تمثل النظرية الفرعية التكوينية (Componential Subtheory) حجر الزاوية المعرفي في المشروع الفكري الرائد الذي قدمه عالم النفس الأمريكي روبرت ستيرنبرغ لتفسير طبيعة الذكاء البشري. تنبثق هذه النظرية من إدراكه العميق لقصور النماذج السيكومترية الكلاسيكية التي اختزلت القدرات العقلية في مجرد معاملات إحصائية ومقاييس كمية جامدة، متجاهلة العمليات الذهنية النشطة التي تحدث داخل البنية المعرفية للفرد أثناء حل المشكلات. تتولى هذه النظرية استكشاف الآليات الداخلية لمعالجة المعلومات، وتقدم خريطة تشريحية للعمليات العقلية التي يقوم عليها التفكير التحليلي، موضحة كيف يستقبل الدماغ المدخلات ويديرها ويحولها إلى مخرجات سلوكية ذكية.
السياق التاريخي والفكري: بزوغ النموذج الثلاثي لستيرنبرغ
شهد النصف الثاني من القرن العشرين ثورة كبرى في حقل علم النفس المعرفي، حيث تحول الاهتمام من النماذج السلوكية البحتة التي تعامل العقل البشري بوصفه «صندوقاً أسود»، إلى نماذج معالجة المعلومات التي تسعى لفتح هذا الصندوق وفهم بنيته الديناميكية. في هذا المناخ الفكري الخصب، شعر روبرت ستيرنبرغ في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي بعدم الرضا عن اختبارات الذكاء التقليدية (IQ) التي كانت ترتكز بشكل أساسي على نظرية العامل العام (g) لتشارلز سبيرمان ونماذج لويس ثورستون وجيلفورد. رأى ستيرنبرغ أن هذه الاختبارات تقيس النتاجات النهائية للاختبارات فقط، دون أن تقدم تفسيراً علمياً لكيفية وصول المفحوص إلى تلك الإجابات، أو للمسارات العقلية التي اتبعها سواء أصاب أم أخطأ.
قاد هذا النقد المعرفي ستيرنبرغ إلى تأسيس نظريته الشاملة المعروفة باسم نظرية الذكاء الثلاثي (Triarchic Theory of Intelligence) في عام 1985، والتي تفترض أن الذكاء البشري ينقسم إلى ثلاثة أبعاد متكاملة: الذكاء التحليلي المرتبط بالنظرية الفرعية التكوينية، والذكاء الإبداعي المرتبط بالنظرية الفرعية التجريبية، والذكاء العملي أو السياقي المرتبط بالنظرية الفرعية السياقية. تمثل النظرية الفرعية التكوينية في هذا النسق الثلاثي العلاقة المباشرة بين الذكاء والعالم الداخلي للفرد؛ فهي لا تهتم بالبيئة الخارجية أو بحداثة الخبرة بالدرجة الأولى، بل تنصب بالكامل على المكونات المعرفية التحتية المسؤولة عن معالجة الرموز والمفاهيم والأفكار داخل النظام المعرفي.
استند ستيرنبرغ في صياغة هذه النظرية الفرعية إلى أساليب البحث التجريبي المعرفي والتحليل الزمني لمهام الاستدلال، مثل قياس زمن الاستجابة في حل التناظرات اللفظية والمكانية. ومن خلال تفكيك المهام المعقدة إلى وحدات أولية دقيقة، استطاع إثبات أن الأفراد لا يختلفون فقط في سرعة المعالجة العامة، بل يتباينون في كفاءة التنسيق بين مستويات مختلفة من العمليات العقلية. وبذلك، شكلت النظرية التكوينية جسراً نظرياً متيناً ربط بين علم النفس التجريبي الدقيق وعلم النفس الفارقي الذي يدرس الفروق الفردية في الذكاء والقدرات الذهنية.
إن الأهمية التاريخية لهذا الطرح تكمن في تحرير مفهوم الذكاء من أسر الثبات البيولوجي أو الحتمي، حيث نظرت النظرية التكوينية إلى مكونات الذكاء بوصفها عمليات قابلة للتدريب والتطوير، وليست كيانات بيولوجية جامدة. وقد أتاح هذا التحول إمكانية فهم الاضطرابات المعرفية، وصعوبات التعلم، والتفوق العقلي من منظور تحليلي دقيق يستند إلى الكيفية التي يوظف بها الفرد مكونات تفكيره المختلفة، بدلاً من الاكتفاء بوضع تصنيفات رقمية صامتة لا تعكس حقيقة النشاط الذهني الإنساني.
