مقياس الزميل الأقل تفضيلاً: مرآة أسلوب القيادة

استكشف مقياس الزميل الأقل تفضيلاً (LPC) لفريد فيدلر؛ دليلك الأكاديمي الشامل لفهم التوجه القيادي السيكومتري بين إنجاز المهام وبناء الروابط الإنسانية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 1 نوفمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 1 نوفمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يعد فهم السلوك القيادي وتفكيك محدداته النفسية أحد أكثر التحديات إثارة في حقل علم النفس التنظيمي والإداري، حيث يتأرجح التفاعل البشري داخل بيئات العمل بين متطلبات إنجاز المهام وضغوط العلاقات الإنسانية. يقف مقياس الزميل الأقل تفضيلاً (Least Preferred Coworker Scale – LPC) بوصفه أداة إسقاطية وسيكومترية بارزة صاغها عالم النفس فريد فيدلر، ليكشف عن المحركات الدفينة التي توجه استجابات القائد وتحدد أسلوبه الإداري غير الواعي في أوقات التوتر وتداخل الأدوار.

مقياس الزميل الأقل تفضيلاً (LPC)

1. التعريف الموجز

مقياس الزميل الأقل تفضيلاً هو أداة تقييم سيكومترية طوّرها عالم النفس الأمريكي فريد فيدلر لقياس التوجه القيادي الأساسي للشخص، وتحديد ما إذا كان مدفوعاً بإنجاز المهام أم بتوطيد العلاقات الإنسانية. يقوم المفحوص في هذا المقياس بتقييم شخص عمل معه في الماضي وكان العمل برفقته يمثل التجربة الأصعب، وذلك عبر سلسلة من المقاييس ثنائية القطب.

لا يهدف هذا المقياس إلى تقييم كفاءة أو خصال ذلك الزميل الحقيقي على الإطلاق، بل يستثمر التقييم كآلية إسقاطية نفسية تعكس السمات الجوهرية للبنية الإدراكية لدى القائد ذاته. فالدرجة التي يحصل عليها الفرد تمثل مؤشراً عميقاً على فلسفته في القيادة، حيث تدل الدرجة المرتفعة على ميل القائد لتقدير العلاقات الاجتماعية حتى مع أصعب زملاء العمل، بينما تعكس الدرجة المنخفضة تركيزاً حاداً على الإنتاجية وإتمام العمل بصرف النظر عن مشاعر الأفراد أو طبيعة الصلات الاجتماعية.

2. أصل التسمية والاشتقاق اللغوي

يعود أصل المصطلح باللغة الإنجليزية إلى التركيب الوصفي Least Preferred Coworker (LPC)، الذي صاغه فيدلر خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين في أبحاثه الرائدة حول الفاعلية القيادية. اشتقت التسمية من الفكرة المنهجية التي تطلب من المفحوص تحديد الشخص “الأقل تفضيلاً” (Least Preferred) من بين كافة الأفراد الذين جاورهم في مهام وظيفية سابقة، مما يجعله محكاً عاطفياً وإدراكياً لاختبار حدود المرونة النفسية للقائد.

دخل المصطلح إلى الأدبيات النفسية والإدارية العربية عبر الترجمة المباشرة لمصطلحات علم النفس الصناعي والتنظيمي، فصيغ بمسميات متعددة مثل “مقياس الزميل الأقل تفضيلاً” أو “مقياس الزميل الأقل رغبة في العمل معه”. وجاء التعبير لغوياً من صيغة اسم التفضيل المنفي أو الدال على الحد الأدنى من القبول، ليعبر بدقة عن الحالة الشعورية التي يستدعيها الفرد تجاه زميل شكلت مشاركته المهنية عقبة إنجازية أو توتراً علائقياً، وهو ما يمنح الأداة طابعها التمايزي الفريد في رصد الفروق الفردية.

3. النطق والصيغة الصرفية والنحوية

يُنطق المصطلح في اللغة العربية بضم الميم وكسر القاف في “مِقْيَاس”، وهو اسم آلة مشتق من الجذر اللغوي (ق-ي-س) ويدل على الأداة أو المعيار الذي يُقاس به الشيء. وتأتي كلمة “الزميل” كاسم فاعل أو صفة مشبهة تدل على الرفيق في العمل، متبوعة بمركب التفضيل “الأقل تفضيلاً” حيث تعرب “الأقل” نعتاً تابعاً أو خبراً بحسب السياق، و”تفضيلاً” تمييزاً منصوباً يحدد وجه النقص في الرغبة التشاركية.

