علم النفس السريريعلم نفس الفقد والحداد

مرحلة المساومة في علم النفس: المفهوم، الديناميات الإكلينيكية، والأبعاد العلاجية

مقال أكاديمي موسع يتناول مرحلة المساومة في نموذج كوبلر-روس للحداد، محللاً آلياتها الدفاعية كالتفكير السحري والتحكم الوهمي، ومظاهرها السلوكية واللغوية، وأساليب التعامل الإكلينيكي معها.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 28 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 28 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل تجربة الفقد والحداد الإنساني واحدة من أشد الأزمات الوجودية والوجدانية تعقيداً في مسار الحياة البشرية، حيث تضع الفرد في مواجهة مباشرة مع حتمية التغير وعجزه الذاتي أمام النهايات الحتمية. في هذا الفضاء النفسي المشحون بالاضطراب، تبرز مرحلة المساومة (Bargaining Stage) بوصفها محطة دفاعية بالغة الدقة يحاول فيها الجهاز النفسي استعادة السيطرة المفقودة وإعادة كتابة الواقع المأساوي عبر آليات تفاوضية معقدة. إن هذه المرحلة ليست مجرد خطوة عابرة ضمن مراحل الحزن، بل هي بنية نفسية متكاملة تتداخل فيها الهواجس العقلانية مع التفكير الوجداني البدائي في محاولة بائسة لتفادي الألم الساحق.

الإطار النظري والتأصيل التاريخي لمرحلة المساومة

تعود الجذور المعرفية لمفهوم مرحلة المساومة إلى النموذج الرائد الذي صاغته الطبيبة النفسية السويسرية الأمريكية إليزابيث كوبلر-روس في كتابها التأسيسي الصادر عام 1969 بعنوان «عن الموت والاحتضار» (On Death and Dying). انطلقت كوبلر-روس من ملاحظاتها الإكلينيكية المباشرة للمرضى الميؤوس من شفائهم، حيث لاحظت أن الأفراد بعد استنفاد آليات الإنكار الأولية وموجات الغضب العارم، يلجأون إلى نسق سلوكي ووجداني يتسم بمحاولة عقد صفقات غير مرئية لتأجيل المحتوم أو التخفيف من وطأته. شكل هذا النموذج لاحقاً حجر الزاوية في فهم سيكولوجية الفقد، وامتد من سياق الاحتضار العضوي ليشمل مختلف أشكال الخسائر الإنسانية الفادحة كالطلاق، وفقدان الوظيفة، والصدمات الوجودية.

في الطرح الكلاسيكي لكوبلر-روس، تم تأطير المساومة باعتبارها محاولة قصيرة الأمد لطلب الهدنة، حيث يسعى الفرد إلى استرضاء قوة عليا أو القدر أو حتى الكوادر الطبية مقابل منحة زمنية إضافية أو زوال التهديد. تفترض النظرية أن هذه المرحلة تعقب مرحلة الغضب، حيث يدرك المريض أن الصدام المباشر والصراخ ضد القدر لا يجدي نفعاً، مما يدفعه إلى تحويل طاقته النفسية من الهجوم الخارجي إلى الدبلوماسية الذاتية. وتعد المساومة في هذا السياق بمثابة مسعى استباقي يائس لتطويع الواقع عبر التعهد بالتغيير السلوكي والأخلاقي الشامل.

ومع تطور البحث السيكولوجي خلال العقود اللاحقة، خضع مفهوم المساومة لتوسعات نظرية ملحوظة، لا سيما مع دمج مفاهيم علم النفس المعرفي والتحليل النفسي المعاصر. لم يعد يُنظر إلى المساومة على أنها مجرد مرحلة زمنية خطية جامدة، بل تم تعريفها كحالة نفسية ديناميكية متكررة تعكس استجابة تكيفية مؤقتة تهدف إلى حماية الأنا من الانهيار العصبي أمام وطأة الحقيقة المجردة. يرى علماء النفس المعاصرون أن المساومة تجسد الصراع الوجودي الأعمق بين رغبة الإنسان الغريزية في البقاء والاستمرارية وبين حتمية الفناء والهشاشة البشرية.