المكونات العليا (ما وراء المعرفة): الإدارة التنفيذية للنشاط الذهني
تعد المكونات العليا، أو ما يُعرف بمكونات ما وراء المعرفة (Metacomponents)، أرقى المستويات الإدارية في البنية التكوينية للعقل وفقاً لنموذج ستيرنبرغ. تعمل هذه المكونات بمثابة المدير التنفيذي أو القيادة المركزية التي تتولى وظائف التخطيط، والمراقبة المستمرة، والتقييم اللاحق لجميع العمليات المعرفية الدنيا أثناء مجابهة المشكلات. إنها العمليات المسؤولة عن تحديد ما يجب فعله بالضبط، وكيفية توجيه طاقات الانتباه والذاكرة نحو الحل الأمثل، متجاوزة التنفيذ الميكانيكي البسيط للمهام إلى فضاء القيادة والاستراتيجية الواعية.
تتضمن المكونات العليا سلسلة منظمة من الوظائف الحيوية، تبدأ بالإدراك الدقيق لطبيعة المشكلة والاعتراف بوجودها أصلاً؛ فالعديد من الأفراد يفشلون في التفكير التحليلي ليس لعجزهم عن الحل، بل لعجزهم عن تشخيص المشكلة بدقة. تلي ذلك عملية انتقاء المكونات الأدنى أو مكونات الأداء اللازمة للمهمة، وتحديد الاستراتيجية الأنسب لدمج هذه المكونات وتنسيق عملها. كما تشمل هذه العمليات العليا اختيار التمثيل العقلي الأفضل للبيانات، كأن يقرر العقل صياغة المشكلة في قالب لفظي، أو تحويلها إلى نموذج بصري مكاني مجرد لتبسيط علاقاتها المتداخلة.
علاوة على ذلك، تختص المكونات العليا بتوزيع الموارد المعرفية بحكمة، مثل تحديد الوقت والجهد العقلي الواجب تكريسهما لكل مرحلة من مراحل الحل. أظهرت أبحاث ستيرنبرغ التجريبية مفارقة مدهشة في هذا الصدد: فالأفراد الأكثر ذكاءً تحليلياً يميلون إلى قضاء وقت أطول في التخطيط العام المسبق للمشكلة (المكونات العليا)، مقارنة بأقرانهم الأقل ذكاءً، لكنهم يستغرقون وقتاً أقل بكثير في التنفيذ الفعلي اللاحق. يبرهن هذا السلوك المعرفي على أن كفاءة المكونات العليا تحمي النظام العقلي من التشتت والوقوع في المحاولات العشوائية المرهقة.
لا تتوقف وظيفة المكونات العليا عند بدء التنفيذ، بل ترافق مسار الحل عبر آليات المراقبة النشطة لرصد مدى التقدم نحو الهدف المنشود، وإعادة توجيه المسار فور ظهور مؤشرات الفشل أو العقبات غير المتوقعة. وعند الانتهاء، تتولى هذه المكونات تقييم جودة الحل المنجز واستخلاص التغذية الراجعة، مما يتيح للنظام المعرفي تعديل خططه المستقبلية وبناء خبرة تراكمية رصينة تعزز كفاءة اتخاذ القرار وحل المشكلات المستقبلية الأكثر تعقيداً.
مكونات الأداء: التنفيذ الإجرائي وحل المشكلات
إذا كانت المكونات العليا تمثل القيادة التخطيطية، فإن مكونات الأداء (Performance Components) تجسد الأجهزة التنفيذية الميدانية التي تقوم بالعمليات المعرفية الفعلية لتنفيذ التعليمات الصادرة من المستوى الأعلى. هذه المكونات هي عمليات عقلية دنيا نسبياً تُستخدم لأداء المهام وحل المسائل المحددة، وتعمل بتوجيه مباشر من مكونات ما وراء المعرفة. تتجلى فاعلية مكونات الأداء بوضوح في مهام الاستدلال، والتفكير الاستنباطي، والاستدلال الاستقرائي، وحل التناظرات اللفظية والمكانية والرياضية التي تشكل جوهر الاختبارات العقلية.