يستخدم المصطلح بوصفه مركباً اسمياً معرفاً بالإضافة، ويشيع في البحوث العربية استخدام الاختصار اللاتيني (LPC) جنباً إلى جنب مع التعريب الدقيق لضمان توحيد المرجع العلمي. ويُعامل المفهوم إعرابياً وفق موقعه في الجملة الأكاديمية (مثل: خضع المديرون لمقياسِ الزميلِ الأقلِ تفضيلاً)، ويحافظ تركيبه على تماسكه الدلالي بوصفه مصطلحاً اصطلاحياً دقيقاً لا يقبل تجزئة ألفاظه دون الإخلال بمدلوله السيكومتري المقنن.

4. الشرح المفاهيمي المفصل

يقوم مقياس الزميل الأقل تفضيلاً على افتراض سيكولوجي محوري يرى أن أسلوب القيادة هو سمة شخصية مستقرة نسبياً ومتجذرة في البناء النفسي للفرد، وليست مجرد نمط سلوكي عابر يتغير بتغير المواقف السطحية. يفترض هذا البناء النظري أن تصورات الفرد وتصنيفاته للأشخاص الذين يصعب العمل معهم تعكس أولوياته العاطفية والمعرفية؛ فعندما يوضع الفرد أمام مهمة وصف إنسان ارتبط في ذاكرته بالإحباط المهني، تتكشف أولوياته القيمية بوضوح شديد بين محور المهام ومحور العلاقات.

يتميز المقياس بأنه أداة إسقاطية مغلفة بإطار تقرير ذاتي شبه موضوعي؛ فهو لا يسأل القائد بشكل مباشر: “هل أنت مهتم بالعلاقات أم بالمهام؟” لأن الإجابة المباشرة غالباً ما تخضع لتأثيرات المرغوبية الاجتماعية (Social Desirability) ورغبة الفرد في الظهور بمظهر القائد المثالي والمتوازن. بدلاً من ذلك، يدفع المقياس المفحوص إلى استدعاء تجربة انفعالية سلبية، ومن ثم قياس مدى قدرته على الفصل بين كفاءة الشخص المهنية وبين خصال ذلك الشخص كإنسان، مما يرفع النقاب عن بنيته النفسية الحقيقية.

القادة الذين يحصلون على درجات مرتفعة (High LPC Leaders) ينظرون إلى الزميل الأقل تفضيلاً من خلال عدسة إنسانية متسامحة؛ فهم قادرون على القول: “صحيح أنني لا أستطيع إنجاز العمل معه بكفاءة، لكنه يظل شخصاً لطيفاً وودوداً وصادقاً”. هؤلاء القادة يستمدون رضاهم النفسي الأساسي من بناء روابط بينية إيجابية، ولا يلجؤون إلى تسفيه القيمة الإنسانية للأفراد لمجرد تعثر الإنتاجية. في المقابل، فإن القادة ذوي الدرجات المنخفضة (Low LPC Leaders) يصدرون أحكاماً حاسمة وشاملة؛ فإذا كان الزميل معطلاً للمهمة، فإنه يُوصف بأنه غير جذاب، وغير مخلص، ومزعج، لأن تحقيق الهدف يمثل الركيزة الوجودية للشعور بالكفاءة والراحة النفسية لدى هذا النمط من الشخصيات القيادية.

يمتد النطاق المفاهيمي للمقياس إلى تقاطع علم نفس الشخصية مع الإدارة السلوكية، إذ لا يصنف فيدلر أياً من النمطين كنمط “أفضل” أو “أسوأ” في المطلق. بل يمثل المقياس نصف المعادلة التفاعلية في نموذج التوافق الموقفي لفيدلر (Fiedler’s Contingency Model)، حيث تتوقف فعالية النمط المقاس على مدى ملاءمة الظروف المحيطة بالموقف القيادي (Favoreness of the Situation)، مما يجعله مفهوماً يرفض النظريات الأحادية في القيادة الكاريزمية أو النمطية الجوفاء.

