نموذج التقييم القائم على الأهداف: قياس الأثر والفاعلية

استكشف نموذج التقييم القائم على الأهداف لرالف تايلر، وتعرف على أسسه السيكومترية، تطبيقاته التربوية والنفسية، وأبرز الانتقادات العلمية الموجهة إليه.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 23 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 23 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثّل تقييم البرامج والتدخلات النفسية والتربوية حجر الزاوية في التحقق من كفاءة الممارسات المهنية وجدواها العلمية؛ إذ لا يمكن لأي نسق تعليمي أو علاجي أن يبرهن على نجاحه دون وجود معايير محددة سلفاً يُقاس الأداء بناءً عليها. وفي هذا المضمار، يبرز نموذج التقييم القائم على الأهداف بوصفه أحد أقدم النماذج المنهجية وأكثرها تأثيراً في تاريخ القياس والتقويم، حيث يربط بين الغايات المنشودة والنتائج المتحققة عبر مسار علمي منضبط يقلل من العشوائية والانطباعية الذاتية.

نموذج التقييم القائم على الأهداف

1. التعريف الدقيق والموجز

يُعرَّف نموذج التقييم القائم على الأهداف (Goal Model of Evaluation) بأنه إطار منهجي ومنظومي يُستخدم لتقدير مدى نجاح برنامج أو تدخل أو مؤسسة من خلال المقارنة المباشرة والصريحة بين الأهداف المحددة مسبقاً والنتائج الفعلية المتحققة واقعياً. يفترض هذا النموذج أن القيمة الحقيقية لأي نشاط تكمن في مدى قدرته على إحداث التغييرات السلوكية أو المعرفية أو المؤسسية التي وُضعت في وثيقة أهدافه التأسيسية.

يتجاوز هذا الإطار فكرة القياس السطحي، إذ ينظر إلى الأهداف باعتبارها معايير معيارية (Normative criteria) تحدد خط النهاية الذي ينبغي أن يصل إليه المستفيدون؛ وبذلك يصبح التقييم بمثابة فحص للتباين والانحراف بين ما كان مخططاً له وما أُنجز بالفعل، مما يتيح لصناع القرار والباحثين اتخاذ قرارات حاسمة تتعلق باستمرار البرنامج، أو تعديل آلياته، أو إيقافه بالكامل استناداً إلى أدلة كمية ونوعية دقيقة ومباشرة.

2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي

يعود مصطلح “التقييم” في اللغة العربية إلى الجذر الثلاثي (ق-و-م)، ومنه قَوَّمَ الشيء تقويماً أي أزال عوجه وعدّله وجعله قويماً، كما يُستعمل في السياق المعاصر للدلالة على بيان القيمة والوزن والقدر. أما كلمة “الهدف” فترجع إلى الجذر (ه-د-ف)، والهدف في لسان العرب هو كل شيء مرتفع مشرف، وهو المرمى الذي يُرمى إليه بالسهام، ثم استعير دلالياً في الأدبيات الحديثة ليعبر عن الغاية والنتيجة المقصودة والمخطط الوصول إليها.

في الفكر الغربي، ارتبط المصطلح بالصياغة الإنجليزية (Goal-Attainment Model أو Goal-Based Evaluation) التي طورها بصورة بنيوية رائد القياس التربوي الأمريكي رالف تايلر (Ralph W. Tyler) في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين. وقد نُقل المصطلح إلى السياق الأكاديمي العربي تحت مسميات متقاربة، منها “نموذج بلوغ الأهداف”، و”نموذج تايلر التقويمي”، و”التقييم المتمركز حول الغايات”، ليعبر عن حركة إجرائية واضحة المعالم في منظومة العلوم السلوكية والتربوية.

3. اللفظ والصيغة الصرفية والنحوية

يُلفظ المصطلح باللغة العربية الفصحى: نَمُوذَجُ التَّقْيِيمِ القَائِمِ عَلَى الأَهْدَافِ. تركيبياً، يتألف التعبير من مركب إضافي ونعتي؛ حيث يأتي “نموذج” اسماً مفرداً مشتقاً من أصل فارسي معرب (نُمُودَه) ويعني المثال والنسق المعياري، و”التقييم” مضاف إليه مجرور، وهو مصدر مشتق من الفعل الثلاثي المزيد بالتشديد (قَيَّمَ) وزنه الصرفي (تَفْعِيل). ويأتي تركيب “القائم على الأهداف” نعتاً لبيان طبيعة النموذج واستناده المنهجي، حيث صيغت كلمة “الأهداف” على وزن الجمع (أَفْعَال) لاسم المذكر “هدف”.

