التقييم السيكومتريالمقاييس النفسيةمقاييس علم نفس الدين

مقياس التدين اللاتمييزي

دليل سيكومتري تفصيلي وشامل لمقياس التدين اللاتمييزي (IPRO) الذي طوره كينيث بارغامنت وزملاؤه (1987) لقياس أبعاد المحاباة الدينية الجمعية والشخصية، وبنيته العاملية، وخصائص الصدق والثبات وإجراءات التطبيق.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 23 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 23 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

1. الملخص / Abstract

يُعد مقياس التدين اللاتمييزي (Indiscriminate Proreligiousness Scale – IPRO)، الذي طوره عالم النفس الأمريكي كينيث بارغامنت (Kenneth I. Pargament) وزملاؤه عام 1987، أداة سيكومترية متقدمة صُممت لقياس نزعة الأفراد نحو الاستجابة الإيجابية المفرطة وغير الواقعية لكل ما يتصل بالدين والمؤسسات الدينية بصرف النظر عن مدى معقولية أو منطقية العبارات المقترحة. نشأ هذا المقياس استجابةً نقدية لأعمال غوردون ألبورت (Gordon Allport) وروس (Ross, 1967)، اللذين اعتبرا الأفراد الذين يحصلون على درجات مرتفعة متزامنة في بُعدي التدين الداخلي (Intrinsic) والخارجي (Extrinsic) على مقياس التوجه الديني (ROS) عاجزين عن التفكير المنطقي المتسق أو خاضعين لأسلوب استجابة تحيزي أُطلق عليه “التدين اللاتمييزي المحابي”.

يتألف مقياس (IPRO) من 28 فقرة موزعة على مقياسين فرعيين مستقلين: مقياس التدين الجمعي/الكَنَسي اللاتمييزي (PRO-C) ويتكون من 16 فقرة (منها 8 فقرات تُصحح عكسياً)، ومقياس التدين الشخصي اللاتمييزي (PRO-P) ويتكون من 12 فقرة (منها 5 فقرات تُصحح عكسياً). يعتمد المقياس أسلوب الاستجابة ثنائية الخيار (صواب / خطأ؛ True / False)، بهدف إجبار المفحوص على الاختيار بين موقف مؤيد للدين غير واقعي ومبالغ فيه، وموقف آخر يتسم بالعقلانية والتمييز المنطقي.

أظهرت الدراسات السيكومترية المعيارية أن المقياس يتمتع بخصائص قياسية جيدة؛ حيث تراوحت معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) لبُعد التدين الجمعي (PRO-C) بين 0.78 في عينات رواد الكنائس الراشدين و0.82 في عينات طلبة الجامعة، في حين تراوحت معاملات بُعد التدين الشخصي (PRO-P) بين 0.59 لدى الطلبة و0.75 لدى أفراد الكنائس. كشف التحليل العاملي التدويري المائل (Promax) عن استقلال البُعدين وتمايزهما المفاهيمي، كما برهنت دراسات الصدق التقاربي والتمايزي ارتباط المقياس ارتباطاً معتدلاً بمرغوبية مارلو-كراون الاجتماعية، وقدرته على التمييز بين الإدراك الواقعي للمؤسسة الدينية والمثالية الدفاعية المبالغ فيها.

2. الكلمات المفتاحية / Keywords

مقياس التدين اللاتمييزي, كينيث بارغامنت, غوردون ألبورت, التدين الداخلي, التدين الخارجي, التوجه الديني, التحيز الديني, القياس النفسي للتدين, علم نفس الدين, صدق البناء السيكومتري, نمط الاستجابة الإيجابي, مثالية المؤسسة الدينية.

3. المؤلفون / Authors

تم تطوير المقياس عبر فريق بحثي متخصص في علم نفس الدين والقياس الإكلينيكي بجامعة بولينغ غرين ستيت (Bowling Green State University) بالولايات المتحدة الأمريكية، بقيادة:

  • كينيث آي. بارغامنت (Kenneth I. Pargament, Ph.D.): أستاذ فخري لعلم النفس في جامعة بولينغ غرين ستيت، وأحد أبرز رواد دراسات المواجهة الدينية (Religious Coping) والصحة النفسية في العالم. (البريد الأكاديمي المعتمد لدى الجامعة: [email protected]).
  • مايكل تي. برانيك (Michael T. Brannick, Ph.D.): باحث ومنهجي متخصص في القياس النفسي والتحليل الإحصائي ونمذجة المعادلات البنائية.
  • إتش. أداماكوس (H. Adamakos): باحث مشارك في أبحاث التقييم المجتمعي والديني.
  • ديفيد إس. إنسينغ (David S. Ensing, Ph.D.): باحث في علم النفس المجتمعي والتدخلات النفسية الدينية.
  • إم. إل. كيليمن (M. L. Kelemen): باحث متخصص في السلوك الديني الجمعي.
  • آر. كيه. وارن (R. K. Warren)، كيه. فالغوت (K. Falgout)، بي. كوك (P. Cook)، وجيه. مايرز (J. Myers): باحثون مساعدون في مختبر علم نفس الدين والتقييم السيكومتري بجامعة بولينغ غرين ستيت.

4. الغرض / Purpose

يتمثل الغرض الجوهري من بناء مقياس التدين اللاتمييزي (IPRO) في توفير أداة قياس تجريبية دقيقة قادرة على الكشف عن نزعة المفحوص نحو الإقرار غير النقدي والتعميمي للمفاهيم الدينية والظواهر المؤسسية الكنسية، وتفسير ظاهرة التطابق المرتفع بين الأبعاد الدينية المتناقضة ظاهرياً في المقاييس الكلاسيكية. لعقود طويلة، واجه باحثو علم نفس الدين معضلة سيكومترية نشأت عن نمط تصنيف ألبورت وروس (Allport & Ross, 1967) للتوجهات الدينية؛ إذ افترض ألبورت أن التدين الداخلي (حيث يعيش الفرد دينه كغاية في ذاته) والتدين الخارجي (حيث يستغل الفرد الدين كوسيلة لمكاسب اجتماعية أو أمنية) يمثلان قطبين متعارضين أو نمطين مستقلين تماماً، وصنف أولئك الذين يحصلون على درجات عالية في كلا المقياسين تحت فئة “المتدينين دون تمييز” (Indiscriminately Proreligious)، مفسراً هذه الاستجابة بأنها ناجمة عن خلل منطقي أو نزعة امتثالية دفاعية غير ناضجة.

رفض بارغامنت وزملاؤه (Pargament et al., 1987) التسليم المطلق بأن هذه الدرجات المرتفعة تعكس بالضرورة عجزاً معرفياً أو تناقضاً لا معنى له، بل افترضوا إمكانية وجود أفراد “يعيشون” دينهم و”يستخدمونه” في الوقت ذاته، مما استلزم بناء أداة مخصصة تقيس ظاهرة “المحاباة الدينية اللاتمييزية” بوصفها بناءً نفسياً قائماً بذاته، يتجلى في الاستجابة الإيجابية المطلقة لأي عبارة تدعم الدين أو تمدح الكنيسة بصرف النظر عن كون هذه العبارة واقعية أو مستحيلة الحدوث في الواقع البشري.

تتعدد الاستخدامات العملية والبحثية لمقياس IPRO في مجالات عدة:

  • البحث السيكومتري والمنهجي: يُستخدم كمتغير ضابط لعزل تباين أسلوب الاستجابة (Response Style Variance) والنزعة التبريرية الدينية عند فحص العلاقات بين التدين ومؤشرات الصحة النفسية؛ إذ قد يُسهم تضخيم الدرجات الدينية في إخفاء أو تزييف العلاقات الارتباطية مع التوافق النفسي.
  • البحوث الإكلينيكية وعلم النفس الإرشادي: يساعد المعالجين والباحثين الإكلينيكيين في تحديد العملاء الذين يعتمدون استراتيجيات إنكار أو تفكير مثالي دفاعي في التعامل مع مشكلاتهم الحياتية، حيث يميل الأفراد ذوو التدين اللاتمييزي المرتفع إلى تغليف الصراعات الأسرية أو الشخصية بغطاء من المثالية الدينية المفرطة تمنعهم من الاعتراف بوجود قصور أو أزمات حقيقية.
  • علم النفس التنظيمي الديني والمجتمعي: يُوظف لتقييم المناخ المؤسسي والرضا الجمعي داخل الكنائس والمؤسسات الدينية؛ إذ يسمح المقياس الفرعي الخاص بالتدين الجمعي (PRO-C) بتمييز الرضا الموضوعي الواقعي عن المؤسسة الدينية من الولاء الأعمى الذي يتجاهل أي عيوب أو جوانب تنظيمية تستوجب التطوير والتحسين.

