1. الملخص
يُعد مقياس الندم المتوقع (Anticipated Regret Scale)، الذي طوّره الباحثون مارك هايتمان ودونالد ليمان وأندرياس هيرمان (Heitmann, Lehmann, & Herrmann, 2007)، أداة سيكومترية متخصصة ومصممة لقياس الاستجابات المعرفية والعاطفية الاستباقية المرتبطة باحتمالية اتخاذ قرارات غير مثالية في سياقات الاختيار المتعدد والأنشطة الاستهلاكية والتفضيلية المعقدة. يركز المقياس على رصد المشاعر السلبية المتوقعة التي يستشرفها الفرد قبل حسم قراره، ومدى قلقه من المقارنة اللاحقة بين البديل المختار والبدائل المتاحة غير المختارة (Counterfactual Thinking). يتألف المقياس من خمس فقرات تقيس بعداً أحادياً متجانساً، وتُعطى الاستجابات عبر سلم ليكرت سباعي النقاط، يتراوح من (1 = أعارض بشدة) إلى (7 = أوافق بشدة).
أظهرت التحليلات السيكومترية التي أُجريت ضمن دراسات النمذجة بالمعادلات البنائية (Structural Equation Modeling – SEM) تمتع الأداة بمستويات رفيعة من الثبات والاتساق الداخلي؛ إذ تجاوزت معاملات ألفا كرونباخ والاتساق التركيبي العتبات القياسية المعترف بها دولياً (α > 0.85). كما برهنت الفحوص الإحصائية على صدق البناء من خلال تمايز المقياس عن بنيات مجاورة مثل مخاطر القرار المتصورة، وتكلفة الاختيار، والرضا بعد الاستهلاك، إضافة إلى صدق تنبؤي قوي يفسر السلوكيات الوقائية واستراتيجيات تجنب اتخاذ القرار أو السعي لتقليص حجم مصفوفة الخيارات. يوفر هذا المقياس أداة دقيقة وموجزة صالحة للاستخدام في بحوث اتخاذ القرار، علم النفس الاقتصادي، السلوك الاستهلاكي، وعلم النفس المعرفي.
2. الكلمات المفتاحية
الندم المتوقع، اتخاذ القرار، التفكير المضاد للواقع، نظرية الندم، السلوك الاستهلاكي، علم النفس المعرفي، تقييم الخيارات، سيكومترية، نمذجة المعادلات البنائية، صدق البناء، الاتساق الداخلي، هايتمان.
3. المؤلفون
تم تطوير المقياس ونشره من قِبل فريق بحثي رائد يضم:
- مارك هايتمان (Mark Heitmann): أستاذ التسويق وسلوك المستهلك بجامعة هامبورغ (University of Hamburg)، ألمانيا. متخصص في النمذجة الكمية لقرارات المستهلكين وتحليل العمليات المعرفية والعاطفية أثناء التفاعل مع الاختيارات الرقمية والتقليدية.
- دونالد ر. ليمان (Donald R. Lehmann): أستاذ كرسي جورج إي. وارن لإدارة الأعمال والتسويق في كلية كولومبيا للأعمال (Columbia Business School)، جامعة كولومبيا، نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية. من أبرز علماء القياس الكمي للعلامات التجارية وسلوكيات المستهلك والأساليب الإحصائية في أبحاث التسويق.
- أندرياس هيرمان (Andreas Herrmann): أستاذ التسويق ومدير مركز أبحاث إدارة المستهلك في جامعة سانت غالن (University of St. Gallen)، سويسرا. خبير في تصميم المنتجات، اتخاذ القرارات الحدسية، ودراسة الآثار النفسية لتنوع الخيارات.
4. الغرض
يتمثل الغرض الأساسي من مقياس الندم المتوقع في تكميم المشاعر المعرفية-الانفعالية الاستباقية التي يختبرها الأفراد عندما يتوقعون أن قرارهم الحالي قد يؤدي إلى نتيجة أسوأ مقارنة باختيار بديل آخر كان متاحاً في بيئة القرار. ينبثق المبرر النظري لهذا المقياس من الحاجة إلى فهم الكيفية التي يتنقل بها الفرد بين أهداف الاختيار المتنافسة؛ فالأفراد لا يسعون فقط إلى تعظيم المنفعة الوظيفية أو تحقيق الهدف الموضوعي من القرار، بل يسعون كذلك وبشكل متزامن إلى تحقيق «أهداف منع السلبية» (Negative Goal Prevention)، ومن أبرزها تقليل احتمالية الشعور باللوم الذاتي أو الحزن اللاحق بعد اتخاذ القرار.