تستخدم الصيغة في الدراسات التربوية والنفسية كاسم علم على مدرسة تقويمية محددة، ويشيع في الأدبيات استعمال البديل الأكثر دقة لغوياً وهو “نموذج التقويم القائم على الأهداف”، انطلاقاً من التمييز الدلالي الشهير بين التقييم (بيان القيمة والتشخيص) والتقويم (التعديل والتصحيح والتطوير)، وإن كان الاستخدامان يتقاطعان كثيراً في الترجمات المعاصرة للمصطلح الأجنبي.

4. الشرح المفاهيمي المفصل

يقوم نموذج التقييم القائم على الأهداف على منطق عقلاني استنباطي يفترض أن أي تدخل مخطط (برنامج إرشادي، منهج دراسي، برنامج تأهيلي سلوكي، أو مبادرة مؤسسية) ينشأ بدافع معالجة فجوة معينة. ولردم هذه الفجوة، يحدد مصممو التدخل غايات محددة يجب بلوغها في نهاية فترة زمنية معينة. بموجب هذا المنطق، تصبح الأهداف هي المرجعية المطلقة والوحيدة للحكم على نجاح البرنامج أو فشله، بعيداً عن التخمينات أو الانطباعات الذاتية للقائمين على تنفيذه.

ينطلق النموذج من تسلسل منطقي محكم يبدأ بصياغة الأهداف صياغة إجرائية دقيقة خالية من الغموض، بحيث تشير إلى سلوكيات أو نتائج قابلة للملاحظة والقياس الكمي أو الكيفي. وفي المرحلة اللاحقة، يتم تصميم الأدوات والاختبارات والمقاييس النفسية أو التعليمية الملائمة لرصد تلك النواتج المحددة حصراً. وبالتالي، فإن عملية جمع البيانات لا تسير عشوائياً، بل تتبع بدقة متناهية مسارات الأهداف الموضوعة؛ فكل هدف يقابله مؤشر قياس، وكل مؤشر يقابله معيار محدد سلفاً للأداء المقبول.

تتمثل جوهرية هذا النموذج في مفهوم “تحديد التباين” (Discrepancy Analysis)؛ أي تحليل الفارق العددي أو النوعي بين مستوى الإنجاز المرصود ومستوى الأداء المستهدف. وإذا ما أظهر التقييم أن الأهداف قد تحققت بنسبة عالية، يُحكم على البرنامج بالفاعلية والجدارة. أما إذا اتضح وجود قصور أو فجوة واسعة بين الواقع والمأمول، فإن النموذج يوجه المحللين إلى إعادة فحص مفاصل البرنامج: هل تكمن المشكلة في آليات التنفيذ، أم في عدم واقعية الأهداف، أم في ضعف وسائل القياس المستخدمة؟

إن النطاق المفهومي لهذا النموذج يتسم بوضوح الحدود؛ فهو نموذج مغلق بطبيعته المنهجية (Closed-loop Model)، حيث ينصب التركيز بالكامل على النتائج المتوقعة دون تشتيت الموارد في تقييم العمليات الجانبية المعقدة أو التداعيات غير المستهدفة. وهذا التحديد الصارم هو سر قوته في توفير بيانات مباشرة وقاطعة للممولين والإداريين حول مدى تحقق العائد المتوقع من الاستثمار التربوي أو النفسي المبذول في التدخل المعني.

5. التطور التاريخي ومحطات النشأة

تعود جذور نموذج التقييم القائم على الأهداف إلى العقد الثالث من القرن العشرين، وتحديداً خلال “دراسة السنوات الثماني” (Eight-Year Study) الشهيرة التي أُجريت في الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1932 و1940 تحت إشراف رابطة التعليم التقدمي. وكان رالف تايلر هو العقل المدبر لهذه الدراسة الرائدة، حيث سعى إلى معرفة ما إذا كانت المناهج الدراسية التقدمية وغير التقليدية في المدارس الثانوية قادرة على إعداد الطلاب للنجاح الجامعي مقارنة بالمناهج الكلاسيكية المقيدة بالامتحانات النمطية.