علاوة على ذلك، أظهرت الدراسات المقارنة أن مرحلة المساومة تشترك في جذورها مع العديد من الطقوس الأنثروبولوجية والدينية القديمة، حيث كان الإنسان عبر التاريخ يقدم القرابين والنذور للقوى الغيبية بهدف درء الكوارث وشفاء الأمراض. يعزز هذا البعد فرضية أن المساومة تمثل استجابة تطورية متأصلة في البنية المعرفية للبشر، إذ يسعى العقل الجمعي إلى فرض نظام سببي وهمي على أحداث كونية تتسم بالعشوائية والغموض، مما يتيح للإنسان فرصة لالتقاط أنفاسه النفسية قبل مواجهة حتمية الخسارة.

الديناميات النفسية والآليات الدفاعية الكامنة في المساومة

تستند مرحلة المساومة في جوهرها التحليلي إلى مجموعة معقدة من الحيل الدفاعية النفسية اللاشعورية التي ينشطها العقل للتخفيف من حدة القلق الكارثي. يأتي في مقدمة هذه الآليات ظاهرة «التفكير السحري» (Magical Thinking)، وهي سمة إدراكية ارتدادية يفترض فيها الفرد وجود علاقة سببية مباشرة بين أفكاره ومشاعره ونوازعه الباطنية وبين الأحداث المادية الخارجية. يعتقد الشخص في هذه الحالة أن تقديم وعد بتعديل سلوكه، أو الالتزام بنمط ديني متشدد، أو التخلي عن ملذات معينة، يملك قدرة خارقة على تغيير التقارير الطبية أو إعادة شريك الحياة المنفصل أو إحياء فرصة ضائعة.

ترتبط المساومة أيضاً بآلية «التحكم الوهمي» (Illusion of Control)، حيث يختبر الفرد رعباً وجودياً لا يطاق نتيجة شعوره بالعجز التام أمام المصير. لمقاومة هذا الشعور المدمر، يصطنع الجهاز المعرفي سيناريوهات افتراضية تجعل الفرد يشعر بأنه ما زال يمتلك زمام المبادرة والقدرة على إدارة مسار الأزمة. يتجلى ذلك في التفكير الاجتراري المتمحور حول صيغ الفرضيات المشروطة، مثل: «لو أنني فعلت كذا لما حدث هذا»، أو «إذا قمت بهذا العمل الصالح اليوم فسوف تتحسن النتائج غداً»، وهو ما يمنح الأنا شعوراً زائفاً بالأمان والفاعلية المؤقتة.

تحت السطح التفاوضي الهادئ للمساومة، يقبع دائماً منبع متدفق من مشاعر الذنب واللوم الذاتي الهدام. في كثير من الحالات السريرية، تكون المساومة في حقيقتها محاولة للتكفير عن أخطاء حقيقية أو متخيلة ارتكبها الفرد في الماضي تجاه موضوع الفقد. يفترض المريض أو الثاكل لا شعورياً أن المصيبة التي حلت به ليست سوى عقاب مستحق على تقصير أخلاقي أو إهمال شخصي، ومن ثم يوجه مفاوضاته نحو التكفير وطلب المغفرة المشروطة، ظناً منه أن استعادة براءته الأخلاقية ستلغي بالضرورة العقوبة الماثلة أمامه.

من زاوية التحليل النفسي الفرويدي والنيوفرويدي، يمكن تفسير المساومة على أنها شكل من أشكال «النكوص» (Regression) إلى المراحل النمائية المبكرة التي يتعامل فيها الطفل مع العالم من منظور الصفقات المشروطة مع الوالدين للحصول على الرضا وتجنب العقاب. يرتد الراشد في أوقات الكوارث إلى هذا الموقف الطفولي غير المكتمل، محاولاً استجداء تعاطف السلطة الكونية أو القدر، معتقداً أن «كونه ولداً صالحاً» سيكفي لرفع الألم ووقف عجلة الفقد المحتوم عن الدوران.

