تمثل النزعة التملكية (Acquisitiveness) إحدى الركائز الأساسية التي تحرك السلوك البشري عبر التاريخ، حيث تتداخل فيها الدوافع الغريزية للبقاء مع التكوينات النفسية المعقدة والمنظومات الاجتماعية الاستهلاكية. إن رغبة الإنسان في حيازة الأشياء والسيطرة عليها لا تقتصر على تأمين الموارد المادية الضرورية للعيش، بل تمتد لتشكل صلب الهوية الذاتية، وتحدد معالم المكانة الاجتماعية، وتعمل كآلية دفاعية لمواجهة القلق الوجودي والشعور بعدم الأمان. يقدم هذا المبحث الأكاديمي تحليلاً شاملاً لظاهرة التملك في ضوء النظريات النفسية التطورية، والتحليلية، والمعرفية السلوكية، مستعرضاً المسار الفاصل بين النزعة التكيفية السليمة والأنماط المرضية التي تنتهي بالاكتناز والاضطرابات السلوكية القهرية.
مدخل تعريفي وسياق تأصيلي لمفهوم النزعة التملكية
تُعرّف النزعة التملكية في أدبيات علم النفس بأنها الاستعداد الفردي أو الميل السلوكي الدافع نحو اكتساب وتجميع وحيازة الممتلكات المادية أو الرمزية، بصرف النظر عن الحاجة النفعية المباشرة لتلك الممتلكات في لحظة تحصيلها. لا يرتبط هذا المفهوم بمجرد سد العوز الفيزيولوجي من مأكل ومأوى، بل يتجاوزه إلى اعتباره سمة نفسية ديناميكية تؤثر في الإدراك، والعاطفة، وصنع القرار. وقد شهد التحديد المفاهيمي للمصطلح تطورات متعاقبة؛ حيث نُظر إليه قديماً كغريزة بيولوجية محضة تدفع الكائن الحي لادخار الموارد في بيئات الشح، ثم أعيدت صياغته لاحقاً كمنظومة دافعية معقدة تتغذى على التعزيزات الاجتماعية وتتشابك مع البنية النرجسية للشخصية.
يرجع الفضل في بواكير التأصيل النفسي للنزعة التملكية إلى رواد الفكر السيكولوجي الأوائل؛ إذ اعتبر وليم جيمس (William James) في كتابه المؤسس “مبادئ علم النفس” (1890) أن حب التملك يمثل غريزة فطرية تسهم في بناء ما أسماه “الذات المادية” (The Material Self). فبحسب جيمس، لا تنتهي حدود الأنا عند حدود الجسد الفيزيائي، بل تتسع لتشمل كل ما يحوزه المرء من مقتنيات، وملابس، وثروات، وحتى علاقات اجتماعية؛ فإذا ما نيل من ممتلكات الفرد، شعر بنقصان في ذاته وتهديد مباشر لكينونته النفسية. هذا الربط الوثيق بين الحيازة والامتداد الذاتي شكّل نقطة انطلاق جوهرية للدراسات اللاحقة التي عنيت بفحص الروابط بين التملك وصورة الذات.
في المقابل، ميز علماء النفس المعاصرون بين مستويات متباينة للنزعة التملكية، واضعين إياها على متصل نفسي (Psychological Continuum) يبدأ من السلوك الوظيفي التكيفي، المتمثل في الادخار العقلاني والتخطيط للمستقبل، ويمر عبر النزعة الاستهلاكية التباهية التي تحفزها ثقافة الوفرة والضغط الاجتماعي، وصولاً إلى الطرف المقابل المتمثل في النمط المرضي، حيث يتحول الاقتناء إلى هوس غير خاضع للسيطرة العقلانية كما في اضطراب الشراء القهري أو اضطراب الاكتناز. يتطلب هذا الفهم المتدرج تفكيك العوامل المتضافرة التي تحول النزعة الغريزية من أداة لتعزيز البقاء إلى عبء نفسي وسلوكي يهدد تكيف الفرد مع واقعه.
