يشكل اضطراب الاكتناز أحد أكثر الاضطرابات النفسية تعقيداً وغموضاً في المشهد الإكلينيكي المعاصر، حيث يتجاوز مجرد الرغبة العادية في الاحتفاظ بالمقتنيات إلى حالة مرضية تعطل الوظائف الحياتية الأساسية وتغرق المساحات المعيشية في فوضى عارمة. يعكس هذا السلوك صراعاً نفسياً عميقاً يرتبط بمشاعر الأمان، والارتباط العاطفي المشوه بالأشياء المادية، والعجز المعرفي عن اتخاذ قرارات التخلص والفرز والتنظيم. تتطلب دراسة هذه الظاهرة تفكيك أبعادها المعرفية والعصبية والاجتماعية لفهم الجذور الدفينة التي تحول المقتنيات اليومية المهملة إلى امتدادات وجودية لا يمكن للشخص الانفصال عنها.
اضطراب الاكتناز القهري
1. التعريف الدقيق والموجز
يُعرَّف اضطراب الاكتناز (Hoarding Disorder) بأنه صعوبة مستمرة ومزمنة في التخلص من المقتنيات أو التخلي عنها بصرف النظر عن قيمتها الفعلية أو المادية، ناتجة عن حاجة ملحة ومدركة للاحتفاظ بتلك العناصر، وترافقها ضائقة نفسية شديدة عند محاولة التخلص منها أو التفكير في ذلك. يؤدي هذا السلوك إلى تراكم هائل للأشياء لدرجة تؤدي إلى اكتظاظ المساحات المعيشية النشطة وتعطيل الغرض الأساسي الذي خُصصت له هذه الغرف والمساحات الحيوية داخل المسكن أو بيئة العمل.
يتجاوز هذا الاضطراب مفهوم الهواية أو جمع المقتنيات المنظم؛ إذ يتصف بفقدان السيطرة على التدفق المادي للأشياء نحو البيئة الخاصة بالفرد، مع انهيار القدرة على تنظيمها أو تصنيفها. يؤدي التراكم التدريجي إلى خنق المساحة الوظيفية للمنزل، كالمطابخ وغرف النوم والممرات والحمامات، مما يجعلها غير صالحة للاستخدام الإنساني الآمن والصحي، ويقود تدريجياً إلى تدهور نوعية الحياة وتهديد سلامة الفرد ومن يحيطون به.
وفقاً للتصنيفات التشخيصية الحديثة، يُصنف الاكتناز ككيان مرضي مستقل يتسم بالديمومة والتطور التدريجي عبر مراحل العمر، حيث لا يعود مجرد عرض ثانوي لاضطراب نفسي آخر، بل يمثل متلازمة سريرية متكاملة ذات ملامح فينومينولوجية وسلوكية وعصبية محددة تستوجب تدخلاً علاجياً متخصصاً يراعي طبيعة الاستبصار الضعيف لدى معظم المصابين به.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاق
يعود الأصل اللغوي للمصطلح الإنجليزي (Hoarding) إلى الكلمة الإنجليزية القديمة (Hord)، والتي تعني الكنز أو المخزون المخفي أو الأشياء الثمينة المحفوظة بعناية، وهي متجذرة في اللغات الجرمانية البدائية (Huzd-). كان المصطلح في سياقه اللغوي والتاريخي يحمل دلالات ترتبط بحفظ الموارد الاقتصادية أو الحبوب أو المعادن النفيسة للتحوط من أوقات الندرة والمجاعات، وكان يُنظر إليه كاستراتيجية تكيفية لحفظ البقاء في البيئات القاسية تاريخياً.
في المعاجم العربية، يعود جذر الكلمة إلى الفعل (كَنَزَ)، ويقال كَنَزَ المالَ يَكْنِزُهُ كَنْزاً: جَمَعَهُ وادَّخَرَهُ وتراكم عنده وخبأه تحت الأرض أو في وعاء. وورد لفظ الكنز في التراث العربي والإسلامي للإشارة إلى تجميع المال وحبسه عن التداول، كما يُشتق من الجذر (ك-ن-ز) معنى التكتل والاكتناز والامتلاء، مما يعكس في معناه النفسي المعاصر احتباس الأشياء وحشو المكان بها إلى درجة الامتلاء الخانق والتصلب في الموقف حيال تفريغها أو بذلها.
