يُمثّل انغلاق الفكر (Closed-mindedness) إحدى الظواهر النفسية والمعرفية المعقدة التي حظيت باهتمام بالغ في حقول علم النفس المعرفي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم نفس الشخصية. تُشير هذه الظاهرة في جوهرها إلى حالة من المقاومة الشديدة وغير المبررة لمعالجة المعلومات الجديدة، ورفض مراجعة المعتقدات الراسخة، حتى في مواجهة أدلة وبراهين تجريبية مناقضة وصريحة. إن دراسة الجمود الذهني لا تنفصل عن فهم البنية الديناميكية للشخصية الإنسانية وسعيها الدائم لتحقيق التوازن المعرفي وتجنب القلق الناتج عن عدم اليقين، مما يجعل من فحص هذا المفهوم مدخلاً جوهرياً لتفسير العديد من السلوكيات الفردية والتفاعلات المجتمعية المعاصرة.
المفهوم والتأصيل النظري لانغلاق الفكر
يُعرَّف انغلاق الفكر في الأدبيات السيكولوجية الحديثة بأنه ميل معرفي ووجداني دائم نسبياً يوجه الفرد نحو تقييد مجاله الإدراكي، والتمسك بالافتراضات المسبقة، ورفض البدائل التفسيرية للظواهر. ولا يقتصر هذا التعريف على الجانب الإدراكي البحت، بل يمتد ليشمل أبعاداً دافعية وانفعالية تجعل الفرد يشعر بتهديد وجودي أو نفسي عند تعرض منظومته الفكرية للمساءلة أو النقد. يتجلى ذلك في انخفاض مستويات الانفتاح على الخبرة، وهي إحدى السمات الأساسية ضمن نموذج العوامل الخمسة الكبرى للشخصية، حيث يُظهر الأفراد المنغلقون نفوراً واضحاً من التجديد والغموض.
من الناحية المعرفية، يتسم انغلاق الفكر بالمعالجة الانتقائية للمعلومات؛ إذ يميل الجهاز المعرفي للشخص المنغلق إلى تصفية المدخلات الحسية والمعلوماتية بما يتوافق حصراً مع البنى المعرفية القائمة مسبقاً (Schemata). يُعرف هذا النمط في علم النفس بـالتحصين المعرفي، حيث تُبنى جدران دفاعية تحول دون تسرب أي شكوك قد تزعزع استقرار المنظومة العقائدية للفرد. هذا التوجه لا يعكس بالضرورة تدنياً في القدرات العقلية العامة أو معدل الذكاء، بل يعبر عن استراتيجية تنظيمية دفاعية توظف القدرات المعرفية للدفاع عن المواقف المتبناة بدلاً من تقصي الحقيقة الموضوعية.
علاوة على ذلك، يرتبط المفهوم ارتباطاً وثيقاً بظاهرة الجمود الفكري (Dogmatism) والتصلب الذهني (Cognitive Rigidity). في هذا السياق، أوضح الباحثون أن الفرد المنغلق لا يكتفي برفض الأفكار المغايرة فحسب، بل يميل أيضاً إلى نزع الشرعية والمصداقية الأخلاقية والمعرفية عمن يحملونها. تتطور هذه الآلية تدريجياً لتصبح نمطاً عاماً لإدراك العالم، حيث يُقسم الواقع إلى ثنائيات حادة ومتناقضة (صواب مطلق في مقابل خطأ مطلق)، مما يُفقد العقل مرونته وقدرته على استيعاب التعقيد والنسبية في الظواهر الإنسانية والطبيعية.
التطور التاريخي والجذور الفكرية للمفهوم
تعود الجذور الأولى لدراسة انغلاق الفكر تجريبياً إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مدفوعة بمحاولات علماء النفس لفهم الآليات النفسية وراء صعود الأنظمة الاستبدادية والانصياع الأعمى للأيديولوجيات الشمولية. دشنت أعمال الفيلسوف وعالم النفس تيودور أدورنو وزملائه في جامعة كاليفورنيا (بيركلي) عام 1950 مرحلة مفصلية عبر كتابهم الرائد الشخصية السلطوية (The Authoritarian Personality). ركّز هذا العمل على فحص التصلب المعرفي بوصفه ركيزة أساسية للشخصية المستعدة لقبول الفاشية والتعصب العرقي والفكري، واضعاً مقياس (F-Scale) لتقييم هذه النزعات الاستبدادية.