الجذور التطورية والبيولوجية لسلوك الاقتناء
يقدم المنظور النفسي التطوري إطاراً تفسيرياً صلباً لنشأة النزعة التملكية؛ فخلال فترات طويلة من تاريخ التطور البشري في العصر الحجري القديم، واجه أسلافنا بيئات بيئية غير مستقرة اتسمت بالشح الحاد في الغذاء والموارد ومخاطر تقلب المناخ. في مثل هذه الظروف القاسية، كان الأفراد الذين يمتلكون نزعة غريزية قوية لجمع وحفظ الموارد وتخزينها، يمتلكون ميزة انتقائية تكيفية تزيد من فرص بقائهم وبقاء ذريتهم. أدى هذا الانتقاء الطبيعي إلى توارث آليات نفسية عصبية تفضل الاكتساب وتفرز مشاعر أمان فورية عند مراكمة المواد، وتثير مشاعر قلق وتوجس عند نفادها أو فقدانها.
لا تتوقف الفائدة التطورية للملكية عند حدود النجاة الفردية، بل تمتد لتلعب دوراً حاسماً في استراتيجيات التزاوج والانتقاء الجنسي (Sexual Selection). فوفقاً لنظرية الإشارات التطورية ومبدأ التثقيل (Handicap Principle)، تعد القدرة على حيازة واقتناء الفوائض المادية مؤشراً صادقاً على الكفاءة الحيوية، والمهارة، والسيطرة الاجتماعية؛ مما يجعل الفرد الحائز على تلك الموارد شريكاً مرغوباً فيه لضمان رعاية النسل. وبناءً على ذلك، تطورت النزعة التملكية لتصبح جزءاً من لغة التواصل البيولوجي التي تُعرب عن القوة والمنعة الجينية والقدرة على حماية المكتسبات في مواجهة المنافسين داخل الجماعة الواحدة.
من الناحية العصبية الحيوية، ترتبط النزعة التملكية بنشاط الدوائر الدوبامينية في الدماغ، وتحديداً المسار الدوباميني المتوسط الحوفي (Mesolimbic Dopaminergic Pathway). تشير دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) إلى أن توقع الاقتناء والشروع في امتلاك شيء جديد ينشطان النواة المتكئة (Nucleus Accumbens) وقشرة الفص الجبهي الحجاجي (Orbitofrontal Cortex)، وهي مناطق مسؤولة عن معالجة المكافأة والتعزيز الإيجابي. إن المثير الأساسي لإفراز الدوبامين في هذا السياق ليس بالضرورة الاستمتاع الطويل بالمقتنى بعد استقراره في حوزة الفرد، وإنما ترقب الحصول عليه؛ مما يفسر تراجع الرضا النفسي سريعاً بعد إتمام عملية الشراء أو الحيازة، والدخول في دورة دافعية جديدة للبحث عن مقتنيات أخرى في متوالية لا نهائية.
المنظور التحليلي والديناميكي النفسي للنزعة التملكية
تناولت مدرسة التحليل النفسي النزعة التملكية من زاوية الصراعات اللاشعورية ومراحل النمو النفسي الجنسي، وكان لسيغموند فرويد (Sigmund Freud) قصب السبق في ربط الاكتناز والتملك الشديد بـ “المرحلة الشرجية” (Anal Stage). ففي دراسته الشهيرة عن الطابع والأيروسية الشرجية (1908)، افترض فرويد أن التثبيت (Fixation) في هذه المرحلة نتيجة لصرامة تدريب الطفل على النظافة والإخراج، يؤدي إلى نشوء نمط شخصية يتميز بثالوث سلوكي شهير: العناد، والنظامية المفرطة، والشح أو الاكتنازية. فالطفل، وفقاً لهذا التفسير، يختبر برازه كأول ملكية خاصة يستطيع الاحتفاظ بها أو التخلي عنها كهدية، ويتحول الاحتباس في الطفولة إلى ميل قهري لحبس وتملك الأموال والمقتنيات المادية في سن الرشد.
طوّر المحللون اللاحقون، لاسيما المنتمين إلى نظرية علاقات الموضوع (Object Relations Theory)، رؤى بديلة تربط التملك بالآليات التعويضية للحرمان العاطفي. طرح دونالد وينيكوت (Donald Winnicott) مفهوم “الموضوع الانتقالي” (Transitional Object)، مثل البطانية أو اللعبة المحشوة التي يتشبث بها الرضيع كوسيط يعوضه عن الغياب المؤقت للأم ويساعده على بناء الاستقلالية النفسية. وفي هذا السياق، يرى المحللون المعاصرون أن النزعة التملكية المفرطة لدى البالغين تمثل نكوصاً لاستخدام المقتنيات المادية كموضوعات انتقالية بديلة، حيث يُسقط الفرد مشاعر الأمان المفقودة في علاقاته الإنسانية المبكرة على الأشياء الجامدة، التي تتميز بأنها خاضعة لسيطرته المطلقة ولا تعرضه لمخاطر الهجر أو الخيانة أو الرفض العاطفي.