5. التطور التاريخي ومسار النشأة

تعود جذور المقياس إلى أواخر أربعينيات القرن العشرين عندما كان فريد فيدلر باحثاً في جامعة إلينوي، حيث ركزت أبحاثه الأولى على العلاج النفسي والعلاقات التفاعلية بين المعالج والمريض، وتحديداً حول مفهوم “التشابه المفترض” (Assumed Similarity). لاحظ فيدلر أن المعالجين النفسيين الأكثر كفاءة كانوا يميلون إلى إدراك تشابه إنساني أكبر بينهم وبين مرضاهم بغض النظر عن شدة الاضطراب، وهو ما شكل اللبنة الأولى لقياس كيفية إدراك الأفراد للآخرين تحت وطأة الصعوبات العاطفية والتواصلية.

انتقل فيدلر في الخمسينيات لتطبيق هذه الفرضيات الإدراكية على فرق العمل والقيادة الميدانية، ولا سيما من خلال دراسات مكثفة رعتها البحرية الأمريكية على طواقم الدبابات، وفرق سلة التنافس، وفرق صناعة القرار العسكري. في عام 1958، بدأ تطوير المقياس بصورته المعاصرة ليكون أداة لقياس الفروق الفردية في النظرة إلى زملاء العمل، وتبلورت صياغته التمايزية الدقيقة في كتاب فيدلر التأسيسي الصادر عام 1967 بعنوان: A Theory of Leadership Effectiveness.

مر المقياس بعدة مراحل تطويرية شملت تنقيح عدد الفقرات وتعديل أزواج الصفات المتضادة؛ فبعد أن كان يعتمد على مقاييس تشابه معقدة ومجهدة إحصائياً، جرى اختزاله وتبسيطه إلى مقياس تمايز دلالي يتألف من 18 إلى 24 فقرة. لاقى المقياس اهتماماً عاصفاً في الأوساط الأكاديمية خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات، إذ فتح الباب أمام عصر القيادة الموقفية ووجه ضربة موجعة لنظريات “الرجل العظيم” والسمات الثابتة التي كانت تدعي وجود أسلوب قيادي صالح لكل زمان ومكان.

6. الأسس والأطر النظرية

يستند مقياس LPC إلى نظرية القيادة الموقفية الاحتمالية (Contingency Theory of Leadership) التي صاغها فيدلر، وتنهض هذه النظرية على افتراض مفاده أن أداء المجموعة ونجاحها ليس دالة لأسلوب القائد وحده، بل هو نتاج تفاعل معقد بين شخصية القائد ودرجة تحكمه وتأثيره في الموقف الراهن. تفترض النظرية أن البنية النفسية للقائد غير قابلة للتعديل السريع أو التدريب السطحي، ومن هنا تصبح معرفة درجة LPC حجر الزاوية لاختيار القائد المناسب للموقف، أو تعديل الموقف ليتناسب مع القائد، وهو ما يعرف بـ “هندسة الوظيفة” (Job Engineering).

ترتكز الأداة كذلك على نظرية التنافر المعرفي ونظريات الإسناد في علم النفس الاجتماعي. عندما يُطلب من الفرد تقييم شخص أحبطه في بيئة العمل، فإنه يواجه حالة من التحدي الإدراكي؛ فالقائد ذو الدرجة المنخفضة في LPC يستخدم آلية الإسناد الداخلي الشامل، فيسند الفشل العملي إلى عيوب شخصية وأخلاقية شاملة لدى الزميل لحماية تقديره لمركزية المهمة. في المقابل، يعتمد القائد ذو الدرجة المرتفعة استراتيجية تمايز معرفي تفصل بين الأبعاد الوجدانية والأبعاد الإنجازية، مستنداً إلى حاجة نفسية أصيلة للانتماء والتواصل الإنساني الآمن.

