة الحيوانية الإرادية
لكي يربط هوبز بين فيزياء الأجسام وسلوك الإنسان في المجتمع، بلور نظرية فسيولوجية ونفسية دقيقة تفصل بين نوعين أساسيين من الحركة داخل الكائن البشري: “الحركة الحيوية” (Vital Motion) و”الحركة الحيوانية أو الإرادية” (Animal or Voluntary Motion). الحركة الحيوية هي الحركات الفسيولوجية الذاتية واللاإرادية التي تبدأ مع تكون الجنين وتستمر بلا انقطاع طوال الحياة كنبض القلب، والدورة الدموية، والتنفس، وهضم الطعام، وإفراز الفضلات. هذه الحركات لا تحتاج إلى خيال أو إرادة لتسييرها، بل هي القاعدة المادية المباشرة للحياة البيولوجية.
أما “الحركة الحيوانية أو الإرادية”، مثل المشي، والتحدث، وتحريك الأطراف باتجاه شيء ما أو الابتعاد عنه، فهي حركات مشروطة ومسبوقة دائماً بحركة فكرية داخلية في الخيال. وقبل أن تظهر هذه الحركة الإرادية كفعل جسدي عيانِي مرئي في الخارج، فإنها تبدأ كحركة مجهرية غير مرئية داخل الجهاز العصبي والقلب؛ هذه الحركة الباطنية الأولية هي ما يطلق عليه هوبز اسم “الجهد” أو “النزوع” (Endeavour/Conatus).
يقسم هوبز هذا “النزوع” الأولي إلى مسارين متضادين وفقاً لتأثيره على الحركة الحيوية للجسم:
- الشهوة أو الرغبة (Appetite/Desire): وهي النزوع الداخلي والجهد الحركي نحو المؤثر الخارجي عندما تسهم حركة هذا المؤثر في تعزيز وتسهيل “الحركة الحيوية” الطبيعية للقلب والدورة الدموية وتمدها بالطاقة والانتعاش.
- النفور أو الاشمئزاز (Aversion): وهو الجهد الحركي التراجعي والابتعادي عن المؤثر عندما تتسبب حركته في إعاقة أو كبح أو تهديد الحركة الحيوية الداخلية، مما يولد مقاومة ميكانيكية لدفع هذا الخطر بعيداً.
بهذا التقسيم الثنائي، يؤسس هوبز كيمياء السلوك الإنساني برمته على تفاعل هذين النزوعين الأساسيين: الانجذاب لتعزيز الحركة الحيوية، والنفور مما يعرقلها أو يهددها بالفناء.
4.2 جدلية الشهوة والنفور: تأسيس علم النفس الأخلاقي
ينسف هوبز التصورات الأخلاقية الأفلاطونية والأرسطية التي تدعي وجود “خير موضوعي في ذاته” (Summum Bonum) أو معايير أخلاقية أبدية متعالية ومستقلة عن رغبات البشر. يقرر هوبز بنزعة مادية نسبية صارمة أن ما يطلق عليه الإنسان لفظ “خير” (Good) ليس سوى الاسم اللغوي الذي يمنحه لكل ما يشتهيه ويرغب فيه، في حين أن لفظ “شر” (Evil) هو الاسم الذي يطلقه على ما ينفر منه ويكرهه، وما يحتقره هو ما لا يثير لديه رغبة ولا نفوراً؛ “فكلمات الخير والشر والجدير بالازدراء تُستعمل دائماً بالنظر إلى الشخص الذي يستعملها؛ إذ ليس هناك ما هو كذلك ببساطة ومطلقاً؛ وليست هناك قاعدة عامة للخير والشر تؤخذ من طبيعة الأشياء ذاتها”.
وانطلاقاً من هذه القاعدة الحركية الذاتية، يبدأ هوبز في الفصل السادس من “اللفياثان” برسم خريطة نفسية بارعة ومفصلة تفكك كل المشاعر والانفعالات الإنسانية المعقدة بوصفها مجرد تحويرات ومعادلات حركية ناتجة عن تمازج الرغبة والنفور مع تقدير فرص الحصول على المبتغى أو تجنب الخطر:
- الأمل (Hope): هو الرغبة في الشيء مقرونة بالاعتقاد بإمكانية الحصول عليه.
- اليأس (Despair): هو نفس تلك الرغبة لكن حين تقترن باليقين بعدم القدرة على بلوغ الشيء.
- الخوف (Fear): هو النفور من مكروه قادم مقروناً بالاعتقاد بأنه قد يلحق بنا الأذى.
- الشجاعة (Courage): هي النفور من الأذى مقروناً بالأمل في دفعه والتغلب عليه بالمقاومة.
- الغضب (Anger): هو شجاعة مفاجئة تستنهض القوى لرد عدوان آني.
- الحسد (Envy): هو الحزن الناجم عن رؤية نجاح الآخرين مع الشعور بعجز الذات عن مجاراتهم.
يقودهذا التحليل إلى نسف مفهوم “الإرادة الحرة” (Free Will) كما تصوره اللاهوتيون. فالإرادة عند هوبز ليست ملكة عقلية مستقلة مفارقة، وليست كائناً روحياً يتمتع بالاختيار المطلق، بل هي مجرد “الشهوة الأخيرة أو النفور الأخير في سياق عملية التداول الذهني” (Deliberation). فعندما يواجه الإنسان موقفاً معيناً، تتصارع في داخله رغبات مختلفة ونفورات متباينة تحسب الربح والخسارة؛ ويظل هذا التردد الحركي قائماً حتى تنتصر الرغبة الأقوى أو النفور الأشد؛ وتلك الرغبة النهائية التي تطلق الحركة الجسدية الفعلية وتنهي حالة التردد هي بالذات ما نسميه “الإرادة”. الإنسان إذن مجبر بدافع قواه وانفعالاته الفيزيولوجية، والحرية لا تعني حرية المشيئة، بل تعني فقط “غياب العوائق المادية الخارجية” التي تمنع الجسد من تنفيذ ما فرضته شهوته الأخيرة.
4.3 السعي المستمر نحو القوة وغياب الإشباع النهائي
يترتب على نفي “الخير الأسمى” إلغاء أي إمكانية لبلوغ حالة السعادة السكونية أو الراحة الدائمة التي طالما حلمت بها الفلسفات الإغريقية والرواقية. يرى هوبز أن السعادة الدنيوية (Felicity) لا يمكن أن تتمثل في راحة بال خاملة وخالية من الرغبات؛ فالحياة حركة لا تتوقف، والتوقف التام عن الرغبة ليس سلاماً باطنياً بل هو الموت البيولوجي نفسه. السعادة إذن هي “عملية انتقال ناجحة ومستمرة للشهوة من غرض إلى غرض آخر، حيث لا يمثل نيل الغرض الأول سوى تمهيد وتأمين للوصول إلى الغرض التالي”.
هذا الفهم الديناميكي لطبيعة الحياة الإنسانية يقود هوبز إلى صياغة قانونه السيكولوجي الأشهر حول “القوة” (Power). يكتب هوبز: “أضع في المقام الأول، كنزوع عام وميل فطري لدى البشرية جمعاء، رغبة دائمة لا تهدأ في طلب القوة تلو القوة، وهي رغبة لا تنطفئ إلا بالموت”. القوة عند هوبز هي مجمل الوسائل والإمكانات الراهنة التي يمتلكها الفرد (سواء كانت طبيعية كالقوة الجسدية، والذكاء، والجمال؛ أو مكتسبة كالثروة، والنفوذ، والسمعة، والأصدقاء) والتي تمكنه من نيل ما يشتهيه وتأمين ما قد يحتاج إليه مستقبلاً.
إن هذا السعي المحموم نحو القوة ليس نابعاً بالضرورة من نزعة شريرة متأصلة، أو رغبة سادية مجردة في سحق الآخرين، بل يفرضه منطق البقاء نفسه في عالم تسوده الندرة واللايقين. فالإنسان لا يمكنه أن يضمن بقاء مستوى السعادة والقوة التي حققها اليوم، والحفاظ على موارده ووسائل عيشه الراهنة ضد أطماع ومنافسات الآخرين المحتملة، إلا بمراكمة المزيد من القوة باستمرار. فالقوة في علم النفس الهوبزي هي ضمانة المستقبل الوجودي؛ ومجرد التوقف عن مضاعفة القوة هو تراجع فوري نحو الضعف والوقوع فريسة تحت رحمة قوى الآخرين التي لا تكف عن النمو.
5. سيكولوجيا الخوف وغريزة البقاء
5.1 مركزية الخوف في المنظومة الهوبزية
إذا كانت الرغبة في القوة هي المحرك الديناميكي للسلوك الإنساني، فإن “الخوف” (Fear) هو الانفعال المركزي والعمود الفقري الذي يشيد عليه توماس هوبز هندسته الفلسفية والسياسية بأكملها. لا يتعامل هوبز مع الخوف بوصفه نقيصة أخلاقية أو عارضاً نفسياً مذموماً يجب التطهر منه كما ادعى الرواقيون، بل بوصفه أعمق الاستجابات الفسيولوجية صراحة، وأكثرها عقلانية وواقعية في توجيه الكائن الحي وحمايته من الأخطار البيئية والاجتماعية.
يميز هوبز بدقة تشريحية بين نوعين من الخوف:
- الذعر أو الخوف الأعمى (Panic Terror): وهو اضطراب نفسي مفاجئ ومجهول الأسباب يعطل ملكة التفكير الحسابي، ويدفع الجموع أو الأفراد إلى تصرفات هستيرية فوضوية تهلك صاحبها دون طائل.
- الخوف العقلاني البنّاء (Rational/Foresightful Fear): وهو الاستشراف الذهني المنظم لخطر حقيقي قادم محتمل الحدوث، مما يحفز التفكير الاستراتيجي في الوسائل والبدائل الضرورية لتحييد هذا الخطر أو النجاة منه.
إن هذا الخوف العقلاني الثاني هو المحرك الإيجابي الأكبر؛ فهو الذي ينتزع الإنسان من تبلده الساذج، ويكبح شهواته العشوائية المدمرة، ويجبره على النظر بعيداً نحو المستقبل بدلاً من الاقتصار على اللحظة الحاضرة.
