التحليل النفسيعلم النفس النمائينظريات الشخصية

المرحلة الشرجية الطاردة: دراسة تأصيلية في التحليل النفسي وديناميات الشخصية

المرحلة الشرجية الطاردة في التحليل النفسي الفرويدي: استكشاف أكاديمي شامل للديناميات النمائية والسمات الطباعية والتثبيت السلوكي والتطبيقات الإكلينيكية المعاصرة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 27 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 27 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل المرحلة الشرجية الطاردة (Anal-Expulsive Phase) أحد المفاهيم المحورية التي صاغها رائد التحليل النفسي النمساوي سيغموند فرويد لتفسير تشكل البنية النفسية والصراعات النمائية المبكرة لدى الكائن البشري. يعكس هذا الطور النمائي الحرج لحظة انفجار الصراع الأول بين الرغبات الغريزية الفطرية للطفل في التعبير الحر والتفريغ البدائي، وبين متطلبات الواقع الخارجي الصارمة المتمثلة في التنشئة الاجتماعية وتدريب النظافة وضبط المخارج. إن فهم هذه المرحلة يفتح نافذة متقدمة لسبر أغوار الاضطرابات السلوكية البالغة، ونزعات التمرد، والأنماط الإبداعية الفوضوية التي ترافق الفرد طوال مسار حياته الراشدة.

التأصيل المفاهيمي للمرحلة الشرجية الطاردة في نظرية التحليل النفسي

تتأطر المرحلة الشرجية الطاردة بوصفها قطباً فرعياً من أقطاب المرحلة الشرجية الأوسع، والتي تمتد زمنياً وسيكولوجياً تقريباً بين العام الأول والثالث من عمر الطفل، وهي الفترة التي تنتقل فيها النقطة المركزية للطاقة الغريزية أو اللبيدو من المنطقة الفموية إلى المنطقة المعوية الإخراجية. يُعرّف فرويد هذا الطور بكونه المنعطف النمائي الذي يكتشف فيه الطفل أن عمليتي التبرز والإخراج ليستا مجرد استجابة فسيولوجية بحتة للتخلص من الفضلات العضوية، بل هما عمليتان مشحونتان باللذة الحركية والشهوانية الذاتية، وتحملان في طياتهما مغزى علائقياً عميقاً وموجهاً نحو الوالدين أو القائمين على الرعاية.

في هذا السياق، ينقسم النمط الإخراجي إلى مسارين ديناميين متمايزين: النمط الاحتفاظي (Anal-Retentive)، والنمط الطارد أو الإخراجي (Anal-Expulsive). يُعبر المسار الطارد عن إيجاد المتعة الحسية والنفسية عبر التفريغ المفاجئ، وإطلاق البراز في أوقات وأماكن غير مناسبة اجتماعياً، متحدياً سلطة المربي التي تسعى لترويضه وفرض الانضباط المكاني والزماني عليه. يُنظر إلى البراز في المنظور الفرويدي الأولي بوصفه «الهدية» الأولى أو الإنتاج الشخصي الحصري الذي يمتلكه الطفل ويستطيع التصرف فيه بحرية مطلقة، سواء بالإهداء والمنح أو بالرمي العدواني في وجه المحيط الخارجي.

لا يقتصر النمط الطارد على كونه حركة فيزيولوجية ميكانيكية، بل هو نمط تواصل سيكولوجي مشحون بالرمزية العالية، يمارس من خلاله الطفل أولى تجاربه في ممارسة السلطة والتأثير على بيئته المباشرة. فحين يقوم الطفل بعملية الإخراج في اللحظة التي تطلب منه أمه الامتناع، أو يتبرز متعمداً خارج الوعاء المخصص، فإنه يعبر رمزياً عن رفض الامتثال القهري وعن إعلان مبكر للذات المستقلة والفاعلة في مواجهة أدوات التدجين الاجتماعي.

إن الطاقة السادية-الشرجية (Sadistic-Anal Impulse) ترتبط وثيقاً بهذا الطور الإخراجي، حيث يتزامن الإفراغ التدميري مع الرغبة في تمزيق التوقعات الوالدية وتخريب المعايير المفروضة من الخارج. وتتحول هذه النزعة في حال عدم حلها ومعالجتها سيكولوجياً بصورة سليمة إلى تثبيت دائم يؤسس لشخصية راشدة تتسم بالتمردية والعدوانية غير المباشرة ورفض الأطر المنظمة.

