التحليل النفسيعلم النفس النمائينظريات الشخصية

المرحلة الشرجية: المفهوم والديناميات النفسية في نظرية التحليل النفسي

تعد المرحلة الشرجية ركيزة أساسية في نظرية التحليل النفسي للنمو النفسي الجنسي عند سيغموند فرويد، حيث تنشأ صراعات الاستقلالية والسيطرة بين الطفل وبيئته، وتتشكل ملامح الشخصية وآليات الدفاع النفسي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 27 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 27 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل المرحلة الشرجية (Anal Phase) إحدى المحطات المحورية والجوهرية في نظرية سيغموند فرويد للنمو النفسي الجنسي، حيث ينتقل فيها مركز الإثارة والنشاط الغريزي من الفم إلى المنطقة الشرجية وعضلات الإخراج. تكتسي هذه المرحلة أهمية استثنائية في التحليل النفسي لأنها تشهد البذور الأولى لصراع الفرد مع متطلبات المجتمع وسلطة الوالدين المتمثلة في التدريب على النظافة والتحكم في الإخراج. إن الكيفية التي يتفاوض بها الطفل عبر هذا المنعطف النمائي الحرج ترسي اللبنات الأساسية للبنية الشخصية، وتحدد معالم التوازن بين الرغبة في الاستقلالية والامتثال للضوابط الاجتماعية، فضلًا عن مساهمتها المباشرة في تشكيل آليات الدفاع النفسي والاضطرابات العصابية المحتملة في مراحل العمر اللاحقة.

السياق التاريخي والنظري للمرحلة الشرجية

انبثقت أطروحة المرحلة الشرجية مع صدور العمل التأسيسي لسيغموند فرويد بعنوان ثلاث مقالات في النظرية الجنسية (1905)، حيث سعى فرويد إلى تقويض النظرة التقليدية التي كانت تحصر الميول الجنسية في البلوغ والوظيفة التناسلية. بيّن فرويد أن الطاقة الغريزية أو ما يُعرف بـ اللبيدو تولد مع الإنسان وتتطور عبر مسارات بدنية ومناطق شهوية محددة، تتبدل تبعًا للنضج البيولوجي والتفاعل البيئي والاجتماعي المحيط بالطفل منذ ولادته.

خلال السنوات الأولى لظهور هذه النظرية، واجهت أفكار فرويد استهجانًا أكاديميًا واجتماعيًا بالغًا، نظرًا لجرأتها في طرح فرضية ربط المتعة الجسدية بوظائف الإخراج وعمليات التبرز. ومع ذلك، لم يكن فرويد يعني بالجنس هنا المفهوم البيولوجي التناسلي الضيق، بل كان يشير إلى المتعة الحسية والتوترات البيولوجية التي تُحل عبر إفراغ الشحنات العصبية والبدنية. لقد اعتبر فرويد أن التبرز يمثل أول إنتاج إبداعي يمتلكه الطفل ويستطيع من خلاله أن يقايض العالم الخارجي أو يعانده، مما جعل هذه الوظيفة الفسيولوجية البسيطة نقطة انطلاق لنمو علاقات القوة والسيطرة في البنية النفسية الفردية.

شهدت النظرية تدعيمًا وتطويرًا مستمرًا داخل حركة التحليل النفسي من قِبل تلاميذ فرويد الأوائل، لا سيما كارل أبراهام الذي تعمق في تقسيمات هذه المرحلة الدقيقة. أدرك المحللون النفسيون أن الانتقال من التبعية الفموية المطلقة للثدي إلى الموقف الشرجي الفاعل يعكس تحولًا عميقًا في تكوين “الأنا”، وهو ما جعل المرحلة الشرجية موضوعًا خصبًا للدراسات الإكلينيكية التي حاولت فهم جذور المشاعر المتناقضة كالاحتفاظ والتبديد، والقسوة والحنان، والنظافة والوساخة.