حدد ستيرنبرغ عدة مراحل رئيسية لمكونات الأداء، تبدأ بعملية «الترميز» (Encoding)، حيث يقوم العقل بإدراك المثيرات وتخزين خصائصها المميزة في الذاكرة العاملة، واستدعاء المعلومات ذات الصلة من الذاكرة طويلة المدى. على سبيل المثال، عند مواجهة تناظر مثل: «المحامي بالنسبة للقانون مثل الطبيب بالنسبة لـ…؟»، فإن مكون الأداء الخاص بالترميز يسترجع المعاني والخصائص الجوهرية لكلمات «المحامي» و«القانون» و«الطبيب» لعقد الصلات المنطقية بينها بدقة وسرعة متناهيتين.
تعقب مرحلة الترميز عمليات منطقية أكثر عمقاً، منها عملية «الاستدلال» (Inferring) التي تستنبط العلاقة الجوهرية بين طرفي التناظر الأوليين (المحامي والقانون: مهنة وتطبيق قواعدها المنظمة). ثم تتدخل عملية «المطابقة» أو الإسقاط (Mapping)، التي تربط العلاقة القديمة بالمجال الجديد (ربط مجال المحاماة بمجال الطب). يلي ذلك مكون «التطبيق» (Application)، الذي يقوم بتوليد الاستجابة المناسبة وتنزيل العلاقة المستنبطة على المثير الجديد (الطبيب والطب أو العلاج). وأخيراً، تنشط عمليات «المقارنة» و«التبرير» لتصفية الخيارات المتاحة وانتقاء الخيار الأقوى برهانياً والرد النهائي على المسألة المطروحة.
تتفاعل مكونات الأداء فيما بينها بنسق تتابعي أو متوازٍ، ويتحدد مستوى أداء الفرد بنظافة العمليات العقلية وخلوها من التشويش أو الأخطاء الإجرائية. إن الخلل في أحد مكونات الأداء، كالترميز غير الدقيق مثلاً، يؤدي بالضرورة إلى استنتاجات خاطئة حتى لو كانت المكونات العليا قد اختارت استراتيجية ممتازة. من هنا، يؤكد ستيرنبرغ أن التفكير التحليلي المتميز يستلزم تناغماً كاملاً بين توجيهات المكونات العليا وسلاسة إنجاز مكونات الأداء لمهامها اللحظية دون بطء معطل أو تسرع معيب.
مكونات اكتساب المعرفة: استيعاب الخبرة والتعلم النشط
تمثل مكونات اكتساب المعرفة (Knowledge-Acquisition Components) الركيزة الثالثة في بنيان النظرية التكوينية، وتختص بالآليات والعمليات النفسية المستخدمة في اكتساب معلومات جديدة، وتعلم المفردات والمفاهيم، واستيعاب المعارف من البيئة المحيطة لأول مرة. لا يقتصر الذكاء في منظور ستيرنبرغ على معالجة ما يعرفه الفرد مسبقاً، بل يمتد جوهرياً إلى كيفية تعلمه لما يجهله، وكيفية غربلته للكم الهائل من المنبهات العشوائية التي تغمره يومياً لتحويلها إلى معرفة بنيوية منتظمة يمكن الرجوع إليها لاحقاً.
قسّم ستيرنبرغ هذه المكونات إلى ثلاث عمليات عقلية أساسية، أولها: «الترميز الانتقائي» (Selective Encoding). تتطلب هذه العملية فرز المثيرات الحسية الواردة والتمييز الحاسم بين المعلومات المهمة والمعلومات غير ذات الصلة بالتعلم المطلوب. يواجه الإنسان في أي موقف تعليمي تدفقاً هائلاً من التفاصيل الهامشية؛ ويبرز الذكاء هنا في القدرة الفائقة على التقاط المفاتيح الجوهرية وإهمال الحشو المشوش، وهو ما يفسر تفوق بعض الطلاب في استخلاص المعاني المركزية من النصوص المعقدة بمجهود أقل وتركيز أعلى.