السياق التاريخي وتطور المفهوم عند سيغموند فرويد وخلفائه

تبلورت بذور مفهوم الطور الشرجي الطارد لأول مرة في مؤلف فرويد التأسيسي «ثلاث مقالات في نظرية الجنس» الصادر عام 1905، حيث صاغ فيه للمرة الأولى خارطة مراحل النمو النفسي الجنسي للإنسان. أحدث هذا الطرح صدمة مدوية في الأوساط الأكاديمية والطبية في العصر الفيكتوري المحافظ، نظراً لربطه المباشر بين الوظائف الإخراجية التي كان يُنظر إليها باحتقار واشمئزاز وبين التكوين الجنسي واللذة الشبقية الأولية عند الأطفال.

قام فرويد لاحقاً في عام 1908 بتطوير هذه الفكرة في ورقته الكلاسيكية «الطباع والشهوانية الشرجية»، مبيناً كيف أن التجارب الباكرة التي يخوضها الفرد خلال التدريب على النظافة تنعكس في مرحلة النضج عبر سمات طباعية محددة. ومع ذلك، ركز فرويد في البداية بصورة مكثفة على الثالوث الشرجي الاحتفاظي الشهير (النظام، البخل، والعناد)، تاركاً للتحليليين اللاحقين مهمة تفصيل المقابل الطارد والعدواني لهذا الطور وما ينتج عنه من سمات نقيضة كالفوضى، والتبذير، والتمرد العاصف.

جاء الإسهام النظري والعيادي الحاسم لإثراء مفهوم المرحلة الشرجية الطاردة على يد المحلل النفسي الألماني كارل أبراهام (Karl Abraham) في عشرينيات القرن العشرين، وتحديداً في أطروحته حول التطور اللبيدي للطفل وتصنيفه للمرحلة الشرجية إلى مرحلتين فرعيتين متعاقبتين: المرحلة الشرجية السادية الطاردة المبكرة والمرحلة الشرجية الاحتفاظية اللاحقة. وقد أوضح أبراهام أن الإفراغ الطارد يمثل شكلاً بدائياً من أشكال التدمير العدواني الموجه نحو الموضوعات الخارجية، ويجسد مشاعر الغضب والحنق البدائية قبل أن تتبلور آليات الحفاظ على الموضوع.

استمر تعميق المفهوم مع رواد التحليل النفسي الإنجليزي، ولا سيما المدرسة الكلاينية بقيادة ميلاني كلاين، التي رأت في الفضلات الشرجية الطاردة أدوات أو أسلحة تدميرية خيالية يوجهها الطفل في لاوعيه نحو جسد الأم بهدف احتلاله، أو تلويثه، أو معاقبتها على الإحباطات الفموية والحرمانات السابقة. وبذلك انتقل المفهوم من مجرد نزعة إفراغ فسيولوجي شبقي إلى نشاط علائقي معقد ينطوي على أوهام تدميرية وإسقاطات نفسية عميقة الجذور في اللاوعي الجمعي والفردي.

الديناميات السيكولوجية لعملية التدريب على النظافة والتثبيت الطارد

تعد عملية التدريب على المرحاض وضبط الإخراج المحطة التجريبية الأولى التي يواجه فيها الطفل سلطة القانون الخارجي ومطالب الأنا الأعلى الجمعي. في هذه المحطة بالذات، يُطلب من الطفل التنازل التلقائي عن إشباع فوري ولذيذ، والموافقة على إرجاء الرغبة والانصياع لجدول زمني ومكاني محدد ترسمه الأم. تتحدد استجابة الطفل لهذه الضغوط بناءً على أسلوب التربية الوالدية ودرجة المرونة أو الصرامة المتبعة خلال هذه التجربة التكوينية الفارقة.

ينشأ التثبيت على المرحلة الشرجية الطاردة (Anal-Expulsive Fixation) عادة في بيئات تربوية تتسم بإحدى حالتين متناقضتين: إما التساهل المفرط وغير المنضبط من جانب الوالدين، حيث لا توضع أي حدود واضحة للتبرز والنظافة مما يدعم السلوك الإفراغي العشوائي، أو القسوة المفرطة والمطالبة الصارمة والمبكرة بضبط الذات مصحوبة بعقوبات مهينة، مما يدفع الطفل إلى تفجير آلية دفاعية تعتمد التمرد الإخراجي والمقاومة العنيفة كاستجابة استباقية للإذلال.