5. البناء النفسي / Construct

يُعرَّف البناء النفسي لـ التدين اللاتمييزي إجرائياً بأنه: النزعة المعرفية والسلوكية لدى الفرد لتأييد العبارات الدينية التي ترسم صورة إيجابية مطلقة وخالية من أي عيب للمظاهر الدينية الشخصية والمؤسسية، بصرف النظر عن مدى استحالة هذه المزاعم وتناقضها مع الطبيعة البشرية الناقصة. قام بارغامنت وفريقه بتفكيك هذا البناء المعقد إلى بُعدين نفسيين مستقلين وظيفياً:

أولاً: التدين الجمعي اللاتمييزي (Congregational Proreligiousness – PRO-C)

يركز هذا البُعد على تقييم الفرد للمجتمع الديني المنظم (الكنيسة، الرعية، الجماعة الروحية). ويقيس الميل إلى إضفاء صبغة الملائكية والمثالية المطلقة على المؤسسة الدينية، ونفي وجود أي توترات إنسانية، أو تقصير إداري، أو خلافات مذهبية أو فكرية بين الأعضاء والقادة. تغطي فقرات هذا البُعد (16 فقرة) مجالات حيوية في الحياة الكنسية، تشمل:

  • القيادة الدينية ورجال الدين: افتراض أن الرعاة والقادة معصومون عن الخطأ ويهتمون بكافة الأعضاء بلا استثناء، كما في العبارة المعكوسة: “Our ministers do not give their full attention to some of the members”، والعبارة: “The ministers are sometimes unable to help solve members’ problems”؛ إذ إن الإقرار بمثل هذه الفقرات يتطلب إدراكاً واقعياً لمحدودية القدرات البشرية لرجال الدين.
  • العلاقات بين الأعضاء والتضامن الجماعي: التبني غير الواقعي لفكرة غياب التنافس والشائعات تماماً داخل الكنيسة، مثل: “Church members never gossip about one another” و“Tensions do not exist among members of this church”.
  • السياسات والبرامج والأنشطة: الاعتقاد بأن الكنيسة تلبي جميع احتياجات الأفراد دون أي استثناء أو ملل، كقولهم: “This church has programs to meet the needs of all the members” و“Some church activities are boring” (معكوسة).

ثانياً: التدين الشخصي اللاتمييزي (Personal Proreligiousness – PRO-P)

يتناول هذا البُعد (12 فقرة) التجربة الدينية الفردية الذاتية، ويرصد الميل نحو ادعاء الالتزام الديني والروحي التام الذي لا تشوبه شائبة من شك أو كسل أو ضعف بشري. يمتد البناء النفسي لهذا البُعد ليشمل أربعة مظاهر فرعية للتجربة الدينية الفردية:

  • المظهر التعبدي والانفعالي (Devotional): المبالغة في أثر الممارسات التعبدية على المشاعر بصفة دائمة ومطلقة، مثل: “Praying always brings me inner peace” (فالصياغة بكلمة “دائماً” تجعل العبارة غير واقعية، إذ يمر البشر بحالات جفاف روحي أو تشتت أثناء الصلاة).
  • المظهر الطقوسي والسلوكي (Ritual & Behavioral): إنكار أي تقاعس أو رغبة بشرية في التهرب من الطقوس، مثل العبارة المعكوسة: “There are times when I do not feel like going to church” أو السهو الذهني: “Sometimes I daydream during services”.
  • المظهر التبعي/الأخلاقي (Consequential): ادعاء الانصياع الأخلاقي التام للأوامر الدينية دون أي كبوة أو خرق، كما في: “I never disobey the teachings of my faith” و“I always live by my religious beliefs”.
  • المظهر الإيديولوجي والعقدي (Ideological): نفي المرور بأي لحظة شك وجودي أو تساؤل إيماني على مدار الحياة بأسرها، كما في العبارة المعكوسة: “There have been times when I doubted the existence of God”.