في ستينيات القرن العشرين، قدّم عالم النفس ميلتون روكيتش (Milton Rokeach) إسهاماً نوعياً غيّر مسار الدراسات في هذا المجال من خلال كتابه التأسيسي العقل المفتوح والعقل المنغلق (The Open and Closed Mind) عام 1960. انتقد روكيتش تركيز أدورنو الحصري على التوجهات السياسية اليمينية، مجادلاً بأن انغلاق الفكر والدوغماتية يمثلان بنية تنظيمية للمنظومة المعرفية يمكن أن تظهر لدى الأفراد بغض النظر عن محتوى معتقداتهم، سواء كانت يمينية، يسارية، دينية، أو علمانية. ركّز نموذج روكيتش على كيفية تنظيم المعتقدات داخل بنية تتكون من المعتقدات المركزية والمعتقدات الطرفية، ومدى نفاذية هذه البنى للمعلومات الجديدة.
توالت بعد ذلك الجهود البحثية في إطار الثورة المعرفية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، حيث انتقل التركيز من السمات الشخصية العامة إلى دراسة العمليات المعرفية الدقيقة والتحيزات الاستدلالية. ظهرت نظريات جديدة ربطت بين انغلاق الفكر ونظرية التنافر المعرفي لـ ليون فيستنجر، وصولاً إلى أواخر القرن العشرين مع أبحاث آري كروغلانسكي (Arie Kruglanski) حول “الحاجة إلى الانغلاق المعرفي” (Need for Cognitive Closure). وفّرت هذه التطورات إطاراً سيكومترياً وتجريبياً متقدماً سمح بقياس الدوافع الفردية الكامنة وراء التسرع في الوصول إلى أحكام قطعية ورفض التردد المعرفي.
النماذج والنظريات النفسية المفسرة
تتعدد الأطر النظرية التي حاولت تفسير ديناميكيات انغلاق الفكر؛ ويبرز في طليعتها نموذج الحاجة إلى الانغلاق المعرفي الذي طوره آري كروغلانسكي. يفترض هذا النموذج أن الأفراد يتفاوتون في رغبتهم الدائمة في الحصول على إجابة محددة ونهائية حول قضية معينة، تجنباً للشعور المزعج بالغموض وعدم الاستقرار الذهني. تتألف هذه الحاجة من مرحلتين رئيسيتين: مرحلة “التجميد العاجل” (Seizing)، حيث يندفع الفرد لالتقاط أول معلومة متوفرة تنهي حالة الشك، ومرحلة “التثبيت الدائم” (Freezing)، حيث يحافظ الفرد بصلابة على تلك القناعة ويرفض مراجعتها أو استقبال مدخلات جديدة قد تعيد فتح النقاش المعرفي.
تُقدم نظرية إدارة الرعب (Terror Management Theory – TMT) تفسيراً وجودياً عميقاً لانغلاق الفكر، حيث تفترض أن الوعي البشري بحتمية الموت يولد قلقاً وجودياً ساحقاً. لمواجهة هذا القلق، يلجأ الإنسان إلى التمسك الصلب بمنظومته الثقافية والعقائدية (Worldview)، والتي تمنحه شعوراً بالمعنى والاستمرارية الرمزية. من هذا المنطلق، لا يمثل التشكيك في المعتقدات مجرد خلاف فكري، بل يُدرك الجهاز النفسي هذا التشكيك على أنه تهديد مباشر للدروع الدفاعية التي تحمي الفرد من الهلع الوجودي، مما يدفعه نحو ردود فعل تتسم بالانغلاق والتصلب والعدائية تجاه المنظومات الفكرية المغايرة.
إلى جانب ذلك، تطرح نظرية الاستبداد اليميني (Right-Wing Authoritarianism) لـ بوب ألتماير (Bob Altemeyer) ومنظور التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Orientation) إيضاحات حول كيفية ارتباط انغلاق الفكر بالبنى الاجتماعية والسياسية. يشير ألتماير إلى أن المنغلقين فكرياً يُظهرون مستويات عالية من الخضوع للسلطات التقليدية والعدوانية تجاه الفئات الخارجة عن المعايير السائدة، مع انخفاض حاد في مهارات التفكير النقدي المستقل، حيث يُستعاض عن الفحص الذاتي للأفكار بتبني مسلمات الجماعة التي ينتمون إليها دون تمحيص.