كما يتصل المقياس بنظرية التسلسل الهرمي للدوافع لماسلو ونظرية التوجيه الداخلي؛ حيث يرى منظرو السلوك التنظيمي أن درجات المقياس تمثل تراتبية الحاجات لدى القائد في ظروف الضغط النفسي (Stress). فالقائد ذو LPC المنخفض يضع إشباع حاجة الإنجاز والسيطرة على المهمة في قاعدة الهرم، ولن يلتفت إلى العلاقات إلا إذا ضَمِن تحقيق الهدف. أما القائد ذو LPC المرتفع، فإن إشباع الحاجة للقبول والانتماء يمثل بالنسبة له الأولوية القصوى، والتي يسعى لتأمينها حتى لو تعثرت مخرجات العمل جزئياً.

7. المكونات الأساسية والأبعاد والأنماط

يتألف مقياس الزميل الأقل تفضيلاً من مجموعة من المقاييس الثنائية المصممة بطريقة التمايز الدلالي، والتي تقيس استجابات الأفراد عبر أبعاد نفسية وعلائقية وإجرائية دقيقة، وتتوزع الأنماط والمكونات على النحو التالي:

  • أزواج الصفات ثنائية القطب (Bipolar Adjective Pairs): وتتألف عادة من 18 فقرة، مثل (ودود مقابل غير ودود، متعاون مقابل غير متعاون، كفء مقابل غير كفء، ممتع مقابل ممل، داعم مقابل عدائي)، وتُدرج الاستجابة عبر سلم من 8 درجات يفصل بين النقيضين.
  • نمط التوجه نحو المهام (Low LPC Score): ويحصل عليه الأفراد الذين يسجلون درجات متدنية (عادة 57 درجة أو أقل)؛ يتميز هؤلاء بالتركيز الصارم على النتائج، وحل المشكلات الهيكلية، وامتلاك حس عملي حاسم، غير أنهم قد يعانون من قلة التعاطف وتوتر العلاقات الجماعية إذا واجهوا أي تباطؤ.
  • نمط التوجه نحو العلاقات (High LPC Score): ويحصل عليه الأفراد الذين يسجلون درجات مرتفعة (عادة 73 درجة فما فوق)؛ يتسمون بالوعي العاطفي العالي، والحساسية تجاه مشاعر المرؤوسين، وبناء مناخ تشاركي يسوده الأمان النفسي، لكنهم قد يترددون في اتخاذ قرارات حاسمة عند تعارضها مع رغبات الفريق.
  • النمط الاجتماعي-الاجتهادي المتوازن (Middle LPC Score): وهم الأفراد الواقعون في المدى المتوسط (بين 58 و72 درجة)، ويشير هذا النمط بحسب الأبحاث اللاحقة إلى شخصيات براغماتية تميل إلى التوازن الحذر وتستطيع التنقل بين متطلبات المهمة وحاجات الجماعة بحسب متطلبات اللحظة.
  • البعد الإدراكي الإسقاطي: المكون الضمني للمقياس، والذي يعتمد على عدم وجود إجابات صحيحة أو خاطئة، بل استدعاء إسقاطي لا شعوري ينقل التفضيلات القيادية العميقة عبر نافذة تقييم الآخر.

8. أمثلة وحالات تطبيقية توضيحية

لتوضيح كيفية عمل المقياس وسلوكه الميداني، يمكن استعراض الحالتين الدراسيتين الافتراضيتين التاليتين داخل بيئات العمل المعاصرة:

الحالة الأولى: القائد ذو الدرجة المنخفضة (عمر – مدير هندسة البرمجيات): طُلب من عمر ملء مقياس LPC في إطار برنامج لتطوير القيادات، فاستحضر زميلاً سابقاً كان يتأخر في تسليم الأكواد البرمجية ويتسبب في اختناق الجدول الزمني للمشروع. قيّم عمر هذا الزميل بدرجات سلبية قاسية جداً عبر كافة الفقرات؛ فوصفه بأنه “غير كفء، وغير جدير بالثقة، وبارد، وغير متعاون، ومزعج للغاية”، وحصل على مجموع كلي يعادل 42 درجة. يعكس هذا المجموع أن عمر قائد موجه تماماً نحو المهام؛ فعندما يعمل في بيئات واضحة المعالم تقنياً ويمتلك فيها سلطة نافذة (موقف ملائم جداً)، يحقق فريقه إنجازات استثنائية وسريعة. ولكن عندما تم نقله لإدارة فريق إبداعي يواجه غموضاً كبيراً في متطلبات السوق ويحتاج لدعم معنوي متواصل، تصادم مع فريقه وتدهورت الروح المعنوية، مما يبرهن على حساسيته الحادة تجاه الإنجاز على حساب العلاقات.