في مسار التمرد الطارد، يستشعر الطفل قوته الكامنة في قدرته على رفض الأوامر؛ فهو يدرك تماماً أن الوالدين لا يستطيعان إجباره فيزيائياً على حبس البراز أو إنزاله في الوقت المطلوب دون رضاه التام. ومن ثم، يصبح الإخراج في الملابس أو على السجاد وفي أوقات غير متوقعة إعلاناً صريحاً عن الغضب السادي الصامت، وانتصاراً صغيراً تحققه الذات العاجزة ضد السلطة الراشدة المتعسفة، مما يثبت الرابط النفسي بين التغوط وتحقيق السيادة النفسية.

تتولد خلال هذه المعركة مشاعر تناقض وجداني حادة (Ambivalence)؛ فالطفل يرغب من جهة في الاحتفاظ برضا الوالدين وحبهما، ولكنه من جهة أخرى يجد نشوة عارمة في ممارسة هذا التدمير والتحرر من رقابتهما الصارمة. إن العجز عن تجاوز هذا الصراع التناقضي بصورة متوازنة يؤدي إلى تجمد جزء كبير من الطاقة النفسية وتثبيتها في هذه النقطة، مما يحول السلوك الإخراجي العضوي المؤقت إلى أسلوب حياة وشخصية دائمة تلازم الفرد طوال مراحل نموه اللاحقة.

خصائص وبنية الشخصية الشرجية الطاردة في الرشد

تتمحور الشخصية الشرجية الطاردة (Anal-Expulsive Personality) لدى الراشدين حول مجموعة متماسكة من السمات السلوكية والوجدانية التي تعكس التعبير الرمزي غير الواعي عن الإخراج القهري والتمرد السادي ضد النظافة والتنظيم. تتجلى هذه البنية في أشكال متعددة تتوزع عبر مجالات الحياة المهنية والشخصية والعاطفية، وتتميز بالخصائص البارزة التالية:

  • الفوضوية وانعدام الترتيب: يعاني الشخص ذو التثبيت الطارد من عداء لا واعٍ تجاه النظام والترتيب المكاني. وتنعكس هذه السمة في إحاطة نفسه ببيئات غير منظمة، وتكديس الأوراق والمقتنيات بعشوائية مطلقة، وعدم الاكتراث بنظافة المكان أو هندامه الشخصي، وهو ما يمثل تكراراً رمزياً لتلويث المحيط بالفضلات.
  • التمرد على السلطة والمواضعات: يرفض الفرد الانصياع للقوانين الإدارية والبروتوكولات الاجتماعية المقيدة. ويثور بشدة ضد أي شخصية تمثل دور الموجه أو الآمر، مجسداً في كل مواجهة مع رئيس العمل أو القانون معركته التاريخية البدائية مع والديه حول استخدام المرحاض.
  • الكرم الانفجاري والتبذير المالي: في مقابل البخل الاحتفاظي المقبوض، يتميز الطارد بإنفاق المال بإسراف واندفاع عاطفي دون تخطيط. فالمال في اللاوعي التحليلي هو المكافئ المباشر للبراز، وبالتالي فإن التخلص السريع من النقود يعيد إنتاج لذة التفريغ العاصف والتخلص من التراكمات الضاغطة.
  • التقلبات الانفعالية والغضب الانفجاري: يتسم أصحاب هذه الشخصية بانفجارات مزاجية حادة ومفاجئة. فهم يعبرون عن عدوانيتهم عبر نوبات صراخ عاتية وتفريغ وجداني لا يخضع للكبح، موازياً تماماً للاندفاع الإخراجي غير المتحكم فيه.
  • الإبداعية والتدمير الخلاق: على الجانب الإيجابي والتسامي النفسي، يرتبط هذا الطور بقدرات ابتكارية فريدة تكسر القوالب الكلاسيكية. فالعديد من الفنانين والكتاب والشخصيات الثورية يحملون ملامح طاردة قوية تمكنهم من هدم البنى التقليدية القائمة وتوليد أفكار حرة ومبتكرة من رحم الفوضى الخلاقة.