دخل المصطلح إلى القاموس الطبي والنفسي تدريجياً في بدايات القرن العشرين، لكنه استُخدم في البداية ضمن كتابات التحليل النفسي لوصف الطابع الشائع لاكتناز الأشياء كدفاع نفسي ضد فقدان الموضوع، قبل أن يتبلور في تسعينيات القرن العشرين كاصطلاح إكلينيكي محدد بفضل أبحاث راندي فروست وغيل ستيكيتي، اللذين أعادا صياغته علمياً لتمييزه عن مجرد السلوك البشري الطبيعي في الاحتفاظ بالذكريات والممتلكات الشخصية.
3. النطق والبنية النحوية والصرفية
يُنطق المصطلح باللغة العربية: “اِضْطِرَابُ الِاكْتِنَازِ”، بصيغة المركب الإضافي؛ حيث تقع كلمة “اضطراب” مضافاً وهي مصدر قياسي من الفعل الخماسي “اضْطَرَبَ” على وزن “افْتِعَال”، مشتقة من الجذر (ض-ر-ب)، والتي تعبر صرفياً عن الحركة والخلل وعدم الاستقرار والتنازع الداخلي. وتأتي كلمة “الاكتناز” مضافاً إليه مجروراً، وهي مصدر من الفعل الخماسي “اِكْتَنَزَ” على وزن “افْتَعَلَ”، للدلالة على المطاوعة والمبالغة في الجمع والتكديس الإرادي أو القهري للممتلكات.
من الناحية المعجمية والنحوية، يُستخدم المصطلح في النصوص العلمية إما مفرداً معرفاً مثل “الاكتناز” للدلالة على الظاهرة السلوكية المجردة، أو مقيداً بالوصف مثل “الاكتناز القهري” لربطه تاريخياً بطيف الوسواس القهري، أو مضافاً إلى اضطراب ليعبر عن الكيان التشخيصي الطبي المكتمل والمعترف به في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية. ويُجمع اللفظ جمع تكسير في سياقات التوصيف إلى “اضطرابات الاكتناز” عند تناول الأنماط الفرعية المتعددة لهذه الظاهرة المرضية.
4. التفسير المفاهيمي المفصل
يتسم اضطراب الاكتناز بطيف واسع من المظاهر المعرفية والانفعالية والسلوكية التي تتفاعل بصورة دائرية لتعزيز الاحتفاظ بالمقتنيات ومقاومة التخلص منها. في قلب هذا المفهوم تكمن فكرة “القيمة المدركة للأشياء”؛ فالشخص المصاب بالاكتناز لا يرى الأشياء كما يراها الشخص العادي، بل يمنح حتى النفايات المنزلية والعلب الفارغة والقصاصات الورقية قيمة عاطفية أو وظيفية أو جمالية مفرطة، مما يجعل مجرد فكرة رميها تبدو وكأنها تفريط كارثي أو خيانة للذاكرة الشخصية أو تبديد غير مبرر لمنفعة مستقبلية محتملة.
ينطوي البعد المعرفي للاكتناز على معالجة معلومات غير نمطية، حيث يعاني الأفراد من عجز ملحوظ في اتخاذ القرارات السريعة وتصنيف الأشياء في فئات هرمية. يرى المريض كل قطعة باعتبارها كياناً فريداً قائماً بذاته لا يمكن دمجه مع غيره، وتعرف هذه الظاهرة في علم النفس الإدراكي بـ “فرط التفرد” (Over-individuation) للأشياء؛ فإذا كانت علبة الكرتون تحتوي على خدش طفيف أو طابع معين، فإنها تفقد عموميتها وتصبح غرضاً تاريخياً يستحيل تعويضه، مما يشل القدرة على اتخاذ قرار الرمي والتخلص.
عاطفياً، تُستخدم المقتنيات كدروع وقائية ضد مشاعر القلق، والوحدة، والفراغ العاطفي، والحزن؛ حيث تكتسب الأشياء الجامدة صفة الأمان الوجودي، وتتحول إلى امتداد مادي للأنا والذات، إذ يعتقد المصاب أن جزءاً من هويته وذكرياته سيتلاشى إذا غادرت تلك القطعة حيزه المكاني. ولهذا السبب، فإن التخلص القسري من الأشياء بواسطة أفراد العائلة أو السلطات يولد لدى المريض استجابات صدمية حادة تتطابق مع مشاعر الفقد والحداد والاقتلاع الجسدي.