الحالة الثانية: القائدة ذات الدرجة المرتفعة (سارة – مديرة الموارد البشرية): عند ملء سارة للمقياس، استحضرت صورة موظفة سابقة كانت تعاني من ضعف حاد في مهارات الأرشفة ودقة المواعيد مما كبّد القسم جهداً مضاعفاً. ومع ذلك، جاءت تقييمات سارة لها عبر أزواج الصفات متوازنة وإيجابية إجمالاً، حيث وصفتها بأنها: “غير منظمة في العمل، لكنها شخصية دافئة، وطيبة القلب، وودودة، ومخلصة في نواياها”، ونالت سارة درجة نهائية بلغت 81. يوضح هذا التقييم أن سارة قائدة موجهة نحو العلاقات؛ تنجح ببراعة في المواقف ذات التوتر المتوسط أو المعتدل التي تتطلب مفاوضات وبناء تحالفات وامتصاص الصراعات التنظيمية المعقدة، حيث تمنحها قدرتها العالية على تقبل الآخرين كبشر مظلة آمنة تدفع الفريق للتطور الذاتي على المدى الطويل.

9. أدوات القياس والتقييم السيكومتري

يتألف المقياس النمطي من 18 زوجاً من الصفات المتناقضة المصممة وفق مقياس ليكرت ثماني النقاط (Semantic Differential Scale)، حيث تُرتب الصفات الإيجابية والسلبية أحياناً بترتيب عشوائي لمنع استجابة النمط الواحد (Response Set). يتم تصحيح المقياس بمنح درجات تتراوح من 1 (للتقييم الأكثر سلبية للزميل) إلى 8 (للتقييم الأكثر إيجابية)، ثم تُجمع الدرجات للحصول على درجة خام كلية تنحصر بين 18 و144 درجة.

تخضع الدرجات لمعايير قطع سيكومترية حددها فيدلر وزملاؤه كالتالي:

  • 57 درجة أو أقل: تصنيف القائد كـ “موجه نحو المهام” (Task-Motivated).
  • من 58 إلى 72 درجة: تصنيف القائد ضمن “المنطقة الاجتماعية-المستقلة” (Socio-Independent).
  • 73 درجة فما فوق: تصنيف القائد كـ “موجه نحو العلاقات” (Relationship-Motivated).

أظهرت الدراسات السيكومترية أن المقياس يتمتع بمعاملات ثبات جيدة بطريقة إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability)، حيث تتراوح معاملات الثبات في الفترات القصيرة والمتوسطة بين 0.60 و0.80، وهي نسب مقبولة لمقاييس التوجه الإسقاطي. غير أن صدق البناء (Construct Validity) كان موضع نقاش علمي واسع ومستمر، نظراً لصعوبة التحقق المباشر من أن تقييم شخص ثالث يقيس بدقة خالصة النزعة القيادية الداخلية، إلا أن الارتباطات التنبؤية بنماذج الأداء الجماعي أثبتت كفاءته كأداة تشخيصية فارقة.

10. التطبيقات والأهمية العملية

يمتلك مقياس LPC تطبيقات ثورية في إدارة الموارد البشرية والاستشارات التنظيمية، لا سيما في عمليات الاختيار والتعيين للوظائف القيادية الحساسة. فبدلاً من البحث عن القائد “الأسطوري” الشامل، يُستخدم المقياس لتشخيص التوجه الدفين للمرشح ومن ثم مطابقة درجته مع طبيعة الوحدة التنظيمية التي سيقودها، مما يحد من نسب الفشل الإداري الناجم عن صراع النمط مع واقع المهمة.

يبرز التطبيق العملي الأعمق للمقياس في برنامج فيدلر التدريبي الشهير المعروف بـ Leader Match. يقوم هذا البرنامج على فكرة غير تقليدية تؤكد أن تغيير شخصية القائد وتوجهه النفسي أمر بالغ الصعوبة وشديد الكلفة، والحل الأمثل يكمن في تدريب القادة على تقييم مواقفهم الإدارية وتعديل مكونات الموقف ذاته؛ مثل إعادة هيكلة وضوح المهمة، أو زيادة سلطة المنصب، أو تحسين العلاقات مع المرؤوسين، بما يتوافق مع درجة LPC الخاصة بهم لتحقيق أعلى درجات الفاعلية الإنتاجية.

