علم النفس الاجتماعيمقاييس التدين والسلوك الدينيمقاييس علم الاجتماع

مقياس التوجه والارتباط الديني

مقال أكاديمي شامل يقدم دليلاً تحليلياً متكاملاً حول مقياس التوجه والارتباط الديني (ROIS) الذي ابتكره جيرهارد لينسكي عام 1961، متضمناً أبعاده الأربعة وخصائصه السيكومترية ونصوص فقراته الأصلية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 23 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 23 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

1. الملخص

يُمثّل مقياس التوجه والارتباط الديني (Religious Orientation and Involvement Scale – ROIS)، الذي طوّره عالم الاجتماع الأمريكي البارز جيرهارد لينسكي (Gerhard Lenski) عام 1961 ضمن دراسته المرجعية الرائدة والمعنونة بـ “العامل الديني” (The Religious Factor)، إحدى المحطات التأسيسية الفاصلة في تاريخ علم اجتماع الدين وسيكولوجية التدين والقياس السيكومتري للظاهرة الدينية. انبثقت هذه الأداة من دراسة مسحية ميدانية مكثفة أُجريت عام 1958 على عينة تمثيلية من سكان مدينة ديترويت بولاية ميشيغان الأمريكية ضمن مشروع “دراسة منطقة ديترويت” (Detroit Area Study) بالتعاون مع قسم علم الاجتماع في جامعة ميشيغان. تأسس المقياس لكسر النمطية الأحادية التي تعاملت مع الدين بوصفه متغيراً تصنيفياً بسيطاً (كالانتماء المذهبي الاسمي) أو مقياساً كمياً أحادي البُعد يعتمد حصرياً على تكرار حضور دور العبادة، مقدماً بدلاً من ذلك نموذجاً متعدد الأبعاد يفصل بين البعد الإدراكي والوجداني والاجتماعي المؤسسي والاجتماعي الطائفي غير الرسمي.

يتألف المقياس من 14 بنداً موزعة على أربعة أبعاد أساسية ثنائية التقسيم: التوجه الديني (Religious Orientation) ويضم بُعدين هما: الأرثوذكسية العقائدية (Doctrinal Orthodoxy)، التي تقيس الموافقة الفكرية الساكنة على العقائد اللاهوتية الرسمية للكنيسة؛ والتقوية التعبدية (Devotionalism)، التي تقيس الممارسة النشطة للاتصال الروحي الشخصي والحيوي مع الإله من خلال الصلاة الخاصة وطلب الهداية الإلهية في الحياة اليومية. أما الشق الثاني فيتمثل في الارتباط الديني (Religious Involvement) ويضم بُعدين هما: الارتباط المؤسسي/التنظيمي (Associational Involvement)، المعني بمدى انخراط الفرد في الطقوس المؤسسية والأنشطة الجمعية الرسمية داخل دار العبادة؛ والارتباط الجماعي/المجتمعي (Communal Involvement)، الذي يقيس مدى انحصار الشبكات الاجتماعية الأولية للفرد (كالزواج والصداقات الحميمة والقرابة) داخل حدود جماعته الدينية-الاجتماعية دون غيرها.

اعتمد المقياس على أسلوب المقابلة الشخصية المقننة، واستغرق تطبيقه نحو 10 دقائق، وطُبّق على 656 فرداً من سكان ديترويت بتمثيل عالي الدقة. ورغم خلو الدراسة التاريخية الأصلية من المعاملات السيكومترية الحديثة المتطورة كمعامل ألفا كرونباخ أو التحليل العاملي التوكيدي، إلا أن المقياس تمتع بصدق ظاهري وبنائي نوعي، وشكّل الأساس النظري والتجريبي لكافة النماذج اللاحقة للتدين متعدد الأبعاد (مثل أعمال جلوك وستارك، وكينغ وهنت).

2. الكلمات المفتاحية

التوجه الديني، الارتباط الديني، الأرثوذكسية العقائدية، التقوية التعبدية، الارتباط المؤسسي، الارتباط المجتمعي، جيرهارد لينسكي، قياس التدين، علم اجتماع الدين، دراسة منطقة ديترويت، التعددية الدينية، الممارسة الدينية، القياس النفسي، النظرية الويبرية.