ويحتل “الخوف من الموت العنيف” (Fear of Violent Death) الذروة المطلقة في نسق هوبز الانفعالي؛ فإذا كان هوبز قد نفى وجود “خير أسمى”، فإنه في المقابل وضع الموت العنيف على يد الآخرين بوصفه “الشر الأقصى والمطلق” (Summum Malum). الموت العنيف ليس فقط نهاية مفاجئة للحركة الحيوية ومسرحاً للألم الجسدي، بل هو الإنهاء القسري والشامل لكل المشاريع، والآمال، والمتع الممكنة؛ إنه السلب المطلق للوجود الذي تنتفض ضده كل ذرة في الجسد الحي، ومن ثم يصبح الخوف منه المحرك الأكثر كفاءة وعمومية بين سائر البشر لردع العدوان والتنازل عن النزعات الفردية الجامحة.
5.2 غريزة حفظ الذات كقانون طبيعي نفسي أول
تنبع من تجربة الخوف من الموت الغريزة الأكثر رسوخاً في الكينونة البشرية: “غريزة حفظ الذات” (Self-Preservation). يرى هوبز أن حفظ الذات ليس مجرد رغبة من بين رغبات أخرى، بل هو المبدأ التوجيهي الأول والضرورة الفسيولوجية الحتمية التي لا يملك أي إنسان أن يتنازل عنها أو يرغب في نقيضها؛ فـ “كل إنسان يندفع إلى الرغبة فيما هو خير لنفسه، وتجنب ما هو شر، وأهم الشرور بطبيعة الحال هو الموت، وذلك بضرورة طبيعية لا تقل عن ضرورة سقوط الحجر إلى أسفل”.
تتأسس على هذه الحتمية النفسية أولى ركائز الفلسفة الأخلاقية والسياسية عند هوبز، والمتمثلة في “الحق الطبيعي الأول” (Jus Naturale): وهو أن لكل إنسان الحرية المطلقة في أن يستخدم كل ما أوتي من قوة وقدرات ووسائل، وفقاً لتقديره العقلي الخاص، للحفاظ على حياته وجسده ودرء الهلاك عن نفسه. هذا الحق ليس منحة مجتمعية ولا وصية لاهوتية، بل هو تشريع تفرضه غريزة البقاء الميكانيكية ذاتها؛ فلا لوم أخلاقياً، ولا إثم، ولا مخالفة عقلية تترتب على لجوء الفرد إلى أي وسيلة يراها ضرورية للبقاء إذا شعر بأن حياته مهددة بالزوال.
تكمن المعضلة المأساوية في أن ممارسة هذا الحق الغريزي المشروع بحفظ الذات في بيئة تفتقر إلى سلطة حاكمة تقود بالضرورة إلى كارثة جماعية؛ ذلك لأن الرغبات البشرية في تأمين البقاء غير محدودة في حين أن الموارد المتاحة محدودة بطبيعتها. وحين يعتقد كل فرد، بناءً على حقه في حفظ ذاته، أن تأمين حياته يقتضي الاستيلاء على محاصيل جاره، أو قتله وقائياً قبل أن يبادر هو بالقتل، فإن غريزة حفظ الذات الفردية تتحول مفارِقاً إلى الآلية الأكثر سرعة لإفناء الجميع في أتون صراع وجودي مستعر.
5.3 الخوف بوصفه مدخلاً تأسيسياً للعقلانية
هنا يكتشف هوبز المفارقة التأسيسية الكبرى التي تنقذ البشرية من هلاكها المحتوم: الخوف ليس نقيضاً للعقلانية، بل هو الصانع الحقيقي لها والدافع التأسيسي لنشوئها. ففي خضم الخوف المستمر من الهلاك، يتحول الذهن من مجرد آلة انفعالية تتقاذفها الرغبات اللحظية إلى جهاز حسابي رفيع المستوى يعمل بـ “العقلانية الاستراتيجية” طويلة المدى. الخوف هو الصدمة الوجودية التي تجبر الذات على الاستيقاظ وحساب الكلفة والعائد؛ فالانفعالات الجامحة كالشهوة والمجد والكبرياء تعمي البصيرة وتغري بالمغامرة، في حين أن الخوف يهدئ تلك الانفعالات ويفرض الحذر والتأني.
يدرك العقل، تحت وطأة ضغط الخوف المشترك والمتساوي من الموت العنيف، استحالة تحقيق الأمن الفردي عبر القوة الذاتية المنعزلة؛ فمهما بلغت قوة المرء وبطشه، فإنه يظل عرضة للمباغتة والقتل وهو نائم أو مريض على يد أضعف خصومه بالحيلة أو التحالف. ومن ثم، يتحول الخوف من حالة ذعر فردي شللي مفرق إلى “شعور جمعي موحّد” يدفع الأفراد المتنافرين إلى إدراك مصيرهم المشترك وضرورة البحث عن مخرج آمن يضمن بقاءهم الجمعي.
هذا التحول هو الجسر المعرفي والنفسي الذي يقود البشر من وحشية الصراع إلى مدنية السلام؛ فالخوف المشترك هو الذي يولّد الاستعداد النفسي العميق للتنازل عن الحريات المطلقة والنزعات الأنانية لصالح إنشاء سلطة عليا قادرة على فرض النظام. بعبارة موجزة: الخوف عند هوبز هو مهندس الحضارة، ومؤسس العقد الاجتماعي، والدافع الأول لامتثال البشر للقوانين والعهود؛ فلولا الخوف من الموت لما عرف الإنسان العقل، ولما نشأت الدولة، ولظل الوجود البشري حبيس العنف الحيواني الأبدي.
6. حالة الطبيعة: التوصيف النفسي والاجتماعي لحياة بلا سلطة
6.1 المساواة الطبيعية ومصادر العداء بين الأفراد
يقدم هوبز في الفصل الثالث عشر من “اللفياثان” تحليله الأنثروبولوجي والسياسي ذائع الصيت لـ “حالة الطبيعة” (The State of Nature)، وهي الحالة الافتراضية للوجود البشري في غياب أي سلطة سياسية مركزية تحتكر العنف وتفرض القانون. والمفاجأة المدوية التي يستهل بها هوبز هذا التحليل هي تأكيده على “المساواة الطبيعية الجذرية” بين جميع البشر في القدرات الجسدية والذهنية. لم يقصد هوبز أن الناس متطابقون تماماً في البنية، بل قصد أن الفروق الفردية ليست كبيرة إلى الحد الذي يسمح لأي شخص بالهيمنة الدائمة والمطلقة على الآخرين؛ “فبالنسبة للقوة الجسدية، فإن أضعف الناس يمتلك من القوة ما يكفي لقتل أقواهم، إما عن طريق الحيلة الميكيافيلية الغادرة، أو بالتحالف مع آخرين يهددهم نفس الخطر”.
أما على صعيد القدرات الذهنية، فإن هوبز يرى المساواة أوضح وأجلى؛ فالحكمة العملية نتاج للخبرة والتجربة، والزمن يمنح الخبرة لجميع الناس بالتساوي في المجالات التي يشغلون أنفسهم بها. والمفارقة الساخرة تكمن في أن كل إنسان يعتقد في قرارة نفسه أنه أكثر حكمة من جيرانه ومعاصريه، وهذا الرضا الذاتي العام عن العقل هو في ذاته البرهان الدامغ على توزيع العقل بالتساوي بين البشر، إذ لا يوجد شيء يرضى الناس عن نصيبهم منه كالعقل.
لكن هذه المساواة الطبيعية ليست عند هوبز ينبوعاً للإخاء والوئام، بل هي الباعث الأول على الشقاء والعداء المتبادل؛ إذ تولد المساواة في القدرة “مساواة في الأمل” في بلوغ الغايات والأهداف. وحين يرغب شخصان متساويان في امتلاك شيء واحد لا يمكن تقسيمه أو استهلاكه معاً (كقطعة أرض، أو بئر ماء، أو حماية مأوى)، فإنهما يتحولان حتماً إلى عدوين لدودين يسعى كل منهما إلى إخضاع الآخر أو قتله لنيل مبتغاه. يحدد هوبز ثلاثة دوافع بنيوية رئيسية لتفجر العداء بين البشر في الطبيعة:
- المنافسة (Competition): وتدفع الأفراد للهجوم من أجل الغزو وتحقيق المكاسب المادية.
- الحذر وانعدام الثقة المتبادل (Diffidence): ويدفع الأفراد للضربات الاستباقية لتأمين سلامتهم الخاصة.
- المجد والكبرياء (Glory): ويدفع الأفراد للقتال من أجل حماية المكانة والسمعة ودفع التحقير.
في بيئة يسودها انعدام الثقة الهيكلي، يصبح اللجوء إلى “الهجوم الوقائي” (Anticipation) هو السلوك الأكثر عقلانية ورشداً؛ فما دام المرء يعلم يقيناً أن جاره يمتلك القدرة على تصفيته، وأنه قد يهاجمه في أي لحظة لحفظ نفسه، فليس هناك خيار أكثر حكمة من المبادرة إلى إخضاع هذا الجار وسحقه قبل أن تتاح له فرصة المبادرة بالعدوان.
6.2 شهوة المجد والكبرياء في البنية النفسية الهوبزية
بينما تمثل المنافسة دافعاً مادياً، والشك دافعاً دفاعياً، فإن “المجد” (Glory) و”الكبرياء الزائف” (Vainglory) يمثلان الجانب السيكولوجي الأكثر تدميراً وسمّية في الطبيعة البشرية بحسب تشريح هوبز. فالإنسان ليس كائناً مكتفياً بإشباع حاجاته البيولوجية الأساسية من طعام وشراب ومأوى؛ بل هو كائن مشحون بـ “الأنا”، ولديه شغف لا يرتوي بأن يرى صورته وقيمته منعكسة في عيون الآخرين بالتقدير والتبجيل والإعظام ذاته الذي يكنّه لنفسه.
يتتبع هوبز بدقة متناهية كيف أن الحساسية المفرطة تجاه الإهانات المتخيلة تعد من أسرع مسببات سفك الدماء في حالة الطبيعة. فأي علامة بسيطة تعبر عن عدم الاكتراث، أو الازدراء، أو السخرية، أو الاستخفاف برأي المرء أو ذكائه أو اسمه أو مكانته الاجتماعية، يفسرها المتلقي مباشرة بوصفها عدواناً خطيراً ينزع عنه هيبته وقوته ويدعو الآخرين إلى الاستهانة به واستباحة دمه. لذلك، يندفع الأفراد إلى استخدام أقصى درجات العنف لانتزاع التقدير قسراً من المحتقرين وتقديمهم كعبرة رادعة للبقية عبر إنزال العقاب الفوري بهم.