اكتشف تايلر أن التقييم السائد آنذاك كان يقتصر على مقارنة أداء الطلاب ببعضهم البعض، دون فحص مدى تحقيقهم للأهداف الجوهرية للتعلم. ولحل هذه المعضلة، نشر تايلر عام 1949 كتابه التأسيسي بالغ الأثر: المبادئ الأساسية للمناهج والتدريس (Basic Principles of Curriculum and Instruction)، والذي وضع فيه أربعة أسئلة محورية شكلت حجر الأساس لنموذج الأهداف: ما هي الأغراض التعليمية التي ينبغي أن تسعى المؤسسة لتحقيقها؟ ما هي الخبرات التعليمية الكفيلة بتحقيقها؟ كيف يمكن تنظيم هذه الخبرات بفاعلية؟ وكيف نحدد ما إذا كانت هذه الأغراض قد تحققت؟

شهدت فترة الستينيات والسبعينيات تطويراً مكثفاً لهذا النموذج بفضل حركة “الأهداف السلوكية” (Behavioral Objectives Movement)، والتي تزعمها علماء النفس السلوكي مثل روبرت ماجر (Robert Mager)، وبنجامين بلوم في وضعه الشهير لـ تصنيف بلوم للأهداف التعليمية. أصبحت صياغة الأهداف وفق شروط دقيقة (تحديد السلوك، والظروف، ومعيار الأداء) المعيار الذهبي لأي تقييم جاد في الأوساط العسكرية والتربوية والطبية النفسية.

مع بزوغ ثمانينيات القرن العشرين وما تلاها، انتقل النموذج من المجال التربوي إلى حقول السياسات العامة وإدارة المنظمات والتدخلات النفسية الإكلينيكية، متمازجاً مع تقنيات الإدارة بالأهداف (Management by Objectives) ونماذج بطاقة الأداء المتوازن، ليصبح أداة كونية تُبنى عليها مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) في تقييم المؤسسات والبرامج حول العالم.

6. الأسس والأطر النظرية

يستند نموذج التقييم القائم على الأهداف إلى بنية إبستيمولوجية تجمع بين النزعة الوضعية التجريبية (Positivism) والمدرسة السلوكية (Behaviorism) في علم النفس. تفترض الوضعية أن الظواهر الإنسانية والنفسية والتربوية يمكن صياغتها في مؤشرات قابلة للملاحظة والقياس المستقل، وأن القيمة العلمية لأي حكم تقييمي تتوقف على إمكانية التحقق منه إمبريقياً عبر بيانات رقمية قطعية لا تقبل التأويل الذاتي.

من الناحية النفسية السلوكية، يتشابك النموذج مع فكرة المثير والاستجابة وتعديل السلوك؛ فالبرنامج النفسي أو التعليمي يُنظر إليه كـ “مثير” أو بيئة منظمة، في حين تمثل الأهداف التغير المرغوب في “الاستجابة” أو السلوك النهائي للمتعلم أو العميل. ولذلك يصر هذا النموذج على ضرورة صياغة الأهداف في أفعال أدائية ظاهرة (مثل: يُعرّف، يُطبّق، يُحلّل، يُميّز، يُقلل من نوبات القلق بمقدار النصف) والابتعاد عن التعبيرات الباطنية الضبابية (مثل: يدرك، يتأمل، يستوعب روح الشيء) ما لم تُترجم إلى شواهد سلوكية صريحة.

كما يستند النموذج إلى نظرية النظم العامة (General Systems Theory)، حيث يُنظر إلى البرنامج كمدخلات (Inputs) تشمل الموارد والأهداف، وعمليات (Processes) تتضمن الأنشطة والتدريب، ومخرجات (Outputs/Outcomes) تمثل السلوكيات المتحققة. وفي هذا الإطار النسقي، يعمل نموذج التقييم كآلية “تغذية راجعة سالبة أو موجبة” (Cybernetic Feedback Loop) تعيد ضبط وتصحيح المدخلات والعمليات بناءً على درجة مطابقة المخرجات للأهداف المسطرة.