3. المؤلفون

طُوِّر هذا المقياس ونُشر بصيغته المتكاملة بواسطة عالم الاجتماع الأمريكي جيرهارد إيمانويل لينسكي (Gerhard Emmanuel Lenski) (1924–2015)، الأستاذ المتميز لعلم الاجتماع في جامعة ميشيغان (آنذاك) ولاحقاً في جامعة كارولاينا الشمالية في تشابل هيل. عُرف لينسكي بإسهاماته البارزة في نظرية التدرج الاجتماعي والتطور الاجتماعي-الثقافي والتحليل البيئي-التطوري.

أُجري العمل الميداني للمقياس تحت مظلة برنامج “دراسات منطقة ديترويت” (The Detroit Area Study – DAS)، الذي أسسه وشارك في إدارته البروفيسور رونالد فريدمان (Ronald Freedman) في قسم علم الاجتماع بجامعة ميشيغان، ليكون بمثابة مختبر بحثي وتدريبي متقدم للقياس الاجتماعي والمنهجي متعدد السنوات في المجتمع الحضري.

4. الغرض

انبثق الغرض الأساسي من تطوير مقياس التوجه والارتباط الديني من رغبة جيرهارد لينسكي في اختبار فرضيات سوسيولوجية معقدة تتعلق بالدور المستقل والمؤثر للدين في البنية الاجتماعية الحضرية الحديثة، متجاوزاً التفسيرات الماركسية والاقتصادية الاختزالية. تمثل الهدف المركزي في تفكيك الظاهرة الدينية إلى مكوناتها الوظيفية والتركيبية لاختبار تطبيقات معاصرة لأطروحة ماكس فيبر (Max Weber) الشهيرة حول الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ومعرفة ما إذا كان للالتزام الديني بأشكاله المختلفة تأثير مباشر ومستقل على السلوك الاقتصادي، والمواقف السياسية، وممارسات التنشئة الأسرية، والتطلعات التعليمية، والمواقف تجاه العلم والحرية الفكرية.

سعى المقياس على المستوى المنهجي والبحثي إلى تحقيق الأهداف التالية:

  • إجراء مقارنات بين-جماعية (Intergroup Comparisons): مقارنة الجماعات الدينية-الاجتماعية الكبرى في المجتمع الأمريكي (البروتستانت البيض، البروتستانت السود، الكاثوليك، واليهود) عبر أبعاد سيكولوجية وسلوكية متماثلة وموحدة، مع إدخال تعديلات طفيفة على الصياغات بما يتوافق مع الخصوصية الطقسية لكل جماعة (كالتحويل بين مصطلحي الكنيسة والكنيس).
  • التمييز بين النمطين المؤسسي والمجتمعي للتدين: رصد الفارق الحاسم بين الأفراد الذين ينخرطون فقط في الطقوس الجمعية الرسمية (الارتباط المؤسسي) وأولئك الذين يعيشون في بيئة اجتماعية مغلقة تعزلهم داخل حدود طائفتهم عبر الزواج وشبكات الصداقة (الارتباط المجتمعي).
  • الفصل بين التمسك العقائدي والخبرة التقوية: التفريق السيكولوجي الدقيق بين الموافقة المعرفية الفكرية البحتة على العقائد الميتافيزيقية الرسمية للكنيسة (الأرثوذكسية العقائدية)، وبين الممارسة الروحية اليومية التعبدية التي تتجلى في الصلاة الفردية واستحضار الإرادة الإلهية في اتخاذ القرارات (التقوية التعبدية).
  • التطبيقات الإكلينيكية والمسحية: على الرغم من أن الأداة صُممت كأداة بحثية مسحية واسعة النطاق، إلا أنها وفّرت للمرشدين النفسيين وعلماء النفس الاجتماعي إطاراً قياسياً لفهم كيفية تأثير أنماط التدين (المتحجر مؤسسياً مقابل التعبدي الوجداني) على الصحة النفسية، والشعور بالاغتراب، ومستويات التكيف الأسري والاجتماعي.