الأبعاد المعرفية والتحيزات الإدراكية المصاحبة
يرتبط انغلاق الفكر بشبكة كثيفة من التحيزات المعرفية التي تشوه طريقة معالجة المعلومات وتقييم الأدلة. يأتي في مقدمة هذه التحيزات الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias)، وهو الميل التلقائي للبحث عن البيانات التي تدعم الفرضيات المسبقة وتفسيرها وتذكرها، مع تجاهل أو تسخيف البيانات التي تقوضها. يعمل هذا الانحياز كمرشح مشوه يمنع دخول الحقائق التي تتطلب إعادة تشكيل البنية المعرفية، مما يرسخ وهم اليقين والكمال المعرفي لدى الشخص المنغلق.
تتضمن المظاهر المعرفية الأخرى ظاهرة المواظبة على الاعتقاد (Belief Perseverance)؛ وهي ميل الأفراد للتمسك باستنتاجاتهم حتى بعد تفنيد وتفكيك الأساس التجريبي الذي قامت عليه تلك الاستنتاجات بشكل كامل. يُفسر علم النفس المعرفي هذه الظاهرة بأن الأفراد، بمجرد تبنيهم لفكرة ما، ينشئون روابط سببية ومبررات عقلانية مستقلة تدعمها، بحيث إذا سقط الدليل الأصلي، تظل تلك التبريرات الثانوية قائمة لحماية الاعتقاد، مما يعكس جموداً كبيراً في المرونة الذهنية التكيفية.
بالإضافة إلى ذلك، يُظهر المنغلقون فكرياً ما يُعرف بـوهم العمق التفسيري (Illusion of Explanatory Depth) وتأثير دانينغ-كروجر (Dunning-Kruger Effect). يميل هؤلاء الأفراد إلى المبالغة في تقدير مستوى فهمهم للقضايا المعقدة، معتقدين أن لديهم فهماً شاملاً لحقائق الأمور، في حين أن معرفتهم الفعلية سطحية للغاية. هذا الجهل بالجهل الذاتي يحول دون نشوء التواضع الفكري (Intellectual Humility)، ويغلق الباب أمام الرغبة في التعلم، إذ لا يمكن للإنسان أن يسعى لاكتساب معرفة يعتقد واهماً أنه يمتلكها بالفعل.
المحددات العصبية والبيولوجية للجمود الذهني
كشفت الدراسات الحديثة في حقل علم الأعصاب المعرفي والاجتماعي عن وجود ارتباطات وثيقة بين انغلاق الفكر وخصائص بنيوية ووظيفية محددة في الدماغ البشري. أظهرت أبحاث التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن معالجة الآراء المعارضة لدى المنغلقين تنشط مناطق دماغية مسؤولة عن الاستجابة للتهديد والألم العاطفي، وتحديداً اللوزة الدماغية (Amygdala). يعني هذا أن الدماغ المنغلق يترجم التحدي الفكري بنفس الطريقة التي يترجم بها التهديد الجسدي المباشر، مما يُحفز استجابة “الكر أو الفر” الدفاعية بدلاً من التحليل المنطقي الهادئ.
في المقابل، يرتبط انغلاق الفكر بتراجع نشاط ومرونة القشرة أمام الجبهية (Prefrontal Cortex)، وخاصة المنطقة الظهرانية الجانبية (dlPFC) والقشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate Cortex – ACC). تلعب هذه المناطق دوراً محورياً في رصد التناقضات وحل النزاعات المعرفية وضبط الاستجابات الاندفاعية وتوجيه المرونة المعرفية. يشير تراجع التنشيط الوظيفي في القشرة الحزامية الأمامية لدى الأفراد الأكثر جموداً إلى ضعف في استشعار الأخطاء المعرفية، مما يمنعهم من إدراك الحاجة إلى تصحيح مسار أفكارهم عند مواجهة وقائع جديدة.