يمتد توظيف المقياس كذلك إلى مجالات الاستشارات العسكرية، وإدارة الأزمات، والفرق الرياضية، والمؤسسات الأكاديمية؛ فالأزمات الحادة والكوارث المفاجئة، التي تتسم بضعف شديد في السيطرة وغموض عالي، تتطلب قادة ذوي LPC منخفض قادرين على إصدار أوامر قطعية ومتابعة أدق تفاصيل العمليات دون الالتفات إلى الحساسيات الفردية، بينما تتطلب بيئات البحث والتطوير والتعليم قادة ذوي LPC مرتفع لتحفيز الملكات الابتكارية ودعم التماسك الجمعي.

11. الأبحاث والأدلة التجريبية والامبيريقية

خضع مقياس LPC لعشرات الدراسات الميدانية والتحليلات البعدية (Meta-analyses) على مدار أكثر من نصف قرن. قدم فريد فيدلر ومساعدوه (مثل مارتن تشيمرز) دعماً امبيريقياً كبيراً للمقياس عبر فحص مئات المجموعات في قطاعات متنوعة من الجيش الأمريكي وشركات الصناعة والبلديات، وأكدت هذه الأبحاث أن التفاعل بين درجة LPC وملاءمة الموقف يفسر تبايناً ذا دلالة إحصائية في مستويات أداء المجموعات.

نشر الباحثان روبرت ستراوب وروبرت هاوس دراسات معمقة حللت الخصائص السيكومترية للمقياس، وأظهرت التحليلات البعدية التي أجراها ستروبي وزملاؤه (Strube & Garcia, 1981) دعماً إحصائياً قوياً لصحة تنبؤات نموذج LPC الموقفي عبر أكثر من 145 دراسة مستقلة، مما أكد أن القادة ذوي الدرجات المنخفضة يتفوقون إحصائياً في المواقف الملائمة جداً أو غير الملائمة جداً، في حين يسود القادة ذوو الدرجات المرتفعة في المواقف ذات الملاءمة المتوسطة.

ومع ذلك، واجهت الأدلة الامبيريقية تحديات بحثية قادها علماء بارزون مثل جورج جراين وإدوارد شاين، حيث أشارت بعض الدراسات إلى تقلب درجات المفحوصين عند خضوعهم لضغوط نفسية متفاوتة في بيئات العمل الحقيقية مقارنة بالمختبر. دفعت هذه التناقضات التجريبية فيدلر في أواخر الثمانينيات إلى تطوير نظرية الموارد المعرفية (Cognitive Resource Theory)، في محاولة لدمج الذكاء والخبرة والضغط النفسي في تفسير كيفية ترجمة نمط LPC إلى سلوك عملي ملموس.

12. الاعتبارات الثقافية وعبر الثقافات

تتأثر نتائج مقياس LPC وفلسفته التقييمية بالسياق الثقافي للمجتمعات التي يُطبق فيها، خاصة عند النظر إلى أبعاد غيرت هوفستيد الثقافية مثل مسافة السلطة (Power Distance) والنزعة الفردية مقابل النزعة الجماعية (Individualism vs. Collectivism). ففي الثقافات الجماعية (كالعديد من المجتمعات العربية والآسيوية)، يحظى الحفاظ على ماء الوجه وتماسك الروابط الاجتماعية بقدسية كبرى، مما قد يدفع حتى القادة ذوي التوجه الإنجازي إلى التردد في وصف الزميل الأقل تفضيلاً بصفات حادة، خوفاً من انتهاك المعايير الأخلاقية الجمعية.

وعلاوة على ذلك، فإن ترجمة أزواج الصفات المتضادة (مثل: متناغم/غير متناغم، متصلب/مرن) قد تكتسب حمولات دلالية وعاطفية متباينة بين اللغات. فالمفاهيم المرتبطة بـ “الكفاءة والود” تخضع لتأثير ثقافة سياق التواصل العالي (High-Context Communication)، حيث لا يُفصل السلوك المهني للشخص عن مكانته الاجتماعية وقيمته الرمزية، الأمر الذي يستوجب تقنيناً محلياً للمقياس وتكييفاً دلالياً حذراً عند استخدامه في البيئات العربية لتفادي الانحياز الإدراكي الجمعي.