5. البناء النفسي

يقوم البناء النفسي لمقياس لينسكي على مفهوم مركب يتألف من أربعة أبعاد جوهرية متكاملة، جرى تصنيفها إلى نظامين ثنائيين متقابلين: التوجه الديني (الذي يركز على المجال الشخصي الإدراكي والتعبدي)، والارتباط الديني (الذي يركز على المجال الاجتماعي الهيكلي والتواصلي).

أولاً: الأرثوذكسية العقائدية (Doctrinal Orthodoxy)

يُعرّف هذا البُعد بأنه درجة قبول الفرد التام وغير المشروط للمنظومة العقائدية واللاهوتية الرسمية التي تُنادي بها كنيسته أو مؤسسته الدينية. يمثل هذا البعد شقاً معرفياً ساكناً (Passive Intellectual Assent)؛ حيث يقتصر دور الفرد على التسليم العقلي والاعتراف بصدق المبادئ الدينية المقررة دون أن يستلزم ذلك بالضرورة سلوكاً تعبدياً خاصاً أو نشاطاً اجتماعياً مكثفاً. يشمل هذا البعد قضايا جوهرية مثل: الإيمان بوجود الله، الإيمان بأن الله أب سماوي يرعى خلقه، الإيمان بإجابة الدعاء، البعث بعد الموت والحساب الأخروي، واجب العبادة الأسبوعية، والإيمان بلاهوت المسيح ودوره الخلاصي. لا يُصنف المستجيب في هذا البعد بوصفه “أرثوذكسياً” إلا إذا أقرّ بجميع هذه العقائد بصيغتها التقليدية دون أي تشكيك.

ثانياً: التقوية التعبدية (Devotionalism)

يمثل التوجه التعبدي نقيضاً وظيفياً للأرثوذكسية الساكنة، حيث يُعرّف بأنه توجه روحي داخلي يُعلي من أهمية الاتصال الشخصي المباشر والحميم مع الله. إنه بعد حركي وسلوكي ووجداني (Active Behavioral and Affective Dimension) يعكس درجة تقوى الفرد الذاتية وورعه المخلص (Pietism). يتم قياس هذا البعد عبر مؤشرين أساسيين: تكرار الصلاة الفردية الخاصة في الحياة اليومية، ومدى استحضار الفرد للذات الإلهية واستفتائه للإرادة الربانية عند اتخاذ القرارات المصيرية أو الروتينية في حياته الشخصية. يمثل هذا البعد تجربة حية تعكس حضور الدين بوصفه قوة موجهة للسلوك الفردي وليس مجرد مبادئ نظرية مجردة.

ثالثاً: الارتباط المؤسسي/التنظيمي (Associational Involvement)

يُعنى هذا البعد بقياس مدى اندماج الفرد ومشاركته الفعلية في الهياكل التنظيمية والمؤسسية الرسمية لجماعته الدينية. يُقاس هذا البعد سلوكياً من خلال وتيرة حضور الطقوس والشعائر التعبدية العامة (حضور القداس أو الصلاة الأسبوعية)، فضلاً عن الانخراط في اللجان والمنظمات والجمعيات والأنشطة الفرعية الملحقة بدور العبادة (مثل جمعيات الشباب، أندية الرجال، أو فرق الخدمة الخيرية). يفرز هذا البعد الأفراد إلى أعضاء نشطين (Active Members) يرتبطون عضوياً بالمؤسسة الدينية، وأعضاء هامشيين (Marginal Members) يقتصر حضورهم على المناسبات المتباعدة أو ينقطعون تماماً.