المقاربة التحليلية للعلاقات بالموضوع وسيكولوجية النمو

قدم المحلل النفسي التنموي إريك إريكسون إعادة صياغة جوهرية للمرحلة الشرجية الفرويدية من منظور اجتماعي-نفسي، معتبراً إياها مرحلة حسم الصراع بين «الاستقلالية في مقابل الخجل والشك» (Autonomy vs. Shame and Doubt). في هذا الإطار، يُنظر إلى السلوك الشرجي الطارد كصيغة متطرفة للبحث عن الاستقلالية الذاتية؛ فالطفل يسعى إلى إثبات قدرته على اتخاذ القرارات بمعزل عن إملاءات الآخرين، حتى لو كان ثمن ذلك هو إثارة استيائهم.

يرى إريكسون أن الفشل في اجتياز هذه الأزمة بسلاسة يقود إما إلى خضوع مطلق مصحوب بالشك الدائم في الكفاءة الذاتية (وهو النمط الاحتفاظي المفرط في التوافق)، أو إلى رد فعل مضاد يتجلى في التحدي المتهور والميل المستمر إلى تدمير الحدود كإثبات قهري للاستقلال (وهو النمط الشرجي الطارد). إن الفرد الطارد يخشى في أعماقه أن يؤدي أي قدر من الانضباط والامتثال إلى فقدان هويته وابتلاعه بالكامل من قبل الآخرين.

من زاوية نظرية العلاقات بالموضوع (Object Relations Theory)، تشير ديناميات الإفراغ الطارد إلى علاقة مضطربة مع موضوع الأمومة. يتم اختزال موضوع الأم في رمزية «المستقبل» المترقب للإنتاج الشرجي، والذي يمارس عليه الطفل سلطة المنح أو الإيذاء. إذا كان التعاطي الوالدي مشوباً بالقرف والاشمئزاز، فإن الطفل يستدمج صورة ذاتية ملوثة ورديئة؛ فيشعر لاوعياً بأنه كائن فاسد لا ينتج سوى القذارة، مما يدفعه في الرشد إلى تصدير هذه القذارة الرمزية عبر السلوكيات الفجة وتخريب العلاقات المستقرة.

كما بينت أبحاث المحلل النفسي رونالد فيربيرن ودونالد وينيكوت أن التثبيت في هذه النقطة يمثل آلية دفاعية ضد مشاعر الخواء والفقدان؛ فالتفريغ الطارد العنيف يمنح الذات شعوراً زائفاً بالحيوية والسيطرة على الأجسام الداخلية ومحتوياتها. وبدلاً من مواجهة العجز العاطفي، يلجأ الجهاز النفسي إلى تحويل الطاقة السلبية نحو الخارج على هيئة مقذوفات نفسية وسلوكية تحمي الذات من التفكك الداخلي.

الآليات الدفاعية النفسية المرتبطة بالطور الشرجي الطارد

تعتمد الشخصية الشرجية الطاردة على ترسانة معقدة من الآليات الدفاعية اللاشعورية لإدارة القلق الناجم عن التثبيت والعدوانية المكبوتة. تعمل هذه الدفاعات على حماية الأنا من الانهيار تحت وطأة الشعور بالذنب الناتج عن الرغبات التدميرية الأولية، وتتضمن ما يلي:

الإسقاط النفسي (Projection)

يميل الفرد الشرجي الطارد إلى إنكار دوافعه العدوانية ورغبته في التخريب وتلويث المحيط، ويسقط هذه الدوافع تلقائياً على الآخرين؛ فيرى أن المجتمع هو الذي يتسم بالعداء والقسوة والظلم والفساد. يتيح له هذا الإسقاط ممارسة سلوكياته الرافضة والهجومية تحت مبرر الدفاع عن النفس ضد اضطهاد البيئة الخارجية.

التفريغ الحركي والفعل الاندفاعي (Acting Out)

بدلاً من استبطان المشاعر المؤلمة وتأملها بصورة واعية، يقوم الشخص الطارد بتفريغ توتراته الداخلية عبر أفعال سريعة وفوضوية ومحطمة للقواعد. يكرر هذا التفريغ الحركي المباشر الاستجابة الطاردة البدائية للطفل عندما كان يطرد فضلاته فور شعوره بأدنى ضغط معوي دون التروي أو إعمال العقل، متجاوزاً قدرات المعالجة الذهنية الرزينة.

التكوين العكسي المفكك والتمرد التفاعلي (Rebellious Reaction Formation)

بينما يؤدي التكوين العكسي لدى الشخص الشرجي الاحتفاظي إلى المبالغة القصوى في النظافة والتزام الأوامر، فإنه قد ينقلب لدى الطارد إلى تبني سلوكيات معاكسة تماماً لما يُطلب منه بصورة استباقية. فإذا طُلب منه ارتداء زي رسمي، تعمد الحضور بمظهر متبذل، مجسداً رفضاً مطلقاً لأي سلطة أبوية تحاول التحكم في مظهره وسلوكه.