وأخيراً، يرتبط الإطار بنظرية العقلانية الأداتية (Instrumental Rationality)، التي تركز على المفاضلة بين الوسائل لتحقيق غايات معينة؛ حيث يُسلّم النموذج بأن الأهداف تمثل قيماً متفقاً عليها مسبقاً، وتقتصر مهمة المقيّم على تقييم مدى كفاءة الأداة (البرنامج) في إيصال المشاركين إلى تلك المحطة المستهدفة دون التشكيك في مشروعية الغايات نفسها.

7. المكونات الأساسية، الأنواع، والأبعاد

يتألف نموذج التقييم القائم على الأهداف من مجموعة من المكونات المتسلسلة والمترابطة بنيوياً، وتتكامل هذه الخطوات لضمان الدقة المنهجية:

  • تحديد وتوضيح الغايات العامة (Formulation of Broad Goals): استنباط التطلعات الكبرى للمؤسسة أو البرنامج انطلاقاً من فلسفة العمل واحتياجات المستفيدين.
  • الصياغة الإجرائية للأهداف السلوكية (Operationalization of Objectives): تحويل الغايات المجردة إلى أهداف سلوكية ونفسية محددة بدقة، تتضمن السلوك المتوقع، والظروف التي يظهر فيها، ومستوى الإتقان المطلوب.
  • تطوير أدوات القياس الملائمة (Development of Measurement Instruments): اختيار أو بناء اختبارات ومقاييس واستبيانات مصممة خصيصاً لرصد السلوكيات المذكورة في الأهداف دون غيرها.
  • جمع البيانات القبلية والبعدية (Baseline and Post-Intervention Data Collection): تسجيل مستويات المشاركين قبل الانخراط في البرنامج لتحديد نقطة الأساس، ثم جمع البيانات بعد إتمام التدخل لقياس التغير.
  • تحليل بيانات الفجوة والتباين (Discrepancy Analysis): إجراء المقارنات الإحصائية بين المستويات المحققة ومستويات المعايير المحددة في الأهداف لتحديد نسب النجاح والقصور.
  • التغذية الراجعة واتخاذ القرار (Decision Making & Feedback): تقديم تقرير تركيبي يوضح مجالات القوة ونقاط الضعف، واستخدام النتائج لتعديل البرنامج أو اعتماده نهائياً.

أما من حيث الأبعاد والأنواع، فيمكن تصنيف تطبيقات هذا النموذج إلى عدة مستويات: تقييم الأهداف قصيرة المدى (Immediate Outcomes) التي تقيس الاكتساب المعرفي أو المهاري المباشر؛ وتقييم الأهداف متوسطة المدى (Intermediate Outcomes) التي تفحص ديمومة التغير السلوكي في البيئة الطبيعية؛ وتقييم الأهداف بعيدة المدى أو الاستراتيجية (Long-term Impact) التي تقيس الآثار العميقة كتحسن جودة الحياة أو الاستقرار النفسي والمؤسسي.

8. أمثلة وحالات تطبيقية توضيحية

لتوضيح النموذج بصورة ملموسة، نورد حالتين تطبيقيتين في سياقين مختلفين:

الحالة الأولى: برنامج علاجي نفسي للحد من القلق الاجتماعي
وضع فريق من المعالجين النفسيين برنامجاً قائماً على العلاج المعرفي السلوكي لمجموعة تعاني من الرهاب الاجتماعي. تم تحديد الهدف الإجرائي للبرنامج كالتالي: “خفض درجات القلق الاجتماعي لدى المشاركين بمعدل 30% على الأقل وفق مقياس ليبوفيتز للقلق الاجتماعي (LSAS)، مع قدرة المشارك على إلقاء عرض تقديمي مدته 5 دقائق أمام جمهور من 10 أفراد دون مغادرة القاعة بنسبة نجاح 80% من الحاضرين بحلول نهاية الأسبوع العاشر”. في نهاية البرنامج، طُبق المقياس ونُفذ اختبار المحاكاة، وأظهرت البيانات انخفاض القلق بنسبة 35% ونجاح 85% من المشاركين في استكمال العرض. بناءً على نموذج التقييم القائم على الأهداف، صُنّف التدخل كبرنامج ناجح وفعال نظراً لتطابق النتائج مع المعايير المسطرة مسبقاً وتجاوزها.