يمتد النطاق المفاهيمي للاضطراب ليشمل ثلاثة أبعاد مترابطة جوهرياً: الاكتساب المفرط (سواء بالشراء، أو بالجمع المجاني، أو بالسرقة أحياناً)، وصعوبة التخلص المستمرة بغض النظر عن انعدام القيمة، وتراكم الفوضى الذي يعطل العيش الطبيعي. وعندما تبلغ هذه الأبعاد ذروتها، يتحول المسكن من بيئة داعمة ومريحة إلى بيئة خطرة تهدد السلامة العامة، وتزيد من مخاطر نشوب الحرائق، وانهيار الأكوام التراكمية، وانتشار الآفات والحشرات، مما يفرض عزلة اجتماعية قسرية على المريض نتيجة شعوره بالخجل الشديد أو خوفه من تدخل الآخرين في مساحته.
5. التطور التاريخي للمفهوم
ارتبط السلوك الاكتنازي عبر التاريخ بالعديد من الحالات الشهيرة التي تناولتها الأدبيات الشعبية والطبية، ومن أشهرها تاريخياً قضية الأخوين هومر ولانغلي كولير في مدينة نيويورك في أربعينيات القرن العشرين، حيث عُثر عليهما ميتين داخل قصرهما وسط مئات الأطنان من الصحف والكتب والمعادن والمقتنيات المكدسة في فخاخ داخلية محكمة أودت بحياتهما، مما سلط الضوء عالمياً على هذا السلوك الغريب والمأساوي.
في مطلع القرن العشرين، تناول سيغموند فرويد وزملاؤه في مدرسة التحليل النفسي سمات الشخصية الاكتنازية، حيث ربط فرويد في ورقته عام 1908 بين الاكتناز وبين التثبيت في المرحلة الشرجية النمائية، معتبراً أن حبس الأشياء وتخزينها يمثل امتداداً نفسياً للاحتفاظ بالبراز والتحكم في البيئة والتعبير عن البخل والعناد والتردد. تلا ذلك طرح إريك فروم لمفهوم “التوجه الاكتنازي” (Hoarding Orientation) في تحليله لأنماط الشخصية، مشيراً إلى أنه توجه يستمد فيه الفرد أمنه من التملك والاحتفاظ بالموارد بدلاً من التفاعل الخلاق مع الحياة.
من الناحية التصنيفية، ظل الاكتناز لعقود طويلة مجرد عرض محتمل يندرج تحت مظلة اضطراب الوسواس القهري (OCD) أو اضطراب الشخصية الوسواسية (OCPD). واعتبرت الإصدارات الأولى من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية التابع لـ الجمعية الأمريكية للطب النفسي أن تجميع الأشياء هو وسيلة لتسكين الأفكار الوسواسية أو طقس قهري لا يستقل بذاته.
شهد العقد الأخير من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة تحولاً جذرياً؛ إذ كشفت الدراسات الإكلينيكية والعصبية المعمقة التي قادها راندي فروست وغيل ستيكيتي وديفيد ماتايكس كولز أن الغالبية العظمى من المكتنزين لا يعانون من أعراض وسواسية كلاسيكية كالتلوث أو الشك، وأن اكتنازهم لا يتسم بالدوافع الوسواسية المألوفة، بل يقترن بمشاعر إيجابية أثناء الجمع ومشاعر ضيق أثناء التخلص. أدى هذا الزخم البحثي إلى اتخاذ قرار تاريخي بفصل اضطراب الاكتناز وإدراجه كتشخيص مستقل تماماً في الإصدار الخامس من الدليل التشخيصي والإحصائي (DSM-5) الصادر عام 2013، وتبعه في ذلك التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) الصادر عن منظمة الصحة العالمية عام 2018.
6. الأسس والأطر النظرية المفسرة
يعد النموذج المعرفي السلوكي الذي طوره فروست وستيكيتي (Frost & Steketee Model) الإطار النظري الأكثر شمولاً وقبولاً في تفسير اضطراب الاكتناز، حيث يفترض النموذج أن هذا السلوك ينشأ من تفاعل معقد بين نقاط ضعف محددة، تشمل العوامل البيولوجية والوراثية، والتجارب الحياتية المبكرة، والمعتقدات المشوهة حول الأشياء، وعجز وظائف المعالجة التنفيذية والمعرفية.