يشكل “الكبرياء” في النسق الهوبزي العائق النفسي الأكبر أمام السلام والتعاون؛ فالشخص المتكبر هو من يتوهم في نفسه قوة وتفوقاً استثنائياً يتجاوز واقعه الفعلي بناءً على أوهام ذاتية أو إطراء المتملقين، مما يجعله متهوراً وجامحاً في محاولة إخضاع أنداده. الكبرياء هو الجهل الحركي بحدود الذات، وهو العمى الإبستمولوجي الذي يقنع الفرد بأنه يستحق حقوقاً وامتيازات لا ينبغي لغيره أن ينالها. ولذا، فإن أولى مهام القانون الطبيعي والعقلانية لاحقاً، والوظيفة الأولى لسلطة الدولة، ستكون كسر هذا الكبرياء الزائف وترويضه عبر ترسيخ التواضع والاعتراف بالمساواة المشتركة تحت مظلة القانون.
6.3 سمات الحياة في حالة الطبيعة: فوضى الصراع الشامل
تتلاقى هذه الدوافع السيكولوجية—المنافسة، وانعدام الثقة، والكبرياء—في غياب قوة مشتركة مهابة، لتنتج الحالة الكارثية التي خلدها هوبز تحت مسمى: “حرب الكل ضد الكل” (Bellum omnium contra omnes). والحرب عند هوبز لا تعني بالضرورة المعارك الميدانية المستمرة أو سفك الدماء المتواصل كل دقيقة، بل هي “نزوع معلن واستعداد دائم للقتال لا يخفى على أحد طوال الفترة التي تغيب فيها الضمانات الأمنية الثابتة”، تماماً كما أن الطقس الماطر لا يعني هطول المطر ليل نهار بل مجرد استعداد الجو للمطر طوال أيام الشتاء.
يرسم هوبز في الفصل الثالث عشر لوحة مأساوية سوداوية لواقع الحياة البشرية في هذه الحالة الفوضوية، في واحدة من أشهر الفقرات في تاريخ الأدب الفلسفي قاطبة، قائلاً:
“في مثل هذه الحالة، لا مكان للكد والعمل؛ لأن ثمار ذلك غير مضمونة؛ وبالتالي لا توجد فلاحة للأرض، ولا ملاحة، ولا استخدام للسلع التي يمكن استيرادها عبر البحار؛ ولا مبانٍ مريحة، ولا أدوات للتحريك ونقل الأشياء التي تتطلب قوة كبيرة؛ ولا معرفة بوجه الأرض؛ ولا حساب للزمن؛ ولا فنون، ولا آداب، ولا مجتمع؛ وأسوأ ما في ذلك على الإطلاق، هو الخوف المستمر وخطر الموت العنيف؛ وتكون حياة الإنسان فيها: انعزالية، وفقيرة، وبئيسة، ومتوحشة، وقصيرة (Solitary, poor, nasty, brutish, and short).”
يؤسس هوبز على هذا التوصيف نتيجة بالغة الخطورة: في حالة الطبيعة، تسقط المفاهيم الأخلاقية المعيارية بأسرها؛ “حيث لا توجد سلطة عامة، لا يوجد قانون؛ وحيث لا يوجد قانون، لا يوجد ظلم. فالقوة والغدر هما الفضيلتان الأساسيتان في الحرب”. ليس هناك في الطبيعة مفهوم للعدل والظلم، ولا تمييز بين الحلال والحرام، ولا وجود لحق ملكية شرعي (Property)؛ فكل ما يمكن للمرء أن يضع يده عليه فهو له طالما استطاع الاحتفاظ به بقوته الخاصة، فإذا سلبه منه آخر بقوة أعظم زالت ملكيته في الحال.
تثور هنا قضية إبستمولوجية جوهرية: هل اعتقد هوبز أن حالة الطبيعة هذه كانت مرحلة تاريخية واقعية عاشتها البشرية يوماً ما في كل أصقاع الأرض؟ يجيب هوبز بنفسه بالنفي عموماً؛ فحالة الطبيعة ليست وثيقة أنثروبولوجية عن الماضي السحيق، بل هي “تجربة فكرية وتحليلية” (Thought Experiment) صُممت لتفكيك ما يمكن أن تؤول إليه الطبيعة البشرية إذا تم رفع سقف الدولة والقوانين في أي وقت. ومع ذلك، يشير هوبز إلى ثلاثة شواهد واقعية تدل على حضورها العياني الدائم:
- سكان أمريكا الأصليين في عصره، الذين كانوا يعيشون في قبائل تفتقر إلى حكومة مركزية موحدة.
- الحروب الأهلية المروعة (مثل حرب إنجلترا) حيث تنهار الدولة وينكص المجتمع إلى حالة الطبيعة بين عشية وضحاها.
- ساحة العلاقات الدولية والسياسة الخارجية بين الدول ذات السيادة؛ حيث تقف كل دولة في حالة تأهب واستنفار حربي دائمة وحالة طبيعة مستمرة في مواجهة الدول الأخرى لغياب سلطة عالمية فوقية تحكمها.
7. القوانين الطبيعية والعقلانية الاستراتيجية
7.1 مفهوم الحق الطبيعي في مقابل القانون الطبيعي
لإيجاد المخرج النظري من جحيم حالة الطبيعة، يقيم هوبز في مستهل الفصل الرابع عشر من “اللفياثان” تفرقة دقيقة وحاسمة بين مفهومين كثيراً ما خلط بينهما فلاسفة القانون الكلاسيكيون: “الحق الطبيعي” (Jus Naturale) و”القانون الطبيعي” (Lex Naturalis). تتجلى عبقرية هوبز في توظيف هذا التمايز اللاتيني الصارم لتأسيس الانتقال من فوضى الإباحة المطلقة إلى انتظام الالتزام العقلاني.
الحق الطبيعي (Right of Nature): هو حرية مطلقة وسلبية يتمتع بها كل إنسان في استخدام قوته الخاصة وفقاً لما يمليه عليه حكمه وهواه لحفظ حياته الطبيعية، وفعل أي شيء يراه وسيلة ناجعة لبلوغ هذه الغاية. الحق إذن مرادف لـ “الحرية” (Liberty)، والحرية عند هوبز هي غياب العوائق والحواجز الخارجية التي تحد من الحركة. في حالة الطبيعة، يمتلك كل فرد حقاً طبيعياً مطلقاً على “كل الأشياء” بلا استثناء (Jus in omnia)، بما في ذلك حق الاستيلاء على أجساد الآخرين وأرواحهم ذاتها طالما اعتقد الفرد أن ذلك يخدم بقاءه. بيد أن هذا الحق المطلق في كل شيء يعادل عملياً عدم امتلاك أي حق في أي شيء؛ لأن حق الفرد يصطدم فوراً بحقوق الآخرين المتطابقة تماماً معه.
القانون الطبيعي (Law of Nature): هو نقيض الحق، فالقانون يمثل “الإلزام والواجب” (Obligation)، في حين يمثل الحق “الإباحة والحرية”. يُعرّف هوبز القانون الطبيعي بأنه: “قاعدة عامة أو وصية عقلية (Precept or General Rule found out by Reason) تمنع الإنسان من الإقدام على فعل ما يدمر حياته أو يجردها من وسائل حفظها، وتمنعه من إهمال ما يراه أنجع وسيلة للحفاظ عليها”. القوانين الطبيعية عند هوبز ليست نواميس ميتافيزيقية منقوشة في لوح كوني متعالٍ، وليست أوامر لاهوتية معطاة سلفاً، بل هي “مبرهنات عقلانية استراتيجية” ومسارات عملية يكتشفها العقل الحسابي الباحث عن المصلحة كأضمن السبل لنيل السلام وتجنب مصيدة الفناء المشترك.
7.2 القوانين الطبيعية الثلاثة الأولى وآليات السلام
يستنبط هوبز في الفصلين الرابع عشر والخامس عشر منظومة متماسكة من تسعة عشر قانوناً طبيعياً تضمن تحقيق السلام الاجتماعي، لكن القوانين الثلاثة الأولى تمثل النواة الهيكلية التي يقوم عليها صرح العقد الاجتماعي بكامله:
القانون الطبيعي الأول (السعي إلى السلام والدفاع عن النفس):
ينص المبدأ الأساسي الأول على: “أن يسعى كل إنسان إلى السلام ويتبعه طالما كان لديه أمل في تحقيقه؛ فإذا عجز عن بلوغه، جاز له أن يبحث ويستخدم كل وسائل ومعونات الحرب للدفاع عن نفسه”. يجمع هذا القانون شقين: الشق الأول هو الناموس الطبيعي الأساسي الآمر بالسلام والبحث عن الأمان التعاوني؛ والشق الثاني هو تلخيص للحق الطبيعي الأصيل في الدفاع عن النفس واستخدام العنف المشروع حين يتعذر السلام وينهار الأمل فيه.
القانون الطبيعي الثاني (التنازل المتبادل عن الحقوق المطلقة):
يشتق هوبز هذا القانون مباشرة من الأول: “أن يكون المرء مستعداً، متى استعد الآخرون أيضاً وكان ذلك كافياً للسلام والدفاع عن نفسه، للتنازل عن حقه في كل الأشياء، وأن يكتفي بقدر من الحرية ضد الآخرين يماثل ما يسمح به للآخرين ضد نفسه”. هذا القانون يكسر مبدأ الأنانية الراديكالية عبر تطبيق قاعدة المعاملة بالمثل؛ فالتنازل الأحادي عن الحقوق انتحار وسذاجة يلقيان بصاحبه فريسة للأعداء، أما التنازل المشروط بالتنازل المتزامن والمتكافئ للآخرين فهو التأسيس الأول لمنطق “التعاقد” ووضع السلاح ونزع فتيل الحرب الأهلية.
القانون الطبيعي الثالث (إلزامية الوفاء بالعهود كأساس للعدالة):
ينص على: “أن ينفذ البشر ما قطعوه على أنفسهم من عهود ومواثيق صالحة”. هنا تحديداً، يقيم هوبز أصله الوضعي المبتكر لمفهوم “العدالة” (Justice)؛ فإذا كانت العدالة في التقليد القديم “إعطاء كل ذي حق حقه”، فإن هوبز يتساءل: كيف يكون هناك حق وشيء أصلاً قبل وجود العهد والاتفاق؟ لا يوجد عدل أو ظلم في الطبيعة إلا بعد إبرام العهود؛ فالعدالة ببساطة هي “الوفاء بالعهد المبرم”، والظلم هو “نكث هذا العهد ونقضه”. وبدون هذا القانون الثالث، تظل كل التنازلات اللفظية والاتفاقات حبراً على ورق ومجرد ألفاظ تذروها الرياح.
يستطرد هوبز مستنتجاً بقية القوانين الأخلاقية المشتقة رياضياً:
- القانون الرابع (الامتنان): مقابلة الإحسان بالإحسان كي لا يندم أحد على العطاء التعاوني.