الخصائص الفسيولوجية والنمائية للمرحلة الشرجية

تمتد المرحلة الشرجية زمنيًا تقريبًا من عمر ثمانية عشر شهرًا (سنة ونصف) حتى سن ثلاث سنوات، وهي الفترة التي تتزامن فسيولوجيًا مع نضج الجهاز العصبي وتحديدًا المسارات العصبية الحركية المسؤولة عن التحكم الإرادي في عضلات المصرة الشرجية (Sphincter muscles). قبل هذه المرحلة، كان التبرز يحدث كفعل انعكاسي لاإرادي تفرضه استجابة الأمعاء لضغط الفضلات دون أي قدرة من الطفل على الإرجاء أو التعجيل.

تتحول المنطقة الشرجية بمخاطيتها الحساسة، بفضل هذا التطور العصبي، إلى المنطقة الشهوية الرئيسة المولدة للإحساس؛ حيث يشعر الطفل بنوعين متمايزين من اللذة الجسدية: الأولى هي لذة الإفراغ والتخلص من التوتر الداخلي المزعج الناجم عن تراكم الفضلات، والثانية هي لذة الاحتباس والإمساك، وهي متعة حسية تثير الغشاء المخاطي للشرج عند الاحتفاظ بالكتلة البرازية ومقاومة الدفع العضلي. هذا التباين الحسي يضع الطفل أمام أول خبرة جسدية تمنحه قدرة واعية على الاختيار بين الإطلاق والاحتفاظ.

يرتبط هذا النضج العضلي بنمو معرفي وحركي أوسع؛ فالطفل في هذا العمر يتعلم المشي والكلام والقدرة على استخدام يديه بشكل أكثر كفاءة، مما يعزز شعوره بالاستقلالية عن الأم. إن امتلاك الطفل لأدوات جسده يولد لديه وعيًا أوليًا بالذات المتمايزة عن المحيط، وتصبح الأمعاء بمثابة أول فضاء داخلي يقع بالكامل تحت سلطته الخاصة، في وقت لا يزال فيه عاجزًا عن التحكم بمعظم معطيات عالمه الخارجي المعقد.

ديناميات الصراع: التدريب على النظافة وصراع السيطرة

يمثل التدريب على استخدام المرحاض الحادثة الثقافية والاجتماعية الأبرز في حياة الطفل خلال المرحلة الشرجية، إذ يعد هذا التدريب أول طلب حقيقي تفرضه البيئة الحضارية لقمع نزوة بيولوجية غريزية وتوجيهها وفق قواعد صارمة من الزمان والمكان. يجد الطفل نفسه مطالبًا بالتخلي عن تلقائيته اللذيذة في الإخراج لصالح مواعيد ومقاييس تحددها الأم، وهو ما يضع الأنا الناشئة في مواجهة مباشرة بين متطلبات الهو المشبعة بالنزوات الفورية وواقع العالم الخارجي المتطلب.

ينشأ في هذه اللحظة صراع السيطرة والإرادة بين الطفل ومقدم الرعاية. يدرك الطفل بسرعة أن برازه ليس مجرد فضلات بيولوجية، بل هو “موضوع” و”هدية” يطالب بها الوالدان بإلحاح ويثنيان عليه عند تقديمها في المكان المناسب، ويعاقبانه أو يظهران الاشمئزاز حين يُخفق في ذلك. ومن هنا، يتحول البراز إلى أداة للتعبير عن الحب أو العدوان؛ فيمكن للطفل أن يمنحه طواعية كعربون امتثال ورغبة في نيل الرضا، أو يحبسه عنادًا كأداة للمقاومة ورفض الخضوع للسلطة الأبوية.