التسامي والإعلاء (Sublimation)

يمثل التسامي أرقى الآليات الدفاعية التكيفية في هذا الطور؛ حيث يتم تحويل الطاقة الشرجية الطاردة والعدوانية المرتبطة بالتلويث وتفكيك الأشياء إلى أنشطة إبداعية ذات قيمة حضارية كبرى. يظهر ذلك بوضوح في فنون الرسم التعبيري، والنحت، وفنون الغرافيتي الحضرية، والهندسة المعمارية التفكيكية، وحتى في مجالات النقد الأدبي والفكري اللاذع الذي يفكك ويهدم النصوص القديمة لإعادة تشكيلها بصيغ متفجرة ومستحدثة.

المظاهر الإكلينيكية والتشخيص النفسي

على الصعيد الإكلينيكي والطب النفسي الحديث، لا تظهر «المرحلة الشرجية الطاردة» كفئة تشخيصية مستقلة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، إلا أن مفاعيل هذا التثبيت الدينامي تتجلى بوضوح كقوة دافعة ومفسرة لعدد من الاضطرابات النفسية والشخصية المعقدة التي تواجه المعالجين في الممارسة السريرية اليومية.

يرتبط التثبيت الطارد بارتباطات وثيقة مع اضطرابات التحكم في الاندفاع (Impulse-Control Disorders)، واضطراب المسلك (Conduct Disorder) في المراهقة، واضطراب التحدي المعارض (ODD) لدى الأطفال. ففي هذه الاضطرابات، نجد الجوهر ذاته متمثلاً في العناد العدواني، وإلقاء اللوم على الآخرين، ورفض الامتثال لقواعد الكبار، والنزعة الصريحة لانتهاك الفضاء المشترك بصورة تماثل التلويث الشرجي البدائي.

كما يرتبط المفهوم بخصائص معينة في اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (Antisocial Personality Disorder) واضطراب الشخصية الحدية (Borderline Personality Disorder)، حيث يغيب الاستقرار العاطفي، وتسيطر نوبات التدمير الذاتي وتدمير الممتلكات، ويسود النمط التبذيري غير العقلاني. إن الميل إلى «التغوط المجازي» على العلاقات الحميمة وإفساد المشاريع الناجحة في اللحظات الأخيرة يعكس عودة مستمرة لما هو مكبوت من نزوات شرجية طاردة لا تجد لها مصرفاً رمزياً آمناً.

علاوة على ذلك، تظهر في الممارسات السريرية لدى البالغين أعراض سلوكية أقل حدة ولكنها معطلة، كإهمال النظافة الشخصية في أوقات الاكتئاب، أو ظاهرة جمع وتكديس القمامة والأشياء المتهالكة (Hoarding Disorder)، والتي تدمج بين طاقة الطرد العشوائي والعجز عن فرز الفضلات وإخراجها من المجال الحيوي للفرد بصورة صحية ومنتظمة.

المقارنة التحليلية: النمط الشرجي الطارد في مواجهة النمط الشرجي الاحتفاظي

لفهم الطبيعة المزدوجة للمرحلة الشرجية بصورة أعمق، لا بد من عقد مقارنة تحليلية تكشف الفروق الهيكلية والوظيفية بين القطبين الشرجيين المتعارضين، واللذين يمثلان وجهين لعملة سيكولوجية واحدة تنبع من صراع التدريب على النظافة:

من حيث الاستجابة لمتطلبات المربي: يتخذ النمط الاحتفاظي مسار الاستسلام الزائف والامتثال الصارم والقهري للأوامر، حيث يبالغ الطفل في كتمان برازه وضبط نفسه خوفاً من ارتكاب الأخطاء وفقدان الحب الوالدي. في المقابل، يختار النمط الطارد مسار المواجهة المفتوحة والتفجير المتكرر، مضحياً بالقبول الاجتماعي في سبيل الحفاظ على وهم السيادة الذاتية والمقاومة المباشرة.