- القانون الخامس (الملاءمة الاجتماعية): أن يسعى كل إنسان للتكيف وملاءمة نفسه مع بقية الجماعة كالحجر الذي يُهذب ليدخل في بناء الجدار.
- القانون السادس (التسامح والصفح): العفو عن زلات الماضي للمعتذرين التائبين ضماناً لاستدامة السلام.
- القانون الثامن والتاسع (نبذ الاحتقار وإقرار المساواة): تجنب كل إهانة، والاعتراف الصارم بأن جميع البشر أنداد بالطبيعة ونبذ الترفع الأرستقراطي.
7.3 إلزامية القوانين الطبيعية في الضمير والواقع
يواجه النسق الهوبزي في هذه النقطة معضلة أخلاقية وإبستمولوجية بالغة الدقة: إذا كانت القوانين الطبيعية قواعد عقلية برهانية وضرورية للسلام، فما الذي يجبر الإنسان الأناني المندفع بشهواته على الانصياع لها في واقع الممارسة العيانية؟ هنا، يجري هوبز تمييزاً فلسفياً وقانونياً عميقاً بين مستويين للإلزام الأخلاقي: الإلزام في المحكمة الباطنية (In Foro Interno)، والإلزام في المحكمة الظاهرية (In Foro Externo).
القوانين الطبيعية تلزم دائماً وأبداً في “المحكمة الباطنية”، أي على مستوى الضمير والنية والقصد الذهني؛ فمن واجب كل إنسان عاقل أن يتمنى ويقصد بصدق أن تتحقق هذه القوانين وأن يسود السلام دائماً حين تتوفر الشروط الآمنة لذلك. إن التخلي عن نية السلام في الضمير هو مناقضة العقل لنفسه. لكن هذه القوانين لا تلزم دائماً في “المحكمة الظاهرية”، أي على مستوى السلوك والممارسة والتنفيذ العملي في العالم الخارجي؛ إذ لا يُعقل ولا يلزم أخلاقياً أن يُطبق المرء قواعد العدالة والوفاء بالعهد ونزع السلاح بمفرده في بيئة ما زال الآخرون فيها يشهرون أسلحتهم وينقضون العهود، لأن ذلك يجعله طعاماً سائغاً لغدرهم وهو ما يناقض الواجب الأساسي في حفظ الذات.
تظل القوانين الطبيعية إذن عاجزة، مشلولة، ومجرد نصائح أخلاقية لا قوة لها في حالة الطبيعة، لأنها تفتقر إلى عنصر القسر والإجبار؛ “فالمواثيق من غير السيف ليست سوى كلمات جوفاء لا تملك أدنى قوة لتأمين الإنسان على الإطلاق” (Covenants without the sword are but words). لا يكفي العقل المجرد ولا تكفي الضمائر الأخلاقية الفردية لإلزام البشر؛ فالانفعالات كالشهوة والغضب والانتقام أقوى ألف مرة من حجج العقل البارد. ولكي تنتقل القوانين الطبيعية من الإلزام الباطني النظري إلى الإلزام الظاهري الواقعي، لا بد من إيجاد “قوة قاهرة رادعة” تخيف الجميع دون استثناء وتجعل ثمن نقض العهد وخيانة السلام أفدح بكثير من ثمن الالتزام به. وهذا هو المسوغ المنطقي الذي يقود مباشرة إلى فكرة الدولة والعقد الاجتماعي.
8. العقد الاجتماعي وتأسيس ‘اللفياثان’: الخروج من المأزق النفسي
8.1 آلية التعاقد النفسية والسياسية
كيف يمكن إذن الخروج التاريخي والمفاهيمي من رعب حالة الطبيعة وتأسيس تلك القوة القاهرة القادرة على حماية الجميع؟ يبتكر هوبز في الفصل السابع عشر من “اللفياثان” صيغة العقد الاجتماعي الأكثر إحكاماً وراديكالية في الفلسفة السياسية؛ وهي ليست عقداً بين المحكومين والحاكم كما ذهبت نظريات العقد الاجتماعي السابقة واللاحقة، بل هي ميثاق أفقي متزامن ومتبادل يُبرمه كل فرد مع سائر أقرانه في المجتمع دون استثناء.
يصوغ هوبز عبارة التعاقد التأسيسية التي ينطق بها كل فرد مخاطباً كل فرد آخر كالتالي:
“إني أفوّض وأتنازل عن حقي في حكم وإدارة ذاتي لهذا الرجل، أو لهذا المجلس من الرجال، وبنفس الشرط: أن تتنازل أنت له عن حقك في حكم ذاتك، وأن تأذن وتفوض كل أفعاله بنفس الطريقة.”
هذا الفعل الإنشائي المزدوج ينطوي على تنازل متبادل عن “الحق الطبيعي المطلق”، وفي الوقت ذاته نقل هذا الحق بالكامل وتجميعه في نقطة مركزية واحدة تجسد شخصية سياسية جديدة.
يُحدث هذا العقد تحولاً أنطولوجياً وسياسياً جذرياً؛ إذ يحول الكثرة المتنافرة المتصارعة (Multitude) إلى وحدة سياسية وشخصية اعتبارية موحدة (Commonwealth). وبموجب هذا التفويض، يصبح الحاكم (سواء كان ملكاً فرداً أو مجلساً منتخباً) ليس مجرد موظف أو وكيل مقيد، بل هو “الممثل الشرعي المطلق” (Representative Persona) للجميع؛ فكل فعل يقوم به الحاكم وكل قرار يصدره يُعتبر صادراً أصالة عن كل فرد من أفراد الرعية أنفسهم؛ لأنهم فوضوا إرادتهم الجماعية سلفاً في إرادته الواحدة. وبذلك تنتفي أي إمكانية لاتهام الحاكم بظلم رعيته، لأن الإنسان لا يمكن بحكم التعريف أن يظلم ذاته وإرادته.
تتجلى النقطة الأشد حساسية وخطورة في بنية العقد الهوبزي في كون “السيد ذي السيادة” (Sovereign) ليس طرفاً متعاقداً على الإطلاق في الميثاق الأساسي؛ فالعقد مبرم بين الأفراد فيما بينهم حصراً لتسليم السلطة لطرف ثالث يعلونه عليهم. وتترتب على هذه الهندسة القانونية نتيجتان حاسمتان:
- استحالة نقض العقد من جانب الرعية بدعوى أن الحاكم قد “خرق بنوده”، لأن الحاكم لم يوقع على أي عهد أصلاً ولا يدين بسلطته لأي شروط تفاوضية سابقة معهم.
- السلطة التي تسلمها السيد هي سلطة مطلقة، ومحررة من أي التزامات دستورية أو مساءلات قضائية متبادلة، مما يغلق الباب نهائياً أمام التمرد والعصيان المسلح وذرائع الحرب الأهلية.
8.2 طبيعة السلطة السيادية المطلقة
بانبثاق العقد الاجتماعي، يولد الكيان السياسي الأعظم الذي يصفه هوبز بـ “اللفياثان”: ذلك الوحش الاصطناعي الأسطوري، أو “الإله الفاني” (Mortal God) الذي ندين له، تحت مظلة الإله الخالد، بسلامنا الداخلي ودفاعنا المشترك. تتصف السلطة السيادية التي تجسد روح هذا اللفياثان بمجموعة من الخصائص الصارمة التي لا تقبل المساومة:
أولاً: عدم قابلية التجزئة (Indivisibility):
يرفض هوبز رفضاً قاطعاً أي فكرة لتقسيم السلطات (تشريعية، وتنفيذية، وقضائية) أو إقامة نظام دستوري مختلط يوزع السيادة بين الملك والبرلمان والقضاة، كالذي كان يدعو إليه مفكرو القانون العام في إنجلترا. فالسيادة عند هوبز إما أن تكون كلاً لا يتجزأ أو لا تكون على الإطلاق؛ وتقسيم السلطة هو في الحقيقة تقسيم للسيادة، والسيادة المقسمة تعني ببساطة وجود أكثر من رأس في الجسد الواحد، وتنازع هذه الرؤوس حول القرار السياسي النهائي سيقود حتماً إلى شلل الدولة والعودة إلى ويلات الحرب الأهلية التدميرية.
ثانياً: احتكار العنف وأدوات الإكراه (Monopoly of Coercion):
السيادة ليست منبراً للإقناع الخطابي أو التوافقات الهشة، بل هي الاحتكار التام والشرعي لكل وسائل القوة المادية؛ فللسيد وحده الحق في إعلان الحرب، وعقد معاهدات الصلح، وتجنيد الجيوش، وفرض الضرائب، والسيطرة التامة على القضاء والمحاكم لفض النزاعات دون استئناف؛ لأن القضاء الذي لا يمتلك السيف لإنفاذ أحكامه لغو فارغ. القانون المدني عند هوبز ليس سوى “إرادة وأمر الحاكم ذي السيادة”، ولا قيمة لأي قانون دستوري أو عرفي يحد من قدرة السيد على التشريع وإلغاء القوانين وفقاً لما يراه محققاً للأمن العام.
ثالثاً: الرقابة الفكرية والروحية المطلقة:
يمتد سلطان اللفياثان ليشمل ضبط المجال العام والسيطرة الصارمة على إنتاج الأفكار ونشرها؛ فللسيد السيادي الحق الحصري في فحص المذاهب والآراء الفلسفية والدينية والسياسية، وتحديد ما يجوز تدريسه في الجامعات والمدارس، ومنع نشر أي كتب أو خطب يرى أنها تزرع الفتنة، أو تشكك في شرعية السلطة المطلقة، أو تنمي النزعة الفردية التمردية بين الرعايا. السلام الأهلي لا يمكن أن يستقيم في ظل فوضى المنابر وتنازع العقائد المتطرفة.
8.3 حدود طاعة السيادة والحقوق المتبقية للرعية
هل تعني هذه السلطة المطلقة تحول هوبز إلى منظّر للاستبداد الشمولي المجرد وسحق الفرد سحقاً كاملاً؟ الإجابة عن هذا السؤال تكشف عن العمق الجدلي المدهش في الفلسفة الهوبزية؛ إذ يضع هوبز في الفصل الحادي والعشرين من “اللفياثان” المعنون “عن حرية الرعايا” استثناءات وجودية حاسمة تكسر الطاعة المطلقة وتعيد الاعتبار لغريزة البقاء الأساسية.