تتحدد ملامح هذا الصراع وفق أسلوب الوالدين في التربية والتدريب. إذا كان التدريب اتسم بالقسوة والصرامة، أو بدأ قبل النضج الفسيولوجي المناسب للطفل، فإنه يتحول إلى تجربة صادمة ترتبط بالقلق والعار؛ حيث يشعر الطفل بأن جسده وعملياته الطبيعية قذرة ومعيبة، وأن أي خطأ في التحكم يهدد حبه ورعايته من قِبل الوالدين. أما إذا كان التدريب متسامحًا وداعمًا ومتفهمًا لمشاعر الطفل، فإن الطفل ينجح في استدماج هذه الضوابط بسلاسة دون أن يفقد ثقته في وظائفه الجسدية أو قدرته على التعبير عن إرادته الحرة.

إسهامات كارل أبراهام: التقسيم الثنائي للمرحلة الشرجية

لم تتوقف نظرية المرحلة الشرجية عند صياغات فرويد الأولى، بل شهدت تعميقًا نوعيًا على يد المحلل النفسي الألماني كارل أبراهام في أبحاثه المنشورة خلال عشرينيات القرن العشرين. اقترح أبراهام تقسيم المرحلة الشرجية إلى مرحلتين فرعيتين، استنادًا إلى العلاقة بالموضوع الخارجي ونوع النزعة العدوانية المرافقة للإخراج، وهي مساهمة أثرت فهم الاضطرابات النفسية الشديدة مثل الاكتئاب والوسواس القهري.

تسمى المرحلة الفرعية الأولى المرحلة الشرجية الإفراغية-التدميرية (Anal-Expulsive/Destructive Stage)، وفيها ترتبط رغبة الطفل في التبرز بالعدوان وتدمير الموضوع الخارجي. يعتبر الطفل أن إخراج البراز هو عملية طرد قسرية وقذف نحو الخارج قد يحمل طابعًا عدوانيًا تجاه بيئته، ويتعامل مع موضوعاته برغبة في الهيمنة عليها وإتلافها. هذه المرحلة تتسم ببدائية العلاقة بالموضوع، حيث لا يكترث الطفل لبقاء الشيء الخارجي بل يسعى إلى إفنائه والتخلص منه.

أما المرحلة الفرعية الثانية فهي المرحلة الشرجية الاحتباسية-الاستبقائية (Anal-Retentive Stage)، وتتميز بتحول مركز المتعة نحو الاحتفاظ بالموضوع وتملكه والسيطرة عليه دون تدميره. يدرك الطفل هنا قيمة البراز كمادة داخلية يود حمايتها وإبقاءها تحت قبضته. تظهر في هذا الطور مشاعر الشفقة والحذر والرغبة في الحفاظ على الموضوع، وتتشكل فيه النواة الأساسية لآليات الدفاع النفسي المتعلقة بالسيطرة والأناقة المفرطة والخوف من الخسارة، وهو ما يمهد تدريجيًا للانتقال إلى المرحلة القضيبية ومشاعر الحب الموضوعي الأكثر نضجًا.

التثبيت الشرجي وأنماط الشخصية الراشدة

يرى التحليل النفسي أن مرور الطفل بالمرحلة الشرجية قد لا يكتمل بنجاح دائمًا؛ فإذا تعرض الطفل لإحباط شديد (عبر العقاب والصرامة المفرطة) أو لإشباع مفرط وفائض عن الحاجة، يحدث ما يُعرف بـ التثبيت (Fixation). يعني التثبيت بقاء جزء من الطاقة اللبيدية محبوسًا في هذه المرحلة، مما يطبع الشخصية في سن الرشد بخصائص وسلوكيات تعكس هذا الصراع الطفولي غير المحلول، وتتجلى أساسًا في نمطين متناقضين من الشخصية:

1. الشخصية الشرجية الحابسة (Anal-Retentive Personality)

تنشأ هذه الشخصية نتيجة الصرامة المفرطة في التدريب على النظافة وخوف الطفل من العقاب في حال أخطأ، مما يدفعه إلى حبس الفضلات والمبالغة في التحكم خوفًا من فقدان السيطرة. عندما يكبر هؤلاء الأفراد، يتحول هذا الاحتفاظ الجسدي إلى سمات نفسية وسلوكية مميزة حددها فرويد في ثالوث شهير يضم: النظام المفرط، والعناد، والبخل.