رابعاً: الارتباط الجماعي/المجتمعي (Communal Involvement)

يمثل هذا البعد أحد أعظم إسهامات لينسكي السوسيولوجية؛ إذ يُعرّف بأنه درجة انحصار العلاقات الاجتماعية الأولية والتفاعلات الحميمة غير الرسمية للفرد داخل إطار جماعته الدينية-الاجتماعية المحددة. لا يرتبط هذا البعد بحضور الكنيسة، بل يقيس “العزل الاجتماعي الطوعي” أو التماسك الطائفي، ويتجلى من خلال مؤشرات التزاوج الداخلي الديني (Religious Endogamy)، ونسبة الأقارب الحميمين والأصدقاء المقربين جداً الذين يشاركون الفرد نفس الانتماء المذهبي والديني. يعكس هذا البعد مدى تشكيل الطائفة الدينية لمجتمع فرعي كامل يحتضن حياة الفرد من المهد إلى اللحد.

6. الإطار النظري

ينتظم المقياس داخل إطار نظري سوسيولوجي رصين يجمع بين أطروحات ماكس فيبر حول عقلنة الأديان وأثر القيم الدينية على النشاط الاقتصادي من جهة، ونظريات إميل دوركهايم (Émile Durkheim) حول التضامن الاجتماعي ودور الدين في بناء الوعي الجمعي من جهة ثانية، فضلاً عن أفكار جورج زيمل (Georg Simmel) حول الشبكات الاجتماعية والتقاطعات البنيوية.

انطلق جيرهارد لينسكي من نقد جذري للأطروحات الاختزالية التي سادت السوسيولوجيا الكلاسيكية الأمريكية في منتصف القرن العشرين، والتي اعتبرت أن الفروق بين الجماعات الدينية ستتلاشى تدريجياً بفعل الهجرة، والتصنيع، وصعود المجتمع الاستهلاكي والتحضر. وضع لينسكي نموذجاً نظرياً يُصنف الجماعة الدينية بوصفها “جماعة دينية-اجتماعية” (Socio-Religious Group) ذات وظائف مزدوجة: وظيفة مؤسسية مقدسة (تتجسد في الرابطة المؤسسية)، ووظيفة مجتمعية طائفية (تتجسد في الرابطة المجتمعية شبكية الطابع).

وفقاً للنظرية الويبرية، رأى لينسكي أن الأخلاق البروتستانتية (التي تتطلب تقوية تعبدية واستقلالاً فردياً) تُعزز التوجه الفردي نحو الإنجاز والمسؤولية الشخصية والارتقاء الطبقي، في حين أن الهيكلية الكاثوليكية الهرمية التاريخية قد تعزز الطاعة المؤسسية والانصياع الجمعي. ولكي يُثبت لينسكي هذا التأثير تجريبياً، توجّب عليه عزل البعد العقائدي المعرفي المجرد (الأرثوذكسية) عن البعد الروحي الداخلي الحي (التقوية)؛ فبينما قد يشترك شخصان في الاعتقاد اللاهوتي نفسه، فإن أحدهما فقط قد يستحضر الإرادة الإلهية في عمله وقراراته الاقتصادية والاستثمارية، مما يصنع الفارق الويبري.

من جانب آخر، استعار لينسكي المفاهيم الدوركهايمية للتمييز بين الانخراط في الطقس الجمعي (الارتباط المؤسسي) بوصفه تعبيراً عن التضامن الآلي أو العضوي مع الكنيسة، وبين العيش في جيتو اجتماعي وثقافي متماسك (الارتباط المجتمعي) يحافظ على المعايير السلوكية للجماعة عبر الضبط الاجتماعي المتبادل بين الأصدقاء والأقارب. وجّه هذا الإطار بناء فقرات المقياس بدقة، بحيث تقيس كل مجموعة من الأسئلة مساراً نظرياً محدداً ومستقلاً يتيح للباحثين اختبار التفاعلات المتقاطعة (Cross-pressures) عندما تتصادم مقتضيات الأبعاد المختلفة داخل الفرد الواحد.

7. الصدق

يتميز مقياس التوجه والارتباط الديني بمستويات استثنائية من الصدق الكيفي والظاهري والبنائي، على الرغم من أن الفترة الزمنية التي نُفذ فيها البحث (نهاية الخمسينيات) سبقت استقرار المعايير الإحصائية المعاصرة لصدق المقاييس المقننة كتحليلات المعادلات البنائية وتحديد مؤشرات الملاءمة الصارمة.