من جانبه، قدم إريك فروم (Erich Fromm) نقداً سيكوسوسيولوجياً متعمقاً لطبيعة التملك في كتابه الاستثنائي “أن تملك أو أن تكون؟” (To Have or to Be?). ميز فروم بين نمطين وجوديين متناقضين يحكمان الحياة الإنسانية: نمط الكينونة القائم على الفاعلية الحية، والنمو الداخلي، والاتصال العاطفي العميق بالعالم، ونمط التملك القائم على الرغبة في ابتلاع الأشياء وتحويل كل تجربة إلى مقتنى ثابت يخضع للسيطرة الاحتكارية. يرى فروم أن الإنسان الحديث، تحت وطأة الاغتراب المجتمعي، يعاني من فراغ داخلي حاد يدفعه لمحاولة ملء هذا الخواء النفسي بمراكمة الأشياء؛ فتغدو المعادلة الوجودية المشوهة هي: “أنا موجود بقدر ما أملك”، وبذلك تصبح النزعة التملكية آلية دفاعية نكوصية تُخفي عجز الذات عن تحقيق التحقق الوجودي الأصيل.
الأبعاد المعرفية ونظريات سمات الشخصية
في حقل علم النفس المعرفي، ارتبطت النزعة التملكية بمجموعة من التشوهات المعرفية والاستدلالات الإدراكية التي تؤثر جذرياً في تقييم الفرد للأشياء وقيمتها الذاتية. ومن أبرز هذه الظواهر ما أطلق عليه ريتشارد ثالر (Richard Thaler) وعمقه لاحقاً دانيال كانمان وأموس تفيرسكي: “تأثير التملك” (Endowment Effect). يقضي هذا التأثير بأن الأفراد يميلون إلى إعطاء قيمة أعلى بكثير للشيء بمجرد دخوله في ملكيتهم وحيازتهم مقارنة بالقيمة التي كانوا يمنحونها له قبل امتلاكه. يفسر هذا التحيز بارتباطه بمبدأ “كراهية الخسارة” (Loss Aversion)، حيث يكون الألم النفسي الناجم عن التخلي عن مقتنى معين أو فقدانه مضاعفاً مقارنة بالمتعة الناتجة عن اكتساب الشيء ذاته.
تتقاطع النزعة التملكية بشكل وثيق مع البناء النظري لسمات الشخصية، لاسيما في إطار نموذج العوامل الخمسة الكبرى للشخصية (Big Five Personality Traits):
- انخفاض المقبولية (Low Agreeableness): يرتبط الميل المفرط نحو التملك بانخفاض سمة المقبولية والتعاطف؛ حيث يتسم الأفراد شديدو التملك بالتنافسية الحادة، وتفضيل المنفعة الفردية على المصالح المشتركة، والتعامل مع الآخرين كمنافسين على الموارد المحدودة.
- ارتفاع العصابية (High Neuroticism): يؤدي عدم الاستقرار الانفعالي والقلق المزمن إلى استخدام الامتلاك كدرع واقٍ ضد تقلبات البيئة والمخاوف الذاتية؛ فالأشياء هنا تمتص التوتر وتوفر نقطة ارتكاز وهمية للسيطرة على بيئة مضطربة.
- يقظة الضمير التصلبية (Rigid Conscientiousness): عندما تقترن يقظة الضمير بنزعات كمالية ووسواسية، تتحول إلى إدارة شديدة الصرامة للمقتنيات، والحرص على عدم إتلافها أو التفريط فيها، وازدياد الاهتمام بالتفاصيل المادية المحيطة بالملكيات.
إلى جانب ذلك، قدم راسل بيلك (Russell Belk) مفهوماً مركزياً في علم نفس المستهلك هو “الذات الممتدة” (Extended Self)، مؤكداً أن المقتنيات تصبح مستودعات للذاكرة والمعنى، وأوعية حية للهوية الشخصية. فنحن لا نشتري الأشياء لخصائصها الوظيفية المجردة فقط، بل لما تمثله من صور ذهنية ترمز إلى ذواتنا المثالية، أو لإثبات نجاحنا وكفاءتنا الذاتية أمام مجتمعنا. وبذلك، فإن النزعة التملكية من المنظور المعرفي والسماتي ليست مجرد سلوك خارجي، وإنما هي ترجمة هيكلية لكيفية بناء الفرد لمفهوم ذاته ومعالجته للمعلومات المحيطة به.
