1. الملخص
يُعد مقياس الضغوط الدينية (Religious Pressures Scale – RPS) أداة سيكومترية متقدمة طوّرها عالم النفس الكندي بوب ألتماير (Bob Altemeyer) في عام 1988 كأداة مصاحبة ومكملة لمقياس الشكوك الدينية (Religious Doubts Scale) ضمن مشروعه البحثي الرائد لدراسة التسلطية اليمينية (Right-Wing Authoritarianism – RWA) وعلاقتها بالنسق العقائدي والسلوك الديني. صُمم المقياس لرصد وقياس الحجم المتصوّر للأكلاف والضغوط النفسية، والاجتماعية، والوجودية، والميتافيزيقية التي يواجهها الأفراد عندما تراودهم شكوك تجاه معتقداتهم الدينية، أو عند تفكيرهم في التخلي عن التدين والتحول إلى اللاأدرية أو الإلحاد.
يتألف المقياس من 10 فقرات ذات صياغة محددة، ويستخدم سلم استجابة متدرج من ست نقاط يتراوح من 0 (لا يوجد على الإطلاق) إلى 5 (بدرجة كبيرة جداً)، مما يجعل المدى النظري للدرجة الكلية يتراوح بين 0 و50 نقطة. تعكس الدرجات المرتفعة مستويات حادة من الضغوط الذاتية والبيئية المتصورة للحفاظ على الهوية الدينية وقمع الشكوك الفكرية. تم تطبيق المقياس ومعايرته في دراسات ألتماير الأولية على عينتين أساسيتين: عينة قوامها 423 طالباً جامعياً من طلاب علم النفس التمهيدي، وعينة تألفت من 506 من أولياء أمور هؤلاء الطلاب في كندا، محققاً متوسطات حسابية بلغت 18.1 للطلاب و21.1 للآباء مع تباين قدره 154 و218 على التوالي.
أظهرت النتائج السيكومترية تمتع المقياس بخصائص قياسية استثنائية؛ حيث تراوح معامل الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) بين 0.90 لدى عينة الطلاب و0.92 لدى عينة أولياء الأمور، مع متوسط ارتباطات بينية بين الفقرات بلغ 0.47 و0.54 للعينتين على التوالي. كما أثبت المقياس صدقاً تلازمياً وبنائياً متميزاً من خلال ارتباطات موجبة قوية ودالة إحصائياً مع مقياس التسلطية اليمينية (r = 0.47 و 0.50)، ومقياس الأرثوذكسية المسيحية لفولرتون وهانسبرغر (r = 0.69 و 0.58)، ومقياس التوجه الديني الداخلي لألبورت وروس (r = 0.69 و 0.64)، ونمط ارتياد دور العبادة، في حين ارتبط سلبياً مع مقياس الشكوك الدينية والتوجه الديني الخارجي، ما يجعله معياراً رصيناً في سيكولوجية الدين وعلم النفس الاجتماعي المعرفي.
2. الكلمات المفتاحية
مقياس الضغوط الدينية, بوب ألتماير, التسلطية اليمينية, الشكوك الدينية, سيكولوجية الدين, التوجه الديني الداخلي, الضبط الاجتماعي, الخوف الوجودي, القياس النفسي, الارتداد الديني
3. المؤلفون
روبرت (بوب) ألتماير (Robert A. Altemeyer)
أستاذ مشارك سابق في قسم علم النفس في جامعة مانيتوبا (University of Manitoba)، وينيبيغ، كندا.
يُعد ألتماير من أبرز الباحثين الدوليين في سيكولوجية التسلط والنزوع الاستبدادي والاتجاهات السياسية والدينية، وحائز على جائزة الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم (AAAS) في أبحاث العلوم السلوكية لعام 1986 بفضل أعماله المؤسسة لنظرية التسلطية اليمينية ومقاييسها المعيارية.