الأنماط السلوكية والتعبيرات اللغوية الشائعة

تتميز مرحلة المساومة بحمولة لغوية ونبرة تعبيرية خاصة تعكس التمزق الداخلي للفرد بين التصديق والإنكار. تعد عبارات مثل «ماذا لو» (What if) و«لو أنني فقط» (If only) العلامات الفارقة الأكثر شيوعاً في الخطاب اللغوي للثاكل أو المريض. يكرر الأفراد استرجاع تفاصيل الماضي القريب والبعيد بدقة وسواسية، محاولين تفكيك اللحظات السابقة لوقوع الكارثة: «لو أنني أخذته إلى الطبيب قبل أسبوع»، «لو أنني لم أقل تلك الكلمة الجارحة»، أو «ماذا لو قمنا بتغيير المستشفى في تلك اللحظة». هذا الاجترار اللغوي يعبر بوضوح عن الرغبة المستحيلة في إعادة ترتيب الزمن وتغيير المعطيات البدائية للواقع.

على الصعيد السلوكي العملي، تتجسد المساومة في أنماط متباينة تعتمد على الخلفية الثقافية والمعرفية للفرد:

  • النذور والوعود الروحية العميقة: التعهد بالصيام، أو التصدق بكل الأموال، أو تكريس الحياة للأعمال الخيرية وخدمة دور العبادة، شريطة تحقيق الشفاء أو النجاة أو عودة الغائب.
  • التسوق الطبي والوساوس العلاجية: التنقل المستمر بين الأطباء والبحث المحموم في الإنترنت عن علاجات بديلة وغير مجربة، حيث يساوم المريض على فرصة ضئيلة للغاية مقابل بذل مجهود مالي وجسدي هائل لتعليق التشخيص النهائي.
  • التفاوض الزمني المؤقت: تحديد محطات زمنية محددة للتفاوض، كأن يقول المريض: «دعني فقط أعيش حتى أرى زواج ابنتي الصغرى، وبعدها سأكون مستعداً للرحيل»، وهي مساومة تستهدف تأجيل مواجهة الموت إلى نقطة مستقبلية مفترضة.
  • التغيير المفاجئ والمفرط في أسلوب الحياة: التبني الفجائي لحميات غذائية بالغة القسوة أو ممارسات رياضية وروحية مفرطة، لا بدافع تحسين جودة الحياة بذاتها، بل كورقة ضغط تفاوضية لتغيير القدر البيولوجي.

تتميز هذه السلوكيات غالباً بطابع السرية والكتمان؛ فالكثير من الأفراد يديرون مفاوضاتهم النفسية والروحية داخل عالمهم الداخلي دون الإفصاح عنها حتى لأقرب الناس إليهم. يعود هذا الكتمان إلى الخوف اللاواعي من أن التصريح بهذه الصفقات قد يبطل مفعولها السحري، أو لشعور دفين بالخجل العقلاني من سذاجة المفاوضة وضعفها المنطقي أمام معايير التفكير الراشد.

بالإضافة إلى ذلك، قد تتجلى المساومة في صيغة «تأجيل الصدمة»، حيث يبدو المريض متعاوناً بشكل استثنائي ومفرط مع الفريق الطبي، متقبلاً كل الإجراءات المؤلمة بابتسامة مصطنعة، معتقداً في قرارة نفسه أن كونه «المريض المثالي والمطيع» هو الصفقة التي ستلزم الفريق الطبي والأقدار بإنقاذ حياته كعائد لهذا الامتثال المطلق.

المساومة في سياقات الفقد المتعددة

على الرغم من نشأة المفهوم تاريخياً في أروقة رعاية المحتضرين والأمراض العضال، إلا أن مرحلة المساومة تشكل عنصراً حيوياً في جميع أنواع الفقد النفسي والعاطفي والاجتماعي. ففي سياق الانفصال العاطفي والطلاق، تظهر المساومة بصورة شديدة الوضوح والاضطراب؛ إذ يحاول الطرف المتروك تقديم تنازلات جذرية وتعهدات غير واقعية لتغيير شخصيته وسلوكياته مقابل تراجع الطرف الآخر عن قرار الانهاء. تنهال الوعود مثل: «سأتغير تماماً»، «لن أكرر أخطائي أبداً»، و«سأمنحك كل المساحة التي تطلبها»، في استماتة واضحة لتفادي مواجهة واقع الفراق النهائي.

أما في سياق فقدان الوظيفة والانهيار المهني، فإن المساومة تتخذ طابعاً تنظيمياً ونفسياً مختلفاً. قد يعرض الموظف العمل لساعات إضافية دون مقابل، أو قبول خفض حاد في الراتب، أو التنازل عن مكانته المهنية، متوهماً أن خضوعه التام سيعيد عقارب الساعة إلى ما قبل قرار الاستغناء. تنبع هذه المساومة من الرعب المرتبط بفقدان الهوية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، حيث يفضل الفرد تقديم تنازلات مهينة على أن يتجرع مرارة التكيف مع هوية العاطل عن العمل.

