تمثل المرحلة الشرجية السادية (Anal-Sadistic Phase) واحدة من أهم المحطات المفاهيمية في نظرية التحليل النفسي الكلاسيكي والنمو النفس جنسي، حيث تشكل نقطة تحول حاسمة ينتقل فيها الطفل من السلبية الفموية والتلقي المطلق إلى فضاء الفاعلية، والسيطرة، وممارسة القوة على البيئة المحيطة. في هذا الطور النمائي الدقيق، تتقاطع الدوافع اللبيدية المتركزة حول المنطقة الشرجية مع النزعات العدوانية الناشئة، مما يؤسس لأولى صراعات الاستقلالية، وثنائية المشاعر، وبناء ملامح الأنا وعلاقاته بالموضوع الخارجي. إن دراسة هذه المرحلة لا تقتصر على فهم مسار التطور البيولوجي والغرائزي للطفل فحسب، بل تمتد لتفسير البنى العصابية المعقدة، وفي مقدمتها عصاب الوسواس القهري والسمات الشخصية الصلبة التي تنعكس في حياة الراشد.
التأطير المفاهيمي والجذور التاريخية للمرحلة الشرجية السادية
انبثق مفهوم المرحلة الشرجية السادية من أعمال مؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد، وتحديداً في مؤلفه التأسيسي «ثلاث مقالات في نظرية الجنس» الصادر عام 1905، قبل أن يخضع لتوسيع وتدقيق بالغين على يد المحلل النفسي الألماني كارل أبراهام (Karl Abraham). رأى فرويد أن الطاقة النفسية أو الليبيدو تتخلى تدريجياً عن تركيزها الحصري على الغشاء المخاطي للتجويف الفموي لتعيد التمركز حول المنطقة الإخراجية الشرجية، وذلك بالتزامن مع النضج العصبي العضلي للطفل، لاسيما قدرته على التحكم الإرادي في العضلات العاصرة للمستقيم.
ارتبطت هذه الفترة، التي تمتد عادة بين العام الأول والعام الثالث من عمر الطفل، بتسمية “السادية” نظراً لاقتران الإثارة اللبيدية الحسية بالرغبة في التدمير، والسيطرة العنيفة، وإخضاع الموضوع (غالباً الأم أو مقدم الرعاية). لم يعد الطفل كائناً مستسلماً يتلقى الغذاء فحسب، بل أصبح يمتلك أداة فيزيولوجية ونفسية تمكنه من فرض إرادته عبر الإمساك أو الإطلاق، وهو ما اعتبره فرويد النواة الجنينية الأولى للعدوانية الواعية والنشاط الموجه نحو العالم الخارجي.
جاء الإسهام التاريخي الأكثر حسماً في بلورة هذا المفهوم عبر كارل أبراهام في دراسته الرائدة عام 1924 بعنوان «دراسة موجزة لتطور الليبيدو في ضوء الاضطرابات النفسية»، حيث قام بتقسيم هذه المرحلة إلى مستويين فرعيين متباينين دينامياً، مما أضفى عمقاً إكلينيكياً غير مسبوق على نظرية الغرائز، ومكن المحللين من التمييز الدقيق بين ميكانيزمات التدمير وميكانيزمات السيطرة والامتلاك.
الديناميات الغريزية والصراع بين اللذة والعدوان
تتميز المرحلة الشرجية السادية بحدوث تضافر فريد ومعقد بين دافعين غريزيين أساسيين: النزوع الإيروتيكي الشرجي والنزوع السادي التدميري. تتمثل اللذة الإيروتيكية في الإحساس بالاستثارة الفيزيولوجية الناتجة عن احتكاك الكتلة البرازية بجدران الأمعاء والغشاء المخاطي أثناء عملية التبرز، أو العكس من ذلك، اللذة المستمدة من الاحتباس الإرادي ومقاومة الحاجة للإفراغ. هنا يتحول الإخراج من مجرد وظيفة بيولوجية حيوية إلى نشاط محمل بشحنات انفعالية ولبيدية هائلة.