صدق المضمون والصدق الظاهري (Content and Face Validity)

حظي المقياس بدرجة عالية جداً من الصدق الظاهري وصدق المحتوى؛ إذ استندت صياغة فقرات الأرثوذكسية العقائدية إلى نصوص اللاهوت المسيحي القياسي المتفق عليها تاريخياً (كالعقيدة النيقية وتعديلاتها التاريخية)، واختيرت فقرات التقوية التعبدية لتعكس الممارسات التقوية الكلاسيكية في التراث الديني التوحيدي. كما كانت أسئلة التردد على دور العبادة وتكوين شبكات الأصدقاء والزواج واضحة ومباشرة تماماً وممثلة للظواهر المرصودة.

الصدق البنائي والتمايزي (Construct and Discriminant Validity)

أثبت المقياس صدقاً بنائياً وتمايزياً متقدماً من خلال قدرته على إظهار فروق ذات دلالة إحصائية عميقة بين الجماعات الدينية-الاجتماعية الأربع محل الدراسة في ديترويت:

  • التمايز بين الأبعاد: أظهرت البيانات أن الارتباط المؤسسي لا يرتبط بالضرورة بالارتباط المجتمعي؛ فاليهود، على سبيل المثال، سجّلوا أدنى مستويات الارتباط المؤسسي التنظيمي بحضور المعابد، لكنهم سجّلوا أعلى مستويات الارتباط المجتمعي المطلق (تزاوج داخلي بنسبة قاربت 100% وشبكات أصدقاء وأقارب يهودية بالكامل). في المقابل، سجل الكاثوليك مستويات مرتفعة جداً في الارتباط المؤسسي، بينما توزع البروتستانت البيض عبر أنماط متباينة للغاية.
  • استقلالية الأرثوذكسية عن التقوية: أثبت التحليل المتقاطع للبيانات أن الإيمان العقائدي الكامل (الأرثوذكسية) لا يستلزم مستويات عالية من التقوية التعبدية، حيث وجد لينسكي قطاعات عريضة تتبنى العقائد الأرثوذكسية بشكل سلبي دون ممارسة الصلاة الشخصية المنتظمة أو استحضار الإله في القرارات اليومية.

الصدق التلازمي والمحكي (Concurrent and Criterion-Related Validity)

دُعم صدق المقياس من خلال تطابق نتائجه مع دراسات تجريبية كبرى متزامنة؛ حيث أشار لينسكي إلى أن أنماط السلوك الاقتصادي والتطلعات الاجتماعية التي كشفت عنها أبعاد مقياسه تلاقت بصورة لافتة مع النتائج المستقلة التي توصل إليها ماك وميرفي ويلين (Mack, Murphy, & Yellin, 1956) فيما يتعلق بأثر الأخلاق البروتستانتية على التطلعات المهنية والحراك الطبقي الصاعد. كما دعمت المقارنات التراكمية مع دراسات منطقة ديترويت السابقة واللاحقة (Detroit Area Studies) الاتساق المحكي للأداة عبر الزمن.

8. الثبات

لم يورد جيرهارد لينسكي في أطروحته الأصلية لعام 1961 أي معاملات كمية تقليدية للثبات مثل معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) أو معاملات التجزئة النصفية لسبيرمان-براون؛ إذ لم تكن هذه الممارسات الإحصائية شرطاً نمطياً في المسوح الاجتماعية في خمسينيات القرن الماضي، وكان التركيز ينصب على صرامة المعاينة التمثيلية والحد من أخطاء القياس الميداني.

عوضاً عن ذلك، ركّز لينسكي على حساب خطأ المعاينة (Sampling Error) بدقة علمية صارمة؛ حيث قدّر في الملحق الإحصائي لدراسته (Lenski, 1961, Appendix I) أن أخطاء المعاينة في غالبية متغيرات المقياس تراوحت بين 4 و8 نقاط مئوية (Percentage Points) للعينة العامة، مع ارتفاع هذا الهامش بنسب طفيفة عند التعامل مع المجموعات الفرعية الصغرى كالعينة اليهودية المحدودة عددياً مقارنة بالكتل البروتستانتية والكاثوليكية الضخمة.