كذلك تبرز المساومة بشكل بارز لدى الأفراد الذين يتم تشخيصهم بأمراض مزمنة غير مميتة ولكنها مهددة لنمط حياتهم، مثل السكري، أو أمراض المناعة الذاتية، أو فقدان الأطراف. في هذه الحالات، يساوم المريض نفسه والتعليمات الطبية عبر الامتثال الجزئي والمشروط؛ فيلتزم بالعلاج طوال الأسبوع على أمل أن يُسمح له بخرقه في عطلة نهاية الأسبوع دون عواقب، مفاوضاً المرض البيولوجي كما لو كان خصماً عاقلاً يمكن خداعه بالتسويات الصغيرة.

وفي أوقات الكوارث الجمعية والأوبئة والحروب، يمكن رصد المساومة على مستوى الوعي الجمعي للشعوب. تلجأ المجتمعات المنكوبة إلى تقديم تضحيات ثقافية وطقوس تطهيرية وتوافقات سياسية هشة، ظناً منها أن هذه التسويات السريعة ستكفي لوقف طاحونة التدمير الشامل أو رفع وطأة الوباء، مما يعكس شمولية هذه الآلية واستجابتها الشاملة لمشاعر الفزع البشري من المجهول.

التمايز التشخيصي والمقارنة مع مراحل الحداد الأخرى

لتحقيق فهم إكلينيكي متكامل، يجب وضع مرحلة المساومة في موقعها الصحيح ضمن شبكة العلاقات المتبادلة بين مراحل الحزن المختلفة وفق النموذج الكلاسيكي والتحسينات الحديثة. تختلف المساومة جوهرياً عن مرحلة الإنكار (Denial)؛ فالإنكار هو حجب كامل ومطلق للمعلومة المؤلمة عن حيز الوعي، حيث يتصرف الفرد كما لو أن الكارثة لم تحدث إطلاقاً. في المقابل، فإن المساومة تعترف ضمنياً بوجود الخطر أو الحقيقة المؤلمة، لكنها ترفض التسليم بحتميتها وديمومتها، محاولةً تحوير مسارها بدلاً من إنكار وجودها.

كما تتمايز المساومة عن مرحلة الغضب (Anger). فالغضب هو تفريغ انفعالي عدواني موجه نحو الخارج (الأطباء، الأقارب، القوى العليا) أو نحو الذات نتيجة الإحباط والعجز، ويتسم بالطابع التدميري والتحدي الصريح. أما المساومة فهي تراجع ملحوظ عن الصدام وتوجه استرضائي استسلامي؛ إذ يدرك الفرد عقم الهجوم ويتحول إلى دور المستعطف والمتفاوض الوديع لعل ذلك يحقق له مأربه في الحفاظ على ما تبقى.

ومن الأهمية بمكان التمييز بين المساومة ومرحلة الاكتئاب (Depression) التي تليها عادة في التسلسل التقليدي. تمثل المساومة طاقة نفسية نشطة، وإن كانت زائفة ومضللة، تتمحور حول الأمل المتخيل والهروب من الحزن الصرف. في حين أن الانهيار اللاحق للمساومة وفشل جميع الصفقات المتخيلة هو الذي يدخل الفرد في دهاليز الاكتئاب الحقيقي؛ حيث تصطدم الأنا بالواقع البارد المستعصي على التفاوض، وتدرك يقيناً أن الفقد قد وقع بالفعل ولا سبيل لرده، مما ينقل الطاقة النفسية من الحركة الذهنية التفاوضية إلى السكون الحزين والحداد العاري.

كذلك يؤكد علم النفس السريري المعاصر أن التحول بين هذه المراحل ليس مساراً خطياً صارماً كما ساد الاعتقاد في البدايات، بل هو مسار متذبذب ولولبي. فقد يتقلب المريض بين الغضب والمساومة والاكتئاب في اليوم الواحد، أو حتى خلال الساعة الواحدة، وقد تستمر المساومة متداخلة مع مشاعر القبول في مراحل متقدمة، مما يستوجب تقييماً ديناميكياً مستمراً لحالة العميل دون إسقاط قوالب تنظيرية جامدة عليه.