6. الإطار النظري / Theoretical Framework

يستند مقياس التدين اللاتمييزي إلى جذور نظرية عميقة في علم النفس المعرفي الاجتماعي وعلم نفس الشخصية، وتحديداً المناظرات التاريخية المحيطة ببناء التوجه الديني (Religious Orientation) الذي صاغه غوردون ألبورت في أواخر الخمسينيات وتوجها مع روس عام 1967. رأى ألبورت أن الأفراد الذين يظهرون توجهاً داخلياً يدمجون الدين في هويتهم الجوهرية، بينما يستخدم ذوو التوجه الخارجي الدين كأداة نفعية لتحقيق المكانة والشعور بالأمان. غير أن التطبيق العملي لمقياس (ROS) كشف عن فئة من المفحوصين حصلوا على درجات مرتفعة في كلا البُعدين، مما دفع ألبورت وروس إلى تصنيفهم كأفراد “لاتمييزيين محابين للدين” وافتراض أن استجاباتهم تعكس تدنياً في الكفاءة العقلية، وجموداً فكرياً (Dogmatism)، ورغبة في الظهور بمظهر المتدين المتطرف دون استيعاب عميق للتناقض الداخلي.

قام بارغامنت بإعادة صياغة هذه الفرضية بالاعتماد على المنظور التفاعلي المعرفي؛ حيث جادل بأن المشكلة في تصنيف ألبورت وروس تكمن في الاعتماد على أسلوب رياضي ناتج عن تقسيم الوسيط (Median Split) لمقياس لم يُبنَ أساساً لقياس ظاهرة اللاتمييزية، بل كان مخصصاً للأبعاد الداخلية والخارجية. ومن ثم، فإن محاولة استنتاج “التدين اللاتمييزي” من خلال تقاطع درجات مقياسين مستقلين تؤدي إلى تشويش منهجي خطير؛ إذ تختلط الرغبة الصادقة في التكامل الديني بنزعة إضفاء المثالية الدفاعية.

انطلق بارغامنت من نظرية مفادها أن “التدين اللاتمييزي” يمثل في جوهره عملية دفاع معرفي نفسي (Cognitive Psychological Defense) وإضفاء للمثالية المطلقة (Idealization) على الموضوع الديني، تشبه آليات الإعلاء الدفاعي أو الإنكار النفسي الموجه لحماية المعتقدات الفردية والانتماء الجمعي من القلق الوجودي أو الصراعات البينشخصية. وبناءً على هذا الإطار، تم توجيه بناء الفقرات بطريقة خاصة جداً تعتمد على صياغات متطرفة قطعية تستخدم محددات كمية مطلقة مثل: “دائماً” (Always)، “أبداً” (Never)، “كل” (All)، و“لا يوجد إطلاقاً” (None). وتعتبر هذه الاستراتيجية اللغوية المحك التجريبي الفارق؛ فالشخص المميز والواقعي -مهما بلغت درجة تدينه والتزامه الروحي- يدرك بحكم المنطق الإنساني أن الكنيسة تضم أفراداً قد يختلفون، وأنه يمر أحياناً بلحظات فتور أو شرود ذهني. وبالتالي، فإن اختيار الاستجابة المؤيدة لهذه العبارات القطعية المستحيلة يكشف بشكل لا لبس فيه عن “أسلوب استجابة لاتمييزي مفرط في محاباة الدين”.

7. الصدق / Validity

أُخضع مقياس IPRO لفحوص سيكومترية دقيقة لتقييم بنيته ومطابقته لمعايير صدق البناء (Construct Validity)، والصدق التمايزي (Discriminant Validity)، والصدق التقاربي (Convergent Validity) عبر عينتين مستقلتين: عينة رواد الكنائس الراشدين في ميشيغان (ن = 261)، وعينة طلبة الجامعة المتدينين (ن = 305):

أولاً: صدق البناء والمحتوى عبر التحليل العاملي

أكدت نتائج التحليل العاملي باستخدام التدوير المائل (Promax Rotation) مطابقة الفقرات للبنية المفترضة للمقياس؛ حيث تشبعت فقرات التدين الجمعي على عاملها المخصص، وتشبعت فقرات التدين الشخصي على عاملها المستقل، مع تشبعات عاملية تجاوزت 0.20 لجميع الفقرات، ولم تظهر أي تشبعات متقاطعة دالة باستثناء فقرتين فقط من مقياس التدين الجمعي، مما يثبت صدق المحتوى والبناء الهيكلي للأداة.