  • النظام والترتيب الشديد: يظهر هؤلاء الأشخاص هوسًا بالدقة، والنظافة، والجداول الزمنية الصارمة، والقواعد التي لا تقبل التغيير، كآلية دفاعية لمقاومة أي فوضى داخلية أو شعور بالذنب حيال الوساخة.
  • البخل والشح: يمتد الامتناع الطفولي عن التخلي عن البراز إلى الامتناع عن التخلي عن المال أو المقتنيات أو حتى المشاعر؛ فهم يميلون إلى الاكتناز وتكديس الأشياء ومقاومة مشاركتها مع الآخرين.
  • العناد والصلابة الفكرية: يتسم الفرد برفضه القاطع للمساومة أو الانصياع لرغبات الآخرين، وهو تعبير مقنّع عن رفض الرضيع القديم التبرز بطلب من أمه، ليصبح في الكبر عنادًا فكريًا وعدم مرونة في التعامل مع المتغيرات.

2. الشخصية الشرجية الطاردة (Anal-Expulsive Personality)

تتشكل هذه الشخصية في بيئات كانت متساهلة إلى حد الإهمال أثناء التدريب على النظافة، أو على العكس، استخدمت العنف الذي ولد لدى الطفل تمردًا مباشرًا؛ حيث يكتشف الطفل أن الإفراغ في أي وقت وأي مكان يمثل أداة تحدٍ فعالة يفرغ من خلالها غضبه تجاه الوالدين. ينعكس ذلك في مرحلة الرشد عبر سلوكيات رافضة للنظام والقوانين.

  • الفوضوية واللامبالاة: يجد أصحاب هذا النمط صعوبة بالغة في الالتزام بالمواعيد أو تنظيم مساحاتهم الخاصة؛ حيث تعم الفوضى حياتهم المهنية والشخصية كتعبير عن رفض القيود والتوجيهات.
  • العدوانية ونوبات الغضب: يتميز هؤلاء الأشخاص بالاندفاعية اللفظية والسلوكية، وميلهم إلى مهاجمة الآخرين بأساليب قاسية، معتبرين التعبير المفرط عن الانفعالات حقًا غير خاضع لأي اعتبارات اجتماعية.
  • التبذير والإسراف: بعكس النمط الممسك، يميل هذا الفرد إلى التخلص السريع من موارده وأمواله بإنفاق غير محسوب، في محاكاة رمزية مستمرة لعملية الإفراغ والتخلص الفوري من الفضلات.

المرحلة الشرجية في منظور إريك إريكسون: الاستقلالية مقابل الخجل والشك

قام المنظر النفسي إريك إريكسون بتوسيع المنظور الفرويدي البيولوجي الحصري للمرحلة الشرجية، ناقلًا إياها إلى إطار نفسي-اجتماعي أوسع. رأى إريكسون أن هذه المرحلة النمائية (من عمر سنتين إلى ثلاث سنوات تقريبًا) تمثل أزمة الاستقلالية مقابل الخجل والشك (Autonomy vs. Shame and Doubt)، حيث لا تقتصر المسألة على تدريب الأمعاء، بل تمتد إلى تجربة الطفل الكلية في بسط سيطرته على إرادته وحركته ومحيطه.

وفقًا لإريكسون، عندما يتيح الوالدان للطفل مساحة آمنة للاستكشاف والتحكم الذاتي وتجربة المهارات اليدوية والحركية دون فرض شروط قمعية، ينمو لدى الطفل شعور عميق بالاستقلالية والثقة في قدراته الذاتية. يدرك الطفل أنه كائن مستقل يمتلك إرادة نافذة، وقادر على اتخاذ قرارات بسيطة بخصوص جسده وأفعاله، وهو الأساس الذي تبنى عليه قوة الشخصية والاعتزاز بالذات في المستقبل.