الحالة الثانية: مبادرة تربوية لتعزيز مهارات القراءة الناقدة في المدارس
أطلقت وزارة تعليمية برنامجاً لتطوير القراءة التحليلية لدى طلاب المرحلة الإعدادية. كان الهدف المعلن: “أن يتمكن 75% من الطلاب من تمييز الحقيقة من الرأي واكتشاف التحيز الأيديولوجي في ثلاثة نصوص معقدة بنسبة دقة لا تقل عن 70% في اختبار معياري وطني”. بعد عام دراسي كامل، خضع الطلاب للتقييم، وكشفت النتائج أن 52% فقط من الطلاب استطاعوا تحقيق معيار الدقة المطلوب. عبر تطبيق نموذج الفجوة الخاص بتايلر، أقر المقيّمون بأن البرنامج لم يحقق هدفه المحدد، مما قاد اللجان التربوية إلى مراجعة وتعديل طرائق تدريب المعلمين والأنشطة الصفية قبل إعادة تطبيق البرنامج في العام التالي.

9. القياس، التشخيص، وأدوات التقييم

يعتمد نموذج التقييم القائم على الأهداف اعتماداً جذرياً على منظومة القياس النفسي والتربوي لضمان صدق وثبات الأحكام التقويمية. وتعتبر الاختبارات معيارية المرجع (Norm-referenced tests) غير ملائمة بمفردها لهذا النموذج؛ وبدلاً منها، يركز النموذج بشكل شبه حصري على “الاختبارات محكية المرجع” (Criterion-Referenced Tests). في هذا النمط من الاختبارات، لا يُقارن أداء الفرد بزملائه، بل يُقاس مستواه مقابل معيار أداء مسبق ومطلق مستمد مباشرة من الهدف السلوكي المصاغ.

تتضمن أدوات التقييم الشائعة في هذا الإطار ما يلي:

  • سلالم التقدير اللفظية وقوائم الشطب (Rubrics and Checklists): أدوات وصفية تترجم الهدف المعقد إلى مستويات أدائية متدرجة، تفصل المعالم السلوكية لكل درجة من درجات الإتقان.
  • مقاييس التقرير الذاتي المقننة (Standardized Self-Report Inventories): مثل مقاييس الاكتئاب، مفهوم الذات، أو دافعية الإنجاز، والتي تُقاس أهدافها عبر درجات قطعية (Cut-off scores) محددة تسبق التدخل.
  • الملاحظة السلوكية المنهجية (Systematic Behavioral Observation): تسجيل تكرار أو مدة حدوث سلوكيات مستهدفة (Target Behaviors) في بيئات طبيعية أو مخبرية بواسطة ملاحظين مدربين باستخدام بروتوكولات ترميز متفق عليها.
  • اختبارات التحصيل ومحاكاة الأداء العملي (Performance-Based Assessments): مهام واقعية تطلب من الأفراد إظهار الكفاءة المعرفية أو المهارية المستهدفة في شروط تطابق البيئة الحقيقية.

تخضع هذه الأدوات لمتطلبات سيكومترية صارمة، في مقدمتها صدق المحتوى (Content Validity) للتأكد من أن فقرات الأداة تمثل بالكامل النطاق السلوكي للأهداف، والاتساق الداخلي وثبات الإعادة، لضمان أن الفروق بين القياس القبلي والبعدي تعود حصراً لأثر البرنامج وليس لأخطاء القياس العشوائية.

10. التطبيقات والأهمية العملية

يمتلك نموذج التقييم القائم على الأهداف حضوراً واسعاً ومتشعباً في شتى مجالات العلوم الإنسانية والتطبيقية؛ ففي قطاع التعليم وتطوير المناهج، يُعد النموذج الهيكل الأساسي الذي تُبنى عليه المناهج التعليمية المعاصرة وتصاميم الوحدات الدراسية واختبارات الكفاءة الوطنية وبرامج الاعتماد الأكاديمي، حيث يُلزم واضعي الخطط بربط كل استراتيجية تدريسية بهدف تعليمي واضح ونتائج تعلم مستهدفة (Intended Learning Outcomes – ILOs).