من حيث التنظيم المكاني والعالم المادي: يتميز النمط الاحتفاظي بالهوس بالنقاء، والترتيب المفرط، والدقة الرياضية في تصنيف الأشياء، والوسوسة من الجراثيم والقاذورات. بينما يتسم النمط الطارد بالفوضى العارمة، وإشاعة الإهمال في محيطه، والراحة النسبية وسط الركام، حيث يجد في الفوضى متنفساً حراً يخلصه من وطأة التوقعات الخانقة.

من حيث الاقتصاد النفسي والمالي: يحتفظ الأول بالمال ويمسك به حد البخل والتقتير الشديد، خوفاً من النفاذ والفقر بوصفه خسارة للطاقة الحيوية. أما الثاني فيمارس الهدر المالي السريع والمغامرات النقدية غير المحسوبة، حيث يمثل التخلص من المال لذة تشابه التخلص من الشحنات الإخراجية المتراكمة داخل الجسد.

من حيث إدارة الصراع والعدوان: يمارس الاحتفاظي العدوان السلبي الصامت (Passive-Aggressive)، والتعطيل غير المباشر، والمماطلة والتصلب الجامد. في حين يعبر الطارد عن عدوانه بصورة نشطة وصريحة، عبر الغضب الهدار، والشتائم المقذوفة كحمم حارقة، والتمرد العلني غير الموارب.

المقاربة العلاجية والتحويل في جلسات التحليل النفسي

يواجه المعالج النفسي التحليلي تحديات نوعية وفريدة عند التعامل مع مريض يحمل تثبيتاً في المرحلة الشرجية الطاردة. يتجلى هذا الصراع مبكراً في إطار العلاقة العلاجية، وتحديداً من خلال ديناميات التحويل (Transference) والتحويل المضاد (Countertransference). فالمريض الطارد غالباً ما يختبر المحلل كشخصية أبوية متسلطة تسعى لفرض جدولها الخاص عليه وتقييد حريته النفسية.

تتمظهر هذه المقاومة في جلسات العلاج عبر تأخر المريض المزمن عن المواعيد، أو إلغائها فجأة دون إشعار، أو التهرب من دفع المستحقات المالية في وقتها المحدد، محاكياً سلوكه الطارد التاريخي في الإفراغ والتمنع. كما قد يستخدم المريض أسلوب الإفراط الكلامي غير المترابط؛ حيث «يقذف» كميات هائلة من المعلومات والتفاصيل المبتذلة والشتائم في الجلسة في محاولة منه لتلويث الفضاء التحليلي وإرباك المعالج ودفعه للاستسلام والعجز.

ترتكز استراتيجية العلاج على تجنب إعادة تمثيل الصراع الترويضي الوالدي؛ إذ يتعين على المحلل ألا يتحول إلى شخصية زاجرة أو معاقبة، بل يتبنى موقف الحاوية النفسية (Psychological Containment) المحايدة والمتفهمة، مما يسمح للمريض بتفريغ شحناته العدوانية وساديته دون أن يترتب على ذلك تدمير المعالج أو رفضه.

من خلال التفسير الواعي والدقيق، يساعد المعالج المريض على الربط بين سلوكياته التخريبية الراهنة ومشاعره الطفولية الدفينة المتمثلة في الغضب والعجز حيال السيطرة المفروضة عليه قديماً. يتم توجيه الطاقة الطاردة تدريجياً نحو قنوات تسامٍ بناءة، مما يحرر الفرد من الحاجة القهرية إلى التدمير المستمر، ويمكنه من تطوير مشاعر الاستقلال الذاتي الحقيقي القائم على الثقة لا على التمرد الأعمى.

النقد المعاصر وإعادة تقييم المفهوم في ضوء علم النفس الحديث

واجهت نظرية المرحلة الشرجية الطاردة، شأنها شأن معظم المنظومة الفرويدية الكلاسيكية، انتقادات منهجية وتجريبية واسعة من قبل مدارس علم النفس المعاصر والعلوم العصبية الإدراكية. تمحور النقد الأساسي حول افتقار المفهوم للأدلة التجريبية القابلة للقياس الكمي الصارم وتكرار النتائج عبر المعايير الوضعية الحديثة.

أشارت دراسات علم النفس النمائي الحديث (Developmental Psychology)، ومنها أعمال جيروم كاجان وغيره، إلى أن مزاج الطفل الفطري (Temperament) والعوامل الوراثية والبيولوجية المرتبطة بالنواقل العصبية (مثل الدوبامين والسيروتونين) ومناطق الفص الجبهي في الدماغ، تلعب دوراً جوهرياً ومستقلاً في تشكيل نزعات الاندفاعية، والبحث عن الإثارة، والعداء للسلطة، دون الحاجة الحتمية لربطها بمسألة التدريب على التبرز والإفراغ العضوي.