في المقابل، إذا واجه الطفل حماية مفرطة تمنعه من التجربة، أو قوبلت محاولاته الأولى بالاستقلال بالسخرية، أو تعرض لعقاب مؤلم عند ارتكابه أخطاء أثناء التدريب على الإخراج، فإن النتيجة تكون استبطان مشاعر حادة من الخجل والشك في كفاءته الشخصية. يتحول الشك إلى عجز مزمن عن اتخاذ القرارات، وميل مستمر للشعور بالدونية، وتوقع دائم للإخفاق والعقاب من الآخرين، مما يثبت صحة التحول الذي أحدثه إريكسون من البيولوجيا المحضة إلى العلاقات التفاعلية الاجتماعية.

الأبعاد الإكلينيكية: من العصاب القهري إلى التحليل النفسي المعاصر

تعد المرحلة الشرجية الركيزة النظرية الأساسية لفهم بنية اضطراب الوسواس القهري (Obsessive-Compulsive Disorder) في تراث التحليل النفسي. افترض فرويد أن مريض الوسواس القهري يلجأ إلى آليات نكوصية حادة إلى المرحلة الشرجية السادية لحماية نفسه من الصراعات الأوديبية غير المحتملة في المرحلة القضيبية اللاحقة. تظهر هذه الصراعات في أعراض النظافة القهرية، والطقوس المتكررة لمنع التلوث، والتردد الشديد في اتخاذ القرارات، وكلها تعبيرات رمزية عن الخوف من القذارة والذنب المرتبطين بنزوات المرحلة الشرجية القديمة.

تلعب آليات الدفاع النفسي الشرجية دورًا حاسمًا في بناء هذه الاضطرابات، وأبرزها التكوين العكسي (Reaction Formation)، حيث يتحول الانجذاب الطفولي اللاواعي للقذارة والبراز إلى مبالغة متطرفة في التطهر والاشمئزاز من أي أثر للوساخة. كما يظهر دفاع العزل (Isolation) الذي يفصل الفكرة الوسواسية عن شحنتها العاطفية الغاضبة، إضافة إلى دفاع الإبطال (Undoing) المتمثل في ممارسة طقوس غسل اليدين مرارًا وتكرارًا لإلغاء الرغبات التدميرية اللاواعية وكأن شيئًا لم يكن.

من زاوية نظرية العلاقات الموضوعية، وتحديدًا مع أعمال ميلاني كلاين، أعيد تفسير المرحلة الشرجية بوصفها ميدانًا حيويًا لتفريغ القلق وتدمير الأشياء السيئة داخليًا. اعتبرت كلاين أن الفضلات الشرجية تمثل بالنسبة للرضيع أسلحة يهاجم بها جسد الأم في خياله، أو أجزاء مسمومة يجب إخراجها خوفًا من تدمير الذات من الداخل. يفتح هذا المنظور آفاقًا علاجية جديدة للتعامل مع الحالات الذهانية والحدية التي تعاني من اختلالات عميقة في تمييز الحدود الفاصلة بين ما هو داخلي ذاتي وما هو خارجي غريب ومُهدد.

النقد والتقييم المعاصر للمفهوم

مع تطور البحث السيكولوجي التجريبي في النصف الثاني من القرن العشرين، تعرضت أطروحة فرويد حول المرحلة الشرجية لانتقادات منهجية حادة. أشار علماء النفس التجريبيون والمعرفيون إلى صعوبة التحقق من صحة الفرضيات الفرويدية باستخدام المنهج العلمي الصارم، حيث إن الربط المباشر بين طريقة تدريب الطفل على النظافة وظهور سمات شخصية بالغة الدقة مثل البخل أو النظام في سن الأربعين يفتقر إلى الأدلة السببية المباشرة، ويغفل تداخل العوامل الوراثية والبيئية المتغيرة طوال مسار الحياة.