وفي مجال علم النفس الإكلينيكي والعلاج النفسي، يوجه النموذج صياغة خطط العلاج الفردية (Individualized Treatment Plans)، حيث يحدد المعالج مع المريض أهدافاً واقعية وقابلة للقياس (مثل: تقليل نوبات الهلع من أربع مرات أسبوعياً إلى صفر، أو مغادرة المنزل بمفرده ثلاث مرات في الأسبوع). وبذلك يصبح تقييم التحسن الإكلينيكي مبنياً على مؤشرات ملموسة تحمي العلاج من الاسترسال الذاتي غير المنتج وتضمن كفاءة التدخل.

أما في سياق علم النفس الصناعي والتنظيمي وإدارة الموارد البشرية، فيتجلى النموذج في تقييم فاعلية البرامج التدريبية للموظفين (كما في نموذج كيركباتريك لتقييم التدريب، ولا سيما المستويين الثاني والثالث المتعلقين بالتعلم والسلوك)، إضافة إلى تقييم الأداء الوظيفي القائم على الأهداف السنوية المتفق عليها بين الإدارة وفرق العمل. وفي ميدان الصحة العامة والخدمة الاجتماعية، تفرض الجهات المانحة والمؤسسات التمويلية هذا النموذج للتحقق من أن الأموال الموجهة لمبادرات خفض الإدمان أو رعاية الأيتام أو الرعاية الوقائية قد حققت الغايات الديموغرافية والصحية المحددة في وثائق المشروعات.

11. البحوث والأدلة التجريبية

أكدت عقود من الأبحاث الإمبريقية في علوم السلوك والتربية الفاعلية المنهجية لنموذج الأهداف؛ ففي دراسة كلاسيكية موسعة راجعت مئات البرامج التعليمية، أشار الباحثان روبرت سلوفان (Robert Slavin) وتوماس غوسكي (Thomas Guskey) إلى أن البرامج التي تعتمد أهدافاً إجرائية محددة وتستخدم أدوات تقويم محكية المرجع تحقق تحسناً ملحوظاً في التحصيل الدراسي ودافعية المتعلمين، مقارنة بالبرامج ذات الغايات العامة المبهمة، حيث تسهم الأهداف الواضحة في تركيز انتباه المعلمين والطلاب نحو المخرجات المطلوبة بدقة.

وفي سياق أبحاث علم النفس التنظيمي، قدم الباحثان إدوين لوك (Edwin Locke) وغاري لاثام (Gary Latham) عبر نظرية وضع الأهداف (Goal-Setting Theory) أدلة تجريبية قاطعة تمتد لأكثر من 400 دراسة، تثبت أن تحديد أهداف نوعية ومحددة وصعبة يؤدي باستمرار إلى مستويات أداء وتقييم أعلى بكثير مقارنة بالأهداف السهلة أو الطلب العام مثل “ابذل قصارى جهدك”. وأظهرت تحليلات البعد التلوي (Meta-analyses) أن استخدام نموذج الأهداف في تقييم المؤسسات والفرق يعزز الشفافية والمساءلة ويزيد من كفاءة تخصيص الموارد بنسب ذات دلالة إحصائية مرتفعة.

ومع ذلك، أظهرت دراسات تقويمية تجريبية أخرى، كأبحاث مايكل باتون (Michael Quinn Patton)، أن الاقتصار الصارم على الأهداف المحددة مسبقاً قد يغفل في كثير من الأحيان نواتج غير متوقعة (Unintended Consequences) تتجاوز في أهميتها الأهداف الأصلية للبرنامج، مما يستوجب توخي الحذر عند الاكتفاء بمؤشرات ضيقة الأفق في البحوث التقييمية المعقدة.

12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات

تثير مسألة تطبيق نموذج التقييم القائم على الأهداف عبر بيئات ثقافية متنوعة تساؤلات إبستيمولوجية هامة؛ فالنموذج يعكس في جوهره قيماً غربية مستمدة من الفلسفة البراغماتية والنزعة الفردية التي تقدس التخطيط الخطي، والإنجاز المحسوب، والقياس الإجرائي المنفصل عن السياق الشامل. وعند نقل هذا النموذج إلى ثقافات جمعية (Collectivist cultures) -كما في بعض المجتمعات الشرقية والأفريقية والعربية التقليدية- قد تواجه العملية تحديات بنيوية.