ثانياً: الصدق التمايزي مع المرغوبية الاجتماعية

لفحص ما إذا كان المقياس مجرد مرآة تعكس النزعة العامة نحو المرغوبية الاجتماعية (Social Desirability)، تم حساب الارتباط بين بُعدي المقياس ومقياس مارلو-كراون للمرغوبية الاجتماعية (Crowne & Marlowe, 1964):

  • في عينة الكنيسة: ارتبط بُعد PRO-P بمقياس مارلو-كراون بمعامل بلغ r = 0.52، في حين ارتبط بُعد PRO-C بمعامل منخفض بلغ r = 0.29.
  • في عينة الطلاب: ارتبط بُعد PRO-P بمعامل r = 0.49، وبُعد PRO-C بمعامل r = 0.31.

تُظهر هذه النتائج أن التدين اللاتمييزي يرتبط جزئياً بالحاجة العامة للاستحسان الاجتماعي ولكنه يتمايز عنها بوضوح؛ إذ يفسر تبايناً فريداً وخاصاً بالمجال الديني لا تستوعبه مقاييس المرغوبية التقليدية، لا سيما فيما يتعلق بالمجال الجمعي (PRO-C) الذي أظهر استقلالاً كبيراً عن أثر التكلف الاجتماعي العام.

ثالثاً: تمايز البُعدين واستقلاليتهما

بلغ معامل الارتباط بين بُعد التدين الجمعي (PRO-C) وبُعد التدين الشخصي (PRO-P) قيمة r = 0.40 في عينة الكنائس، وr = 0.44 في عينة الطلبة. ويشير هذا الارتباط الإيجابي المعتدل إحصائياً إلى أن البُعدين يمثلان مجالين متمايزين وظيفياً لنفس الظاهرة؛ حيث يمكن للفرد أن يتبنى نزعة مثالية مفرطة تجاه كنيسته ومؤسسته الدينية دون أن يسقط هذه المثالية بالضرورة على ممارساته وتجاربه التعبدية الشخصية، والعكس صحيح.

رابعاً: الصدق التقاربي والتنبؤي بالمتغيرات الدينية والبيئية

دعمت التحليلات الفرضيات التنبؤية للنموذج عبر العلاقات التالية:

  • المناخ والرضا الكنسي: أظهر مقياس التدين الجمعي (PRO-C) ارتباطات دالة ومرتفعة بمتوسط وسيط بلغ r = 0.43 مع مقاييس مناخ الكنيسة ومستوى الرضا عن الخدمات الكنسية في كلا العينتين، مقارنة بارتباط بلغ r = 0.22 فقط لمقياس التدين الشخصي (PRO-P)، وr = 0.14 فقط لمقياس مارلو-كراون.
  • المتغيرات الدينية الشخصية: أظهر مقياس التدين الشخصي (PRO-P) ارتباطات دالة وموجبة بمتوسط وسيط بلغ r = 0.30 مع متغيرات التدين الجوهرية (التدين الداخلي، والخارجي، وتوجه التساؤل/Quest، وضبط الله/God-Control، والأرثوذكسية، وحضور الكنيسة، وتكرار الصلاة، وبروز الدين في الحياة)، في حين ارتبطت هذه المتغيرات بارتباط ضعيف جداً مع بُعد PRO-C (وسيط r = 0.10) ومع مقياس مارلو-كراون (وسيط r = 0.09).
  • العلاقة بنموذج ألبورت وروس النمطي: ارتبط بُعد PRO-P ارتباطاً متواضعاً لكنه دال مع تصنيف النمط اللاتمييزي المحابي للدين المشتق من جدول التقاطع الثنائي (2×2) لمقياس ألبورت وروس، مما يوفر دليلاً إضافياً على صدق التلاقي المفاهيمي.

8. الثبات / Reliability

خضع مقياس IPRO لفحوصات دقيقة للاتساق الداخلي باستخدام معادلة ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) على مجموعتين من المشاركين اختلفت خصائصهما الديموغرافية ومستويات التزامهما الديني:

أولاً: عينة رواد الكنائس (Michigan Church Sample)

تكونت هذه العينة المعيارية من 261 مشاركاً بالغاً من ثلاث كنائس تاريخية في ولاية ميشيغان (كنيستان لوثريتان، ن = 155؛ وكنيسة مشيخية بروتستانتية، ن = 106). بلغ متوسط العمر الوسيط 43 عاماً، وشكل الذكور 41% من العينة:

  • مقياس التدين الجمعي (PRO-C): حقق معامل ألفا كرونباخ قدره 0.78، وهو معامل ثبات مرتفع ومناسب للأغراض البحثية والتشخيصية، بمتوسط حسابي قدره 4.51 وانحراف معياري قدره 3.19.
  • مقياس التدين الشخصي (PRO-P): حقق معامل ألفا كرونباخ قدره 0.75، بمتوسط حسابي قدره 4.01 وانحراف معياري قدره 2.68.

