تمثل دافعية الكينونة (B-motivation أو Being-motivation)، والمعروفة أيضاً بالدافعية الفوقية (Metamotivation)، إحدى الركائز الفلسفية والنظرية الأكثر عمقاً في إطار علم النفس الإنساني الذي أسسه المفكر الأمريكي أبراهام ماسلو. تعبر هذه الدافعية عن نمط متقدم وفريد من الحراك الداخلي للإنسان، حيث يتجاوز الفرد مجرد إشباع النواقص والاحتياجات البيولوجية أو النفسية الأساسية، لينخرط في سعي دؤوب نحو النمو الذاتي الخالص، وتجربة الوجود في أبهى صوره الروحية والإبداعية والمعرفية. إن فهم دافعية الكينونة يفتح آفاقاً رحبة لإعادة تفسير الطبيعة البشرية من منظور الإمكانات العليا بدلاً من قصرها على نماذج العجز والاضطراب.
التعريف المفاهيمي والأصول النظرية لدافعية الكينونة
تُعرَّف دافعية الكينونة اصطلاحاً بأنها القوة الدافعة الداخلية التي تسير سلوك الفرد وتوجه إدراكه نحو تحقيق الإمكانات الكامنة وغايات الوجود الجوهرية، دون أن تكون مدفوعة برغبة ملحة في سد نقص أو تعويض حرمان. صاغ عالم النفس الشهير أبراهام ماسلو هذا المصطلح ليميز بدقة متناهية بين مستويين متباينين تماماً من الدوافع البشرية: الدوافع الناشئة عن العجز والحاجة من جهة، والدوافع المنبثقة من فيض الكينونة والامتلاء الوجودي من جهة أخرى. في هذا السياق، لا يعود السلوك البشري وسيلة موجهة لتحقيق غاية استهلاكية خارجية، بل يغدو السلوك في حد ذاته تجسيداً لقيمة داخلية مكتملة ومستقلة بذاتها.
تنبثق دافعية الكينونة في الأدبيات السيكولوجية عندما يبلغ الفرد مرحلة متقدمة من الاستقرار الداخلي عبر الإشباع النسبي للحاجات القاعدية الواردة في هرم ماسلو الشهير، مثل الحاجات الفسيولوجية، وحاجات الأمان، والانتماء، وتقدير الذات. عند بلوغ هذا المنعطف النمائي، يتحول الفرد من وضعية “السعي لامتلاك ما ينقصه” إلى وضعية “التعبير عما هو كائن فيه بالفعل”. وبناءً على ذلك، فإن دافعية الكينونة لا تعمل بمبدأ خفض التوتر أو استعادة التوازن الداخلي الاستتبابي (Homeostasis)، بل تعمل وفق مبدأ توسيع التوتر الخلاق، والبحث عن مستويات أعلى من التعقيد والتكامل النفسي.
يرتبط هذا المفهوم ارتباطاً وثيقاً بمفهوم تحقيق الذات (Self-Actualization)، ولكنه يذهب أبعد من ذلك في تحليل البنية الديناميكية للشخصية المحققة لذاتها. فبينما يصف تحقيق الذات حالة الفرد ومسار نضجه الإجمالي، تشرح دافعية الكينونة المحرك الباطني الدقيق والوعي الإدراكي المصاحب لهذه الحالة. إن الشخص الخاضع لدافعية الكينونة يتعامل مع نشاطاته وأهدافه لا كأدوات لبلوغ مكاسب نفعية، بل كتعبيرات عفوية عن جوهره الإنساني الأصيل، مما يجعل سلوكياته تتسم بالاستقلالية العالية عن التقييمات الخارجية والضغوط المجتمعية العابرة.
السياق الفكري والتاريخي لظهور المفهوم
جاء ابتكار مفهوم دافعية الكينونة في منتصف القرن العشرين كرد فعل علمي وفلسفي صريح على الهيمنة الثنائية التي فرضتها كل من المدرسة الفرويدية للتحليل النفسي والمدرسة السلوكية الراديكالية. رأى ماسلو وزملاؤه في حركة القوة الثالثة (علم النفس الإنساني) أن التحليل النفسي الكلاسيكي ركز تركيزاً مرضياً مفرطاً على العصاب، والمكبوتات، والصراعات الغريزية الناشئة عن مبدأ اللذة وتجنب الألم، مما جعل تصوره للإنسان محصوراً في صورة كائن مدفوع بالدفاع والتعويض. في المقابل، نظرت السلوكية إلى الإنسان كآلة تستجيب للمثيرات الخارجية وتسعى خلف التعزيزات المادية وتجنب العقاب وفق قوانين الإشراط الآلي.