العملية الثانية هي «الدمج الانتقائي» (Selective Combination)، وتتمثل في تجميع تلك المعلومات التي تم ترميزها انتقائياً وربطها معاً في سياق مترابط ومنتظم ذي معنى. لا يكفي للمتعلم أن يدرك عناصر الفكرة منفصلة، بل يجب عليه نسج خيوطها في صورة كلية متماسكة تشكل نظرية أو تصنيفاً أو قاعدة عامة. أما العملية الثالثة، فهي «المقارنة الانتقائية» (Selective Comparison)، التي تقوم بربط المعلومات الجديدة المكتسبة حديثاً بالبنى المعرفية والخبرات المخزنة سابقاً في الذاكرة طويلة المدى، مستخدمة التشبيه والاستعارة والقياس لتثبيت المعرفة الجديدة في التربة الذهنية القائمة وتعميق فهمها.
تبرز فاعلية هذه المكونات بوضوح في اكتساب اللغة والتمكن من المفردات السياقية؛ فالأفراد الذين يتمتعون بكفاءة عالية في مكونات اكتساب المعرفة يستطيعون تخمين معاني الكلمات المجهولة من خلال استقراء سياق الجملة، مستعينين بالترميز الانتقائي للإشارات الدالة، والدمج الانتقائي للقرائن النصية، والمقارنة الانتقائية بمعرفتهم اللغوية السابقة. إن هذه المكونات هي المسؤولة عن النمو المستمر لرأس المال المعرفي للفرد، وتحدد السقف الذي يستطيع أن يبلغه في مدارج التطور العلمي والفكري على مدى مسار حياته الشخصية والمهنية.
التكامل الوظيفي والديناميكية التفاعلية بين المكونات الثلاثة
على الرغم من التفكيك النظري والمنهجي الذي أجراه ستيرنبرغ لهذه المكونات لتسهيل دراستها المعملية، إلا أنه يشدد بحزم على أن هذه المنظومات الثلاث لا تعمل بمعزل عن بعضها البعض في الواقع المعاش، بل تشكل شبكة متكاملة وحلقية من التغذية الراجعة المستمرة. إن النشاط الذهني الإنساني ليس مجرد خط سير أحادي الاتجاه، بل هو منظومة سبرانية (Cybernetic System) ديناميكية، تتناغم فيها المكونات المختلفة بصورة لحظية لإنتاج الاستجابة الذكية الملائمة للمتطلبات المعرفية.
تبدأ هذه السلسلة عندما تستشعر مكونات ما وراء المعرفة وجود معضلة أو حاجة ملحة لتعلم مفهوم جديد، فتقوم بتوجيه مكونات اكتساب المعرفة لاستكشاف البيئة، وانتقاء البيانات الضرورية، وتصنيفها ودمجها. وبمجرد استقرار هذه المعرفة الجديدة في النظام التخزيني للعقل، تستدعي المكونات العليا مكونات الأداء وتصدر إليها الأوامر لاستخدام تلك المعرفة لحل مشكلة محددة أو تنفيذ مهمة ذهنية. وفي أثناء قيام مكونات الأداء بعملها، تراقب المكونات العليا مدى سلاسة الأداء، وترسل إشارات تصحيحية إذا واجه الأداء عقبة تستدعي اكتساب مزيد من المعلومات أو إعادة النظر في الخطة المعرفية المتبعة.
توضح هذه الطبيعة التفاعلية أن الضعف في أي حلقة من حلقات السلسلة يلقي بظلاله السلبية على الكفاءة العامة للمنظومة العقلية بأسرها. فالشخص الذي يمتلك مكونات أداء سريعة للغاية، لكنه يعاني من ضعف المكونات العليا، قد يندفع إلى حل المسائل بتهور وفق استراتيجيات غير ملائمة للمهمة. وعلى النقيض، فإن الشخص الذي يمتلك مكونات عليا ممتازة في التخطيط، لكنه يفتقر إلى كفاءة مكونات الأداء، سيجد صعوبة بالغة في تحويل خططه واستراتيجياته إلى نتائج ملموسة، وسيستغرق وقتاً طويلاً ومربكاً في إنجاز أبسط المهام الإجرائية.
يوفر هذا النموذج التكاملي رؤية متقدمة لتفسير التنوع الواسع في الأساليب المعرفية البشرية، وكيف تتكامل أبعاد الشخصية الفكرية. إن الذكاء ليس سمة فردية موحدة، بل هو نتاج كفاءة الإدارة التنسيقية المشتركة بين مستويات المعالجة المختلفة. ومن خلال هذا الفهم المتشابك، يمكن لعلماء النفس والمعلمين النظر إلى الأداء المعرفي بنظرة شمولية تشخص موضع الخلل بدقة داخل مسار المعالجة، بدلاً من الاكتفاء بإطلاق أحكام عامة ومبهمة حول تدني الذكاء أو ارتفاعه لدى المتعلمين.