كما تؤثر التحولات الثقافية المعاصرة في بيئات العمل الرقمية والافتراضية على إدراك مفهوم “الزميل”. ففي ظل العمل عن بُعد عبر القارات، بات التواصل الإنساني مشبعاً بالوسائط التقنية، مما يجعل تقييم السمات الوجدانية للشخص أقل وضوحاً مقارنة بتقييم المخرجات الرقمية، وهو ما يفرض تحدياً إضافياً لقدرة المقياس على استحضار العمق العلائقي الحقيقي كما كان يحدث في بيئات العمل المادية التقليدية.

13. الانتقادات والمناظرات وحدود المقياس

واجه مقياس الزميل الأقل تفضيلاً موجة عاتية من الانتقادات المنهجية والنظرية جعلته واحداً من أكثر المقاييس إثارة للجدل في تاريخ علم النفس التنظيمي. تركز النقد الأساسي على ما أسماه الباحثون “غموض المعنى والغموض المفاهيمي” (Construct Ambiguity)؛ إذ انتقد باحثون مثل تشيستر شريشيم وكينيث كير المقياس متسائلين: ما الذي يقيسه هذا الاختبار تحديداً وبدقة لا تقبل الشك؟ هل يقيس أسلوب القيادة، أم سمة في الشخصية، أم التعقيد المعرفي، أم مجرد التسامح العاطفي مع المحبطين؟

ومن الانتقادات البارزة أيضاً ضعف الصدق التظاهري (Face Validity) للأداة؛ فالعديد من المديرين والمسؤولين يجدون صعوبة بالغة في تفهم سبب توجيه أسئلة إليهم حول شخص آخر لا يمت بصلة لمؤسستهم الحالية لتقييم كفاءتهم القيادية الذاتية، مما يثير في كثير من الأحيان شعوراً بالرفض أو عدم الجدية لدى المفحوصين أثناء جلسات القياس والتطوير التنظيمي.

علاوة على ذلك، هوجمت الفرضية الصارمة لفيدلر القائلة بأن النمط القيادي للفرد ثابت وغير قابل للتغيير والتطوير؛ حيث ترى نظريات القيادة الحديثة، مثل القيادة التحويلية ونظرية القيادة الظرفية لبلانشارد، أن القائد الناجح قادر على تعلم المرونة السلوكية وتطويع أسلوبه بوعي ومرونة وفق جاهزية أتباعه، وهو ما يتعارض بصورة جوهرية مع النظرة الحتمية التي يكرسها مقياس LPC.

14. المفاهيم ذات الصلة والفروق الجوهرية

تتشابك مع مقياس LPC عدة بنيات قيادية ونفسية في الأدبيات الإدارية، ومن الضروري توضيح الفروق الجوهرية التي تفصل بينها لضمان الدقة العلمية وعدم الخلط المفاهيمي:

  • الشبكة الإدارية (Managerial Grid – Blake & Mouton): تفترض الشبكة الإدارية أن الاهتمام بالإنتاج والاهتمام بالناس بُعدان سلوكيان مستقلان يمكن تنميتهما معاً للوصول إلى “القائد المثالي (9,9)”. في المقابل، يرى مقياس LPC أن التوجهين يمثلان استقطاباً هرمياً أولياً ثابتاً في الشخصية لا يمكن دمجهما بسهولة، بل يتصدر أحدهما الآخر كدافع أولي تحت وطأة التوتر.
  • القيادة الموجهة بالمهام مقابل القيادة الموجهة بالعلاقات (دراسات أوهايو وميتشيغان): ركزت دراسات أوهايو وميتشيغان على السلوك الفعلي الملاحظ للقائد (بنية المبادرة والاعتبار)، في حين يركز مقياس LPC على الدوافع الداخلية والبنية الإدراكية الخفية التي توجه هذا السلوك وتسبقه زمنياً ومنطقياً.
  • القيادة الظرفية (Situational Leadership – Hersey & Blanchard): تطالب القائد بتغيير أسلوبه الحركي باستمرار ليتطابق مع نضج المرؤوسين، بينما ينطلق مقياس LPC من فرضية معاكسة تؤكد ثبات نمط القائد، داعياً إلى تغيير ظروف البيئة المحيطة لتلائم القائد وليس العكس.
  • التعقيد المعرفي (Cognitive Complexity): مفهوم نفسي يقيس قدرة الشخص على إدراك أبعاد متعددة ومتباينة للمواقف؛ وقد اعتبر بعض الباحثين أن الدرجة المرتفعة في LPC تعكس تعقيداً معرفياً عالياً لقدرة صاحبها على الفصل بين نقص كفاءة العمل وسمات الشخص الإنسانية، وهو بعد تحليلي لا يدخل في صلب التعريف الأصلي للمقياس.