ثانياً: عينة طلبة الجامعة (University Student Sample)

تكونت العينة من 305 طلاب متطوعين من مرتادي الكنائس في إحدى الجامعات الحكومية بوسط الغرب الأمريكي، بمتوسط عمر 19 عاماً (27% ذكور)، وتوزعوا مذهبياً بين 53% من الكاثوليك، و43% من البروتستانت، و4% من طوائف أخرى:

  • مقياس التدين الجمعي (PRO-C): حقق معامل اتساق داخلي ممتاز بلغ 0.82، بمتوسط حسابي قدره 6.08 وانحراف معياري قدره 3.75.
  • مقياس التدين الشخصي (PRO-P): حقق معامل اتساق داخلي منخفض نسبياً بلغ 0.59، بمتوسط حسابي قدره 4.23 وانحراف معياري قدره 2.16.

التفسير السيكومتري لتباين الثبات

ناقش بارغامنت وزملاؤه (1987) الانخفاض الملحوظ في ثبات بُعد PRO-P لدى عينة الطلبة (0.59) مقارنة بعينة الكنيسة (0.75)، وأرجعوا ذلك إلى سببين سيكومترين رئيسيين:

  1. الخصائص التوزيعية للفقرات الثنائية: يعتمد المقياس نظام الإجابة الثنائي (صواب / خطأ)، وفي مثل هذه المقاييس ينخفض معامل الارتباط بين الفقرات ومعامل ألفا كلما ابتعد معدل تأييد الفقرة (Item Endorsement Rate) عن النسبة المثالية (50%). وقد أظهرت تحليلات الفقرات في عينة الطلبة عزوفاً كبيراً عن تأييد العبارات اللاتمييزية الشخصية الشديدة، مما قلص التباين المشترك للفقرات.
  2. مستوى الالتزام والتكامل الديني: كشفت المقارنات أن درجات عينة الطلبة على مقياس التدين الداخلي لهوج (Hoge, 1972 Intrinsic Scale) كانت أقل دلالياً وإحصائياً من عينة رواد الكنائس الراشدين، مما يعكس حداثة التجربة الدينية وتذبذبها لدى شريحة الشباب الجامعي مقارنة بالراشدين الأكثر رسوخاً والتزاماً وتنظيماً في معتقداتهم وممارساتهم.

9. التحليل العاملي / Factor Analysis

أجرى فريق البحث تحليلاً عاملياً استكشافياً وتأكيدياً متقدماً للتحقق من البنية الكامنة وراء فقرات مقياس IPRO الثماني والعشرين. ولأن المقياسين الفرعيين يتناولان بعدين لنفس الظاهرة ويفترض نظرياً وجود علاقة ارتباطية بينهما، تم استخدام أسلوب المحاور المشتركة مع التدوير المائل المائل بزاوية مائلة (Promax Rotation)، بدلاً من التدوير المتعامد (Varimax) الذي يفترض استقلال العوامل تماماً.

نتائج التحليل وبنية العوامل

أسفرت النتائج عن ظهور عاملين رئيسيين واضحين يفسران النسبة الأكبر من التباين الكلي المشترك، وتطابقا تماماً مع التقسيم المفاهيمي المفترض:

  • العامل الأول (التدين الجمعي اللاتمييزي – PRO-C): تجمعت عليه فقرات الحياة الكنسية والتقييم المؤسسي. أظهرت جميع الفقرات الست عشرة تشبعات عاملية قوية على هذا العامل تجاوزت أدناها عتبة 0.20 المعيارية، وتركزت معظم التشبعات بين 0.35 و0.71. تميز هذا العامل بقدرته العالية على النقاء الإحصائي؛ إذ لم تظهر أي تشبعات متبادلة (Cross-loadings) مع العامل الثاني باستثناء فقرتين فقط أظهرتا تشبعات ثانوية ضعيفة لم تؤثر على انتمائهما الأصلي.
  • العامل الثاني (التدين الشخصي اللاتمييزي – PRO-P): استوعب الفقرات الاثنتي عشرة الخاصة بالتجارب الذاتية، والانصياع العقدي، والحياة التعبدية. حققت جميع فقرات البُعد تشبعات صريحة تفوق 0.20، دون أي تداخل عاملي مع فقرات البُعد الجمعي.