على الصعيد الإكلينيكي والتشخيصي الاستكشافي، يُستخدم المقياس لفهم أنماط التردد المرضي والتسويف القراري المفرط (Decisional Procrastination) المرتبط بعصابية القلق وتجنب المخاطر. فالمستويات المتطرفة من الندم المتوقع ترتبط بظاهرة الشلل التحليلي (Analysis Paralysis)، حيث يعجز الفرد عن اتخاذ خيارات حياتية أو مهنية أو علاجية بسيطة خشية أن يعقبها شعور قاهر بالندم. أما في السياقات البحثية والأكاديمية، فيُوظف المقياس في دراسة سلوك المستهلك لفهم ظواهر مثل التخلي عن سلة التسوق الإلكترونية، والنفور من التغيير، والولاء القائم على الخوف من البدائل غير المجربة، إضافة إلى تقييم أثر حجم مصفوفة الخيارات (Assortment Size) على رفاهية المستهلك المعرفية.
يسهم المقياس بشكل فاعل في اختبار الفرضيات المتعلقة بالتفاعل بين المعالجة المعرفية والوجدانية، مما يجعله أداة قيّمة للباحثين الساعين إلى عزل تأثير المشاعر المتوقعة (Anticipated Emotions) عن المشاعر المجرّبة فعلياً (Experienced Emotions)، واستكشاف كيف تعيد العواطف المتوقعة تشكيل معايير التقييم وأوزان السمات قبل اتخاذ القرار النهائي.
5. البناء النفسي
يرتكز البناء النفسي للأداة على مفهوم الندم المتوقع بوصفه حالة معرفية عاطفية تنبؤية تركز على المستقبل (Future-oriented negative emotion). يتميز هذا البناء بطبيعة أحادية البعد لكنها متعددة التجليات السلوكية والوجدانية. يتكون المفهوم من تقاطع عمليتين نفسيتين أساسيتين:
أولاً: استباق المقارنة المضادة للواقع (Anticipation of Counterfactual Comparison)
يشير هذا المكون إلى المعالجة المعرفية التي يتخيل من خلالها الفرد سيناريوهات مستقبلية بديلة (“ماذا لو اخترت الخيار (ب) بدلاً من (أ)؟”). يتضمن ذلك وعي الفرد بأن النتائج غير المواتية ستُعزى إلى اختياره الشخصي وليس إلى مجرد الصدفة أو عوامل خارجية قاهرة، مما يولد إحساساً مسبقاً بالمسؤولية الشخصية واللوم الذاتي المحتمل.
ثانياً: التوتر والقلق من خسارة الفرصة (Opportunity Loss Anxiety)
يتجلى هذا الجانب في الحالة الانفعالية السلبية التي تصاحب تفحص البدائل المغرية المتباينة. فعندما يقدم كل بديل ميزة فريدة لا تتوفر في البدائل الأخرى، يشعر متخذ القرار بأن التمسك ببديل معين يفرض حتماً التضحية بمزايا البدائل المهملة. هذا الوعي يولد حالة من الحذر الدفاعي ويدفع الفرد نحو استحضار ندم مفترض قبل وقوعه.
يتميز هذا البناء السيكولوجي عن الندم الحقيقي المجرب (Experienced Regret)؛ فالأخير يمثل استجابة انفعالية بأثر رجعي تلي تلقي التغذية الراجعة حول النتائج الفعلية للاختيار، في حين أن الندم المتوقع هو تقييم احتمالي قبلي يعمل كمدخل تنظيمي ذاتي يوجه عملية الاختيار ويهدف إلى تحصين الذات ضد الصدمات العاطفية المستقبلية.
6. الإطار النظري
يتأسس مقياس الندم المتوقع على أطر نظرية متينة في الاقتصاد السلوكي وعلم النفس المعرفي، وتحديداً:
1. نظرية الندم في اتخاذ القرار (Regret Theory)
صيغت هذه النظرية في أعمال رواد الاقتصاد الرياضي والسلوكي مثل بيل (Bell, 1982) ولوومز وسوجدن (Loomes & Sugden, 1982). تفترض النظرية أن الأفراد لا يقيّمون الخيارات بناءً على القيمة المتوقعة لنتائجها المنعزلة فحسب، بل يأخذون في الحسبان المشاعر النفسية التي ستنشأ عند مقارنة النتيجة الفعلية بالنتيجة التي كان من الممكن الحصول عليها لو تم اختيار بديل آخر. استند هايتمان وزملاؤه (2007) إلى هذا الأساس لافتراض أن تقليل الندم المتوقع يمثل هدفاً جوهرياً ومستقلاً من أهداف الاختيار، ينافس في أهميته تعظيم المنفعة الفورية.