تؤثر الناقلات العصبية أيضاً في هذا السياق؛ إذ تشير الدراسات إلى دور حاسم لأنظمة الدوبامين في تنظيم الرغبة في الاستكشاف والبحث عن الجدة، مقابل التمسك بالمألوف. يرتبط انخفاض حساسية مستقبلات الدوبامين في مسارات المكافأة الدماغية أحياناً بنفور من التجارب الجديدة وانخفاض الفضول المعرفي، مما يعزز تفضيل البيئات والأفكار الآمنة والقابلة للتنبؤ، وهي البيئة المثالية التي يزدهر فيها انغلاق الفكر وتتصلب داخلها القناعات الثابتة.
العوامل النفسية والاجتماعية والنمائية
لا ينشأ انغلاق الفكر في فراغ عصبي أو معرفي منعزل، بل يتشكل عبر مسار نمائي معقد يمتد من الطفولة المبكرة عبر عمليات التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع. تُظهر دراسات علم النفس النمائي أن أساليب الوالدية التسلطية والصارمة—التي تعتمد على العقاب وتمنع الطفل من التساؤل أو التعبير عن الشك—تسهم بشكل مباشر في بناء عقلية منغلقة تعتمد على المعايير الخارجية الصارمة وتخشى الخطأ. يتعلم الطفل في مثل هذه البيئات أن الأمان يرتبط بالامتثال المطلق وأن التفكير المستقل يحمل في طياته خطر النبذ والحرمان من الحب والقبول.
على الصعيد الاجتماعي، تلعب ديناميكيات الجماعة والانتماء الهوياتي دوراً تعزيزياً بالغ الخطورة في ترسيخ انغلاق الفكر. تنشأ هذه الظاهرة بوضوح عبر آليات التفكير الجماعي (Groupthink) والضغط نحو الإجماع، حيث يُعاقب أي تمايز فكري داخل الجماعة ويُصنف على أنه خيانة. يتعزز هذا التوجه في عصر الفضاء الرقمي عبر ما يُعرف بـغرف الصدى (Echo Chambers) وفقاعات الترشيح، حيث تصمم الخوارزميات الرقمية تدفق المعلومات ليتطابق مع ميول المستخدم المسبقة، مما يحرمه من التعرض للآراء المتباينة ويخلق وهماً بأن رؤيته للعالم هي الرؤية الوحيدة المقبولة والصحيحة.
تشمل العوامل الوجدانية المرتبطة بانغلاق الفكر أيضاً تدني تقدير الذات وضعف الشعور بالأمان النفسي؛ فالشخص الذي يفتقر إلى صلابة نفسية داخلية يعتمد على أفكاره ومعتقداته كـ”عكاز نفسي” يعوض به هشاشته الوجدانية. كما أن التعرض لضغوط بيئية مزمنة أو أزمات مجتمعية كبرى يزيد من مشاعر عدم اليقين، مما يدفع الأفراد والجماعات نحو البحث عن تفسيرات تبسيطية قطعية تمنحهم شعوراً وهمياً بالسيطرة على الواقع، الأمر الذي يفسر انتشار التطرف الفكري والتعصب في أوقات الأزمات والتحولات التاريخية الكبرى.
القياس والتقييم السيكومتري لانغلاق الفكر
واجه علماء النفس تحدياً منهجياً في صياغة مقاييس كمية دقيقة قادرة على عزل انغلاق الفكر كسمة معرفية ودافعية عن المحتوى الأيديولوجي للآراء. استجابة لهذا التحدي، طُوِّرت عدة أدوات سيكومترية معتمدة تتمتع بمستويات عالية من الصدق والثبات عبر الثقافات المختلفة:
- مقياس الحاجة إلى الانغلاق المعرفي (Need for Closure Scale – NFCS): صممه كروغلانسكي وزملاؤه لتقييم خمسة أبعاد رئيسية: الرغبة في النظام، وتفضيل القدرة على التنبؤ، والحسم الإدراكي، والنفور من الغموض، والانغلاق تجاه الأفكار المغايرة. يُعد هذا المقياس الأكثر استخداماً في الأبحاث المعرفية المعاصرة.
- مقياس الدوغماتية (Dogmatism Scale): طوره ميلتون روكيتش لقياس مدى انفتاح المنظومة العقائدية للفرد بصرف النظر عن التوجه السياسي، مع التركيز على الاستبدادية المعرفية والولاء للأفكار المطلقة.