التدخلات الإكلينيكية والتعامل العلاجي مع مرحلة المساومة

يتطلب العمل العلاجي مع الأفراد الذين يمرون بمرحلة المساومة حساسية إكلينيكية فائقة ومهارة تواصلية متقدمة من قبل المعالج النفسي أو المرشد الروحي. إن الخطأ الأكبر الذي قد يقع فيه المتخصص هو المواجهة المباشرة القاسية للعميل بالحقيقة العارية وتحطيم أوهامه التفاوضية بصورة فجة. يجب أن يُنظر إلى المساومة على أنها درع دفاعي يحتاجه المريض مؤقتاً لحماية ذاته من التفتت؛ ومن ثم فإن التجريد القسري لهذا الدرع قبل أن يبني الفرد آليات تكيف ناضجة قد يدفع به نحو الانهيار الذهاني أو نوبات الاكتئاب الجسيم.

تعد تقنيات العلاج بالقبول والالتزام (Acceptance and Commitment Therapy – ACT) من أنجح المقاربات في التعامل مع هذه المرحلة. يساعد المعالج العميل على ملاحظة أفكار المساومة («لو أنني فعلت كذا»، «ماذا لو») دون الاندماج المعرفي معها أو التصديق الأعمى بقدرتها على تغيير الماضي أو مصادرة المستقبل. يتم تشجيع الفرد على احتواء مشاعر الألم والحزن دون الهروب منها إلى صفقات وهمية، مع توجيه طاقته السلوكية نحو ما يقع فعلاً ضمن دائرة سيطرته وقيمه الجوهرية في اللحظة الراهنة.

كما يلعب العلاج المعرفي السلوكي (CBT) دوراً محورياً في تفكيك أنماط التفكير السحري ومشاعر الذنب غير الواقعية المصاحبة للمساومة. يقوم المعالج بفحص الأدلة العقلانية التي يستند إليها العميل في لوم نفسه، ومساعدته على إعادة عزو المسؤولية بصورة موضوعية ترفع عن كاهله الشعور الكاذب بأنه هو من تسبب في الكارثة عبر أفكاره أو تقصيره المتخيل. يسهم هذا التدخل في خفض التوتر الوجداني وتحرير المريض من الحاجة إلى تقديم قرابين نفسية للتكفير عن ذنوب لا وجود لها.

من منظور «العلاج بالمعنى» (Logotherapy) الذي أسسه فيكتور فرانكل، يركز المعالج على استثمار مرحلة المساومة لتحويل الرغبة في التغيير الشكلي إلى نضج وجودي عميق. عندما يدرك الفرد أن الصفقات الخارجية مستحيلة، يرشده المعالج إلى اكتشاف المعنى الكامن في المعاناة الحتمية ذاتها. يتحول التساؤل من «كيف أساوم لأغير هذا المصير؟» إلى «كيف أستجيب لهذا المصير بشجاعة وكرامة إنسانية؟»، مما يمهد الطريق الحقيقي للعبور نحو مرحلة القبول والاستبصار النهائي.

الانتقادات المعاصرة والتقييم العلمي للنموذج

على الرغم من الشهرة الشعبية والأكاديمية الواسعة لنموذج كوبلر-روس، إلا أنه واجه انتقادات منهجية وإبستمولوجية حادة من قبل الباحثين المعاصرين في علم نفس الفقد. كان من أبرز هؤلاء النقاد عالم النفس جورج بونانو (George Bonanno)، الذي أثبتت أبحاثه التجريبية أن الحزن لا يتبع مساراً مرحلياً منتظماً لدى الغالبية العظمى من الناس، وأن نسبة كبيرة من البشر يظهرون قدرة مذهلة على «المرونة النفسية» (Resilience) دون المرور بالضرورة بمراحل مثل المساومة أو الاكتئاب العميق.