تتلخص القاعدة المركزية الأولى في أن “التزام الرعية تجاه الحاكم يستمر فقط ما دامت قدرته على حمايتهم مستمرة، ولا ينتهي إلا بنهايتها” (The obligation of subjects to the sovereign is understood to last as long, and no longer, than the power lasteth by which he is able to protect them). فالغاية الوحيدة من إنشاء الدولة وتنازل الأفراد عن حرياتهم كانت صيانة أرواحهم من الموت العنيف؛ فإذا عجزت الدولة عن توفير هذه الحماية الفعلية—بأن هُزمت في حرب خارجية وانهارت مؤسساتها، أو انزلقت إلى فوضى عارمة جعلت المواطنين عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم—فإن العقد يسقط تلقائياً، ويعود الأفراد فوراً إلى حالة الطبيعة ويستعيدون حقهم الطبيعي الكامل في تدبير حمايتهم بأي وسيلة متاحة.
ويؤسس هوبز على ذلك بقاء “حق الدفاع عن النفس غير القابل للتنازل” (Inalienable Right of Self-Defence) كحق أصيل لا يمكن لأي عقد أن يسلبه من الإنسان، نظراً لأن التنازل عن الدفاع عن النفس تناقض منطقي مستحيل في علم النفس البشري. وبناءً عليه:
- إذا حكم السيد على مواطن بالإعدام بحق أو بغير حق، فللمحكوم عليه الحق الطبيعي الكامل في مقاومة الجلادين ومحاولة الهرب والقتال دفاعاً عن حياته؛ لأن العقد أُبرم لحفظ الحياة لا لتسليمها طواعية إلى المشنقة.
- لا يجبر أي إنسان في محاكمة قانونية على تقديم شهادة أو اعتراف يدين نفسه ويؤدي إلى هلاكه، كما يمتلك المواطن الحق في رفض تنفيذ أي أمر يقتضي منه تشويه جسده أو الانتحار.
- حتى في حالة الجندية والحروب؛ يرى هوبز أنه على الرغم من حق الحاكم في فرض التجنيد الإجباري ومعاقبة الفارين، إلا أن الجندي الذي يتملكه خوف فسيولوجي قاهر من الموت في الميدان ويهرب فإنه يقوم بسلوك جبان ومذموم لكنه غير منافٍ للحق الطبيعي في حفظ الذات، شريطة ألا يعرض هروبه سلامة الجيش والدولة بأكملها للخطر المباشر.
أما على صعيد “الحريات المدنية الإيجابية”، فإن هوبز يطرح مفهوماً ليبرالياً جليلاً يُعرف بـ “صمت القانون” (The Silence of the Law)؛ فحرية الرعايا تتجسد في كل تلك المساحات والمجالات الشاسعة التي أغفلت القوانين المدنية تنظيمها عمداً: كحرية التجارة، وإبرام العقود الاقتصادية الخاصة، واختيار المسكن، واختيار نوع العمل وتربية الأطفال ونمط المعيشة الشخصي. الدولة الهوبزية لا تسعى إلى التسلل المجهري إلى كل تفاصيل الحياة اليومية كما تفعل الأنظمة التوتاليتارية الحديثة، بل تكتفي فقط برسم الأسوار والأطر القانونية الصارمة التي تضمن عدم تصادم الأفراد، وتترك لهم بعد ذلك الفضاء حراً ومتاحاً للحركة، والتكسب، وممارسة شؤونهم الخاصة في أمان تام.
9. الدين واللاهوت السياسي في فكر توماس هوبز
9.1 الأصول النفسية للتدين والاعتقاد الغيبي
يخصص توماس هوبز ما يقرب من نصف صفحات كتابه “اللفياثان” لمناقشة القضايا اللاهوتية والدينية ومسائل تأويل الكتاب المقدس (الجزءان الثالث والرابع)، مما يعكس الأهمية القصوى التي كان يوليها لتحييد القنبلة الدينية الموقوتة التي فجرت الحروب الأهلية في عصره. ويبدأ هوبز مشروعه في اللاهوت السياسي بتشريح سيكولوجي مادي خالص يكشف فيه الجذور الفسيولوجية والنفسية لنشوء “التدين” في الكائن البشري.
يرى هوبز في الفصل الثاني عشر أن بذور الدين طبيعية ومقصورة على الإنسان دون سائر الحيوانات، وتتولد من مزيج فريد من ثلاث سمات إدراكية ونفسية:
- الفضول والرغبة في معرفة أسباب الأشياء: فالإنسان مدفوع بغريزة بحثية تجعله يتساءل دائماً عما يسبب الأحداث من حوله.
- الذاكرة التاريخية للتعاقب والارتباط بين الحوادث: مما يدفعه إلى استنتاج أن هناك فاعلاً لكل حدث ومسبباً لكل أثر.
- القلق المستمر من المستقبل (Anxiety for the future time): وهو الدافع النفسي الأقوى على الإطلاق؛ فالإنسان لفرط خوفه من المجهول وعجزه عن رؤية الأسباب الحقيقية للأمراض، والكوارث الطبيعية، والموت، يعيش في توجس وقلق دائم لا يهدأ، شبيه بعذاب بروميثيوس المقيد إلى الصخرة الذي ينهش النسر كبده نهاراً وينمو كبده ليلاً ليتجدد عذابه.
أمام هذا العجز المعرفي والرعب الوجودي، يندفع الذهن البشري الساذج إلى افتراض وجود “قوى خفية وغير مرئية” تحكم العالم وتتحكم في مصائر الأفراد وأرزاقهم. هذه القوى المتخيلة نسج حولها البشر الأساطير والخرافات، وبدأوا في التودد إليها وتقديم القرابين وتأليف الطقوس لتهدئة غضبها المفترض. وهنا يكمن المنبت المشترك لكل من الدين والبدعة والخرافة؛ فالفارق بينها في المنظور الهوبزي ليس فارقاً في الطبيعة السيكولوجية، بل في الموقف القانوني للدولة: “فالدين حين تسمح به السلطة السيادية وتشرّعه علناً يُسمى ديناً حقيقياً وعبادة مشروعة، أما حين يمارَس خارج إذن الدولة وقوانينها فيُسمى خرافة وتمرداً”.
يميز هوبز بدقة نقدية بين الإيمان الفلسفي بوجود “محرك أول ومسبب أزلي للأسباب” وهو الله المتعالي الذي لا يمكن للعقل المادي أن يدرك ماهيته بل يقر بوجوده فقط ضرورةً لتوقف التسلسل؛ وبين “الاستغلال الكهنوتي” للمشاعر الدينية. فقد تنبه رجال الدين والوسطاء الروحيون عبر التاريخ إلى هذه الهشاشة النفسية المرتعبة في الإنسان، واستغلوا الخوف من الأشباح والقوى الغيبية لمراكمة النفوذ، وإرهاب الجماهير، وتأسيس سلطة كهنوتية موازية تنازع الملوك والحكام سلطانهم الزمني وتدعي لنفسها حق الطاعة بدعوى تمثيل الإرادة الإلهية.
9.2 تأويل النصوص المقدسة ومناهضة السلطة البابوية
لتقويض هذا النفوذ الإكليريكي المتضخم، دخل هوبز في مسار تأويلي راديكالي للنصوص الدينية في العهدين القديم والجديد، موظفاً أدوات النقد التاريخي واللغوي الفيلولوجي في مرحلة مبكرة جداً تسبق أعمال باروخ سبينوزا. كانت غايته المركزية إثبات أن الكتاب المقدس لا يؤيد على الإطلاق قيام سلطة دينية مستقلة عن السلطة المدنية، بل ينفي أي أساس لاهوتي للتراتبية الكاثوليكية وسلطان البابوية في روما.
يشن هوبز في الجزء الرابع من اللفياثان هجوماً كاسحاً ضد ما يسميه “مملكة الظلمات” (The Kingdom of Darkness)، واصفاً إياها بأنها “تجمع من المضللين الذين يسعون، عبر تعاليم فاسدة وظلامية، إلى حجب نور العقل والإنجيل عن الناس لإخضاعهم وتجريدهم من واجب الطاعة لدولتهم المشروعة”. ويضع على رأس قادة هذه المملكة الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، معتبراً أن البابوية ليست سوى “شبح الإمبراطورية الرومانية المتوفاة، جالسة متوجة على قبرها في الفاتيكان”.
يطبق هوبز فلسفته المادية بجرأة لا نظير لها على لاهوت القيامة والآخرة؛ نافياً فكرة “خلود الروح غير المتجسدة” أو وجود أرواح تطوف في الفضاء بعد الموت، ومعتبراً أن مصير الإنسان بعد الموت هو الفناء التام حتى يوم البعث الجسدي المادي الشامل للأجسام على الأرض، نافياً وجود جهنم بوصفها مكاناً مادياً للتعذيب الأبدي المستمر بالأشواق والسموم اللامادية، ومؤكداً أن “ملكوت الله” ليس مؤسسة روحية سحرية قائمة اليوم في الكنيسة، بل هو حكم سياسي فعلي سيقيمه المسيح على هذه الأرض المادية حين عودته في نهاية الزمان. وبذلك أسقط هوبز أكبر سلاح نفسي وإرهابي كان رجال الدين يبتزون به الحكام والمحكومين: سلاح التهديد بـ “اللعنة الأبدية وعذاب الجحيم”، مؤكداً أن طاعة الحاكم المدني في إرساء السلام هي أضمن الطرق لنيل النجاة الدينية ذاتها.
9.3 الملك بوصفه رأس الكنيسة والدولة معاً
يصل هوبز إلى ذروة نظريته في اللاهوت السياسي بالدعوة الصريحة إلى “الارسطية الإيراستوسية المطلقة” (Erastianism)، وهي الإخضاع التام والكامل للمؤسسة الكنسية والدينية تحت قبضة الحاكم المدني. ففي الدولة المسيحية الحقة، لا يجوز بأي حال من الأحوال وجود انشطار بين الكنيسة والدولة؛ فالكنيسة ليست سوى جماعة من المؤمنين بالمسيحية مجتمعين تحت سيادة حاكم واحد، ومن ثم فإن الكنيسة والدولة هما شيء واحد وجسد واحد يُسمى دولة حين ننظر إلى الأفراد بوصفهم رعايا مدنيين، ويُسمى كنيسة حين ننظر إليهم بوصفهم مؤمنين.
يترتب على هذا الدمج البنيوي إعلان الملك أو الحاكم السياسي “الرئيس الأعلى للكنيسة” (Supreme Pastor and Head of the Church)، ومصدر كل التوكيلات والتعيينات الكهنوتية والأسقفية. الحاكم هو وحده من يمتلك الحق الحصري في:
- تحديد العقائد والشرائع الدينية المسموح بنشرها في الفضاء العام لتفادي الفتن المذهبية.