- مقياس التواضع الفكري (Intellectual Humility Scale): يُستخدم لقياس النقيض الإيجابي لانغلاق الفكر، حيث يفحص قدرة الفرد على الاعتراف بحدود معرفته وإمكانية كونه مخطئاً، واستعداده لتعديل قناعاته عند ظهور بيانات جديدة تثبت عدم دقتها.
- مقياس المرونة المعرفية (Cognitive Flexibility Inventory – CFI): يركز على الجانب الأدائي السلوكي، مقيماً قدرة الفرد على استبدال الأفكار غير الفعالة بأخرى متكيفة وتوليد حلول بديلة متعددة للمشكلات المعقدة.
تعتمد المنهجيات البحثية المتقدمة أيضاً على القياس التجريبي غير القائم على التقرير الذاتي (Self-Report)، تجنباً لانحياز المرغوبية الاجتماعية. يشمل ذلك مهام الأداء المعرفي مثل اختبار فرز بطاقات ويسكونسن (WCST) لتقييم التصلب الإدراكي، واختبارات قياس زمن الرجع (Response Time) لتقييم سرعة الفرد في اتخاذ قرارات متسرعة عند مواجهة معلومات ناقصة أو متناقضة.
التداعيات السلوكية والمجتمعية لانغلاق الفكر
يمتد تأثير انغلاق الفكر من كونه مجرد سمة معرفية داخلية ليشكل الواقع السلوكي للفرد ومحيطه الاجتماعي والمهني والسياسي بطرق عميقة ومدمرة أحياناً. على المستوى الشخصي والتواصلي، يقود انغلاق الفكر إلى فشل العلاقات البينشخصية نتيجة غياب مهارات التعاطف الفكري والقدرة على تبني وجهة نظر الآخر (Perspective-taking). ينظر الفرد المنغلق إلى أي اختلاف في الرأي كتهديد أو إهانة شخصية، مما يولد صراعات مزمنة ونفوراً متبادلاً في السياقات الأسرية والمهنية.
في البيئات المؤسسية وصناعة القرار، يمثل الجمود الذهني سبباً رئيسياً للفشل الاستراتيجي والقرارات الكارثية. القادة وصناع القرار المنغلقون يرفضون الإشارات التحذيرية والبيانات المخالفة لتوقعاتهم، ويثبطون التفكير الناقد داخل فرق العمل، مما يقود المؤسسات نحو الانهيار في مواجهة المتغيرات الاقتصادية والتقنية السريعة. تُثبت دراسات علم النفس التنظيمي أن المنظمات التي تشجع بيئة فكرية منفتحة تسجل مستويات أعلى بكثير من الابتكار والقدرة على التكيف مقارنة بتلك التي يسودها الانغلاق والامتثال الصارم للنمطيات القديمة.
على المستوى الاجتماعي والسياسي العام، يُعد انغلاق الفكر التربة الخصبة التي تنمو فيها ظواهر الاستقطاب الاجتماعي الحاد، والعنصرية، والتعصب الطائفي، والفكر المتطرف. عندما تفقد قطاعات واسعة من المجتمع القدرة على مراجعة الذات وقبول التعددية المعرفية، يتآكل الحوار الديمقراطي ويحل محله الإقصاء ونزع الإنسانية عن المخالفين. يقود هذا المسار إلى تفكيك التماسك الاجتماعي، حيث يعجز المجتمع عن بناء توافقات وطنية أو مواجهة التحديات المصيرية التي تتطلب تضافر الرؤى وتكامل العقول المتباينة لحلها بطرق عقلانية ومستدامة.
التدخلات النفسية واستراتيجيات تعزيز الانفتاح
تؤكد الأبحاث في علم النفس الإكلينيكي والعلاج السلوكي المعرفي (CBT) أن انغلاق الفكر ليس حتماً بيولوجياً أو سمة شخصية جامدة لا تقبل التغيير، بل هو نمط معالجة يمكن تعديله وتطوير بدائل مرنة له عبر تدخلات علاجية وتعليمية مدروسة. تُعد استراتيجيات إعادة الهيكلة المعرفية (Cognitive Restructuring) من أبرز هذه التدخلات، حيث يُدرَّب الفرد على رصد افتراضاته التلقائية، وفحص الأدلة المؤيدة والمعارضة لها بشكل موضوعي، وتحديد الأخطاء المنطقية كالتفكير الاستقطابي (الكل أو لا شيء).