ترى المدارس السلوكية والمعرفية الحديثة أن سلوكيات مثل النظام المفرط أو الاكتناز ليست رواسب لليبيدو شرجي محبوس، بل هي أنماط سلوكية مكتسبة خضعت لعمليات تعزيز واشتراط كلاسيكي وإجرائي عبر سنوات طويلة من التنشئة الاجتماعية ونمذجة سلوك الوالدين. كما أظهرت دراسات علم النفس الثقافي والأنثروبولوجي أن أساليب التدريب على استخدام المرحاض تختلف اختلافًا جذريًا بين الثقافات والشعوب، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى فروق حتمية في مستويات انتشار العصاب الوسواسي أو الشح المالي بين تلك المجتمعات.

على الرغم من هذه الانتقادات التجريبية الوجيهة، لا تزال الرؤية العميقة الكامنة في نظرية المرحلة الشرجية تحتفظ ببريقها التحليلي. إن الفكرة الجوهرية المتمثلة في أن معارك السيطرة والامتثال المبكرة بين الرضيع وبيئته تترك أثرًا لا يُمحى على الإحساس بالاستقلالية الذاتية وتنظيم المشاعر تعد مساهمة عبقرية أثبتت صحتها دراسات التعلق وعلم الأعصاب التنموي الحديث؛ فالأمر لا يتعلق بالبراز بحد ذاته، بل بالدينامية العلائقية المعقدة المرافقة لأول تجربة يخوضها الإنسان لإثبات إرادته في مواجهة العالم.

خاتمة

تظل المرحلة الشرجية واحدة من أكثر المفاهيم ثراءً وإثارة للجدل في تاريخ علم النفس الحديث. لقد استطاع فرويد من خلالها أن يفكك التصورات الساذجة حول براءة الطفولة المطلقة ويبرز الطبيعة الدينامية المعقدة للصراع الإنساني المبكر بين الغريزة والثقافة، وبين الاستقلال والامتثال. وسواء نُظر إليها من المنظور الفرويدي الكلاسيكي المرتكز على طاقة اللبيدو وتحولات المصرة الشرجية، أو عبر التوسيع النفسي-الاجتماعي الذي قاده إريكسون وغيره، فإن هذه المرحلة تضع حجر الأساس للهوية الفردية وللآليات التي ندير بها علاقات القوة والحدود الشخصية مع الآخرين طوال حياتنا.

المراجع

  • Abraham, K. (1927). Selected Papers on Psycho-Analysis. Hogarth Press.
  • Erikson, E. H. (1950). Childhood and Society. W. W. Norton & Company.
  • Freud, S. (1905). Three Essays on the Theory of Sexuality. Standard Edition (Vol. 7). Hogarth Press.
  • Freud, S. (1908). Character and Anal Erotism. Standard Edition (Vol. 9, pp. 167-175). Hogarth Press.
  • Klein, M. (1932). The Psycho-Analysis of Children. Hogarth Press.
  • Laplanche, J., & Pontalis, J.-B. (1973). The Language of Psycho-Analysis. W. W. Norton & Company.
  • Mitchell, S. A., & Black, M. J. (1995). Freud and Beyond: A History of Modern Psychoanalytic Thought. Basic Books.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 27). المرحلة الشرجية: المفهوم والديناميات النفسية في نظرية التحليل النفسي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/anal-phase-psychoanalysis/
looti, Mohammed. “المرحلة الشرجية: المفهوم والديناميات النفسية في نظرية التحليل النفسي.” عرب سايكلوجي, 27 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/anal-phase-psychoanalysis/.
looti, Mohammed. “المرحلة الشرجية: المفهوم والديناميات النفسية في نظرية التحليل النفسي.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 27, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/anal-phase-psychoanalysis/.