رفض ماسلو كلا التصورين واعتبرهما قاصرين عن الإحاطة بالأبعاد الراقية للشخصية السوية والمزدهرة. فالتاريخ الإنساني يزخر بشواهد لأفراد استمروا في الإبداع والعطاء والتضحية حتى في ظل غياب المكافآت الخارجية أو وجود تحديات بيئية بالغة القسوة. ومن هذا المنطلق الفلسفي، تأثر ماسلو بالوجودية الفلسفية، وتحديداً بأطروحات مارتن هايدغر وجان بول سارتر حول ماهية الوجود الإنساني والكينونة في العالم (Dasein)، بالإضافة إلى أفكار الفيلسوف باروخ سبينوزا حول النزوع الجوهري للشيء نحو الحفاظ على كينونته وتطويرها.
شهدت ستينيات القرن العشرين النضج التام لهذه الرؤية الإنسانية مع نشر ماسلو لكتابه المفصلي “نحو سيكولوجية الكينونة” (Toward a Psychology of Being) في عام 1962، تلاه كتاب “أبعد من حدود الطبيعة البشرية” (The Farther Reaches of Human Nature) في عام 1971. شكّلت هذه الأعمال تدشيناً رسمياً لفرع علم النفس ما وراء الشخصي (Transpersonal Psychology)، حيث لم تعد دافعية الكينونة مجرد دافع فردي، بل أصبحت بمثابة جسر يربط الذات الفردية بالقيم الكونية والشمولية التي تتجاوز حدود الأنا الضيقة.
التمييز الجوهري بين دافعية الكينونة (B-Motivation) ودافعية العوز (D-Motivation)
يمثل التباين بين دافعية الكينونة (B-motivation) ودافعية العوز أو النقص (Deficiency-motivation أو D-motivation) جوهر النظرية الدافعية عند ماسلو. دافعية العوز تنطلق من إحساس الفرد بالفراغ أو الحرمان في مجال معين؛ فعلى سبيل المثال، يدفع الجوع البيولوجي الفرد إلى البحث عن الطعام لتهدئة الأمعاء، ويدفع الخوف من العزلة الشخص إلى طلب الصداقة طلباً للأمان العاطفي. في هذه الحالة، تتسم الدوافع بكونها نفعية واختزالية، حيث يُنظر إلى الأشخاص والموضوعات في البيئة بوصفها مجرد وسائل إشباع تلبي الحاجة الملحة وتخفف التوتر النفسي المزعج.
في المقابل، تتميز دافعية الكينونة بأنها تنشأ من الامتلاء لا من الفراغ، ومن القوة لا من الضعف. عندما يتصرف الإنسان بدافع الكينونة، فإنه لا يسعى لإنهاء حالة توتر غير مريحة، بل يسعى لتجربة الفعل ذاته والاستمتاع بمساره الداخلي. إن حب المعرفة في سياق دافعية العوز يكون بدافع نيل شهادة دراسية أو كسب اعتراف اجتماعي يحمي الأنا من مشاعر النقص، في حين يتجلى حب المعرفة تحت مظلة دافعية الكينونة في الشغف المطلق باستكشاف الحقيقة والاندهاش أمام أسرار الكون لذاتها، بصرف النظر عن أي مكاسب وظيفية أو سمعة شخصية.
ينعكس هذا التمايز أيضاً على طبيعة العلاقات الإنسانية؛ إذ يميز ماسلو بين “حب النقص” (D-Love) و”حب الكينونة” (B-Love). يُعرّف حب النقص بأنه تعلق قائم على المنفعة التبادلية والحاجة العاطفية، حيث يحب الشخص شريكه لأنه يقدم له الرعاية أو الدعم أو الشعور بالأمان، وهو حب ينطوي في الغالب على القلق والتملك والغيرة. بينما يُعد حب الكينونة حباً غير مشروط، يتأمل فيه المحب كينونة المحبوب المستقلة بجمالها وكمالها وعيوبها دون أي رغبة في استغلاله أو تطويعه لتلبية حاجاته النفسية الذاتية، مما يجعله نمطاً من الحب المتسامي والغني بالتفاهم العميق.
قيم الكينونة (B-Values) بوصفها محددات سلوكية
تستند دافعية الكينونة إلى منظومة معيارية وسيكولوجية تتألف مما أطلق عليه ماسلو “قيم الكينونة” (Being-Values أو B-Values)، وهي الغايات النهائية المتأصلة في الطبيعة البشرية التي ينشدها الإنسان المحقق لذاته. هذه القيم لا تمثل واجبات مفروضة من الخارج أو قواعد أخلاقية قسرية، بل هي حاجات نمائية فطرية تصبح ذات جاذبية قصوى عندما تتسامى الشخصية فوق مستوى دافعية العوز. تشمل قيم الكينونة قائمة غنية من المعاني الجوهرية التي تفسر عمق السلوك البشري الراقي:
- الحقيقة (Truth): الرغبة الخالصة في إدراك الواقع كما هو بصدق وشفافية، والابتعاد عن التزييف والادعاء والوهم.