يلعب تطوير مهارات ما وراء المعرفة (Metacognition)—أي قدرة الفرد على التفكير في تفكيره الخاص ومراقبته—دوراً حاسماً في تفكيك بنى الجمود الذهني. عندما يتعلم الإنسان كيف يراقب مساراته الاستدلالية ويدرك مواطن انحيازاته دون جلد للذات، يصبح أكثر قدرة على التمهل قبل القفز إلى استنتاجات نهائية. يساعد ذلك في تقليل الحاجة العاجلة للانغلاق المعرفي، ويمنحه مساحة لقبول الغموض بوصفه جزءاً طبيعياً من تعقيد الوجود الإنساني.
علاوة على ذلك، أثبتت برامج التربية النقدية والتعلم القائم على الاستقصاء في المؤسسات التعليمية جدواها في تلقيح الأجيال الناشئة ضد التصلب الفكري. من خلال تدريب الطلاب على مناظرة وجهات النظر المعارضة وتبني أدوار فكرية لا تتطابق مع قناعاتهم الشخصية، يتراجع التمركز حول الذات وتتنامى شجاعة الشك المنهجي والتواضع المعرفي. يدعم ذلك أيضاً ممارسة اليقظة الذهنية (Mindfulness)، التي تسهم في خفض الاستجابات الانفعالية الدفاعية للوزة الدماغية تجاه الآراء المقلقة، وتسمح بالتعامل مع الأفكار الجديدة بفضول واسترخاء عوضاً عن الخوف والتوجس.
خاتمة
يُمثّل انغلاق الفكر ظاهرة نفسية ومعرفية متعددة المستويات، تنبع من تضافر الحاجات الدفاعية للأنا مع التحيزات الإدراكية والتأثيرات الاجتماعية والبيولوجية المعقدة. على الرغم من أن الجمود المعرفي قد يمنح الفرد شعوراً مؤقتاً بالأمان واليقين في عالم يتسم بالغموض والتغير الدائم، إلا أن كلفته النفسية والاجتماعية والحضارية باهظة للغاية، حيث تعيق النمو الشخصي، وتقوض الفهم المتبادل، وتغذي الصراعات الجمعية. إن مواجهة انغلاق الفكر تتطلب جهداً واكاديمياً ومجتمعياً متواصلاً يهدف إلى غرس التواضع الفكري، وتعزيز المرونة المعرفية، وبناء بيئات تعليمية وثقافية تحتفي بالتساؤل وتنظر إلى الاختلاف المعرفي كفرصة للإثراء والتطور بدلاً من اعتباره تهديداً يستوجب الصد والدفاع.
المراجع
- Adorno, T. W., Frenkel-Brunswik, E., Levinson, D. J., & Sanford, R. N. (1950). The authoritarian personality. Harper & Row.
- Altemeyer, B. (1996). The authoritarian specter. Harvard University Press.
- Kruglanski, A. W. (2004). The psychology of closed mindedness. Psychology Press. https://doi.org/10.4324/9780203340578
- Kruglanski, A. W., & Webster, D. M. (1996). Motivated closing of the mind: “Seizing” and “freezing”. Psychological Review, 103(2), 263–283. https://doi.org/10.1037/0033-295X.103.2.263
- Nickerson, R. S. (1998). Confirmation bias: A ubiquitous phenomenon in many guises. Review of General Psychology, 2(2), 175–220. https://doi.org/10.1037/1089-2680.2.2.175
- Rokeach, M. (1960). The open and closed mind: Investigations into the nature of belief systems and personality systems. Basic Books.
- Roets, A., & Van Hiel, A. (2011). Item selection and validation of a brief, 15-item version of the Need for Closure Scale. Personality and Individual Differences, 50(1), 90–94. https://doi.org/10.1016/j.paid.2010.09.004
- van Prooijen, J. W., & Krouwel, A. P. (2019). Psychological features of extreme political ideologies. Current Directions in Psychological Science, 28(2), 159–163. https://doi.org/10.1177/0963721418817755