البريد الإلكتروني المؤسسي (أرشيفي): [email protected]
4. الغرض
يتمثل الغرض الجوهري من مقياس الضغوط الدينية في توفير أداة كمية موضوعية لقياس الآليات النفسية والاجتماعية التي تُبقي الفرد متمسكاً بمنظومته الدينية التقليدية حتى في ظل تصاعد الشبهات والتناقضات المعرفية. يقيس المقياس بدقة “الكلفة المتوقعة” (Perceived Cost) التي يتخيل الفرد أنه سيدفعها في حال قرر التخلي عن معتقده الديني أو التحول إلى الإلحاد أو اللاأدرية. تنبثق أهمية هذا القياس من حاجة الباحثين لفهم أسباب استمرار المعتقدات غير العقلانية أو الدوغمائية وتفسير كيفية صمود الهويات العقائدية أمام التفكير النقدي.
التطبيقات البحثية
يخدم المقياس نطاقاً واسعاً من الاستخدامات الأكاديمية في مجالات علم نفس الدين، وعلم النفس الاجتماعي، والعلوم السياسية المعرفية. يُستخدم المقياس كمتغير وسيط أو مفسر لـ:
- فحص العلاقة الجدلية بين التنشئة الأسرية الصارمة ومستويات التصلب الفكري والتعصب الجماعي.
- تفسير أسباب تباين مستويات الشك الديني بين الأجيال الشابة وجيل الآباء.
- دراسة الارتباط بين الانخراط في الجماعات الأصولية والشعور بالتهديد الناجم عن الخروج عنها.
- تحليل آليات التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) وكيف تسهم المخاوف الاجتماعية في كبت المراجعات الفكرية النقدية.
التطبيقات الإكلينيكية والإرشادية
على الصعيد الإكلينيكي والاستشاري، يمتلك المقياس فائدة تشخيصية نوعية في جلسات الإرشاد النفسي، وتحديداً في معالجة ما يُعرف حديثاً بـ “الصدمة الدينية” (Religious Trauma) والنزاعات الهوياتية الحادة. يساعد المقياس المرشد النفسي على تحديد مصادر الألم النفسي ومشاعر العار والذنب المرتبطة بالتحولات الفكرية، حيث يُمكّن من التمييز بين:
- الضغوط العلائقية النابعة من التهديد بنبذ الوالدين، أو الشريك، أو الأصدقاء المقربين، وما ينتج عنها من قلق الانفصال والعزلة.
- المخاوف الوجودية المتعلقة بانهيار المعنى، وفقدان “مرساة الحياة” والشعور بالضياع والعبثية.
- المخاوف الأخروية الميتافيزيقية المتمثلة في رهاب العقاب الإلهي، واللعنة الأبدية، والاحتراق بنار الجحيم.
5. البناء النفسي
يعرّف البناء النفسي لمقياس الضغوط الدينية بأنه “الشدة الذاتية للتداعيات السلبية المتوقعة – سواء كانت علائقية أو نفسية-وجودية أو غيبية – التي تحول دون انسلاخ الفرد عن هويته الدينية الموروثة”. على الرغم من أن المقياس يُحسب كدرجة كلية أحادية البعد تعكس إجمالي العبء القمعي للشكوك، إلا أن فحواه النظري والفقرات المكونة له تغطي أربعة أبعاد فرعية مترابطة بصورة دينامية:
1. بُعد الرفض الاجتماعي والعلائقي (Social and Relational Sanctions)
يعكس هذا البُعد الأكلاف البينشخصية التي قد يتكبدها الفرد في شبكته الاجتماعية المقربة. يدرك الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً أن التخلي عن المعايير الدينية المشتركة قد يؤدي إلى تصدع شبكات الأمان العاطفي. تشمل الفقرات الممثلة لهذا البُعد خيبة أمل الوالدين واستهجانهما (الفقرة 1)، واستنكار الأصدقاء المقربين (الفقرة 2)، واستهجان رجال الدين والقادة الروحيين (الفقرة 3)، وتهديد استقرار العلاقة العاطفية أو الزوجية بالانهيار (الفقرة 4). في عينات الآباء، يتم تكييف هذا البُعد ليعكس خوف الفرد من استنكار أبنائه أو شريك حياته.