يركز هذا الإطار النظري على وجود خلل رئيسي في مهارات المعالجة المعرفية يتضمن: صعوبة الانتباه المستمر، وضعف الذاكرة العاملة والثقة في استرجاع المعلومات، وبطء المعالجة الإدراكية، وعجزاً كبيراً في التخطيط واتخاذ القرارات وفئات التصنيف. تتولد لدى المصاب معتقدات مفرطة الخطأ حول المسؤولية الشخصية تجاه المقتنيات (مثل: “إذا رميت هذا، فقد أحتاجه يوماً ما وأندم”، أو “من الهدر غير الأخلاقي التخلص من هذه المادة المفيدة”)، فضلاً عن الارتباط العاطفي القوي بالشيء كحافظ للذات والهوية الشخصية.
من منظور نظريات التعلم، يعمل الاكتساب والاحتفاظ بالمقتنيات من خلال آليات التعزيز السلبي؛ إذ يمثل التخلص من أي قطعة مثيراً مولداً للقلق الشديد والذنب والضيق الوجودي، وعندما يقرر الفرد الاحتفاظ بها بدلاً من رميها، يختبر انخفاضاً فورياً في حدة القلق، مما يعزز سلوك الإبقاء بصورة دورية قهقرية تجعل السلوك محصناً ضد التعديل التلقائي.
على المستوى البيولوجي العصبي، أظهرت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وجود خلل ونشاط شاذ في شبكات الدماغ الأمامية الجبهية، تحديداً في القشرة الجبهية الحجاجية (Orbitofrontal Cortex) والتلفيف الحزامي الأمامي (Anterior Cingulate Cortex) والجزيرة (Insula). لوحظ أن هذه المناطق تظهر فرط نشاط مبالغ فيه عندما يُطلب من المكتنزين اتخاذ قرارات تتعلق بممتلكاتهم الشخصية، مما يدل على استجابة عصبية عاطفية مؤلمة تجعل عملية اتخاذ القرار عبئاً إدراكياً مرهقاً يؤدي بالنهاية إلى الهروب والتسويف السلوكي.
7. المكونات الرئيسة والأنواع والأبعاد
يتألف اضطراب الاكتناز من مجموعة من المكونات والأبعاد الإكلينيكية التي تختلف في شدتها وطريقة تمظهرها السريري:
- صعوبة التخلي المستمرة (Difficulty Discarding): تمثل الركيزة الجوهرية والسمة الإلزامية للاضطراب، حيث يعجز الفرد عن إلقاء المقتنيات أو التبرع بها أو بيعها أو التخلص منها، سواء كانت ذات قيمة ظاهرية أو عديمة القيمة تماماً مثل الفواتير القديمة والزجاجات والأكياس الفارغة، ويصاحب أي محاولة للتخلي توتر انفعالي حاد وشعور بالذعر وفقدان الأمان.
- التراكم والفوضى المكانية (Clutter): تراكم كميات هائلة من العناصر بشكل غير منظم في الأماكن المخصصة للأنشطة الحياتية (مثل السرير، أسطح إعداد الطعام، الممرات، الأدراج، الحمام). ويُعد التراكم مؤشراً بصرياً أساسياً لتقييم درجة خطورة الحالة وتهديدها للصحة العامة والسلامة الفيزيائية للمنزل.
- الاكتساب المفرط (Excessive Acquisition): يظهر لدى نحو 80-90% من المصابين، ويتمثل في الاندفاع نحو جمع الأشياء أو شرائها بكميات هائلة تتجاوز الحاجة والقدرة المادية، أو جمع المواد المجانية وتفقد سلال المهملات والنفايات العامة بحثاً عن أشياء يعتقدون أن لها قيمة كامنة ومستقبلية.
- ضعف الاستبصار (Impaired Insight): يمثل بعداً تشخيصياً هاماً يحدد استجابة الفرد للعلاج؛ ويتراوح بين استبصار جيد (يدرك الفرد أن سلوكه مرضي ومضر)، واستبصار ضعيف (يعتقد أن سلوكه مبرر في الغالب)، وانعدام الاستبصار أو التوهم (اقتناع جازم بأن التراكم صحي ومفيد ورفض قاطع لأي مساعدة خارجية).
- اكتناز الحيوانات (Animal Hoarding): نمط فرعي بالغ الخطورة ينطوي على تجميع أعداد كبيرة من الحيوانات الأليفة (كالقطط والكلاب) مع الفشل التام في توفير الرعاية البيطرية والتغذية والنظافة الأساسية لها، مما يقود إلى تدهور بيئي حاد ونفوق الحيوانات وانتشار الأمراض، ويترافق هذا النمط عادة بإنكار شديد وضعف استبصار كارثي.
