كشفت دراسة بريطانية حديثة نُشرت في “الدوريات الدولية للبحوث التربوية” (International Journal of Educational Research) أن برامج التدخل النفسي الشاملة في المدارس قد لا تُؤتي بالضرورة ثماراً ممتدة على المدى الطويل، خلافاً لما كان يأمله التربويون والخبراء. وتوصل فريق بحثي بقيادة البروفيسور نيل همفري إلى أن برنامج التعلم العاطفي والاجتماعي الشهير “جواز السفر: مهارات للحياة” لم يُحدث أي تأثيرات إيجابية مستدامة في الصحة النفسية للتلاميذ بعد مرور عام كامل على تلقيه.
نتائج غير متوقعة: غياب الآثار طويلة الأمد
أظهرت نتائج المتابعة، التي أُجريت بعد 12 شهراً من اكتمال التدخل، عدم ظهور ما يُعرف في علم النفس بـ “الآثار الكامنة” (Sleeper effects)، وهي المكتسبات والفوائد التي يُفترض أن تنضج وتتبلور تدريجياً لدى الأطفال مع مرور الوقت وتطور إدراكهم. ورغم أن التقييم الفوري عقب نهاية البرنامج مباشرة لم يُظهر فوارق بين المشاركين وأقرانهم، كان الباحثون يأملون في تجلّي أثر البرنامج على المدى الطويل.
لكن التحليلات الإحصائية لم تسجل أي تحسن ذي دلالة إحصائية في الأعراض النفسية الداخلية المستهدفة بالدرجة الأولى، مثل مشاعر القلق أو الحزن. علاوة على ذلك، لم يطرأ أي تحسن ملحوظ على قدرة الأطفال في تنظيم المشاعر، كما بقيت مستويات الرفاه النفسي العام لديهم متطابقة إلى حد كبير مع المجموعة الضابطة.
تفاصيل التجربة وسياق البحث
اعتمد البحث على تجربة معشاة ذات شواهد نُفذت في 62 مدرسة ابتدائية بمنطقة مانشستر الكبرى في إنجلترا، بمشاركة 2,425 تلميذاً وتلميذة تراوحت أعمارهم عند خط الأساس بين 8 و9 سنوات. وقام معلمون تلقوا تدريباً مخصصاً بتقديم 18 درساً أسبوعياً شملت خمسة محاور: المشاعر، والعلاقات ومساعدة الآخرين، والتعامل مع المواقف الصعبة، والعدالة والإنصاف، والتكيف مع التغيير والخسارة.
وحرص الباحثون على متابعة التلاميذ حتى سنتهم الأخيرة في المرحلة الابتدائية لاختبار فرضية مهمة: هل يمثل الاستعداد للانتقال الوشيك إلى المدرسة الثانوية – بما يحمله من ضغوط اجتماعية ودراسية – حدثاً كافياً لتحفيز الأطفال على استدعاء وتطبيق المهارات الحياتية التي تعلموها؟ غير أن البيانات أظهرت عدم تحقق هذا الافتراض.
ماذا تعني النتائج لمستقبل برامج المدارس؟
إلى جانب غياب الأثر المباشر على الصحة النفسية، أوضحت الدراسة أن البرنامج لم يحقق أي تفوق على ما تقدمه المدارس من ممارسات اعتيادية في الحد من سلوكيات التنمر، أو تقليل الشعور بالوحدة، أو تعزيز مستويات الدعم بين الأقران داخل الفصول الدراسية.
وبناءً على هذه الخلاصات، أكد الفريق البحثي أن الأدلة الحالية لا تدعم المضي قدماً في التوسع بتطبيق هذا البرنامج تحديداً أو تعميمه في المؤسسات التعليمية. وتطرح هذه النتيجة تساؤلات حاسمة حول فعالية التدخلات المدرسية الجاهزة؛ فإما أن تكون هذه البرامج غير كافية التأثير لتقديم إضافة حقيقية تفوق الرعاية اليومية المعتادة التي يقدمها المعلمون، أو أن مجرد الاستعداد للانتقال الدراسي ليس حافزاً كافياً لدفع الطلاب لاستخدام المهارات المكتسبة.
المصدر
- Sleeper effects of a universal, school-based social and emotional learning intervention (Passport: Skills For Life) on internalising symptoms and related outcomes during the transition from childhood to adolescence: a cluster-randomised controlled trial
- الباحثون: Neil Humphrey, Jan Rasmus Boehnke, João Roberto dos Santos, Ola Demkowicz, Alexander Thompson
- المجلة: International Journal of Educational Research
- قراءة الدراسة الأصلية