أما الشق السادي، فيتجلى في استغلال هذه الوظيفة الفسيولوجية كوسيلة للتعبير عن القوة والعداء تجاه البيئة؛ فالبراز في المنظور الخيالي واللاواعي للطفل ليس نفاية خالية من القيمة، بل هو جزء حيوي مقتطع من جسده يُنظر إليه بمثابة “هدية” يمكن منحها لمقدم الرعاية لنيل رضاه وحبه، أو “سلاح” مقذوف وقذيفة تدميرية تُستخدم لمعاقبة الوالدين، أو الرفض، والاحتجاج على متطلباتهما التدريبية. يتجلى الصراع الغريزي في هذه الازدواجية الوجدانية الحادة، حيث يتعايش دافع الحب والامتثال جنباً إلى جنب مع دافع الكراهية والتمرد العنيف.
يتشابك نضج الأنا مع هذه العمليات الغريزية بصورة وثيقة؛ إذ يجد الطفل نفسه للمرة الأولى في مواجهة مطالب الواقع الاجتماعي المتمثلة في التدريب على النظافة والتحكم في الإخراج (Toilet Training). هذا التفاعل يفرض على الأنا الغض مواجهة حتمية التنازل عن اللذة الفورية للإشباع النزوي لحساب مبدأ الواقع والحفاظ على حب الوالدين، مما يخلق النواة الأساسية لآليات الدفاع النفسي وتطور بنية الأنا الأعلى.
تقسيم كارل أبراهام الثنائي للمرحلة الشرجية
قدم كارل أبراهام تصنيفاً دقيقاً فصل فيه بين مرحلتين فرعيتين داخل الإطار العام للمرحلة الشرجية السادية، معتمداً على طبيعة العلاقة بالموضوع ومصير الليبيدو، وهو تقسيم أسهم في تفسير الفروق الإكلينيكية بين الذهان والعصاب:
- المرحلة الشرجية السادية المبكرة (طور الإبادة والإخراج): في هذا الطور البدائي، تكون النزعة السائدة هي الرغبة في التخلص العنيف من المحتوى الحشوي وتدمير الموضوع الخارجي. يرتبط الإخراج هنا بالإبادة الكلية؛ فالطفل يُسقط غضبه عبر طرد فضلاته بوصفها مقذوفات عدوانية لا قيمة لها، وتتسم العلاقة بالموضوع الخارجي بطابع تدميري لا يكترث بالحفاظ عليه. يعد التثبيت في هذه النقطة المتقدمة أساساً للأشكال الشديدة من العدوانية الفصامية والنزعات التفكيكية والشخصيات البارانويدية المعادية للمجتمع.
- المرحلة الشرجية السادية المتأخرة (طور الاحتفاظ والسيطرة): يمثل هذا الطور مرحلة أرقى من التطور النفسي، حيث يتحول الهدف الغريزي من الإفراغ المدمر إلى الاحتباس الحريص والسيطرة الهيمنية على الموضوع. يصبح البراز هنا موضوعاً ثميناً يسعى الطفل لامتلاكه واكتنازه وإخضاعه لسلطته المطلقة. لم يعد الدافع هو قتل الموضوع أو سحقه، بل استعباده، والاحتفاظ به تحت الرقابة التامة، وتوجيهه. يرتبط التثبيت في هذا الطور مباشرة بتشكل بنية الشخصية الوسواسية وآليات الدفاع المتقدمة كالإبطال والتكوين العكسي.
يعد الانتقال السلس من الطور الشرجى المبكر إلى الطور المتأخر شرطاً أساسياً لظهور القدرة على التعاطف، وتكامل صورة الموضوع بوصفه كائناً متمايزاً يستحق الحماية بدلاً من التدمير، وهو ما مهد لاحقاً لظهور نظريات علاقات الموضوع الحديثة.
التدريب على النظافة وصراع الإرادات
يمثل التدريب على استخدام المرحاض الحادثة الثقافية والتربوية المركزية التي تتبلور خلالها المرحلة الشرجية السادية. للمرة الأولى في حياة الكائن البشري، تتدخل سلطة خارجية لتفرض قيوداً صارمة، وقواعد زمنية ومكانية، على وظيفة بيولوجية حميمة وفطرية. يدرك الطفل في هذه اللحظة أن جسده ليس مستقلاً تماماً، وأن تلبية رغباته الغريزية أصبحت مشروطة بتوقعات الوالدين ورضاهما.