- الخير والجمال (Goodness and Beauty): النزوع التلقائي نحو تعزيز العدالة والأخلاق الفاضلة، والانجذاب العميق للتناسق والنظام والتعبيرات الجمالية الراقية في الطبيعة والفنون.
- الوحدة والشمولية (Wholeness): إدراك الترابط العضوي بين جميع عناصر الوجود، والميل نحو التكامل الداخلي وتجاوز التناقضات السطحية.
- الحيوية والعفوية (Aliveness and Spontaneity): التدفق الحر للطاقة النفسية، وعيش اللحظة بمرونة وانفتاح كامل دون تصلب دفاعي.
- التفرد والكمال (Uniqueness and Perfection): احترام الخصوصية الفردية والميل نحو إتقان الأعمال والوصول بها إلى أفضل حالاتها الممكنة.
- البساطة والاستغناء الذاتي (Simplicity and Self-Sufficiency): الميل إلى التجرد من التعقيدات المصطنعة، والاعتماد على المركزية الداخلية في توجيه الحياة.
يرى ماسلو أن حرمان الإنسان من تحقيق هذه القيم العليا لا يمر دون أثر سلبي على بنية الشخصية، بل يؤدي إلى ظهور نمط من الاضطراب أطلق عليه اسم “الأمراض الفوقية” (Metapathologies). عندما يعيش الفرد في بيئة يسودها الزيف والظلم والقبح والفوضى، وتُعاق دافعية الكينونة لديه عن النماء، فإنه يصاب بحالة من الاغتراب الوجودي، واللامبالاة، واليأس، وفقدان المعنى، والسخرية الهدامة (Cynicism)، مما يؤكد أن دافعية الكينونة وقيمها ليست كماليات ترفيهية بل متطلبات جوهرية للصحة النفسية الكاملة.
الإدراك الكيني (B-Cognition) وتجارب الذروة
تفرز دافعية الكينونة نمطاً معرفياً خاصاً أطلق عليه ماسلو اسم “الإدراك الكيني” أو “إدراك الكينونة” (Being-Cognition أو B-Cognition). يختلف هذا النمط المعرفي اختلافاً جذرياً عن الإدراك القائم على العوز (D-Cognition)، والذي يتميز بأنه إدراك انتقائي، حكمي، وبراغماتي؛ فالشخص الجائع لا يرى في البيئة سوى ما يمكن أكله، والشخص القلق لا يرى إلا مصادر التهديد. أما الإدراك الكيني، فهو إدراك كلي، متقبل، وموضوعي إلى أقصى الحدود، حيث يتأمل الفرد الموضوع أو الظاهرة في كليتها وتفردها دون إسقاط رغباته أو مخاوفه الشخصية عليها.
يرتبط الإدراك الكيني بأعلى مستويات التجربة الإنسانية المتمثلة في ما يسمى تجارب الذروة (Peak Experiences). هذه التجارب هي ومضات من المشاعر الوجدانية الغامرة والنشوة الصافية، يشعر خلالها الفرد بأنه متوحد تماماً مع الكون، وبأن حدود الزمان والمكان قد تلاشت، وأن الوجود مبرر ومقدس بذاته. أثناء تجربة الذروة، تنشط دافعية الكينونة بأعلى كفاءة ممكنة؛ إذ يختبر الإنسان معنى الرضا المطلق والسكينة العميقة التي لا يعقبها خوف أو رغبة أنانية.
تترك تجارب الذروة الموجهة بدافعية الكينونة آثاراً علاجية وتحولية بعيدة المدى على بنية الشخصية. فهي تحرر الفرد من التمركز الضيق حول الأنا، وتكسبه قدراً هائلاً من التواضع المعرفي والامتنان الوجودي، كما تغير نظرته تجاه ذاته وتجاه الآخرين. يصبح الفرد بعد هذه التجارب أكثر شجاعة في مواجهة تحديات الحياة، وأكثر قدرة على تحمل الغموض والتناقضات، متسلحاً برؤية باطنية راسخة بأن للوجود غاية وقيمة لا تدحضها تقلبات الظروف الخارجية المؤقتة.