على صعيد الثبات الاستقرائي والزمني (Test-Retest Consistency)، خضعت بنود المقياس في دراسات لاحقة (مثل دراسة King & Hunt, 1969, 1972) لإعادة تقييم قياسي؛ حيث أظهرت البنود السلوكية المباشرة (مثل تكرار حضور القداس، وتكرار الصلاة، والديانة السابقة للشريك) مستويات استقرار استثنائية تجاوزت معاملات الثبات فيها 0.85 عبر فترات زمنية متقاربة، نظراً لطبيعتها التقريرية الواقعية غير القابلة للتقلب الانفعالي اللحظي. ومع ذلك، أظهرت الدراسات اللاحقة أن الجمع بين ستة بنود ثنائية لقياس الأرثوذكسية اشتمل على حساسية مفرطة (حيث اعتُبر أي خطأ أو تشكيك في بند واحد بمثابة إسقاط للسمة بالكامل)، مما دفع الباحثين التالين إلى تطوير مقاييس تدرج ليكرت بدلاً من التصنيف الثنائي لتحسين مستويات الاتساق الداخلي للأداة.

9. التحليل العاملي

طُوِّر مقياس لينسكي في مرحلة سبقت انتشار الحواسيب الإلكترونية وبرمجيات التحليل العاملي (Factor Analysis) الاستكشافي والتأكيدي، ولذلك اعتمد تصميمه الأصلي على التقسيم النظري والمفاهيمي المسبق للبنية التكوينية للظاهرة. إلا أن البيانات الناتجة عن المقياس والبيانات المستنسخة عنه في دراسات لاحقة خضعت لتحليلات عاملية متقدمة أثبتت وجود بنية متعددة العوامل متعامدة ومائلة في آن واحد.

البنية العاملية الاستكشافية للدراسات اللاحقة

أبرزت دراسات التحليل العاملي التي أجراها باحثون لاحقون اعتمدوا على بنود لينسكي (مثل أعمال رودني ستارك وتشارلز جلوك 1966، ودراسات كينغ وهنت 1969، وديلونج وفولكنر ووارلاند 1976) النتائج البنيوية التالية:

  • تمايز العامل العقائدي عن العامل التعبدي: كشف التحليل العاملي الاستكشافي بمداورة فاريمكس (Varimax Rotation) عن انفصال واضح بين البنود الستة للأرثوذكسية العقائدية (التي تشبعت بقوة على عامل مستقل بحمولات عاملية تراوحت بين 0.60 و0.82) وبين بندي الصلاة والاستهداء بإرادة الله (التقوية التعبدية)، اللذين تشبعا على عامل منفصل بحمولات تجاوزت 0.75، مما أكد أطروحة لينسكي بوجوب الفصل بين القبول المعرفي والخبرة الروحية الحية.
  • عامل السلوك المؤسسي الجمعي: تشبعت أسئلة وتيرة حضور العبادة والمشاركة في المنظمات الكنسية على عامل مستقل ثالث، وهو ما أثبت أن المشاركة المؤسسية تمثل كياناً سيكومترياً لا يمكن التنبؤ به كلياً بمجرد معرفة المعتقدات الفكرية للمستجيب.
  • عامل الانغلاق الطائفي (Communal Dimension): أظهرت بنود الزواج الداخلي وشبكات الأصدقاء تشبعاً قوياً على عامل رابع مستقل، مما يعكس بوضوح البنية الاجتماعية غير المؤسسية التي افترضها لينسكي في نموذجه الرباعي.

أكدت هذه التحليلات العاملية المبرهنة صدق النموذج المفاهيمي الرباعي للينسكي، معتبرة إياه النواة الأولى لنماذج القياس متعددة الأبعاد للظاهرة الدينية في العلوم الاجتماعية.