إذا اتسم هذا التدريب بالصرامة المفرطة، والقسوة، والعقاب الجسدي أو اللفظي، فإن الطفل يختبر تدخلاً عدوانياً في خصوصيته الجسدية، مما يؤدي إلى ردود فعل دفاعية حادة. قد يتخذ رد الفعل مساراً عنادياً سادياً يرفض فيه الامتثال لطلب الإفراغ، محتفظاً بالبراز لأيام مسبباً لنفسه إمساكاً وظيفياً مزمناً كشكل من أشكال النضال ضد سلطة الأم، أو قد يفرغ محتوياته في أوقات وأماكن غير ملائمة كفعل تحدٍ وقح يهدف إلى إذلال الوالدين وقهر إرادتهما.
على النقيض من ذلك، إذا كان التدريب متساهلاً بصورة مفرطة وتخلت السلطة الوالدية عن وضع الحدود البناءة، قد يفتقر الطفل إلى الحافز اللازم لتطوير التحكم الإرادي والانضباط الذاتي، مما قد يقوده إلى نمط من الفوضوية النفسية، وضعف تحمل الإحباط، والميل إلى التعبير الحركي الغريزي غير المنضبط في مراحل لاحقة من حياته.
التثبيت النفسي وتشكل الطابع الشرجي (The Anal Character)
يعد مفهوم التثبيت (Fixation) ركيزة جوهرية في نظرية التحليل النفسي، ويشير إلى بقاء جزء من الطاقة اللبيدية مقيداً بنمط إشباع خاص بمرحلة نمائية معينة نتيجة إما للإفراط الشديد في الإشباع أو الحرمان المفرط والصدمة النفسية. يؤدي التثبيت في المرحلة الشرجية السادية إلى انبثاق ما وصفه فرويد في مقالته الشهيرة عام 1908 «الطابع والشهوانية الشرجية» بالثالوث الشرجي الكلاسيكي:
- الترتيب والنظام المفرط (Orderliness): ويشمل ذلك الدقة المبالغ فيها، والحرص الصارم على النظافة، والتطهر، ومقاومة الفوضى والأوساخ؛ وهو تحول دفاعي ناتج عن آلية التكوين العكسي (Reaction Formation) ضد الرغبة الدفينة واللاواعية في التلطيخ واللعب بالقذارة والاستمتاع بالبراز.
- البخل والحرص الشديد (Parsimony): يعكس تحول الليبيدو الاحتباسي من البراز إلى المال والممتلكات المادية. في اللاشعور، يتساوى الذهب والمال رمزياً مع الفضلات الشرجية المكتنزة؛ ويظهر ذلك إكلينيكياً في الخوف الشديد من الإنفاق، والشح العاطفي، وصعوبة التخلي عن الأشياء القديمة غير النافعة.
- العناد والتصلب (Obstinacy): يمثل استمراراً لصرخة الاحتجاج والتمرد ضد السلطة الوالدية أثناء التدريب على النظافة. يترجم هذا العناد إلى تشبث لا عقلاني بالرأي، ومقاومة أي شكل من أشكال التوجيه أو التغيير، وصعوبة بالغة في التفاوض أو التنازل، إلى جانب رغبة دفينة في قهر الآخرين وإخضاعهم.
تتضافر هذه السمات لتشكل الشخصية الشرجية القسرية، والتي قد تبدو متكيفة اجتماعياً في بيئات تتطلب الضبط والتدقيق، كالمؤسسات البيروقراطية أو الأعمال الحسابية، لكنها تعاني داخلياً من جمود انفعالي، وفقر في التلقائية، وعجز عن التعبير عن الحب والحميمية دون خوف من فقدان السيطرة.
المرحلة الشرجية السادية في منظور نظرية علاقات الموضوع
قامت المحللة النفسية البريطانية ميلاني كلاين بنقل مفهوم المرحلة الشرجية السادية من مجرد إطار نمائي بيولوجي غرائزي إلى فضاء خيالي داخلي دينامي يحدد شكل العلاقات مع الموضوعات الداخلية والخارجية. رأت كلاين أن السادية الشرجية للرضيع تنفجر في وقت أبكر بكثير مما تصوره فرويد، وتتداخل بعمق مع المرحلة الفموية السادية المتأخرة.