الأبعاد السلوكية والاجتماعية-الثقافية: من التكيف إلى الاستهلاك المظهري
يتشكل دافع التملك بصورة حاسمة داخل سياق النظم الاجتماعية والثقافية السائدة، إذ لا يمكن فصل التعبير السلوكي عن التملك عن الثقافة الرأسمالية المعاصرة التي حولت “النزعة الاستهلاكية” (Consumerism) إلى المعيار الأساسي للنجاح والقيمة الإنسانية. في المجتمعات الفردانية الصناعية، لم يعد الاقتناء أداة لإشباع الحاجة، بل تحول إلى غاية في حد ذاته؛ حيث تضخ الآلة الإعلانية آلاف الرسائل النفسية المصممة بعناية لإثارة مشاعر الحرمان النسبي، وإيهام الفرد بنقص مستمر في هويته لا يمكن استكماله إلا بشراء المقتنى الأحدث والحصري.
هنا تبرز الأطروحة السوسيولوجية والسيكولوجية العميقة التي صاغها ثورستين فيبلين (Thorstein Veblen) حول “الاستهلاك المظهري” (Conspicuous Consumption) و”الاقتناء المظهري”. يرى فيبلين أن جزءاً وازناً من الرغبة في التملك يُحركه دافع إظهار التفوق الطبقي والمكانة المرموقة للآخرين. فامتلاك السلع الفاخرة، أو الأراضي، أو المقتنيات النادرة يعمل كشفرة بصرية للتفوق الاجتماعي والقوة الاقتصادية. والهدف النفسي العميق هنا هو استدرار التقدير والإعجاب من البيئة الاجتماعية المحيطة، وتغذية الرصيد النرجسي للفرد عبر الاستعراض المادي للملكيات التي يتعذر على السواد الأعظم الحصول عليها.
علاوة على ذلك، تلعب نظرية المقارنة الاجتماعية (Social Comparison Theory) لليون فيستنغر (Leon Festinger) دوراً حيوياً في تأجيج النزعة التملكية؛ فالأفراد يقيّمون نجاحهم ورضاهم عن حياتهم عبر مقارنة ممتلكاتهم بممتلكات الفئات المرجعية المحيطة بهم. تؤدي “المقارنة الصاعدة” (Upward Comparison) مع أولئك الذين يملكون أكثر إلى توليد مشاعر الإحباط، والحسد، والتهديد لتقدير الذات؛ مما يدفع الفرد نحو تسريع وتيرة الاقتناء في سباق محموم يُعرف بـ “حلقة التكيف اللذائذي” (Hedonic Treadmill)، حيث تتلاشى المتعة الناجمة عن أي امتلاك جديد سريعاً بمجرد اعتياده، لتعود الرغبة في اقتناء المزيد أكثر إلحاحاً من ذي قبل للحفاظ على ذات المستوى من النشوة المؤقتة.
الحدود الفاصلة بين الاقتناء التكيفي والاضطراب النفسي الإكلينيكي
يعد التمييز بين النزعة التملكية الطبيعية والباثولوجيا النفسية تحدياً إكلينيكياً بالغ الدقة؛ فالخط الفاصل يتحدد بمدى تسبب السلوك في إحداث ضائقة نفسية ملحوظة (Significant Distress) أو تعطيل وظيفي واجتماعي في حياة الفرد. عندما تفقد النزعة التملكية مرونتها وتصبح دافعاً قهرياً خارجاً عن السيطرة الإرادية، فإنها تتفرع إلى عدة اضطرابات نفسية موثقة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، وفي مقدمتها:
- اضطراب الاكتناز القهري (Hoarding Disorder): يتميز بصعوبة مستمرة في التخلص من المقتنيات أو التخلي عنها بغض النظر عن قيمتها الفعلية، نتيجة للحاجة الشديدة لإبقائها والضيق المرتبط بالتخلص منها. يؤدي هذا السلوك إلى تراكم المقتنيات وتكدسها لدرجة تعطيل استخدام الغرف ومساحات المعيشة الحيوية، مما يشكل خطراً صحياً وأمنياً داهماً.