أثر الصياغة العكسية على ضبط أسلوب الاستجابة

أثبت التحليل العاملي كفاءة البناء في تحييد وتطهير خطأ القياس الناتج عن نزعة الموافقة الآلية (Acquiescence Response Set). فبفضل توزيع الفقرات المصوغة سلباً وعكساً (8 فقرات في PRO-C و5 فقرات في PRO-P)، أظهرت مصفوفة العوامل تشتت تباين أسلوب الاستجابة الآلي، وتأكد أن التشبعات تعكس المحتوى الدلالي للتحيز والمحاباة الدينية غير الواقعية وليس مجرد النزعة السطحية للنقر على “صواب”.

10. أداة القياس / Instrument

  • نوع الاختبار: استبانة تقرير ذاتي (Self-report Inventory) لقياس أساليب الاستجابة والتحيزات الدينية اللاتمييزية.
  • التنسيق والشكل: مقياس ورقي أو رقمي يتكون من استمارتين منفصلتين أو مدمجتين: الاستمارة الجمعية (PRO-C) والاستمارة الشخصية (PRO-P).
  • إجمالي عدد الفقرات: 28 فقرة موزعة كالتالي:
    • مقياس التدين الجمعي (PRO-C): 16 فقرة.
    • مقياس التدين الشخصي (PRO-P): 12 فقرة.
  • مقياس الاستجابة: نسق ثنائي الخيار إجباري (صواب / خطأ؛ True / False)، صُمم لإرغام المفحوص على حسم خياره بين التأييد غير الواقعي أو الموقف التمييزي الموضوعي.
  • آلية التصحيح وحساب الدرجات:
    • تُمنح درجة واحدة (1) للاستجابة اللاتمييزية المحابية للدين (التي تؤيد المثالية غير المعقولة).
    • تُمنح صفر (0) للاستجابة التمييزية الواقعية.
    • الدرجة الكلية لكل مقياس فرعي هي مجموع الإجابات التي نالت درجة (1).
    • المدى المحتمل للدرجات في PRO-C هو: من 0 إلى 16 درجة.
    • المدى المحتمل للدرجات في PRO-P هو: من 0 إلى 12 درجة.
    • تشير الدرجات المرتفعة إلى نزعة قوية نحو إضفاء المثالية المطلقة واللاتمييزية تجاه الدين.
  • الفقرات المعكوسة (Reverse Scored Items):
    • في مقياس PRO-C (8 فقرات): الفقرات ذات الأرقام (4، 6، 7، 8، 9، 11، 14، 16). في هذه الفقرات، تكون الإجابة بـ “خطأ” (False) هي الاستجابة المؤيدة للنزعة اللاتمييزية وتأخذ (1)، بينما الإجابة بـ “صواب” (True) تعكس تمييزاً واقعياً وتأخذ (0).
    • في مقياس PRO-P (5 فقرات): الفقرات ذات الأرقام (3، 5، 8، 10، 12). في هذه الفقرات، تكون الإجابة بـ “خطأ” (False) هي الدالة على التدين اللاتمييزي وتأخذ (1)، والإجابة بـ “صواب” تأخذ (0).
  • إرشادات التصنيف كمتغير مستقل: عند الرغبة في تحويل الدرجات إلى متغير تصنيفي قاطع (مثل: متدين بتمييز مقابل متدين دون تمييز)، يوصي مؤلفو المقياس باستخدام نقطة المنتصف النظرية (Theoretical Midpoint)؛ وهي (8) لمقياس PRO-C، و(6) لمقياس PRO-P، وتجنب استخدام تقسيم الوسيط الإحصائي للعينة (Median Split) لتلافي التباين بين الدراسات الناجم عن الفروق العينية.