وفقاً للتصور الكليني، يتخيل الرضيع برازه وفضلاته الشرجية كمواد سامة، ومتفجرة، وأسلحة دمار كيميائية يستخدمها في خياله اللاشعوري لمهاجمة جسد الأم، وتسميمه، وسرقة محتوياته (كالأطفال الآخرين، أو قضيب الأب، أو الحليب). هذا الهجوم السادي الإسقاطي يولد رعباً مقابلاً من الانتقام؛ إذ يخشى الطفل أن ترتد عليه هذه الفضلات المسمومة لتخترق جسده وتدمره من الداخل، وهو ما يشكل الأساس البنيوي لـ الموقع الزوراني الفصامي والقلق الاضطهادي البدائي.
عندما ينتقل الطفل نحو الموقع الاكتئابي، تتغير طبيعة السادية الشرجية، حيث يدرك الطفل أن الأم التي هاجمها ولوثها بمقذوفاته التدميرية هي ذاتها الأم الخيرة والمحبوبة التي يحتاجها. ينشأ هنا شعور ساحق بالذنب الاكتئابي والرغبة في التعويض والإصلاح (Reparation)، حيث يتحول الدافع من التدمير إلى محاولة تقديم البراز أو الإنتاج الإبداعي كهدية نقية لترميم الموضوع الداخلي المتضرر وتخليصه من التلف.
التحولات السلوكية والأبعاد النفسية والاجتماعية
أعاد عالم النفس النمائي إريك إريكسون صياغة المرحلة الشرجية السادية ضمن نظريته النفسية الاجتماعية للنمو، محولاً البؤرة من التركيز العضوي البحت إلى سياق العلاقات التفاعلية، وأطلق عليها أزمة «الاستقلالية في مقابل الخزي والشك» (Autonomy vs. Shame and Doubt). اعتبر إريكسون أن التحكم في العضلات العاصرة يرمز إلى الثنائية السلوكية الأوسع: “الإمساك والتخلي” (Holding on and Letting go).
يمثل التخلي القدرة على العطاء، والتحرر، وتفويض السيطرة للآخرين، بينما يمثل الإمساك القدرة على الحفظ، وتأكيد الذات، وبناء الحدود الشخصية. إذا تمكن الطفل من اجتياز هذه المرحلة بسلام بتشجيع والديه الحكيم، يكتسب فضيلة الإرادة (Willpower) والشعور بتقدير الذات والقدرة على الاختيار الحر المتزن دون خوف أو اندفاعية.
في المقابل، إذا قوبلت محاولات الطفل الأولى للاستقلال والتجريب بالتحقير والصرامة القمعية، فإنه يبتلع عدوانه السادي المكبوت ويوجهه نحو ذاته، متولداً لديه إحساس مزمن بالخزي والمهانة العميقة، وشك دائم في قدراته الشخصية وفي أمان العالم المحيط. تظل هذه الجروح الشرجية محفورة في لاوعي الراشد على هيئة خوف مرضي من ارتكاب الأخطاء، أو فقدان ماء الوجه، أو الوقوع ضحية للتنمر والاستغلال دون قدرة على الدفاع عن النفس.
المظاهر الإكلينيكية وعصاب الوسواس القهري
يعد اضطراب الوسواس القهري (Obsessive-Compulsive Disorder) التعبير المرضي والنموذج الإكلينيكي الأكثر وضوحاً للنكوص إلى المرحلة الشرجية السادية. في مواجهة الصراعات الأوديبية المعقدة أو المخاوف الناجمة عن فقدان الموضوع، قد ينكص الجهاز النفسي دفاعياً إلى تنظيم شرجي سادي سابق، حيث يعيد إحياء آليات السيطرة السحرية وثنائية الوجدانات المتطرفة.
تتمحور وساوس المريض في الغالب حول موضوعات التلوث، والأوساخ، والنجاسة، والعدوى، والتدمير، وهي تمثيلات ذهنية محولة ومقنعة لرغبات شرجية سادية في التلطيخ والقتل اللاشعوري للأحباء. يلجأ المريض بعد ذلك إلى طقوس قهرية مضنية (كغسل اليدين المتكرر، والتحقق، والعد، والترتيب المفرط) بوصفها محاولات دفاعية محمومة لإبطال الأثر التدميري لأفكاره السادية، وتطهير نفسه من الذنب اللاواعي المرتبط بها عبر آلية «الإبطال السحري» (Undoing).