من جانبها، انتقدت النظريات النسوية وعلماء النفس الاجتماعي التركيز الفرويدي المكثف على الجسد ومناطقة الإفرازية، معتبرين أن هذه الأطروحات تجنح نحو اختزال الصراعات الاجتماعية المعقدة وديناميات التنشئة الأسرية الواسعة في مجرد وظائف فيزيولوجية حشوية. واعتبروا أن التمرد السلوكي هو نتاج لعلاقات القوة غير المتكافئة والبيئة الثقافية الشاملة وليس مجرد تثبيت شرجي غريزي.

ورغم هذه الانتقادات العنيفة والمشروعة من الناحية الوضعية، يظل مفهوم الطور الشرجي الطارد محتفظاً بقيمته المجازية والسريرية الهائلة كأداة تأويلية عميقة تسبر أغوار النفس البشرية. فهو يقدم نموذجاً فائق البصيرة لفهم كيف يمكن للجسم البشري، في بواكير اتصاله بالمجتمع، أن يصبح مسرحاً للصراع بين الحاجة البيولوجية الفطرية للحرية ومطالب الحضارة الحتمية للنظام والسيطرة على الغرائز.

خاتمة استنتاجية

تظل المرحلة الشرجية الطاردة مفهوماً تأسيسياً في التراث السيكودينامي، يضيء على اللحظة التاريخية الأولى التي يتداخل فيها الجسد مع الثقافة والسلطة. إن السلوكيات الطاردة، من التمرد الفوضوي إلى التبذير المالي والإبداع الفني المتفجر، ليست سوى أصداء بالغة لصراع بدائي قديم خاضه الإنسان الصغير لإثبات ذاته أمام سلطة المربي وقوانينه الصارمة. ورغم التطورات المتسارعة في علم النفس المعاصر والعلوم العصبية، فإن البصيرة التحليلية التي يوفرها هذا المفهوم ما تزال تشكل رافداً لا غنى عنه لفهم التناقضات العميقة في النفس الإنسانية؛ تلك النفس التي تظل مشدودة على الدوام بين رغبتها في التفريغ الفوضوي الحر، وواجبها في الحفاظ على النظام وبناء المعنى المشترك داخل الحضارة.

المراجع

  • أبراهام، كارل. (1927). دراسات مختارة في التحليل النفسي (ترجمة جورج طرابيشي، 1982). دار الطليعة، بيروت.
  • إريكسون، إريك. (1950). الطفولة والمجتمع (ترجمة عادل خضر، 2011). دار الفكر العربي، القاهرة.
  • فرويد، سيغموند. (1905). ثلاث مقالات في نظرية الجنس (ترجمة سامي علي، 1983). دار المعارف، القاهرة.
  • فرويد، سيغموند. (1908). الطباع والشهوانية الشرجية: الأعمال الكاملة لسيغموند فرويد (ترجمة جورج طرابيشي، 1985). دار الطليعة، بيروت.
  • كلاين، ميلاني. (1932). التحليل النفسي للأطفال (ترجمة سهير فهد، 1999). الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
  • Abraham, K. (1921). Contributions to the theory of the anal character. International Journal of Psycho-Analysis, 4, 286-303.
  • Freud, S. (1953). Character and anal erotism. In J. Strachey (Ed. and Trans.), The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 9, pp. 167-176). Hogarth Press. (Original work published 1908).
  • Klein, M. (1946). Notes on some schizoid mechanisms. International Journal of Psycho-Analysis, 27, 99-110.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 27). المرحلة الشرجية الطاردة: دراسة تأصيلية في التحليل النفسي وديناميات الشخصية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/marhala-sharjiya-tareda-anal-expulsive-phase/
looti, Mohammed. “المرحلة الشرجية الطاردة: دراسة تأصيلية في التحليل النفسي وديناميات الشخصية.” عرب سايكلوجي, 27 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/marhala-sharjiya-tareda-anal-expulsive-phase/.
looti, Mohammed. “المرحلة الشرجية الطاردة: دراسة تأصيلية في التحليل النفسي وديناميات الشخصية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 27, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/marhala-sharjiya-tareda-anal-expulsive-phase/.