2. بُعد الضياع الوجودي وانهيار المعنى (Existential Anchor and Purposelessness)
يركز هذا البُعد على الوظيفة المعرفية والنفسية التي يقدمها الدين كإطار منظم للواقع وموفر لمعنى الحياة. يمثل الشك الديني تهديداً بانهيار “المرساة الوجودية”، حيث يخشى الفرد أن يشعر بالضياع والتخبط وفقدان الهدف الأساسي من الحياة. تجسد الفقرة 5 (“سأشعر بالضياع والتخبط؛ سأكون قد فقدت ‘مرساتي’ في الحياة”) والفقرة 9 (“سأشعر بأنني خنت الهدف الأسمى لوجودي وحياتي”) هذا التهديد الوجودي العميق الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنظريات إدارة الرعب الوجودي وحاجة الإنسان للأمن المعرفي.
3. بُعد الذنب الأخلاقي والتشويه الذاتي (Moral Guilt and Self-Condemnation)
يقيس هذا البُعد الرقابة الذاتية والتشويه المعرفي الذي يصنعه الفرد تجاه نفسه في حال ضعفت عقيدته. يرتبط الدين في التنشئة التقليدية بالأخلاق؛ لذا فإن التخلي عنه يثير في الفرد فكرة أنه سيتحول إلى كائن غير أخلاقي أو شرير. تمثل الفقرة 7 هذا الهاجس (“سأخشى أن أتحول إلى شخص شرير دون معتقداتي الدينية”)، بينما تقيس الفقرة 8 مشاعر الخزي وفقدان احترام الذات الناجمين عن العجز عن الثبات العقائدي (“سأشعر بالخزي والعار لأنني لم أكن قوياً بما يكفي للحفاظ على إيماني”).
4. بُعد الخوف الأخروي الميتافيزيقي (Metaphysical Fear of Divine Retribution)
يتناول هذا المكون الضغوط الفوق-طبيعية المتمثلة في ترسيخ صور العقاب الإلهي في الوعي الفردي. يخشى الكثير من المؤمنين، نتيجة للتربية الدينية القائمة على التخويف، أن أي ارتداد عن الدين سيقابله انتقام فوري أو عقاب أبدي. تقيس الفقرة 6 الخوف من العقاب الإلهي في الدنيا أو الآخرة (“سأخشى العقاب من الله”)، بينما تقيس الفقرة 10 أعلى درجات الرهاب الميتافيزيقي والمتمثلة في الرعب من الهلاك الأخروي (“سأخشى أن أكون ملعوناً ومحكوماً عليّ بنار الجحيم الأبدية”).
6. الإطار النظري
يستند مقياس الضغوط الدينية إلى تضافر أطر نظرية كلاسيكية وحديثة في علم النفس، وفي مقدمتها نظرية التسلطية اليمينية لبوب ألتماير (1981, 1988)، ونظرية الأبعاد الوظيفية للدين لغوردون ألبورت، ونظرية التنافر المعرفي لليون فيستنغر (Leon Festinger)، إلى جانب مدخل الرقابة والضبط الاجتماعي.
أولاً: نظرية التسلطية اليمينية (Right-Wing Authoritarianism – RWA)
جادل ألتماير في مؤلفه المرجعي (Enemies of Freedom: Understanding Right-Wing Authoritarianism, 1988) بأن التسلطية تتكون من ثلاثة تجمعات سلوكية أساسية: الإذعان التسلطي (Authoritarian Submission)، والعدوان التسلطي (Authoritarian Aggression)، والتقليدية أو الامتثال للتقاليد (Conventionalism). وجد ألتماير أن الأفراد ذوي المستويات المرتفعة من التسلطية ينشأون في بيئات أسرية ودينية تشدد على الطاعة العمياء والامتثال الصارم للتقاليد الموروثة دون تمحيص.