كذلك تظهر المظاهر السادية في العلاقات البينشخصية لمرضى الوسواس من خلال فرض سلطة مطلقة، وممارسة العنف النفسي المقنع بالقواعد الأخلاقية الصارمة على أفراد الأسرة، والنزوع للتشكيك الدائم، والتعطيل المتعمد لمشاريع الآخرين عبر التردد والمماطلة السلبية العدوانية، وهو ما يجسد الصراع الشرجي القديم حول من يملك زمام المبادرة والتحكم.
الديناميات التحويلية في العلاج النفسي التحليلي
يطرح العمل التحليلي مع المرضى المثبتين في المرحلة الشرجية السادية تحديات تقنية فريدة تتطلب حساسية وانتباهاً إكلينيكياً فائقين. يتجلى الصراع الشرجي في غرفة العلاج من خلال ظواهر التحويل (Transference) والتحويل المضاد (Countertransference)، وتحديداً في طريقة إدارة المريض لـ «الإطار التحليلي» (The Analytic Setting):
- التحكم في الوقت والمواعيد: يظهر المريض ميلاً لاواعياً لممارسة السيطرة على المحلل من خلال الحضور المتأخر جداً بدقائق محسوبة، أو التغيب المفاجئ، أو رفض مغادرة الجلسة في موعد انتهائها المحدد، مجسداً الصراع التاريخي القديم حول مواعيد الإخراج وتلبية رغبات الأبوين.
- إمساك وإفراغ المادة اللغوية: قد يقاوم المريض قاعدة التداعي الحر عبر الصمت المطبق، محتفظاً بأفكاره ومشاعره كما لو كانت فضلات ثمينة يخشى سرقتها أو تقديمها كهدية للمحلل؛ أو يمارس على العكس “إفراغاً لفظياً” عشوائياً هائلاً من الكلام السطحي غير المترابط ليلوث الفضاء التحليلي ويفسد قدرة المعالج على التفكير والتأويل.
- الدفع والمال: تخضع أتعاب العلاج لصراعات شرجية مكثفة؛ فالمريض قد يماطل في سداد المستحقات المالية، أو يساوم عليها بضراوة، أو يسعى لتحويل العلاقة التحليلية إلى صفقة مادية خالصة لتجريدها من بعدها الإنساني وتجنب الاتصال العاطفي الوجداني العميق.
تقتضي الاستجابة الفنية من المحلل الامتناع الصارم عن الدخول في “صراع إرادات” متناظر مع المريض، وتفادي تبني دور الوالد القامع أو المعاقب. وبدلاً من ذلك، يتعين عليه الحفاظ على ثبات الإطار وحياده، وتأويل الدوافع السادية ورغبات السيطرة الخفية برفق، ومساعدة الأنا على إدراك أن التخلي عن التحكم المرضي لا يعني الفناء أو الهزيمة، بل يفتح الأفق أمام علاقة موضوعية ناضجة وقائمة على التبادلية الحرة.
الأبعاد الرمزية للبراز في التحليل الثقافي والأنثروبولوجي
لم يقصر التحليل النفسي قراءته للمرحلة الشرجية السادية على الإطار الفردي والسريري، بل تجاوز ذلك نحو استكشاف التمظهرات الرمزية للشهوانية الشرجية في الأساطير، والطقوس الدينية، والظواهر الاقتصادية والثقافية للشعوب. لقد أثبت فرويد في نصوصه المتأخرة وجود معادلة لاواعية مدهشة تتطابق فيها مفاهيم: (البراز = الذهب = المال = الهدية = الطفل = القضيب).
تتجلى هذه المعادلة في المعتقدات الشعبية التي تربط بين رؤية الروث في المنام والثراء السريع، وفي الأساطير التي تتحدث عن الشياطين التي تمنح الذهب لأتباعها ليكتشفوا لاحقاً أنه تحول إلى روث قذر. تعكس هذه الترميزات التسامي (Sublimation) الجمعي للرغبات الشرجية السادية وتوجيهها نحو الإنتاج الحضاري، وتراكم رأس المال، والصناعات التعدينية، والأنظمة البنكية التي تعتمد في جوهرها على تراكم الثروات واكتنازها بعيداً عن الاستهلاك المباشر.