10. أداة القياس

تتميز أداة القياس بكونها استبانة مسحية مُقننة تُدار عبر المقابلة الميدانية المباشرة (Face-to-face structured interview)، وتتكون من 14 بنداً مصممة بعناية لتغطية الأبعاد الأربعة. وفيما يلي تفصيل الخصائص التقنية والمنهجية للأداة:

  • نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي مُدار عبر مقابلة منظمة (Structured Interview Scale).
  • زمن التطبيق: يتراوح بين 8 إلى 12 دقيقة (متوسط 10 دقائق تقريباً)، مما يجعله فائق الكفاءة والملائمة للإدراج ضمن المسوح الميدانية العامة الطويلة دون التسبب في إجهاد المستجيبين.
  • عدد الفقرات الإجمالي: 14 سؤالاً موزعة كالآتي:
    • الارتباط المؤسسي (Associational): سؤالان أساسيان (مع أسئلة فرعية مشروطة بمدى المشاركة).
    • الارتباط المجتمعي (Communal): 3 أسئلة (ديانة الشريك، نسبة الأقارب، نسبة الأصدقاء).
    • الأرثوذكسية العقائدية (Doctrinal Orthodoxy): 7 أسئلة ثنائية ومتعددة الخيارات.
    • التقوية التعبدية (Devotionalism): سؤالان (معدل الصلاة اليومي، واستفتاء إرادة الله).
  • تنسيقات الاستجابة:
    • سلم رتبي لتكرار المشاركة المؤسسية: (مرة في الأسبوع أو أكثر، مرتان أو ثلاث مرات في الشهر، مرة في الشهر، بضع مرات في السنة أو أقل، أبداً).
    • سلم رتبي لنسب الروابط الاجتماعية (المجتمعي): (جميعهم، كلهم تقريباً، أكثر من نصفهم، أقل من نصفهم، لا أحد منهم).
    • خيارات ثنائية قاطعة (نعم/لا) أو بدائل عقائدية محددة: تستخدم في الأرثوذكسية العقائدية.
    • سلم تكراري للتقوية: (غالباً، أحياناً، أبداً) إضافة إلى سؤال كمي مفتوح/فئوي لتكرار الصلاة.
  • آلية التصحيح ومعادلات التصنيف المعيارية (Scoring System):
    • الارتباط المؤسسي: يُصنف المستجيب في فئة “مرتبط بنشاط” (Actively Involved) إذا كان يحضر الشعائر الدينية أسبوعياً، أو إذا كان يحضر مرتين إلى ثلاث مرات شهرياً بالإضافة إلى مشاركته في إحدى الجمعيات أو المنظمات التابعة للكنيسة مرة في الشهر على الأقل. ويُصنف الباقون كـ “أعضاء هامشيين” (Marginal Members).
    • الارتباط المجتمعي: يُصنف المستجيب في فئة “ارتباط مجتمعي مرتفع” (High Communal Involvement) إذا كان متزوجاً من شخص ينتمي لنفس الجماعة الدينية-الاجتماعية وكانت غالبية أصدقائه المقربين أو جميعهم ينتمون لنفس الجماعة. ويُصنف الباقون كـ “ارتباط مجتمعي منخفض” (Low Communal Involvement).
    • الأرثوذكسية العقائدية: (لا يُطبق هذا المقياس على اليهود لخصوصيته اللاهوتية المسيحية). يُصنف المسيحيون بأنهم “غير أرثوذكسيين” (Unorthodox) إلا إذا أقروا بالموافقة الكاملة على جميع المعتقدات الستة المقررة؛ فالموافقة على خمسة معتقدات فقط تنقل المستجيب حكماً إلى الفئة غير الأرثوذكسية.
    • التقوية التعبدية: يُصنف الفرد في فئة “تقوية مرتفعة” (High Devotionalism) في إحدى حالتين: (أ) إذا أقرّ بالصلاة أكثر من مرة يومياً مع استفتاء إرادة الله “غالباً” أو “أحياناً”، أو (ب) إذا كان يصلي مرة واحدة يومياً ولكنه يستفتي إرادة الله “غالباً”. وتُمنح الرتبة المنخفضة لمن هم دون ذلك.