8. الأمثلة التوضيحية والحالات الإكلينيكية
الحالة الإكلينيكية الأولى: “عصام” واكتناز الأوراق والوثائق
يبلغ عصام من العمر 54 عاماً، وهو موظف متقاعد يعيش بمفرده. يمتلئ منزله المؤلف من ثلاث غرف بآلاف الصناديق الكرتونية المكدسة حتى السقف بالصحف اليومية منذ عام 1995، إضافة إلى الإعلانات التجارية المطبوعة والمظاريف البريدية وفواتير الكهرباء القديمة. لا يمكن لعصام استخدام موقد الغاز لتحضير الطعام، بل ينام على أريكة ضيقة محاطة بالصحف لتجنب انهيارها. عندما حاولت شقيقته مساعدته في فرز الصناديق والتخلص من الإعلانات القديمة، دخل في نوبة غضب وبكاء هستيرية مبرراً أن هذه الوثائق تحتوي على “معلومات قد تضيع من التاريخ إلى الأبد” وأنه ملزم أخلاقياً بالاحتفاظ بها. يعكس هذا المثال البعد المعرفي المرتبط بفرط الإحساس بالمسؤولية وصعوبة معالجة المعلومات.
الحالة الإكلينيكية الثانية: “سامية” واكتساب الأواني والمقتنيات المادية
سامية، 62 عاماً، بدأت مشكلتها تتفاقم بعد وفاة زوجها واستقلال أبنائها عنها. تتردد يومياً على الأسواق الشعبية ومتاجر التخفيضات لشراء الأواني الزجاجية والملابس الرخيصة والأوشحة التي تراها “جميلة جداً ولا يمكن تركها تذهب لغيرها”. امتلأت غرف النوم والممرات في شقتها بالأكياس المغلقة التي لم تفتح لسنوات، وأصبح مطبخها مغلقاً بالكامل بمواد التغليف والأكياس البلاستيكية. تعترف سامية بأن الشراء يمنحها نشوة مؤقتة ودفئاً يعوضان شعورها بالوحدة، لكنها ترتعب من فكرة فتح الأكياس أو رمي أي شيء خوفاً من مواجهة مشاعر الفقد والألم المرتبطة بذكرياتها، وهو ما يوضح الارتباط العاطفي بالأشياء كدفاع نفسي ضد الاكتئاب والفراغ الوجودي.
9. القياس والتشخيص والتقييم النفسي
يخضع تشخيص اضطراب الاكتناز لمحددات صارمة وردت في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، والتي تتطلب استيفاء معايير صعوبة التخلص المستمرة، والحاجة المدركة للاحتفاظ، وتراكم الأشياء لدرجة تعطيل استخدام الأماكن الحيوية، وتسبب ذلك في ضائقة سريرية واضحة أو تدهور اجتماعي ووظيفي، مع التأكد من أن الأعراض لا تعزى لحالة طبية عامة (مثل إصابات الدماغ أو الخرف) وليست مفسرة بشكل أفضل بأعراض اضطراب نفسي آخر (كالفصام أو الاكتئاب الجسيم).
يعتمد التقييم الإكلينيكي الشامل على مجموعة من المقاييس والأدوات المعيارية المعتمدة عالمياً، ومن أبرزها:
- مقياس الاكتناز المنقح (Saving Inventory-Revised – SI-R): استبيان تقرير ذاتي يتكون من 23 بنداً يقيس ثلاثة أبعاد فرعية رئيسية هي: صعوبة التخلص، وفوضى المكان، والاكتساب القهري المفرط، ويتمتع بدرجات عالية من الصدق والثبات الإكلينيكي.
- المقابلة التشخيصية للاكتناز (Hoarding Rating Scale – HRS): مقابلة نصف مهيكلة يجريها المعالج النفسي، تتكون من خمسة أسئلة تغطي صعوبة التخلص، وتراكم الفوضى، والاكتساب، والضائقة النفسية، والتعطيل الوظيفي الناتج.
- مقياس الفوضى البصري (Clutter Image Scale – CIR): أداة تقييم بصري مبتكرة وسريعة، تتضمن سلسلة من الصور الفوتوغرافية المرتبة تصاعدياً من 1 (غرفة خالية من الفوضى تماماً) إلى 9 (غرفة ممتلئة بالكامل حتى السقف بالفوضى) لثلاث مناطق رئيسية: غرفة المعيشة، المطبخ، وغرفة النوم. يُطلب من المريض أو الفاحص اختيار الصورة التي تطابق الوضع الفعلي لمنزل المريض لتقييم حدة التراكم بموضوعية.