- اضطراب الشراء القهري (Compulsive Buying Disorder): يتسم بالانشغال المفرط، غير القابل للمقاومة، بعمليات الشراء والاقتناء، واستخدام التسوق كاستجابة تكيفية غير ملائمة لتسكين المزاج السلبي، والتوتر، والقلق. يولد هذا النمط مشكلات مالية كارثية ونزاعات أسرية حادة، يعقبها شعور ساحق بالذنب والخزي فور انحسار نشوة الاقتناء.
- الاضطراب الوسواسي القهري ذو الطابع الاكتنازي (OCD with Hoarding Symptoms): حيث يقتني الفرد الأشياء أو يحتفظ بها بدوافع وسواسية صريحة، كأن يعتقد بأن كارثة ستحل بأحبائه إن تخلص من ورقة معينة أو شيء بالٍ، محاولاً عبر الاقتناء تخفيف حدة الأفكار الاقتحامية المرعبة.
توضح المعاينة الإكلينيكية المعاصرة أن النزعة التملكية المرضية ترتبط بتشوهات حادة في معالجة المعلومات؛ فالشخص المكتنز، على سبيل المثال، يعاني من مشكلات جوهرية في اتخاذ القرار، والتصنيف، واسترجاع الذاكرة، ويضفي على الممتلكات قيمة عاطفية متطرفة، معتبراً أن فقدان الشيء يوازي فقدان جزء لا يتجزأ من ذكرياته أو كيانه الشخصي. ومن هنا يتبين أن السلوك التملكي المنحرف لا يمثل مجرد إسراف أو سوء تدبير، بل هو انعكاس لخلل عميق في المنظومة الإدراكية والانفعالية تتطلب تدخلاً علاجياً متخصصاً ومتكاملاً.
استراتيجيات التقييم والتدخل النفسي للنزعات التملكية المفرطة
يتطلب تقييم النزعة التملكية في العيادة النفسية استخدام أدوات سيكومترية دقيقة لتمييز الدوافع الكامنة وفحص شدة التدخل السلوكي؛ وتشمل هذه الأدوات مقاييس مقننة مثل مقياس القيم المادية (Material Values Scale – MVS) لمارك ريتشينز وسكوت داوسون، والذي يقيس مدى إدراك الفرد للتملك بوصفه مركزاً للحياة ومصدراً أساسياً للسعادة، إضافة إلى مقياس الاكتناز المتخصص (Saving Inventory-Revised – SI-R)، ومقاييس تقييم الاقتناء القهري (Compulsive Acquisition Scale).
فيما يتعلق بالعلاج والتدخل النفسي، أثبت العلاج المعرفي السلوكي (CBT) فاعلية مميزة، لا سيما البروتوكولات المصممة خصيصاً لاضطرابات الاقتناء والاكتناز التي طورها جيل فروست وتامار ستيكيتي (Frost & Steketee). يرتكز هذا التدخل على عدة محاور استراتيجية:
- إعادة الهيكلة المعرفية (Cognitive Restructuring): تفكيك المعتقدات غير العقلانية المرتبطة بامتلاك الأشياء، مثل الاعتقاد بالمسؤولية الأخلاقية عن النفايات، أو الخوف المبالغ فيه من الحاجة المستقبلية للشيء، أو المماهاة الوجدانية بين المقتنى والشخص المرتبط به.
- التعريض ومنع الاستجابة (Exposure and Response Prevention): تعريض المريض لمواقف تدفعه لشراء أو اقتناء الأشياء (مثل المتاجر أو الأسواق) وتدريبه على مغادرة المكان دون حيازة أي غرض، والتدريب على ممارسة التخلص التدريجي من الممتلكات ومراقبة تراجع القلق ذاتياً دون اللجوء لسلوك الاحتفاظ.
- التدريب على مهارات اتخاذ القرار والتنظيم: تزويد الفرد باستراتيجيات معرفية واضحة ومحددة لتصنيف المقتنيات، والفرز، وإدارة المساحات الحياتية والتنظيم الفعال للبيئة المنزلية.
إلى جانب ذلك، يسهم العلاج بالقبول والالتزام (ACT) في مساعدة الأفراد على إعادة توجيه طاقاتهم نحو قيمهم الحياتية الأصيلة بدلاً من الهوس بالممتلكات الخارجية. يركز هذا النهج على بناء المرونة النفسية، وتقبل مشاعر النقص أو التوتر دون الهروب منها إلى الاقتناء التعويضي، والانتقال الواعي من ثقافة “التملك المادي” إلى ثقافة “الكينونة والارتباط الإنساني القويم”؛ مما يحرر الفرد من عبودية الأشياء ويعيد دمج ذاته في إطار نفسي واجتماعي صحي ومتوازن.