- تحديد النصوص والأسفار التي تُعتبر نصوصاً قانونية مقدسة ملزمة للمجتمع.
- الفصل في صحة “المعجزات”؛ فإذا ادعى شخص أنه شهد معجزة أو تلقى نبوءة جديدة، فليس لأحد أن يصدقه أو يتبعه ما لم تقر السلطة المدنية العليا صحة ذلك؛ لقطع الطريق على الدجالين ومدعي النبوة من إشعال الثورات.
يعالج هوبز المعضلة الوجدانية التي أرقت مسيحيي القرن السابع عشر: ماذا يفعل المؤمن إذا تعارض أمر الحاكم الزمني مع أمر الله؟ يقدم هوبز حلاً عملياً رائعاً يعتمد على تفكيك “جوهر الإيمان المسيحي” وتقليصه إلى مادة عقدية واحدة لا تحتمل النزاع: “عقيدة أن يسوع هو المسيح المخلص” (Jesus is the Christ). ما عدا هذه المقالة البسيطة، فإن كل الطقوس الخارجية، وقوانين الشريعة، والتفاصيل اللاهوتية هي أمور تنظيمية مدنية تقع بالكامل تحت ولاية السيد السياسي، ويجب طاعته فيها بلا تردد؛ لأن الله هو إله نظام وسلام وليس إله فوضى وفتنة.
أما على الصعيد الباطني، فيرسي هوبز قاعدة رائدة في “حرية الضمير الشخصي”؛ فالحاكم يمتلك السلطة على الكلمات، والطقوس العامة، والتصرفات الخارجية فحسب، أما الإيمان القلبي الباطني والسرائر الذاتية، فلا قدرة لقوة بشرية في العالم على الولوج إليها أو قسرها. الإنسان حر تماماً في أعماق ضميره أن يعتقد ما يشاء بينه وبين ربه، لكنه مجبر في المجال العام والعياني على الانصياع الصارم والمطلق لقوانين اللفياثان الدينية والمدنية؛ إغلاقاً لأبواب التمرد والحروب العقائدية إلى الأبد.
10. تحليل مقارن: هوبز في ميزان الفلسفة السياسية وسيكولوجيا الإنسان
10.1 مقارنة بين هوبز وجون لوك في تصور الطبيعة الإنسانية
تشكل المقارنة بين توماس هوبز ومواطنه اللاحق جون لوك (1632-1704) المحور التأسيسي الكلاسيكي لكل دارسي الفلسفة السياسية الحديثة؛ إذ يمثل المفكران جناحين متعارضين في قراءة الطبيعة الإنسانية وتأسيس الدولة الدستورية والتعاقدية. ينطلق هذا التباين من رؤية أنثروبولوجية جذرية: هوبز يتبنى تشاؤماً أنثروبولوجياً بنيوياً ينظر إلى الإنسان كذرة حركية محكومة بالشهوة والنفور وخوف الموت، بينما يتبنى لوك تفاؤلاً نسبياً مشوباً بالعقلانية والاعتدال الأخلاقي، متأثراً بالحقوق الطبيعية وميراث اللاهوت العقلاني.
| وجه المقارنة | توماس هوبز (1588-1679) | جون لوك (1632-1704) |
|---|---|---|
| الطبيعة الإنسانية | أنثروبولوجيا متشائمة، صراعية، محكومة بنزوع القوة والخوف من الموت العنيف. | طبيعة عقلانية نسبياً، قادرة على إدراك القانون الأخلاقي الطبيعي والتعاون. |
| حالة الطبيعة | حرب الكل ضد الكل، فوضى مطلقة، غياب لأي عدالة أو ملكية، حياة بئيسة ووحشية. | حالة سلم نسبي تحكمها الشريعة العقلانية، ولكنها تفتقر إلى قاضٍ أرضي محايد لتسوية النزاعات. |
| الملكية الخاصة | لا وجود لملكية في الطبيعة؛ الملكية نتاج خالص وتأسيس من تشريعات الدولة السيادية. | حق طبيعي أصيل ومسبق على نشوء الدولة، يتأسس على العمل وخلط الجهد بالموارد. |
| طبيعة العقد وشكل الحكم | عقد تفويض مطلق لسيادة مركزية غير مجزأة ولا مشروطة؛ الملكية المطلقة هي الأضمن. | عقد أمانة مقيد ومتبادل لتأسيس حكومة دستورية تخضع لرقابة البرلمان وتفصل بين السلطات. |
| حق الثورة والمقاومة | مرفوض تماماً ويُعد نكوصاً للحرب الأهلية، ما دامت الدولة قادرة على حماية الأرواح. | حق مشروع تماماً للأمة إذا اعتدت الحكومة على الملكية أو الحريات أو خرقت الأمانة. |
يتجلى هذا الافتراق بوضوح في تصور كل منهما للحرية؛ فبينما يرى هوبز أن الانتقال إلى الدولة يقتضي التنازل التام عن الحق الطبيعي لتفادي الهلاك، يرى لوك في كتابه “رسالتان في الحكم المدني” أن الهدف من تأسيس الحكومة ليس إعدام الحريات الطبيعية، بل تسييجها وتوفير الضمانات المؤسسية والقضائية لحفظ “الملكية” بمعناها الواسع (التي تشمل الحياة، والحرية، والثروة). فالدولة عند لوك ليست سداً استبدادياً في وجه الذئاب البشرية، بل هي أداة إدارية لتسهيل حياة مجتمع مدني متصالح في جوهره؛ في حين يرى هوبز أن إزالة سيف اللفياثان لدقيقة واحدة كفيلة بإعادة الذئب الهوبزي إلى الواجهة فوراً.
10.2 مقارنة بين هوبز وجان جاك روسو حول الفضيلة والمجتمع
في القرن الثامن عشر، قاد الفيلسوف الجنيفي جان جاك روسو (1712-1778) ثورة فكرية كبرى موجهة بصورة أساسية لنقض أطروحات هوبز الأنثروبولوجية. اتهم روسو في “خطاب في أصل التفاوت” هوبز بارتكاب خطأ منهجي فادح؛ حيث قام بنقل سمات الإنسان المعاصر المشوه بنوازع البرجوازية وحب المنافسة والمظاهر الزائفة في مجتمعات القرن السابع عشر الاستهلاكية، وأسقطها اعتباطاً على “الإنسان الطبيعي الأصلي”.
يقابل روسو صورة “الإنسان الذئب” الهوبزي بمفهومه الشهير عن “الوحش النبيل” (Noble Savage)؛ فالإنسان في حالة الطبيعة الأولى عند روسو كان كائناً بريئاً، انعزالياً، مسالماً، لا يعرف الشر ولا يمتلك رغبات معقدة تتجاوز قوته اليومية، ومحكوماً بدافนين فطريين هما: حب الذات الغريزي البسيط (Amour de soi)، و”الشفقة الطبيعية والتعاطف” (Pity/Compassion) التي تجعله ينفر تلقائياً من رؤية آلام وأوجاع أي كائن حي آخر. لم تكن هناك حرب للكل ضد الكل؛ لأن الإنسان الطبيعي لم يكن يعرف الكبرياء الزائف وحب الظهور (Amour-propre) الذي لا يولد إلا مع الاجتماع البشري الفاسد.
وعلى النقيض التام من هوبز، يرى روسو أن “الحضارة والدولة وتأسيس الملكية العقارية” هي التي أفسدت الإنسان وجلبت الشرور، والحروب، والعبودية، والتفاوت الطبقي؛ وليست هي المنقذ من وحشية الطبيعة. ومع ذلك، حين يصل روسو إلى مرحلة بناء العقد الاجتماعي في كتابه “العقد الاجتماعي”، فإنه يلتقي مع هوبز في نتيجة مفارقة مدهشة: التنازل الكلي عن كل الحقوق الفردية! ولكن بينما يطلب هوبز تسليم هذه الحقوق لشخص الحاكم أو السيد ذي السيادة المطلقة، يطلب روسو تسليمها إلى “المجتمع ككل” لإنشاء ما يسميه “الإرادة العامة” (General Will)، محولاً السيادة المطلقة الهوبزية من قبضة الملك المستبد إلى الأمة مجتمعة في إطار ديمقراطية مباشرة لا تقبل التمثيل ولا المساومة.
10.3 هوبز والتحليل النفسي الفرويدي: تقاطعات في الغرائز والعدوان
تفتح القراءة المقارنة بين توماس هوبز وعالم التحليل النفسي النمساوي سيغموند فرويد (1856-1939) أفقاً معرفياً ثرياً يكشف عن التقارب المذهل في تشريح الدوافع الغريزية والصراع بين متطلبات الجسد وقيود المدنية. ففي أعماله المتأخرة، لا سيما “قلق في الحضارة” (Civilization and its Discontents) عام 1930، يصل فرويد إلى استنتاجات تتطابق نصياً وروحياً مع التشاؤم الهوبزي؛ حيث يقر بأن الإنسان ليس ذلك الكائن الطيب الرقيق الذي يبحث عن الحب، بل هو كائن تنبض في أعماقه شحنات عدوانية هائلة وميول فطرية للتدمير وسحق الآخرين، مستشهداً بعبارة بلاوتوس الشهيرة التي جعلها هوبز علامته المسجلة: “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان” (Homo homini lupus).
تتجلى هذه القرابة البنيوية في المقابلة بين ثلاثيات الجهاز النفسي الفرويدي وهندسة الدولة الهوبزية:
- حالة الطبيعة تمثل سيطرة “الهُو” (Id): ذلك المستودع الغريزي الأعمى المحكوم بمبدأ اللذة والشهوة المطلقة، والمستعد لارتكاب القتل والعنف لنيل الإشباع دون أي اكتراث بالواقع أو الأخلاق.
- اللفياثان والدولة يمثلان “الأنا الأعلى” (Superego) الجمعي: تلك السلطة الردعية الفوقية الصارمة التي تم تأسيسها لحصار دوافع “الهو” الفوضوية وترويضها عبر سلاح الشعور بالذنب والخوف المستمر من العقاب والتنكيل.
- المواطن الهوبزي يجسد “الأنا” (Ego): العالق في المنتصف بين اشتهاءات الجسد الجامحة ورعب سيف القانون الخارجي، محاولاً التكيف بحسابات براغماتية مع اشتراطات الواقع.