التطبيقات التربوية والقياسية للنظرية التكوينية
أحدثت النظرية الفرعية التكوينية تأثيراً بالغاً في ميداني التربية والقياس النفسي، حيث نقلت التركيز من القياس المصمت للذكاء إلى التعليم والتدخل المعرفي الموجه. أدرك التربويون، بإلهام من أطروحة ستيرنبرغ، أن تدريس المواد الدراسية لا ينبغي أن يقتصر على حشو أذهان الطلاب بالحقائق الجاهزة، بل يجب أن يركز على تزويدهم بالمهارات التكوينية اللازمة لمعالجة تلك الحقائق، وتدريبهم الصريح على استراتيجيات ما وراء المعرفة ومراقبة الذات أثناء التفكير الدراسي.
في الفصول الدراسية القائمة على النموذج التكويني، يتم تشجيع الطلاب على ممارسة الترميز الانتقائي من خلال تعليمهم كيفية استخراج الأفكار الرئيسية، والتمييز بين الحقيقة والرأي، وتجاهل المشتتات في النصوص المعقدة. كما يُدربون على الدمج الانتقائي عبر مهام التلخيص، وصناعة الخرائط الذهنية، وبناء الروابط بين الموضوعات المتباعدة، في حين تنمي مهام المقارنة والانعكاس قدرتهم على المقارنة الانتقائية مع خبراتهم السابقة. يسهم هذا التدريب المتخصص في تحويل الطلاب من متلقين سلبيين للمعلومات إلى مفكرين نشطين يمتلكون زمام أدواتهم العقلية ويوجهونها بوعي واقتدار.
وعلى صعيد القياس النفسي، أدت النظرية إلى تطوير أدوات تقييم بديلة ومكملة للاختبارات التقليدية، مثل اختبار ستيرنبرغ للقدرات الثلاثية (Sternberg Triarchic Abilities Test – STAT). تقيس الأقسام التكوينية والتحليلية في هذا الاختبار قدرة الأفراد على التفكير الاستدلالي المنطقي، وفهم معاني المفردات من السياق، وتقييم الاستراتيجيات البديلة لحل المشكلات المعقدة. تتميز هذه الاختبارات بقدرتها التشخيصية العالية؛ فهي لا تمنح درجة كلية مجردة فحسب، بل تكشف عن ملامح القوة والضعف في المكونات المحددة للمفحوص، مما يمهد لبناء برامج علاجية وإثرائية ملائمة لاحتياجاته المعرفية الخاصة.
علاوة على ذلك، فتحت النظرية آفاقاً واعدة في مجال رعاية الموهوبين والتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة وصعوبات التعلم. فقد كشفت الأبحاث أن العديد من ذوي صعوبات التعلم لا يعانون من تدنٍ كلي في قدراتهم العقلية، بل يكمن خللهم في مكون محدد من مكونات الأداء، أو في عجز المكونات العليا عن تنظيم الوقت وتوجيه الانتباه بفاعلية. وبالمثل، اتضح أن التفوق العقلي والابتكار التحليلي يرتبطان بمرونة فائقة في المكونات العليا تتيح للموهوبين تبديل الاستراتيجيات بسلاسة عندما تعجز الاستراتيجية الحالية عن تحقيق الهدف، مما يوفر للتربويين مؤشرات بالغة الدقة لتحديد ورعاية النبوغ الفكري المبكر.
التقييم النقدي والمقارنة مع النماذج السيكومترية التقليدية
حظيت النظرية الفرعية التكوينية باهتمام نقدي واسع ومناقشات مستفيضة داخل الأوساط الأكاديمية منذ ظهورها وحتى اليوم. أشاد المؤيدون للنظرية بقدرتها الفائقة على تفتيت ظاهرة الذكاء الإنساني المعقدة إلى عمليات نفسية معرفية يمكن عزلها وقياسها تجريبياً في المختبر، مما حرر السيكولوجيا المعرفية من الاعتماد الحصري على التجريدات الإحصائية ونماذج تحليل العوامل الكلاسيكية التي لا تكشف شيئاً عن الآليات البيولوجية والعقلية الكامنة وراء الأداء الماهر.