خاتمة استشرافية: التملك في العصر الرقمي
في الختام، يظهر بجلاء أن النزعة التملكية تمثل ظاهرة سيكولوجية مركبة تمتد بجذورها من الغرائز التطورية الضرورية لحفظ النوع، لتتشابك مع الصراعات اللاشعورية للبنية النفسية، وتتجلى عبر أنماط سلوكية تصقلها التنشئة الثقافية وقيم المجتمع الاستهلاكي. وبينما وفر التملك للإنسان عبر العصور وسائل الاستقرار والأمان المادي والرمزي، فإن انفلات هذا الدافع يجرده من أبعاده الإنسانية ليحوله إلى سجن نفسي يفضي إلى الاكتناز والقلق القهري.
ومع التحول المعاصر نحو الفضاءات الافتراضية، تشهد النزعة التملكية تحولاً جذرياً نحو “الاقتناء الرقمي” (Digital Acquisitiveness)؛ حيث لم تعد حيازة الموارد قاصرة على الأجسام الصلبة، بل امتدت لتشمل تجميع آلاف الملفات والبيانات، وشراء الأصول الافتراضية والرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs). إن هذا الانتقال يبرهن على أن جوهر التملك لا ينبع من المادة في ذاتها، بل هو نزوع داخلي عميق في الوعي البشري نحو الامتداد، والخلود، والسيطرة؛ مما يستدعي استمرار البحث السيكولوجي لفهم مآلات هذا الدافع في تشكيل مستقبل النفس البشرية وإعادة صياغة علاقتها بذاتها وبالعالم المحيط بها.
المراجع
- جيمس، وليم. (1890). مبادئ علم النفس. نيويورك: دار هنري هولت وشركاه. [James, W. (1890). The Principles of Psychology. New York: Henry Holt and Company].
- فروم، إريك. (1976). أن تملك أو أن تكون؟. نيويورك: دار هاربر آند رو. [Fromm, E. (1976). To Have or to Be?. New York: Harper & Row].
- فرويد، سيغموند. (1908). الطابع والأيروسية الشرجية. الأرشيف النفسي التحليلي الدولي، 2(4)، 241-248. [Freud, S. (1908). Character and anal erotism. International Psychoanalytic Archive, 2(4), 241-248].
- كانمان، دانيال، وتفيرسكي، أموس. (1979). نظرية الاحتمال: تحليل للقرار تحت المخاطرة. إيكونوميتريكا، 47(2)، 263-291. [Kahneman, D., & Tversky, A. (1979). Prospect theory: An analysis of decision under risk. Econometrica, 47(2), 263-291].
- بيلك، راسل. (1988). الممتلكات والذات الممتدة. مجلة أبحاث المستهلك، 15(2)، 139-168. [Belk, R. W. (1988). Possessions and the extended self. Journal of Consumer Research, 15(2), 139-168].
- فروست، راندي، وستيكيتي، تامار. (2010). مدفون تحت الأغراض: الاكتناز القهري ومعنى الأشياء. بوسطن: هوتون ميفلين هاركورت. [Frost, R. O., & Steketee, G. (2010). Stuff: Compulsive hoarding and the meaning of things. Boston: Houghton Mifflin Harcourt].
- ريتشينز، مارك، وداوسون، سكوت. (1992). مقياس التوجه الاستهلاكي وتطوير مقاييس المادية. مجلة أبحاث المستهلك، 19(3)، 303-316. [Richins, M. L., & Dawson, S. (1992). A consumer values orientation for materialism and its measurement. Journal of Consumer Research, 19(3), 303-316].
- باس، ديفيد. (2019). علم النفس التطوري: العلم الجديد للعقل (الطبعة السادسة). نيويورك: روتليدج. [Buss, D. M. (2019). Evolutionary psychology: The new science of the mind (6th ed.). New York: Routledge].
- الجمعية الأمريكية للطب النفسي. (2013). الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (الطبعة الخامسة). واشنطن العاصمة: منشورات الجمعية الأمريكية للطب النفسي. [American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). Washington, DC: American Psychiatric Publishing].