يتفق المفكران في جوهر الأطروحة حول “كلفة الحضارة”: إن الحضارة والنظام الاجتماعي الآمن لا يمكن تشييدهما إلا على حساب قمع الحريات الغريزية الطبيعية للبشر وتضحيتهم برغباتهم العدوانية الأصلية. يشتري الإنسان الأمان والاستقرار والنجاة من الموت العنيف بثمن باهظ هو الخضوع، والقلق النفسي المستمر، والامتثال لأوامر سلطة قاهرة تمسك بالسيف وتحاسب على الزلات. وكما يرى فرويد أن النكوص الغريزي يهدد الحضارة بالانهيار الدائم، كان هوبز يعلم أن “الذئب الطبيعي” يظل رابضاً ومتحفزاً داخل كل مواطن، ينتظر أية لحظة ضعف ترتخي فيها قبضة اللفياثان لينقض من جديد.
11. الانتقادات والجدالات الفكرية حول أطروحات هوبز
11.1 اتهامات الإلحاد وتجريد السياسة من الأخلاق
منذ اللحظة الأولى لنشر “اللفياثان”، تحول توماس هوبز إلى شخصية ملعونة في الأوساط الدينية والفكرية المحافظة في إنجلترا وأوروبا؛ وواجه طوال حياته وبعد مماته سيلاً جارفاً من الاتهامات بـ “الإلحاد الفلسفي” (Atheism)، وهدم أركان الفضيلة المسيحية، ولقبه خصومه بـ “وحش مالمسبري”. وفي عام 1666، ناقش البرلمان الإنجليزي مشروع قانون ضد الإلحاد والزندقة استهدف كتابات هوبز صراحة بالتحقيق والحرق، وتطلب الأمر تدخل حلفائه النافذين وتلميذه القديم الملك تشارلز الثاني لحمايته من المحاكمة الجنائية، مع إلزامه بعدم نشر أي كتب جديدة في السياسة والأخلاق داخل إنجلترا.
تزعم الهجوم الفكري عليه تيار “أفلاطونيو كامبريدج” الفلسفي، بزعامة هنري مور ورالف كودوورث؛ إذ شنوا حملة شعواء لتفنيد مادية هوبز الميكانيكية، متهمين إياه بتجريد الكون من العناية الإلهية وتحويل الإنسان إلى مجرد آلة صماء تتصادم فيها المواد بلا روح ولا خلود. واعتبر كودوورث في مؤلفه الضخم “النسق الفكري الحقيقي للكون” أن هوبز يمثل إعادة إحياء خطيرة لمادية ديموقريطس وأبيقور الإلحادية، وأن القول بأن الأخلاق مجرد اتفاقات بشرية وقوانين وضعية يفرضها الحاكم يقوض الأساس الإلهي الخالد لمعايير الحق والعدل.
كما خاض هوبز سجالاً لاهوتياً شهيراً استمر لسنوات مع الأسقف جون برامهول (Bishop John Bramhall) حول مسألتي “القضاء والقدر وحرية الإرادة”؛ حيث دافع برامهول بضراوة عن اللاهوت الأرمينياني والحرية الأخلاقية الإنسانية، معتبراً أن جبرية هوبز المادية تحول الإله إلى خالق للشر ومسؤول عن خطايا البشر وتسقط قيمة الثواب والعقاب الأخرويين. واتهمه رجال الدين الإنجليز بنزع كل قداسة عن السلطة السياسية وتجريدها من بعدها الإلهي؛ فالدولة عنده لم تعد نصباً للنعمة الربانية والعدالة السماوية، بل غدت “عصابة مصالح نفعية” ونتاجاً لحسابات الخوف والرعب المتبادل.
11.2 معضلة الاستبداد وشرعنة الحكم المطلق
واجه هوبز نقداً لا يقل شراسة من جانب الفلاسفة السياسيين والمدافعين عن الحريات الدستورية والجمهورية؛ إذ رأوا في مشروعه تبريراً فجاً وشرعنة مطلقة لـ “الاستبداد السياسي الطغياني” (Tyranny). وتتلخص المعضلة الديمقراطية الهوبزية في السؤال التالي: كيف يمكن لبشر عقلاء، دفعهم خوفهم من بطش أندادهم في حالة الطبيعة إلى التماس الأمان، أن يسلموا رقابهم طواعية وبلا أي قيد دستوري أو مساءلة لحاكم فرد يمتلك سلطة الحياة والموت عليهم، ولا يملكون ضده أي حق في الاعتراض أو التقاضي؟ ألا يشبه هذا الهروب من ثعالب الطبيعة للاحتماء في قفص الأسد المفترس؟
ركز نقاد المدرسة الدستورية، لا سيما جون لوك والبارون دي مونتسكيو لاحقاً، على إخفاق هوبز في تقديم أي ضمانة حقيقية تحمي الرعايا من نزوات السيد السيادي وبطشه؛ فهوبز افترض بسذاجة غير مبررة أن الحاكم سيتصرف دائماً بحكمة وعقلانية، وأن مصلحته الذاتية في الحفاظ على قوة مملكته ستمنعه من ظلم رعاياه واستباحة دمائهم ومصادرة أموالهم عبثاً. لكن التاريخ السياسي الواقعي يثبت أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وأن غياب أجهزة الرقابة، والمحاسبة، والفصل بين السلطات يحول الدولة من حامٍ للمجتمع إلى أكبر مصدر مروع للرعب والموت ضد مواطنيها أنفسهم.
كما انتُقد هوبز لاختزاله المشوه للعدالة والقانون؛ فبجعله “القانون الوضعي الصادر عن الحاكم” هو المرجع الحصري الوحيد لتعريف العدل والظلم، ألغى هوبز أي إمكانية للاحتجاج الأخلاقي على القوانين الجائرة أو نقدها. فوفقاً لمنطق هوبز، لا يمكن لأي قانون مدني يصدره السيد أن يكون ظالماً؛ لأن السيد يمثل إرادة الجميع بالتعريف. هذا الموقف يفرغ الأخلاق من استقلاليتها النقدية، ويؤسس لشرعنة قانونية لأبشع الممارسات القمعية طالما أنها صادرة عن الجهة المحتكرة للسيادة والممسكة بزمام العنف.
11.3 اختزال الطبيعة الإنسانية في النموذج الصراعي
وجهت العلوم الاجتماعية المعاصرة، والنظرية النقدية، وعلم النفس التطوري انتقادات جوهرية للأسس الأنثروبولوجية التي بنى عليها هوبز نموذجه الصراعي المظلم. يرى هؤلاء النقاد أن هوبز قام بعملية “اختزال تعميمي فج” للطبيعة الإنسانية المعقدة، مصوراً إياها كمنظومة صراعية مغلقة تحركها الغرائز الأنانية والخوف والعدوان حصراً، ومتجاهلاً الأبعاد الفطرية الأصيلة الأخرى التي لا تقل رسوخاً في الكائن البشري: كغرائز الإيثار، والتعاطف التلقائي، والتعاون الاجتماعي، وحب الجماعة، والشعور بالعدالة الفطرية.
تثبت الدراسات الأنثروبولوجية للمجتمعات البدائية ومجتمعات الصيد والجمع التاريخية أن غياب السلطة المركزية لم يكن يعني قط الانزلاق التلقائي نحو “حرب الكل ضد الكل” الفوضوية التي تخيلها هوبز؛ بل كانت تلك المجتمعات تدير شؤونها وتنظم صراعاتها بكفاءة عالية عبر شبكات القرابة المعقدة، والتقاليد العرفية، ومبادئ التضامن والتبادل التعاوني دون حاجة إلى دولة قاهرة أو أجهزة شرطية متضخمة.
وفي هذا السياق، قدم المفكر الكندي س. ب. ماكفرسون (C. B. Macpherson) في كتابه الكلاسيكي “النظرية السياسية للفردانية التملكية” (The Political Theory of Possessive Individualism) قراءة ماركسية تفكيكية لأطروحات هوبز؛ مبيناً أن هوبز لم يكن يشرح “الطبيعة الإنسانية الكونية الخالدة”، بل كان يعكس بدقة فائقة سيكولوجيا ونفسية “التاجر الرأسمالي الصاعد” في إنجلترا القرن السابع عشر. فالإنسان الذي وصفه هوبز كذرة أنانية تحسب الربح والخسارة، وتتنافس على الموارد النادرة، وتسعى لتراكم القوة لحماية الملكية وتعيش في خوف مستمر من الآخرين، ليس “إنسان الطبيعة”، بل هو النموذج التاريخي المحدد للبرجوازي الإنجليزي في سوق رأسمالي حر جنيني تآكلت فيه الروابط التقليدية لصالح علاقات البيع والشراء والمنافسة الشرسة.
وعلى الرغم من وجاهة هذه الانتقادات؛ يرد المدافعون عن هوبز بأنه لم يكن يقدم أطروحة طوباوية عما “ينبغي” أن يكون عليه الإنسان، بل كان يقدم “تشريحاً طبياً وقائياً” لأخطر ما يمكن أن ينزلق إليه المجتمع حين تنهار مؤسساته. فهوبز يركز عمداً على أسوأ السيناريوهات السلوكية البشرية؛ لأن الرهان على فضيلة الإنسان وطيبته وإيثاره في السياسة هو نوع من المقامرة الانتحارية التي تسببت عبر التاريخ في إشعال الحروب وموت الملايين. الواقعية الهوبزية المتشائمة ليست احتقاراً للإنسان، بل هي الحصن المنيع والدرع المعرفي الحذر لحماية المجتمع من أوهامه الطوباوية القاتلة.
12. راهنية فكر هوبز وتأثيره في علم النفس والسياسة المعاصرة
12.1 هوبز وتأسيس النظرية الواقعية في العلاقات الدولية
إذا كانت الدولة الحديثة قد نجحت إلى حد كبير في إخراج الأفراد من حالة الطبيعة الداخلية عبر فرض سلطة القانون واحتكار العنف، فإن أطروحة هوبز وجدت موطنها الأبرز والأكثر صلابة في ميدان العلاقات الدولية والسياسة العالمية. يُعد هوبز الأب الروحي والمنظّر الفلسفي الأول لـ “المدرسة الواقعية الكلاسيكية” في العلاقات الدولية، التي طورها لاحقاً مفكرون بارزون مثل هانز مورغنثاو، وإدوارد هاليت كار، وكينيث والتز في المدرسة الواقعية البنيوية (النيو-واقعية).
تقوم المقاربة الواقعية على إسقاط مباشر لمنطق “حالة الطبيعة” الهوبزية على ساحة النظام الدولي؛ فالنظام الدولي هو في جوهره نظام “لاسلطوي” (Anarchic System) يفتقر إلى حكومة عالمية عليا أو سيادة مركزية فوقية (لفياثان كوني) تمتلك القدرة على فرض القوانين واحتكار السلاح وحماية الدول من بعضها البعض. ونتيجة لهذه الفوضى البنيوية، تقف الدول ذات السيادة في نفس الموقف المأساوي الذي وقفت فيه الذرات الفردية في حالة الطبيعة: في حالة صراع دائم، ومنافسة على الموارد والنفوذ، وتشكك استراتيجي لا ينتهي في نوايا الدول الأخرى.