علاوة على ذلك، طور العالمان مارغريت ستروبي وهينك شوت نموذج «المعالجة المزدوجة للفقد» (Dual Process Model of Coping with Bereavement)، الذي يرى أن التكيف الصحي لا يقوم على تجاوز مراحل متتالية تنتهي بالمساومة ثم القبول، بل على التذبذب الطبيعي والمرن بين قطبين أساسيين: «التوجه نحو الفقد» (معايشة الألم والذكريات والمساومات الذهنية) و«التوجه نحو الاستعادة» (الانخراط في الحياة اليومية وبناء أدوار جديدة والتعامل مع الواقع المادي المتغير). يقدم هذا النموذج رؤية أكثر واقعية وديناميكية تتجاوز الجمود المفاهيمي للمراحل الكلاسيكية.

كما نبهت الدراسات الثقافية المعاصرة إلى التحيز الغربي والفرداني الكامن في النموذج؛ إذ تفترض مرحلة المساومة تصرف الفرد ككيان مستقل يتفاوض مع قدره أو مؤسساته المجتمعية. بينما في العديد من الثقافات الجمعية والشرقية، يتم استيعاب الفقد عبر شبكات الدعم العائلية والطقوس الدينية الراسخة التي تحيد إلى حد كبير صراعات التفاوض الفردية وتوفر أطراً جاهزة للمعنى، مما يجعل بروز المساومة كظاهرة معزولة أمراً أقل شيوعاً أو مختلف التعبير مقارنة بالمجتمعات الغربية المعاصرة.

ومع ذلك، يظل المفهوم يحتفظ بقيمته الإكلينيكية والوصفية الفائقة كأداة إرشادية وتفسيرية تساعد المعالجين والمرضى على فهم الاضطراب المعرفي والعاطفي الذي يصاحب الصدمات الكبرى. إن رؤية المساومة كشكل من أشكال النضال الإنساني للحفاظ على المعنى والأمل في وجه الفناء تجعل منها مفهوماً إنسانياً خالداً يتجاوز الصرامة الإحصائية للعلوم التجريبية ليمس جوهر التجربة الإنسانية الهشة.

خاتمة استشرافية

تجسد مرحلة المساومة ذروة الصراع التراجيدي بين عقل بشري متشبث بالرجاء وواقع كوني حتمي لا يلين. إنها اللحظة التي تستجمع فيها النفس الإنسانية كل قواها الإبداعية والتخيلية في رهانها الأخير ضد الفقد، محاولة تحويل الكارثة إلى صفقة قابلة للحل والتسوية. وعلى الرغم من أن مصير هذه المساومات هو الفشل الحتمي من المنظور الواقعي والمادي، إلا أنها تخدم وظيفة سيكولوجية لا تقدر بثمن؛ فهي تمثل جسراً انتقالياً ضرورياً يخفف من عنف الاصطدام بالحقيقة، ويمنح الأنا فرصة زمنية ومعرفية لإعادة ترتيب أوراقها وإعلان الاستسلام الكريم أمام قسوة الفقد، لتبدأ بعدها الرحلة الحقيقية نحو الشفاء، وإعادة صياغة المعنى، والقبول الهادئ للمصير الإنساني المشترك.

المراجع

  • Bonanno, G. A. (2009). The other side of sadness: What the new science of bereavement tells us about life after loss. Basic Books.
  • Frankl, V. E. (1984). Man’s search for meaning: An introduction to logotherapy. Simon & Schuster.
  • Kübler-Ross, E. (1969). On death and dying. Macmillan.
  • Neimeyer, R. A. (Ed.). (2001). Meaning reconstruction & the experience of loss. American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/10439-000
  • Stroebe, M., & Schut, H. (1999). The dual process model of coping with bereavement: Rationale and description. Death Studies, 23(3), 197-224. https://doi.org/10.1080/074811899201046
  • Worden, J. W. (2018). Grief counseling and grief therapy: A handbook for the mental health practitioner (5th ed.). Springer Publishing Company.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 28). مرحلة المساومة في علم النفس: المفهوم، الديناميات الإكلينيكية، والأبعاد العلاجية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/bargaining-stage-grief-psychology/
looti, Mohammed. “مرحلة المساومة في علم النفس: المفهوم، الديناميات الإكلينيكية، والأبعاد العلاجية.” عرب سايكلوجي, 28 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/bargaining-stage-grief-psychology/.
looti, Mohammed. “مرحلة المساومة في علم النفس: المفهوم، الديناميات الإكلينيكية، والأبعاد العلاجية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 28, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/bargaining-stage-grief-psychology/.