2. نظرية المحاكاة الذهنية والتفكير المضاد للواقع (Mental Simulation & Counterfactuals)
تستند خلفية الأداة إلى أبحاث كانيمان وتفيرسكي (Kahneman & Tversky, 1982) ورويز (Roese, 1997) حول كيفية قيام الدماغ بمحاكاة بدائل للواقع القائم. بيّنت هذه الدراسات أن سهولة تخيل سيناريو مضاد للواقع تزيد من شدة الانفعال المتوقع. وجّهت هذه النظرية صياغة فقرات المقياس بحيث تستثير مدى قلق الفرد من احتمال اكتشافه لاحقاً أن خياراً لم ينتقه كان ليكون أفضل بكثير من الخيار الذي استقر عليه.
3. نظرية التركيز التنظيمي والتحكم الذاتي (Regulatory Focus Theory)
يرتبط الندم المتوقع بنظام التركيز الوقائي (Prevention Focus) وفق نموذج هيغينز (Higgins, 1997). فالأفراد الذين ينشط لديهم هدف تجنب الندم يسعون إلى تجنب الخسائر والأخطاء المعنوية، مما يجعل فقرات المقياس حساسة للغاية في التقاط التوجهات الحذرة والوقائية أثناء معالجة المعلومات.
7. الصدق
خضع المقياس في دراسة هايتمان وآخرين (2007) والدراسات اللاحقة لاختبارات تجريبية وإحصائية صارمة لتقييم مختلف أوجه الصدق السيكومتري:
صدق البناء والتحليل التوكيدي (Construct Validity)
تم تقييم صدق البناء عبر نمذجة المعادلات البنائية وتأكيد أن مؤشرات المواءمة للنموذج المقترح تطابق المعايير الإحصائية المقبولة عالمياً (مثل CFI > 0.95 وTLI > 0.95 وRMSEA < 0.06). أظهرت الفقرات تشبعات عاملية قوية دالة إحصائياً عند مستوى p < 0.001، مما يبرهن على أن المتغيرات المقاسة تعكس بدقة البناء الكامن غير الملاحظ.
الصدق التقاربي (Convergent Validity)
تجاوز متوسط التباين المستخرج (Average Variance Extracted – AVE) عتبة 0.50 الموصى بها من قِبل فورنيل ولاركر (Fornell & Larcker, 1981)، مما يؤكد أن البناء يفسر أكثر من نصف التباين في فقراته بدلاً من تباين الخطأ العشوائي.
الصدق التمايزي (Discriminant Validity)
أثبتت نتائج التحليل السيكومتري تمايز الندم المتوقع بوضوح عن المفاهيم المجاورة الواردة في نموذج هايتمان وزملائه، مثل: صعوبة الاختيار (Choice Difficulty)، والجهد الإدراكي المبذول (Cognitive Effort)، والرضا عن القرار (Decision Satisfaction). كان جذر متوسط التباين المستخرج لبناء الندم المتوقع أعلى بوضوح من معاملات الارتباط الثنائية بينه وبين أي بناء آخر في النموذج.
الصدق التنبؤي والملازم (Predictive & Concurrent Validity)
أثبت المقياس قدرة تنبؤية عالية فيما يخص خفض مستوى الرضا بعد الاستهلاك وزيادة احتمالية تغيير العلامة التجارية لاحقاً، فضلاً عن تفسيره لآليات تجنب الاختيار في ظل وفرة البدائل المتاحة، مما يدعم صحة تنبؤات نظرية الندم في سياقات القرارات الحقيقية والتجريبية.
8. الثبات
أظهرت التحليلات الإحصائية للمقياس درجات ممتازة من الاتساق الداخلي والموثوقية القياسية عبر عينات متعددة وبيئات اختبار متنوعة:
- معامل ألفا كرونباخ (α): سجل المقياس في الدراسة التأسيسية (Heitmann et al., 2007) قيمة بلغت 0.88، وهي قيمة تتفوق على الحد الأدنى المقبول في البحوث النفسية والاجتماعية (0.70).
- الثبات التركيبي (Composite Reliability – CR): تجاوزت قيمة الثبات المركب للبناء حاجز 0.89، مما يؤكد خلو القياس من الأخطاء التباينية الناتجة عن تفاوت أوزان الفقرات.
- استقرار القياس: بيّنت الدراسات التتبعية والتكرارية التي طبقت المقياس في فترات زمنية متباينة استقراراً ملحوظاً في معاملات الثبات، مما يدل على أن استجابات الأفراد لا تتأثر بالتقلبات العشوائية اللحظية أثناء مهام التقييم المعرفي.