يتطلب التقييم الإكلينيكي المتكامل زيارات ميدانية للمنزل لتقييم مستويات السلامة الهيكلية ومخاطر الحريق ووجود الحشرات والحيوانات، بالإضافة إلى إجراء تقييم معرفي شامل للوظائف التنفيذية لاستبعاد حالات التدهور المعرفي والاضطرابات العصبية المعرفية المصاحبة للشيخوخة.
10. التطبيقات والأهمية الإكلينيكية والعملية
تكمن الأهمية الإكلينيكية لاضطراب الاكتناز في تأثيراته المدمرة التي تتجاوز الفرد المكتنز إلى أسرته والمجتمع المحيط به، مما يستدعي استراتيجيات تدخل متعددة التخصصات تشمل الطب النفسي، والعمل الاجتماعي، والدفاع المدني، والصحة العامة. يمثل الاضطراب تحدياً صحياً واجتماعياً معقداً؛ إذ يرفع بشكل كبير معدلات الحوادث المنزلية المميتة بسبب الحرائق، أو انهيار الأكوام الثقيلة فوق المريض، أو التعثر والسقوط في أوساط كبار السن.
في الممارسة العلاجية، أثبت العلاج المعرفي السلوكي (CBT) المخصص لاضطراب الاكتناز فاعليته كخيار علاجي أول. يركز هذا البروتوكول العلاجي على تدريب المرضى على مهارات اتخاذ القرارات، وتصنيف المواد، وإعادة الهيكلة المعرفية للمعتقدات الخاطئة المتعلقة بالممتلكات، والتعرض التدريجي للتخلص من الأشياء مع منع استجابة التراجع، بالإضافة إلى استراتيجيات الحد من الاندفاع في الاكتساب والشراء.
غالباً ما يُدمج العلاج المعرفي السلوكي بتقنيات المقابلات الدافعية (Motivational Interviewing) لتعزيز دافعية المريض للتغيير وتجاوز ضعف الاستبصار ومقاومة التدخل الخارجي. كما تبرز أهمية التدخلات المنزلية بالتعاون مع منظمين محترفين (Professional Organizers) وأخصائيين اجتماعيين لدعم المريض خطوة بخطوة في بيئته الطبيعية دون اللجوء إلى التفريغ الإجباري السريع الذي يؤدي عادة إلى نتائج عكسية وانتكاسات نفسية وخيمة.
على صعيد التدخلات الدوائية، أظهرت مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، ومثبطات استرداد السيروتونين والنورأدرينالين (SNRIs) مثل الفينلافاكسين، فاعلية متوسطة في تقليل أعراض القلق والاكتئاب المصاحبة للاكتناز، لكنها نادراً ما تنجح وحدها في القضاء على سلوك التكديس والتراكم دون علاج نفسي سلوكي مكثف.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية المعاصرة
أكدت الدراسات الوبائية الحديثة أن معدل انتشار اضطراب الاكتناز يتراوح بين 2% إلى 6% من عامة السكان، مما يجعله أكثر انتشاراً من اضطراب الوسواس القهري التقليدي. تشير دراسات التوأم والأبحاث الجينية السلوكية إلى أن الاكتناز يتمتع بمعدل توريث وراثي كبير يصل إلى حوالي 50%، مما يدل على وجود أرضية بيولوجية قوية تهيئ الأفراد للإصابة بهذا السلوك في ظل توفر ظروف بيئية مواتية ومحفزات نفسية محددة.
أوضحت أبحاث العالم راندي فروست وزملاؤه أن مسار الاضطراب يتسم بالتدريج؛ إذ تبدأ البوادر الأولى للاكتناز في سن المراهقة والشباب المبكر (بين سن 12 و18 عاماً)، وتكون في صورة صعوبة في التخلي عن الهدايا البسيطة وتفضيل جمع التذكارات، ثم تتفاقم الحالة ببطء مع تقدم العمر لتصل إلى مرحلة سريرية شديدة التعطيل عند منتصف العمر والشيخوخة بعد سن الخمسين، ويرتبط هذا التفاقم بفقدان الدعم الاجتماعي أو مغادرة الأبناء للمنزل أو التقاعد عن العمل.