السمات السلوكية للأفراد المسيرين بدافعية الكينونة
أجرى أبراهام ماسلو دراسات وصفية ونوعية مكثفة على عينات من الشخصيات التاريخية والمعاصرة التي تميزت بتحقيقها الاستثنائي لذاتها ولدافعية الكينونة، مثل ألبرت أينشتاين، وإليانور روزفلت، وباروخ سبينوزا. أسفرت هذه الدراسات عن استخلاص مجموعة متماسكة من السمات السلوكية والنفسية التي تميز أولئك الذين تحركهم دافعية الكينونة بصفة مستمرة ودائمة:
- الكفاءة العالية في إدراك الواقع: امتلاك بصيرة نافذة تكتشف التناقضات والزيف، وقدرة استثنائية على الحكم الصائب على المواقف والأشخاص دون تشويه معرفي ناشئ عن الأهواء الشخصية.
- التقبل التام للذات والآخرين والطبيعة: غياب مشاعر الخزي أو الذنب المفتعل؛ حيث يتقبل هؤلاء الأفراد نقاط ضعفهم البشرية ونقائص غيرهم كما يتقبلون تقلبات الطبيعة دون تذمر عقيم.
- العفوية والبساطة والأصالة: التصرف بنزاهة وتلقائية متحررة من التصنع والمظاهر، مع مراعاة الأعراف الاجتماعية العامة طالما أنها لا تتصادم مع المبادئ الأخلاقية الأساسية.
- التمركز حول المشكلات الخارجية: توجيه الطاقات نحو قضايا عامة، أو مهام كبرى، أو رسائل فلسفية وإنسانية تتجاوز مكاسب الأنا الفردية ومصالحها الضيقة.
- الحاجة إلى الخلوة والاستقلالية: الاستمتاع بالعزلة الإيجابية والانفراد بالذات دون الشعور بالوحشة، مما يمنحهم قدراً عالياً من الحصانة ضد التبعية الاجتماعية أو الإملاءات الجمعية.
- المشاعر الإنسانية الشاملة (Gemeinschaftsgefühl): امتلاك تعاطف عميق وشعور بالأخوة العالمية والتضامن الوثيق مع الجنس البشري بأسره، رغم الوعي بأخطاء البشر وعثراتهم.
تتيح هذه السمات للأفراد الموجهين بدافعية الكينونة امتلاك حس دعابة فريد وفلسفي لا يقوم على السخرية المؤذية أو الحط من شأن الآخرين، بل يركز على المفارقات الطريفة للوجود البشري. علاوة على ذلك، يتميز هؤلاء بقدرة إبداعية ابتكارية عالية تفيض في مختلف شؤون حياتهم اليومية، بحيث تصبح حتى المهام العادية مجالاً لإضفاء لمسات من التجديد والتعبير الفردي الخلاق.
التطبيقات الإكلينيكية والتربوية والتنظيمية
يمتد تأثير نظرية دافعية الكينونة عميقاً في فضاء الممارسات النفسية التطبيقية. في السياق الإكلينيكي والعلاجي، وضعت دافعية الكينونة الأساس لظهور العلاج النفسي الوجودي والتحليلي الإنساني؛ حيث لا يقتصر هدف المعالج على تخفيف أعراض القلق أو الاكتئاب (إشباع دافعية العوز)، بل يسعى بالأساس إلى مساعدة العميل على اكتشاف إمكاناته الأصيلة، وتفعيل نزوع الكينونة الكامن لديه، والتغلب على الأمراض الفوقية المرتبطة بفقدان الغاية والمعنى في الحياة العصرية.
أما في المجال التربوي والتعليمي، فإن الانتقال من نموذج التعلم القائم على دافعية العوز (الدرجات، الامتحانات، تجنب العقاب المدرسي) إلى نموذج دافعية الكينونة يعني إعادة هيكلة العملية التعليمية بأكملها. ينادي المنظور الإنساني بضرورة خلق بيئات تعليمية تغرس لدى الطلاب “حب الاستطلاع الداخلي” والدهشة المعرفية بدلاً من التنافس المقلق. يصبح التعليم في هذا الإطار وسيلة لإيقاظ الإمكانات الإنسانية الفطرية، وتنمية الحس الجمالي، وبناء شخصيات متزنة قادرة على التفكير النقدي المستقل والشعور بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية.