في الثقافات التي تتبنى رؤية كلية ومتكاملة (Holistic worldview)، غالباً ما يُنظر إلى النجاح الإنساني والتربوي باعتباره نسيجاً متشابكاً من النمو الروحي، والأخلاقي، والعلائقي، وهو ما يصعب حصره في صيغ سلوكية إجرائية ضيقة. فإذا تم إجبار تلك السياقات على حصر غاياتها في معايير رقمية وسلوكية صارمة، فقد يؤدي ذلك إلى اختزال المعاني الثقافية الثرية وتسطيح أهداف التربية والإرشاد النفسي في بنود ميكانيكية.

علاوة على ذلك، تلعب محددات مثل “تجنب عدم اليقين” و”مسافة السلطة” دوراً مؤثراً في تحديد كيفية صياغة الأهداف؛ ففي بعض البيئات المؤسسية العربية، قد تُصاغ الأهداف بطريقة طوباوية لإرضاء القيادات العليا، أو قد يتم التردد في إعلان الإخفاق في تحقيق الأهداف تجنباً لفقدان المكانة، مما يفرغ النموذج من جوهره التقويمي الصادق. لذا، يوصي علماء التقييم الثقافي التفاعلي (Culturally Responsive Evaluation) بضرورة إشراك الفئات المحلية المستهدفة في تحديد معاني “النجاح” وصياغة الأهداف بما يتماشى مع البنى القيمية للمجتمع.

13. الانتقادات، الجدل العلمي، والمحددات

رغم الرواج الواسع والوضوح المنهجي لنموذج التقييم القائم على الأهداف، إلا أنه تعرض لموجات نقدية عاصفة من رواد نظرية التقييم:

  • تجاهل النواتج غير المقصودة (Neglect of Unintended Outcomes): يرى الفيلسوف والمقيم الشهير مايكل سكريفن (Michael Scriven) أن هذا النموذج يعاني من “عمى الأهداف”؛ إذ يركز المقيّم فقط على ما خُطط له، ويتعامى عن الآثار الجانبية الكارثية أو الفوائد الإيجابية العرضية غير المسبوقة التي قد تنتج عن البرنامج دون تخطيط مسبق، وهو ما دفع سكريفن لابتكار “التقييم الخالي من الأهداف” (Goal-Free Evaluation).
  • التسليم بصحة الأهداف دون نقدها (Uncritical Acceptance of Goals): يتعامل النموذج مع الأهداف كمسلمات مقدسة؛ فهو يسأل: “هل تحققت الأهداف؟” ولكنه لا يسأل السؤال الأخلاقي والمهني الأهم: “هل كانت هذه الأهداف جديرة بالتحقيق أصلاً؟ وهل تلبي الاحتياجات الحقيقية للمستفيدين؟”.
  • النزعة السلوكية الاختزالية (Behavioral Reductionism): وُجهت انتقادات حادة للصياغات الإجرائية الصارمة، لأنها غالباً ما تدفع مصممي البرامج نحو التركيز على الأهداف التافهة والسطحية القابلة للقياس السهل (كالمهارات الحركية أو استرجاع المعلومات)، وإهمال الأبعاد المعقدة كالتفكير الإبداعي، والنضج الوجداني، والوعي الذاتي لكونها تستعصي على الاختزال السلوكي.
  • إغفال سياق العمليات والبيئة الديناميكية: يتعامل النموذج مع البرنامج كـ “صندوق أسود” (Black Box) يربط المدخلات بالمخرجات دون تقديم تفسير كافٍ لكيفية ولماذا حدث التحول، متجاهلاً التفاعلات الإنسانية المعقدة والظروف البيئية المتغيرة التي تتدخل أثناء سير التدخل.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة

لتفادي الخلط المفاهيمي الشائع في أدبيات التقييم، يستعرض هذا القسم الفروق الدقيقة بين نموذج الأهداف والمفاهيم والنماذج المجاورة له:

  • التقييم الخالي من الأهداف (Goal-Free Evaluation): ابتكره مايكل سكريفن كنقيض صريح لنموذج الأهداف؛ وفيه يتعمد المقيّم عدم معرفة أهداف البرنامج، ويقوم بفحص جميع الآثار والنتائج الواقعية التي يختبرها المشاركون بحيادية تامة لملاحظة النواتج المقصودة وغير المقصودة معاً دون انحياز.
  • نموذج السياق، المدخلات، العمليات، والمخرجات (CIPP Model): نموذج شامل طوره دانيال ستفلبيم؛ وبينما يقتصر نموذج الأهداف على فحص المخرجات مقابل الغايات، يتسع نموذج CIPP ليشمل تقييم البيئة واحتياجاتها (السياق)، والموارد والخطط (المدخلات)، وتفاصيل التنفيذ اليومي (العمليات)، بالإضافة إلى جودة المخرجات الإجمالية.
  • التقييم التكويني مقابل التقييم الختامي (Formative vs. Summative Evaluation): يميل نموذج التقييم القائم على الأهداف في جوهره التقليدي ليكون تقييماً ختامياً يُجرى في نهاية البرنامج لإصدار حكم نهائي حول النجاح، في حين يركز التقييم التكويني على جمع البيانات المستمرة أثناء التنفيذ بغرض التحسين المستمر والتصحيح المرحلي.
  • التقييم المتمركز حول الاستخدام (Utilization-Focused Evaluation): يركز إطار باتون على تكييف التقييم وتصميمه بناءً على ما يحتاجه مستخدمو التقييم الفعليون لاتخاذ قراراتهم، في حين ينطلق نموذج الأهداف من فرضية جامدة تقضي بأن المقارنة المعيارية هي المطلب الوحيد الأهم لجميع الأطراف المعنية.

15. الخلاصة والنقاط الجوهرية

يظل نموذج التقييم القائم على الأهداف أحد أكثر المعالم المنهجية رسوخاً في تاريخ العلوم التربوية والنفسية والاجتماعية. لقد استطاع هذا النموذج منذ ابتكاره على يد رالف تايلر أن ينقل الممارسات التقويمية من حيز الانطباعات الذاتية العفوية إلى رحاب الموضوعية المنهجية الصارمة والمساءلة المؤسسية المحكمة. وتتجلى قوته الاستثنائية في بساطة منطقه العقلاني، وقدرته الفائقة على تحديد الفجوة بين المأمول والواقع، وربطه المنطقي المحكم بين نوايا التدخل ومخرجاته الإمبريقية عبر أدوات قياس محكية المرجع تتسم بالدقة العالية.

وعلى الرغم من المآخذ الجوهرية الموجهة إليه —ولا سيما إغفاله للنواتج العرضية غير المخططة وتعاميه في صيغته التقليدية عن نقد جدارة الأهداف ذاتها— فإن الممارس الواعي يستطيع توظيف هذا النموذج بنجاح كركيزة أساسية، مع تطعيمه بمناهج تقييمية نوعية وسياقية أكثر رحابة. إن فهم نموذج الأهداف واستيعاب أبعاده المنهجية يمنح الباحثين والأخصائيين النفسيين والتربويين بوصلة واضحة لقياس الأثر وتوجيه السلوك البشري نحو غاياته التنموية المنشودة باقتدار ومسؤولية.

المراجع

  • Bloom, B. S., Engelhart, M. D., Furst, E. J., Hill, W. H., & Krathwohl, D. R. (1956). Taxonomy of educational objectives: The classification of educational goals. Handbook I: Cognitive domain. David McKay Company.
  • Locke, E. A., & Latham, G. P. (2002). Building a practically useful theory of goal setting and task motivation: A 35-year odyssey. American Psychologist, 57(9), 705–717. https://doi.org/10.1037/0003-066X.57.9.705
  • Mager, R. F. (1997). Preparing instructional objectives: A critical tool in the development of effective instruction (3rd ed.). Center for Effective Performance.
  • Patton, M. Q. (2008). Utilization-focused evaluation (4th ed.). SAGE Publications.
  • Scriven, M. (1972). Pros and cons about goal-free evaluation. Evaluation Comment, 3(4), 1–4.
  • Stufflebeam, D. L., & Coryn, C. L. (2014). Evaluation theory, models, and applications (2nd ed.). Jossey-Bass.
  • Tyler, R. W. (1949). Basic principles of curriculum and instruction. University of Chicago Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 23). نموذج التقييم القائم على الأهداف: قياس الأثر والفاعلية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/goal-model-of-evaluation/
looti, Mohammed. “نموذج التقييم القائم على الأهداف: قياس الأثر والفاعلية.” عرب سايكلوجي, 23 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/goal-model-of-evaluation/.
looti, Mohammed. “نموذج التقييم القائم على الأهداف: قياس الأثر والفاعلية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 23, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/goal-model-of-evaluation/.