تتجلى التطبيقات المعاصرة للمنطق الهوبزي في المفهوم الجيوسياسي الشهير المعروف بـ “معضلة الأمن” (Security Dilemma)؛ فحين تسعى دولة ما إلى زيادة قدراتها العسكرية وتحصين دفاعاتها لحفظ بقائها وحماية ذاتها، فإن هذه الخطوة تفسرها الدول المجاورة تلقائياً بوصفها تهديداً وقحاً لسلامتها واستعداداً للعدوان، مما يدفع تلك الدول المجاورة إلى زيادة تسلحها هي الأخرى، لينزلق الجميع في دوامة هستيرية من سباق التسلح والهجوم الوقائي. كما تستند استراتيجيات “الردع النووي” وإدارة الأزمات في الحرب الباردة والعصر الراهن إلى عقلانية الخوف الهوبزية الصارمة؛ فالخوف المتبادل من التدمير الشامل المؤكد (MAD) هو الذي يمنع القوى العظمى من الانزلاق إلى الصدام المباشر، جاعلاً من الرعب المشترك صانع السلام الهش على كوكب الأرض.
12.2 نظرية الألعاب ونماذج الاختيار العقلاني
في منتصف القرن العشرين، أحدثت العلوم الرياضية والاقتصادية ثورة معرفية كبرى مع ظهور “نظرية الألعاب” (Game Theory) ونماذج الاختيار العقلاني (Rational Choice Theory)، وسرعان ما اكتشف الرياضيون والفلاسفة أن هوبز كان أول من صاغ بدقة حدسية غير مسبوقة ما تسميه الرياضيات الحديثة: “معضلة السجينين” (Prisoner’s Dilemma) ومشاكل “الفعل الجمعي” (Collective Action Problems).
تجسد “معضلة السجينين” الرياضية جوهر المأزق الهوبزي في حالة الطبيعة؛ حيث يتواجه طرفان عقلانيان يسعى كل منهما إلى تعظيم منفعته وحفظ بقائه دون قدرة على التواصل الموثوق أو ضمان تنفيذ الاتفاقات. تكشف المعادلة الرياضية أنه في غياب سلطة خارجية تضمن الامتثال وتعاقب الخيانة، فإن الاستراتيجية الفردية الأكثر عقلانية ورشداً لكل طرف بمفرده هي: “الخيانة ونقض العهد والمبادرة بالهجوم” (Defection)؛ لأن التعاون الأحادي يعرض الفرد للهلاك إذا غدر به الطرف الآخر، والخيانة تضمن له إما النجاة أو تقليل الخسائر. والنتيجة الرياضية الحتمية لهذا الخيار العقلاني الفردي هي الوصول إلى أسوأ وضع جماعي ممكن للطرفين معاً (حرب الكل ضد الكل والتدمير المتبادل)، بدلاً من التعاون والوفاء الذي يمثل التوازن الأمثل لمصلحتهما المشتركة (Pareto-Optimal).
أثبتت هذه النماذج الرياضية المعاصرة العبقرية الاستشرافية لهوبز؛ إذ برهنت على أن الأخلاق والنوايا الطيبة غير قادرة رياضياً وسلوكياً على حل معضلات التنسيق البشري الكبرى وتوزيع المنافع العامة (كحماية البيئة، والضرائب، ومنع استنزاف الموارد المشتركة) في بيئات عدم اليقين؛ وأن السبيل الوحيد لكسر هذا المأزق العقلاني هو وجود سلطة السيادة التي تغير معادلة المكاسب والخسائر عبر فرض تكاليف وعقوبات باهظة على الخيانة، مما يجعل التعاون والالتزام بالعهود الخيار الحسابي الوحيد المتاح أمام الأفراد المتعاقدين.
12.3 تحديات الدولة الحديثة في عصر الأزمات والتحولات الرقمية
تستعيد الفلسفة السياسية الهوبزية في مطلع الألفية الثالثة حضورها الطاغي والمقلق في آن واحد، في ظل ما يشهده العالم من أزمات وجودية متلاحقة تعيد طرح سؤال السيادة والأمن والحريات بقوة غير مسبوقة. فمع تفشي ظاهرة الإرهاب العابر للحدود، وأزمات الهجرة والحروب الأهلية في الدول الفاشلة، وتفجر الأوبئة العالمية الشاملة (مثل جائحة كوفيد-19)، وتصاعد التهديدات المناخية الكارثية؛ شهدت المجتمعات الديمقراطية الليبرالية عودة صريحة ومتسارعة لـ “الخطاب الأمني الهوبزي”.
لقد أظهرت هذه الأزمات هشاشة قشرة الحضارة الديمقراطية؛ حيث سارعت الشعوب طواعية إلى مطالبة حكوماتها بفرض حالات الطوارئ القصوى، وحظر التجول، وتقييد حريات التنقل والتجمع والتجارة، وتوسيع صلاحيات الأجهزة التنفيذية والأمنية؛ مؤكدين بديهية هوبز التاريخية: حين يلوح شبح الموت العنيف والمرض والفوضى في الأفق، فإن غريزة حفظ الذات الفردية والجمعية تسحق كل الترف النظري حول الحريات وحقوق الإنسان، ويصبح البقاء المجرد هو القيمة العليا التي تبرر كل أدوات القسر السيادي.
أما على الصعيد التكنولوجي والمعلوماتي المعاصر، فيبرز على السطح ما يسميه الفلاسفة والمحللون بـ “اللفياثان الرقمي” (The Digital Leviathan). فمع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة (Big Data)، وأنظمة المراقبة البصرية المتقدمة، وخوارزميات التنبؤ بالسلوك؛ أضحت الدولة الحديثة تمتلك أدوات إكراه وتتبع واختراق لم يكن هوبز نفسه قادراً على تخيلها في أكثر كوابيسه شططاً. لم يعد اللفياثان بحاجة إلى السيف المادي في الساحات العامة لفرض النظام فحسب، بل غدا شبكة رقمية لا مرئية تُحكم قبضتها على العقول والنفوس والسلوكيات في الفضاءين الواقعي والافتراضي، تحت لافتة توفير الأمن ومكافحة الجريمة والحفاظ على استقرار المجتمع الرقمي.
خاتمة تركيبية: لماذا يظل توماس هوبز معاصرنا الأكبر؟
في ختام هذه الرحلة الاستقصائية الشاملة في تضاريس الفكر الهوبزي، ندرك بجلاء لماذا يظل توماس هوبز المفكر الأكثر إزعاجاً، وتأثيراً، وخلوداً في تاريخ الفلسفة السياسية وعلم النفس البشري. لم يقدم هوبز وصفات مريحة تدغدغ كبرياء الإنسان وتعاليه الطوباوي، بل قدم مرآة قاسية وصادقة تعكس أعماق الهشاشة الوجودية التي تسكن الجسد البشري حين يتجرد من ضوابطه المؤسسية، وتشهد على أن النظام والعدالة والحضارة ليست من معطيات الطبيعة المجانية، بل هي إنجازات اصطناعية هشة تتطلب صيانة عقلانية وحراسة دائمة لحمايتها من الانهيار والانتكاس.
تكمن فرادة هوبز في أنه أسس الحداثة السياسية برمتها عبر تحريرها من الأساطير اللاهوتية والتبريرات الماورائية، وربطها مباشرة بالمعاناة الملموسة للجسد المادي الحركي. فالدولة لم تعد منحة من السماء ولا انعكاساً لنظام فلكي مفارق، بل هي “صنعة بشرية نفعية” صممها العقل لمقاومة الخوف من الموت وتأمين شروط التعايش البشري. ورغم كل ما وُجه لنظريته في السيادة المطلقة من انتقادات مشروعة حول مخاوف الاستبداد ومصادرة الحريات الديمقراطية، فإن إسهامه الحاسم يظل هو حجر الزاوية الذي لا غنى عنه لأي تفكير سياسي جاد: فلا حرية ممكنة بلا أمان، ولا حقوق بلا دولة تحتكر العنف وتفرض سيادة القانون، ولا سلام أهلياً يدوم إلا بالوعي الصارم بالتكلفة المرعبة للبديل الآخر… بديل العودة إلى فوضى حالة الطبيعة، حيث تغدو حياة الإنسان انعزالية، وبئيسة، وقصيرة.
المراجع
- هوبز، توماس. (2011). اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة (ترجمة بشرى شمس الدين؛ مراجعة رضوان السيد). دار الفارابي.
- هوبز، توماس. (2018). في المواطن (De Cive): الأسس الفلسفية للحكم والسيادة (ترجمة حسام جاسم). الدار العربية للموسوعات.
- ماكفرسون، سي. بي. (2013). النظرية السياسية للفردانية التملكية: من هوبز إلى لوك (ترجمة نبيل صبحي). المركز القومي للترجمة.
- فرويد، سيغموند. (2014). قلق في الحضارة (ترجمة جورج طرابيشي). دار الطليعة.
- Armitage, D. (2007). The Declaration of Independence: A Global History. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu
- Hobbes, T. (1994). Leviathan: with selected variants from the Latin edition of 1668 (E. Curley, Ed.). Hackett Publishing Company. https://www.hackettpublishing.com
- Lloyd, S. A. (2009). Morality in the Philosophy of Thomas Hobbes: Cases in the Law of Nature. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511596797
- Lloyd, S. A., & Sreedhar, S. (2022). Hobbes’s Moral and Political Philosophy. In E. N. Zalta (Ed.), The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2022 ed.). https://plato.stanford.edu/entries/hobbes-moral/
- Malcolm, N. (2002). Aspects of Hobbes. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/0199247145.001.0001
- Pettit, P. (2008). Made with Words: Hobbes on Language, Mind, and Politics. Princeton University Press. https://doi.org/10.1515/9781400829873
- Skinner, Q. (1996). Reason and Rhetoric in the Philosophy of Hobbes. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511598555
- Skinner, Q. (2002). Visions of Politics: Volume 3, Hobbes and Civil Science. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511613807
- Strauss, L. (1952). The Political Philosophy of Hobbes: Its Basis and Its Genesis. The University of Chicago Press. https://press.uchicago.edu
- Tuck, R. (1989). Hobbes: A Very Short Introduction. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/actrade/9780192802552.001.0001