11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار / Permissions & Fee and Test Year

  • سنة النشر الأساسية: تم نشر المقياس بصورته النهائية لأول مرة عام 1987 في دراسة منشورة بدورية Journal for the Scientific Study of Religion.
  • حقوق الملكية الفكرية: تعود حقوق الطبع والنشر الأصلية للمؤلفين (Kenneth I. Pargament et al., 1987) وجمعية الدراسة العلمية للدين (Society for the Scientific Study of Religion).
  • رسوم الاستخدام والترخيص: المقياس متاح مجاناً (Free of charge) للأغراض الأكاديمية والبحث العلمي غير التجاري. ولا يتطلب استخدامه في الأطروحات الجامعية أو الدراسات السيكومترية المنشورة إذناً خطياً مدفوعاً، شريطة الالتزام بالأمانة العلمية والإشارة الصريحة إلى ورقة النشر التأسيسية وتوثيقها وفق نمط جمعية علم النفس الأمريكية (APA).
  • الاستخدام التجاري: يتطلب أي استخدام في بيئات الأعمال الربحية أو التطبيقات التجارية المأجورة الحصول على إذن مسبق ومباشر من المؤلف الرئيسي الدكتور كينيث بارغامنت أو الجهة الناشرة.

12. المراجع / References

  • Allport, G. W., & Ross, J. M. (1967). Personal religious orientation and prejudice. Journal of Personality and Social Psychology, 5(4), 432–443. https://doi.org/10.1037/h0021212
  • Crowne, D. P., & Marlowe, D. (1964). The approval motive: Studies in evaluative dependence. John Wiley & Sons.
  • Hathaway, W. L., & Pargament, K. I. (1990). Intrinsic religiousness, religious coping, and psychosocial competence: A covariance structure analysis. Journal for the Scientific Study of Religion, 29(4), 423–441. https://doi.org/10.2307/1387311
  • Hoge, D. R. (1972). A validated intrinsic religious motivation scale. Journal for the Scientific Study of Religion, 11(4), 369–376. https://doi.org/10.2307/1384677
  • Pargament, K. I., Brannick, M. T., Adamakos, H., Ensing, D. S., Kelemen, M. L., Warren, R. K., Falgout, K., Cook, P., & Myers, J. (1987). Indiscriminate proreligiousness: Conceptualization and measurement. Journal for the Scientific Study of Religion, 26(2), 182–200. https://doi.org/10.2307/1385792
  • Pargament, K. I., Ensing, D. S., Falgout, K., Olsen, H., Reilly, B., Van Haitsma, K., & Warren, R. (1990). God help me (I): Religious coping efforts as predictors of the outcomes to significant life events. American Journal of Community Psychology, 18(6), 793–824. https://doi.org/10.1007/BF00938065
  • Pargament, K. I., Olsen, H., Reilly, B., Falgout, K., Ensing, D. S., & Van Haitsma, K. (1992). God help me (II): The relationship of religious orientations to religious coping with negative life events. Journal for the Scientific Study of Religion, 31(4), 504–513. https://doi.org/10.2307/1386859

13. فقرات المقياس (Scale Items)

فيما يلي نص فقرات المقياس بلغتها الأصلية كما وردت في الدراسات القياسية المعيارية دون أي تعديل أو ترجمة للحفاظ على صدق أداة القياس وثباتها:
1

Tensions do not exist among members of this church.
2

Differences of opinion are always welcome in this church.
3

Members of the church share all of their joys and sorrows with each other.
4

Some members complain about aspects of the church. (R)
5

Church members never gossip about one another.
6

Sometimes there is a problem about getting volunteers for activities in this church. (R)
7

Sometimes church leaders don't know members' opinions on important issues. (R)
8

Church leaders are sometimes insensitive to members' needs. (R)
9

Some church activities are boring. (R)
10

Members always know about all church activities.
11

It is sometimes hard for members to get involved in church activities. (R)
12

This church has programs to meet the needs of all the members.
13

There are no cliques in this church.
14

The ministers are sometimes unable to help solve members' problems. (R)
15

The members know all the church policies and rules.
16

Our ministers do not give their full attention to some of the members. (R)
★

تقييم هذا المقياس النفسي

5.0 / 5 • 1 تقييم

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 23). مقياس التدين اللاتمييزي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/scales/indiscriminate-proreligiousness-scale/
looti, Mohammed. “مقياس التدين اللاتمييزي.” عرب سايكلوجي, 23 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/scales/indiscriminate-proreligiousness-scale/.
looti, Mohammed. “مقياس التدين اللاتمييزي.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 23, 2026. https://arabpsychology.com/scales/indiscriminate-proreligiousness-scale/.