15. الخلاصة والنقاط الجوهرية

يمثل مقياس الزميل الأقل تفضيلاً (LPC) علامة فارقة في سيكولوجيا القيادة والإدارة؛ حيث استطاع نقض الأسطورة القائلة بوجود أسلوب قيادي أحادي صالح لكل المواقف، مرسخاً مبدأ التوافق الديناميكي بين خصال القائد النفسية وطبيعة الموقف التنظيمي. وتتجسد أهم ملامحه في النقاط الاستخلاصية التالية:

  • المقياس تقييم إسقاطي يقيس البنية النفسية للمفحوص من خلال تقييمه لأسوأ تجربة عمل خاضها مع زميل سابق.
  • الدرجات المرتفعة (High LPC) تدل على توجه قيادي نحو العلاقات الإنسانية والشعور بالأمان النفسي الجمعي.
  • الدرجات المنخفضة (Low LPC) تشير إلى توجه حازم نحو إنجاز المهام وإعطاء الأولوية للنتائج المادية الملموسة.
  • فاعلية القائد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى التوافق بين درجته على المقياس وملاءمة الموقف الإداري (سلطة المنصب، وهيكل المهمة، وعلاقة القائد بالأعضاء).
  • الاستخدام العملي الرائد للمقياس يتمثل في هندسة وتطويع الوظيفة لتلائم نمط القائد الطبيعي بدلاً من محاولة هدم وإعادة بناء شخصيته بصورة مصطنعة.

وختاماً، فإن مقياس الزميل الأقل تفضيلاً يظل برغم كل السجالات المنهجية أداة كاشفة عن الطبيعة البشرية المعقدة في سياقات العمل؛ إذ يعلمنا أن الاختلافات في طرائق الإدارة ليست عيوباً شخصية، بل هي مواهب موجهة تحتاج إلى البيئة المناسبة لتزهر وتنتج، مؤكداً أن القيادة الحكيمة هي ثمرة التناغم الدقيق بين من نكونه نفسياً وما يتطلبه الموقف منا عملياً.

المراجع

  • Fiedler, F. E. (1967). A theory of leadership effectiveness. McGraw-Hill.
  • Fiedler, F. E., & Chemers, M. M. (1974). Leadership and effective management. Scott, Foresman & Co.
  • Fiedler, F. E., & Garcia, J. E. (1987). New approaches to effective leadership: Cognitive resources and organizational performance. John Wiley & Sons.
  • Rice, R. W. (1978). Construct validity of the Least Preferred Coworker score, LPC: An update. Psychological Bulletin, 85(6), 1199–1237. https://doi.org/10.1037/0033-2909.85.6.1199
  • Strube, M. J., & Garcia, J. E. (1981). A meta-analytic investigation of Fiedler’s contingency model of leadership effectiveness. Psychological Bulletin, 90(2), 307–321. https://doi.org/10.1037/0033-2909.90.2.307

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, نوفمبر 1). مقياس الزميل الأقل تفضيلاً: مرآة أسلوب القيادة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/least-preferred-coworker-scale-lpc/
looti, Mohammed. “مقياس الزميل الأقل تفضيلاً: مرآة أسلوب القيادة.” عرب سايكلوجي, 1 نوفمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/least-preferred-coworker-scale-lpc/.
looti, Mohammed. “مقياس الزميل الأقل تفضيلاً: مرآة أسلوب القيادة.” عرب سايكلوجي. نوفمبر 1, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/least-preferred-coworker-scale-lpc/.