9. التحليل العاملي
أُخضع المقياس لسلسلة من التحليلات العاملية الاستكشافية (EFA) والتوكيدية (CFA) للتحقق من بنيته الهندسية السيكومترية:
التحليل العاملي الاستكشافي (EFA)
كشفت نتائج التحليل الاستكشافي باستخدام طريقة المحاور الأساسية وتدوير فاريماكس (Varimax) عن استخلاص عامل وحيد ذي جذر كامن (Eigenvalue) يتجاوز 1.0 بفارق كبير عن العوامل اللاحقة (وفق اختبار الحصى لكاتل – Scree Plot)، حيث فسر هذا العامل المنفرد ما يزيد عن 60% من التباين الكلي المفسر للبيانات، مما يدعم الأحادية البعدية (Unidimensionality) للمقياس.
التحليل العاملي التوكيدي (CFA)
أكدت نتائج التحليل العاملي التوكيدي ملاءمة النموذج أحادي العامل للبيانات الميدانية. وجاءت تشبعات الفقرات (Factor Loadings) القياسية مرتفعة ودالة، حيث تراوحت جميع التشبعات بين 0.72 و0.86، وكانت مصفوفة التباين المتبقي منخفضة للغاية. هذا التطابق يؤكد أن الفقرات الخمس تعمل سوياً بتناغم لقياس مكنون الندم المتوقع دون تشويش من عوامل ثانوية كامنة.
10. أداة القياس
تتسم أداة القياس بالمواصفات الفنية والإجرائية الآتية:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-report questionnaire).
- طريقة التطبيق: استبيان ورقي أو إلكتروني، يُطبق بشكل فردي أو جماعي.
- عدد الفقرات: 5 فقرات تقيس بعداً موحداً هو تجنب/توقع الندم المرتبط بالاختيار.
- مقياس الاستجابة: سلم ليكرت السباعي (7-point Likert scale)، حيث تمثل (1) “أعارض بشدة”، و(4) “محايد”، و(7) “أوافق بشدة”.
- طريقة التصحيح واحتساب الدرجات: يتم حساب الدرجة الإجمالية للمفحوص إما عن طريق جمع درجات الفقرات الخمس (تتراوح الدرجة الكلية بين 5 و35)، أو بحساب المتوسط الحسابي للفقرات (يتراوح بين 1 و7). تشير الدرجات المرتفعة إلى مستويات أعلى من الندم المتوقع والتحسب السلبي تجاه عواقب القرار.
- الفقرات المعكوسة: صُممت فقرات المقياس باتجاه إيجابي مباشر نحو قياس الندم المتوقع، ولا تتضمن فقرات معكوسة الصياغة، مما يسهل عملية التحليل الإحصائي ويقلل من تشتت المفحوصين أثناء الاستجابة.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشر المقياس لأول مرة في عام 2007 في دراسة منشورة بـ Journal of Marketing Research الصادرة عن الجمعية الأمريكية للتسويق (American Marketing Association – AMA). وفق الأعراف الأكاديمية وحقوق النشر:
- الاستخدام العلمي غير التجاري: يُتاح المقياس عموماً للأغراض البحثية والأكاديمية البحتة دون مقابل مادي، بشرط التوثيق المرجعي الكامل للورقة الأصلية للباحثين هايتمان، ليمان، وهيرمان (2007).
- الاستخدام التجاري والتطبيقي: يخضع أي استخدام في استشارات تجارية أو منصات ربحية لحقوق النشر التابعة للناشر الأصلي (American Marketing Association) أو المؤلفين، ويتطلب الحصول على إذن خطي مسبق ودفع الرسوم المقررة وفق سياسة دار النشر.
12. المراجع
Bell, D. E. (1982). Regret in decision making under uncertainty. Operations Research, 30(5), 961-981. https://doi.org/10.1287/opre.30.5.961
Fornell, C., & Larcker, D. F. (1981). Evaluating structural equation models with unobservable variables and measurement error. Journal of Marketing Research, 18(1), 39-50. https://doi.org/10.1177/002224378101800104
Heitmann, M., Lehmann, D. R., & Herrmann, A. (2007). Choice goal attainment and decision and consumption satisfaction. Journal of Marketing Research, 44(2), 234-250. https://doi.org/10.1509/jmkr.44.2.234
Higgins, E. T. (1997). Beyond pleasure and pain. American Psychologist, 52(12), 1280-1300. https://doi.org/10.1037/0003-066X.52.12.1280
Kahneman, D., & Tversky, A. (1982). The simulation heuristic. In P. Slovic, D. Kahneman, & A. Tversky (Eds.), Judgment under uncertainty: Heuristics and biases (pp. 201-208). Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511809477.015
Loomes, G., & Sugden, R. (1982). Regret theory: An alternative theory of rational choice under uncertainty. The Economic Journal, 92(368), 805-824. https://doi.org/10.2307/2232669
Roese, N. J. (1997). Counterfactual thinking. Psychological Bulletin, 121(1), 133-148. https://doi.org/10.1037/0033-2909.121.1.133