في مجال علم الأعصاب المعرفي، ركزت أبحاث ديفيد ماتايكس كولز وفريقه على دراسة النظم العصبية المسؤولة عن معالجة القرارات؛ حيث أظهرت التجارب أن مناطق الدماغ المرتبطة بالألم النفسي والإدراك العاطفي تنشط بشكل غير طبيعي لدى مرضى الاكتناز عند مواجهة خيار التخلص من ممتلكاتهم الخاصة، بينما يظهر خمول في نفس المناطق عند اتخاذ قرارات بشأن ممتلكات الآخرين، وهو ما يفسر المفارقة التي تجعل المريض قادراً على نصح غيره بالتخلص من أشيائه بينما يعجز تماماً عن تطبيق ذلك على مقتنياته الخاصة.
12. الاعتبارات الثقافية وعبر الحضارية
تتأثر مظاهر الاكتناز وتعبيراته السريرية بالسياقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المختلفة. ففي المجتمعات النامية أو البيئات التي شهدت حروباً أو مجاعات أو أزمات اقتصادية ممتدة، يُنظر إلى الاحتفاظ بالموارد والأشياء القديمة على أنه قيمة إيجابية وسلوك اقتصادي عقلاني يعبر عن الحكمة والتدبير؛ ونتيجة لذلك قد يتأخر اكتشاف الاضطراب في هذه الثقافات ويُقبل مجتمعياً كنمط سلوكي مبرر تحت مظلة “الحاجة المستقبلية”.
في المقابل، في المجتمعات الاستهلاكية والصناعية المتقدمة، حيث تسهل وفرة المنتجات الرخيصة والتسوق الإلكتروني تدفق البضائع باستمرار، يبرز الاكتساب المفرط القائم على الشراء والتسوق كوجه بارز للاضطراب، بينما يتزايد الوصم الاجتماعي للفوضى المكانية نتيجة معايير الرفاهية والنظافة الصارمة للمنازل الحضرية الحديثة.
تؤثر التركيبة الأسرية أيضاً على مسار الاضطراب؛ ففي المجتمعات الجماعية ذات الروابط الأسرية الوثيقة (كالعديد من الثقافات العربية والشرقية)، يتدخل أفراد العائلة الممتدة بصورة متكررة للحد من الفوضى وتنظيف المساحات، مما قد يخفي الشدة الحقيقية للاضطراب لسنوات، لكنه يولد أيضاً صراعات أسرية حادة ومشاعر انتهاك للخصوصية لدى الفرد المصاب، على عكس المجتمعات الفردية التي يعيش فيها المريض في عزلة تامة تقوده إلى التراكم المطلق دون أن يلحظه أحد حتى تقع كارثة صحية أو بيئية.
13. الانتقادات والجدل العلمي والمحددات
أثار قرار فصل اضطراب الاكتناز عن اضطراب الوسواس القهري في الدليل التشخيصي (DSM-5) نقاشاً علمياً واسعاً لم يحسم تماماً؛ حيث جادل بعض الباحثين التقليديين بأن الاكتناز هو مجرد تباين نمطي لاضطراب الوسواس القهري أو تعبير عن الوساوس النمطية المرتبطة بالتماثل والاكتمال، محذرين من التوسع في إفراد فئات تشخيصية جديدة قد تسهم في “المرضنة الطبية” (Medicalization) لسلوكيات إنسانية طبيعية تقع ضمن مدى التباين الفردي في حب التملك والتجميع.
من الانتقادات المنهجية الموجهة للأدبيات العلمية في هذا المجال هو الاعتماد المفرط على تقارير العينات السريرية التي تتمتع باستبصار نسبي وتقبل العلاج، بينما تبقى الشريحة الأكثر خطورة وتأثراً — وهم الأفراد منعدمو الاستبصار والذين يرفضون الإقرار بوجود أي مشكلة — بعيدة عن العينات البحثية، مما يحد من القدرة على تعميم نتائج العلاجات النفسية الحالية على الحالات الشديدة والمزمنة.