وفي سياق الإدارة والسلوك التنظيمي، أحدث مفهوم دافعية الكينونة ثورة حقيقية في نماذج القيادة وإدارة الموارد البشرية. فالمؤسسات التي تستند إلى فهم متعمق لدافعية الكينونة لا تعتمد حصرياً على الحوافز المالية والمكافآت الخارجية (دوافع النقص) لدفع موظفيها، بل تسعى إلى إيجاد بيئة عمل محفزة تمكّن الأفراد من تحقيق ذواتهم، وتمنحهم الاستقلالية المهنية، وتشركهم في أهداف ورؤى مؤسسية كبرى ذات بعد مجتمعي وقيمي أصيل، مما يعزز الرضا الوظيفي والابتكار المؤسسي المستدام.
الانتقادات العلمية والأبحاث المعاصرة
على الرغم من الأثر الإيجابي البالغ لنظرية دافعية الكينونة، إلا أنها واجهت انتقادات منهجية ونظرية من قِبل علماء النفس التجريبي والوضعي. تمحور النقد الأساسي حول الصعوبات المنهجية المتعلقة بالقياس الكمي والإجرائي لمفاهيم مثل “قيم الكينونة” و”الإدراك الكيني”؛ إذ اعتمد ماسلو في أبحاثه الأولى على دراسات حالة نوعية غير معيرة إحصائياً، مما جعل بعض الباحثين يعتبرون أطروحاته أقرب إلى التأملات الفلسفية والتنظير الأخلاقي منها إلى الفرضيات العلمية القابلة للدحض والاختبار التجريبي الصارم.
كما جادل نقاد آخرون، خصوصاً من منظور علم النفس الثقافي، بأن النموذج الذي طرحه ماسلو يعكس تحيزاً واضحاً للثقافة الغربية الفردية؛ حيث يتم التركيز على الاستقلالية وتحقيق الذات الفردية كقمة للتطور النفسي، بينما قد تضع الثقافات الجمعية (مثل الثقافات الشرقية) الترابط الأسري، والواجب الاجتماعي، والتناغم الجماعي في مرتبة تعلو التعبير الفردي عن الكينونة. ومع ذلك، رد المدافعون عن النظرية بأن قيم الكينونة مثل الحق والخير والجمال هي قيم عالمية عابرة للثقافات ولا تختص بمجتمع دون غيره.
في العصر الراهن، تشهد دافعية الكينونة إعادة إحياء علمية وتجريبية من خلال أبحاث علم النفس الإيجابي الذي أسسه مارتن سليغمان وميهالي تشيكسينتميهالي. يبرز مفهوم “التدفق النفسي” (Flow) كتطبيق معاصر ومقاس إمبريقياً لخبرة الاندماج الكامل التي وصفتها دافعية الكينونة سابقاً. كما قدمت نظريات حديثة مثل “نظرية تقرير المصير” (Self-Determination Theory) لإدوارد ديسي وريتشارد رايان براهين تجريبية قوية تدعم فكرة أن الدوافع الذاتية الجوهرية (Intrinsic Motivation) تمثل أعلى مستويات الصحة النفسية والإنتاجية الإنسانية، وهو ما يتقاطع بدقة متناهية مع جوهر أطروحة دافعية الكينونة.
خاتمة
تمثل دافعية الكينونة (B-motivation) صرحاً نظرياً استثنائياً نجح في إعادة الاعتبار للأبعاد الروحية والسامية في الطبيعة الإنسانية داخل حقل علم النفس العلمي. من خلال الانتقال الجريء من سيكولوجية النقص والحرمان إلى سيكولوجية الامتلاء والنمو، أضاء أبراهام ماسلو الطريق لفهم كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز حدوده البيولوجية والأنوية ليصبح كائناً تحركه مبادئ الحقيقة والخير والجمال. إن دافعية الكينونة تظل حتى اليوم دليلاً ملهماً يذكر الإنسانية بأن ذروة التطور النفسي لا تكمن في امتلاك الأشياء والسيطرة عليها، بل في تجربة الوجود بوعي، والارتقاء المتواصل نحو الكمال الإنساني المشترك.
المراجع
- Maslow, A. H. (1962). Toward a Psychology of Being. D. Van Nostrand Company.
- Maslow, A. H. (1970). Motivation and Personality (2nd ed.). Harper & Row.
- Maslow, A. H. (1971). The Farther Reaches of Human Nature. Viking Press.
- Deci, E. L., & Ryan, R. M. (2000). The “What” and “Why” of Goal Pursuits: Human Needs and the Self-Determination of Behavior. Psychological Inquiry, 11(4), 227-268.
- Csikszentmihalyi, M. (1990). Flow: The Psychology of Optimal Experience. Harper & Row.
- Kaufman, S. B. (2020). Transcend: The New Science of Self-Actualization. TarcherPerigee.
- Hoffman, E. (1988). The Right to Be Human: A Biography of Abraham Maslow. Jeremy P. Tarcher, Inc.