كما تكشف النظم السياسية الشمولية والدكتاتوريات العسكرية عن جذور شرجية سادية عميقة؛ حيث تمارس السلطة القمعية هوساً مرضياً بالنقاء الأيديولوجي أو العرقي، وتخوض حملات “تطهير” منهجية ضد الخصوم الذين يُصنفون رمزياً كـ “أوساخ” أو جراثيم يجب استئصالها وإبادتها للحفاظ على سلامة ونظافة جسد الأمة، مما يعكس ارتداداً جمعياً مرعباً إلى المرحلة الشرجية السادية المبكرة القائمة على التدمير والإفراغ العنيف.
نقد النظرية والتقييم المعاصر
واجه مفهوم المرحلة الشرجية السادية انتقادات لاذعة مع تطور علم النفس الحديث ونظريات التعلق والعلوم العصبية الإدراكية. تركزت أبرز الانتقادات في الآتي:
اعتبر علماء النفس التجريبي والسلوكي أن التركيز المفرط لفرويد وأتباعه على البراز والشرج ينطوي على استدلالات تأويلية مبالغ فيها تفتقر إلى الإثبات الإمبراطوري الصارم، معتبرين أن سلوكيات العناد والنظام يمكن تفسيرها بشكل أبسط عبر آليات التعلم الاجتماعي، ونمذجة السلوك الوالدي، والتطور الطبيعي للمهارات المعرفية الحركية التي تسعى لتأكيد الذات دون حاجة لافتراض طاقة لبيدية شرجية.
كذلك أشار منظرو نظرية التعلق (Attachment Theory) بزعامة جون بولبي إلى أن الصراعات الناشئة أثناء التدريب على النظافة ليست مدفوعة بالغرائز الشرجية في حد ذاتها، بل تعكس طبيعة ونوعية رابطة التعلق بين الطفل والوالدين. فالأمان العاطفي والاستجابة الحساسة لمشاعر الصغير هما المحددان الأساسيان لقدرته على التعاون والتحكم الذاتي، وليس مصير الليبيدو الجسدي.
على الرغم من هذه الاعتراضات المنهجية، يظل مفهوم المرحلة الشرجية السادية حياً ومؤثراً في الممارسة الإكلينيكية المعاصرة للتحليل النفسي. لقد قدم هذا المفهوم إضاءات لا غنى عنها حول كيفية تشكل العنف والعدوان، وأهمية الحدود الجسدية والنفسية، والمعنى الدفين للسيطرة والوسواس، مما يجعله مدخلاً نظرياً فريداً لفهم التناقضات العميقة للطبيعة الإنسانية والصراع الأبدي بين الرغبة في التحرر والحاجة إلى الامتثال.
خاتمة
تظل المرحلة الشرجية السادية ركناً أساسياً في فهم نظرية الدوافع وتطور الشخصية في الفكر النفسي التحليلي. إنها المرحلة التي يكتشف فيها الإنسان قدرته المزدوجة على الخلق والتدمير، ومنح الحب أو ممارسة العدوان، وبناء أسوار الاستقلال الذاتي في مواجهة العالم. عبر استيعاب ديناميات هذه المرحلة بتفرعاتها النظرية من فرويد وأبراهام إلى كلاين وإريكسون، تتضح لنا خيوط الاتصال الدقيقة التي تربط بين تدريب الطفل الصغير على قضاء حاجته وبين أكثر السلوكيات الاجتماعية تعقيداً في حياة الراشدين، من الإبداع والإنتاج الاقتصادي إلى القهر والتصلب النفسي.
المراجع
- Abraham, K. (1924). A short study of the development of the libido, viewed in the light of mental disorders. In Selected Papers of Karl Abraham (pp. 418–501). Hogarth Press.
- Erikson, E. H. (1950). Childhood and society. W. W. Norton & Company.
- Freud, S. (1905). Three essays on the theory of sexuality. Standard Edition (Vol. 7, pp. 123–246). Hogarth Press.
- Freud, S. (1908). Character and anal erotism. Standard Edition (Vol. 9, pp. 167–176). Hogarth Press.
- Freud, S. (1913). The disposition to obsessional neurosis: A contribution to the problem of choice of neurosis. Standard Edition (Vol. 12, pp. 311–326). Hogarth Press.
- Klein, M. (1932). The psycho-analysis of children. Hogarth Press.
- Laplanche, J., & Pontalis, J.-B. (1973). The language of psycho-analysis (D. Nicholson-Smith, Trans.). Hogarth Press.
- Mitchell, S. A., & Black, M. J. (1995). Freud and beyond: A history of modern psychoanalytic thought. Basic Books.