يثير التدخل الإجباري والتنظيف القسري من قبل الجهات الحكومية أو الأسرية جدلاً أخلاقياً وقانونياً معقداً؛ حيث يتصادم حق الفرد في ملكيته الخاصة ومساحته الشخصية مع واجبات حماية الصحة والسلامة العامة وحقوق الجيران والبيئة، وأثبتت الدراسات أن التنظيف القسري دون تقديم علاج نفسي موازٍ يؤدي في أغلب الحالات إلى صدمة نفسية عنيفة تدفع المريض لمعاودة الاكتساب والاكتناز بوتيرة أسرع وأكثر شراسة لتعويض ما فقده قسراً.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية
تتداخل العديد من المفاهيم والسلوكيات الإنسانية مع اضطراب الاكتناز، مما يستدعي توضيح الفروق الجوهرية وفقاً للأطر الإكلينيكية المعاصرة:
- جمع المقتنيات والهوايات (Collecting): سلوك منظم وهادف يركز فيه الفرد على اقتناء فئات محددة من الأشياء (كالطوابع، العملات، التحف الفنية)، ويصاحبه فرز منهجي وعرض جذاب للمقتنيات دون التسبب في فوضى تعطل وظائف المنزل، ويمنح الهاوي شعوراً بالفخر والمشاركة الاجتماعية بخلاف العزلة والخجل في الاكتناز.
- اضطراب الوسواس القهري (OCD): تنبع صعوبة التخلص في الوسواس القهري من هواجس وأفكار وسواسية تطفلية وغير مريحة تماماً (كالشعور بأن عدم الاحتفاظ بالجريدة سيسبب مكروهاً لأحد أفراد الأسرة)، وتكون عملية التكديس غير ممتعة إطلاقاً، وتفتقر إلى الارتباط العاطفي الإيجابي بالأشياء الموجود لدى المكتنزين.
- اضطراب الشخصية الوسواسية (OCPD): نمط مزمن من السعي نحو الكمال والصلابة النفسية والسيطرة المفرطة، وقد يمتنع المصاب به عن التخلص من الأشياء البالية من منطلق منطقي متزمت يرى في الرمي إسرافاً للمال والجهد، لكن هذا التمسك لا يترافق عادة بفوضى عارمة وشلل مكاني كما هو الحال في اضطراب الاكتناز.
- متلازمة ديوجين (Diogenes Syndrome): متلازمة سريرية تظهر غالباً لدى كبار السن، وتتسم بالإهمال الذاتي الشديد، والعزلة الاجتماعية المطلقة، والعيش في قذارة منزلية بالغة، وتراكم النفايات والأشياء دون وعي أو استبصار، وتكون في الغالب عرضاً ثانوياً لتدهور عصبي معرفي أو تلف دماغي، بخلاف الاكتناز الأولي.
- الشراء القهري (Compulsive Buying): اضطراب في السيطرة على الاندفاع يركز حصرياً على نشوة عملية الشراء وعملية الدفع ذاتها، وغالباً ما يتخلص الفرد من الأشياء التي اشتراها أو يهديها للآخرين بعد زوال الإثارة الأولية، بينما يركز المكتنز على حيازة الشيء والاحتفاظ به إلى ما لا نهاية.
15. الخلاصة والنقاط الجوهرية
يمثل اضطراب الاكتناز متلازمة نفسية معقدة تتجاوز مفهوم الرغبة العادية في الاحتفاظ بالممتلكات، وتتحدد بصعوبة مستمرة في التخلي عن الأشياء، مع فرط الاكتساب، وتراكم الفوضى التي تعطل الوظائف الحيوية للمسكن. ينطلق الاضطراب من أسس معرفية وعصبية ترتبط بخلل في معالجة المعلومات، وفرط التفرد للأشياء، والارتباط العاطفي العميق بها كبديل للأمان الإنساني والاجتماعي. يتطلب العلاج الفعال مقاربة معرفية سلوكية شاملة ومتعددة التخصصات تركز على تنمية الدافعية ومهارات الفرز والتنظيم وكسر حلقات التعزيز السلبي، مما يعيد للمريض القدرة على استعادة مساحته الحياتية وعلاقاته الإنسانية المتوازنة.
المراجع
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
- Frost, R. O., & Hartl, T. L. (1996). A cognitive-behavioral model of compulsive hoarding. Behaviour Research and Therapy, 34(4), 341–350. https://doi.org/10.1016/0005-7967(95)00071-2
- Frost, R. O., & Steketee, G. (2010). Stuff: Compulsive hoarding and the meaning of things. Houghton Mifflin Harcourt.
- Mataix-Cols, D., Frost, R. O., Pertusa, A., Clark, L. A., Saxena, S., Leckman, J. F., Stein, D. J., Matsunaga, H., & Wilhelm, S. (2010). Hoarding disorder: a new diagnosis for DSM-V?. Depression and Anxiety, 27(6), 556–572. https://doi.org/10.1002/da.20693
- Steketee, G., & Frost, R. O. (2014). Treatment for hoarding disorder: Therapist guide (2nd ed.). Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/med:psych/9780199334964.001.0001