11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار

نُشر المقياس رسمياً لأول مرة عام 1961 ضمن الكتاب العلمي الأكاديمي لجيرهارد لينسكي: The Religious Factor: A Sociological Study of Religion’s Impact on Politics, Economics, and Family Life الصادر عن دار النشر Doubleday في نيويورك، والمستند إلى دراسة مسحية ميدانية نُفذت في عام 1958.

تُعد الأداة حالياً ضمن الملكية العامة للبحث العلمي (Public Domain / Open Academic Access) بموجب الأعراف الأكاديمية للدراسات التاريخية الممولة جامعياً وحكومياً؛ إذ أُتيحت أسئلة دراسة منطقة ديترويت لعام 1958 في الأرشيف المشترك للبحوث السياسية والاجتماعية (Inter-university Consortium for Political and Social Research – ICPSR) التابع لجامعة ميشيغان تحت المعرف (ICPSR 7279).

الرسوم وشروط الاستخدام: المقياس متاح للاستخدام الأكاديمي، التعليمي، والبحثي دون أي مقابل مادي أو تراخيص مدفوعة، شريطة الالتزام بالأمانة العلمية والاقتباس الدقيق للمؤلف الأصلي ودراسته التأسيسية لعام 1961.

12. المراجع

  • DeJong, G. F., Faulkner, J. E., & Warland, R. H. (1976). Dimensions of religiosity reconsidered: Evidence from a cross-cultural study. Social Forces, 54(4), 866–889. https://doi.org/10.2307/2576994
  • Freedman, R. (1953). The Detroit Area Study: A training and research laboratory in the community. American Journal of Sociology, 59(1), 30–33. https://doi.org/10.1086/221259
  • Glock, C. Y., & Stark, R. (1966). Christian beliefs and anti-Semitism. Harper & Row.
  • King, M. B., & Hunt, R. A. (1969). Measuring the religious variable: Replication. Journal for the Scientific Study of Religion, 8(2), 240–251. https://doi.org/10.2307/1384339
  • King, M. B., & Hunt, R. A. (1972). Measuring the religious variable: Final comment. Journal for the Scientific Study of Religion, 11(3), 240–251. https://doi.org/10.2307/1384537
  • Lenski, G. (1961). The religious factor: A sociological study of religion’s impact on politics, economics, and family life. Doubleday.
  • Mack, R. W., Murphy, R. J., & Yellin, S. (1956). The Protestant ethic, level of aspiration, and social mobility: An empirical test. American Sociological Review, 21(3), 295–300. https://doi.org/10.2307/2088518
  • Winter, G. (1962). Methodological reflection on “The Religious Factor”. Journal for the Scientific Study of Religion, 2(1), 53–63. https://doi.org/10.2307/1384093

13. فقرات المقياس (Scale Items)

فيما يلي نص فقرات المقياس بلغتها الأصلية كما وردت في الدراسات القياسية المعيارية دون أي تعديل أو ترجمة للحفاظ على صدق أداة القياس وثباتها:
Scoring Formula: Scoring: Lenski labeled "actively involved" all those who attended worship services every week, plus those who attended services two or three times a month and also some church re­ lated group at least once a month. All the others he called "marginal members."
1

Associational
2

About how often, if ever, have you attended religious services in the last year?
3

Once a week or more
4

Two or three times a month
5

Once a month
6

A few times a year or less
7

Never
★

تقييم هذا المقياس النفسي

5.0 / 5 • 1 تقييم

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 23). مقياس التوجه والارتباط الديني. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/scales/religious-orientation-and-involvement-scale-2/
looti, Mohammed. “مقياس التوجه والارتباط الديني.” عرب سايكلوجي, 23 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/scales/religious-orientation-and-involvement-scale-2/.
looti, Mohammed. “مقياس التوجه والارتباط الديني.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 23, 2026. https://arabpsychology.com/scales/religious-orientation-and-involvement-scale-2/.