ومع ذلك، وجه العديد من علماء القياس النفسي التقليديين، وفي مقدمتهم آرثر جنسن وليندا غوتفريدسون، انتقادات حادة للنظرية التكوينية. تركزت هذه الاعتراضات حول فكرة أن المهام والمكونات التي حللها ستيرنبرغ ترتبط ارتباطاً إحصائياً وثيقاً في نهاية المطاف بالعامل العام للذكاء (g)، وأن الفصل الحاد بين هذه المكونات قد يكون مصطنعاً إلى حد كبير، إذ يميل الأفراد المرتفعون في أحد المكونات إلى الارتفاع في سائر المكونات الأخرى، مما يعيد تأكيد مركزية العامل العام التي سعى ستيرنبرغ للتقليل من هيمنتها النظرية والعملية.
كما واجهت النظرية تحديات منهجية تتعلق بمدى صعوبة عزل وقياس بعض المكونات بصورة نقية تماماً خارج المختبر النفسي المضبوط؛ فالمهام العقلية الحقيقية تتطلب تداخلاً سريعاً ومكثفاً بين المكونات العليا ومكونات الأداء ومكونات اكتساب المعرفة، مما يجعل تحديد أي هذه المكونات كان مسؤولاً عن ارتكاب خطأ معين في التفكير مسألة معقدة وشائكة من الناحية التشخيصية. يضاف إلى ذلك أن بعض النقاد أشاروا إلى أن النظرية تركز على الجوانب الميكانيكية لمعالجة الرموز اللفظية والمنطقية، متجاهلة إلى حد ما التأثيرات الانفعالية والوجدانية والدافعية التي تلعب دوراً جوهرياً في تحريك التفكير البشري وتوجيه نتائجه.
ورغم هذه السجالات والتحفظات المنهجية، يظل الإسهام الفكري للنظرية التكوينية علامة فارقة في تاريخ علم النفس المعرفي. لقد نجحت في إرساء رؤية ديناميكية تؤكد أن الذكاء ليس كتلة صماء موروثة وثابتة لا تتغير، بل هو منظومة متطورة من المهارات والعمليات العقلية التي تتضافر لتمنح الكائن البشري قدرته الاستثنائية على فهم العالم وتحليله ومواجهة تحدياته المعرفية بوعي واقتدار.
الخلاصة والآفاق المستقبلية
في الختام، تجسد النظرية الفرعية التكوينية لروبرت ستيرنبرغ تحولاً جذرياً في فهمنا للبنية العقلية للذكاء الإنساني، من خلال نقل بؤرة الاهتمام من نتائج الاختبارات إلى صميم آليات معالجة المعلومات ذاتها. عبر تفكيك الذكاء إلى مكونات عليا تخطيطية، ومكونات أداء تنفيذية، ومكونات لاكتساب المعرفة، قدمت النظرية نموذجاً تشريحياً فريداً يشرح كيف يبني العقل استجاباته ويحل معضلاته المعرفية بدقة منهجية. لقد أثبت هذا النموذج أن التفكير التحليلي ليس موهبة فطرية غامضة، بل هو نتاج منظومة متكاملة من العمليات الذهنية المتفاعلة التي يمكن رصدها وتدريبها والارتقاء بها داخل الأطر التعليمية والمهنية المختلفة، مما يفتح آفاقاً واعدة لتطوير كفاءة التفكير البشري في عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية المتسارعة.
المراجع
- Sternberg, R. J. (1985). Beyond IQ: A triarchic theory of human intelligence. Cambridge University Press.
- Sternberg, R. J. (1988). The triarchic mind: A new theory of human intelligence. Viking.
- Sternberg, R. J. (1997). Successful intelligence: How practical and creative intelligence determine success in life. Plume.
- Sternberg, R. J., & Detterman, D. K. (1986). What is intelligence? Contemporary viewpoints on its nature and definition. Ablex Publishing.
- Jensen, A. R. (1998). The g factor: The science of mental ability. Praeger.
- Flavell, J. H. (1979). Metacognition and cognitive monitoring: A new area of cognitive-developmental inquiry. American Psychologist, 34(10), 906–911.