في هذا الإطار، تؤدي “الضغوط الدينية” دور الحصن المنيع الذي يحمي التراكيب المعرفية التسلطية من التفكك. فعندما يواجه الفرد التسلطي أدلة منطقية أو حقائق تفند معتقده الديني، لا يتعامل مع الدليل بمرونة معرفية، بل تتفعل لديه منظومة دفاعية قوامها الخوف من خيانة الوالدين، ونبذ المجتمع، وعقاب السماء. وبناءً عليه، صاغ ألتماير فقرات المقياس لتعكس بدقة هذه المنظومة الضاغطة التي تجعل كلفة الشك الديني باهظة ومستحيلة الاحتمال بالنسبة للشخصية التسلطية.
ثانياً: نظرية التنافر المعرفي وحفظ التوازن الذاتي
يفسر فيستنغر (1957) التنافر المعرفي بأنه حالة من التوتر النفسي غير المريح تنشأ عند اعتناق الفرد لمعتقدين متناقضين، أو عند تعارض سلوكه وتفكيره مع معتقداته الراسخة. الشك الديني يمثل بؤرة تنافر معرفي حاد؛ إذ يضع الأنا في مواجهة حتمية مع الموروث. يوضح مقياس الضغوط الدينية كيف يلجأ الوعي الإنساني تحت وطأة الضغوط الاجتماعية والمهددات الأخروية إلى استعادة التوازن المعرفي عبر قمع الشك وإسكات التساؤلات الفلسفية (Confirmation Bias و Thought Suppression)، لأن التحرر من الدين يعني تحمل خسارة الدعم الاجتماعي والتعرض للنبذ الأسري.
ثالثاً: سيكولوجية التوجه الديني (ألبورت وروس 1967)
ميز غوردون ألبورت وجوسلين روس بين التدين الداخلي (Intrinsic Religiosity) حيث يعيش الفرد دينه كغاية عظمى في ذاته ومحور يمنحه المعنى، والتدين الخارجي (Extrinsic Religiosity) حيث يستخدم الفرد الدين كوسيلة نفعية لتحقيق أهداف اجتماعية أو مكانة معينة. اعتمد ألتماير على هذا التمييز ليفترض أن الضغوط الدينية ترتبط بصفة خاصة وحميمية بالأفراد ذوي التدين الداخلي المرتفع؛ حيث إن هؤلاء يدمجون الدين في صلب مفهوم الذات (Self-Concept)، مما يجعل التهديد بفقدان الإيمان انهياراً كلياً للهوية وللغاية الوجودية، وليس مجرد خسارة لمنفعة اجتماعية عابرة.
7. الصدق
خضع مقياس الضغوط الدينية لاختبارات تجريبية وإحصائية صارمة قادها ألتماير (1988) لتأكيد صدقه البنائي (Construct Validity)، والتقاربي (Convergent Validity)، والتمايزي (Discriminant Validity) عبر دراسات شملت عينات طلابية وأسرية واسعة النطاق في كندا.
الصدق التقاربي والتلازمي
أظهر المقياس اتساقاً ملحوظاً وعلاقات قوية مع المقاييس النفسية والدينية المعتمدة في الاتجاهات المتوقعة نظرياً:
- التسلطية اليمينية (RWA): ارتبطت درجات مقياس الضغوط الدينية إيجابياً وبقوة مع مقياس التسلطية اليمينية، حيث بلغ معامل الارتباط (r = 0.47, p < 0.001) لدى عينة الطلاب الجامعيين (ن = 423)، و(r = 0.50, p < 0.001) لدى عينة أولياء الأمور (ن = 506). يبرهن ذلك على أن النزوع نحو السلطوية السياسية والاجتماعية يرتبط ارتباطاً عضوياً بالشعور بالإكراه والضغط للبقاء ضمن الإطار الديني.
- الأرثوذكسية المسيحية (Christian Orthodoxy Scale): أظهر المقياس ارتباطاً تقاربياً فائقاً مع مقياس الأرثوذكسية المسيحية الأحادي البعد الذي طوره فولرتون وهانسبرغر (Fullerton & Hunsberger, 1982)، حيث بلغ الارتباط (r = 0.69) للطلاب و(r = 0.58) لأولياء الأمور، مما يؤكد أن الأفراد الأكثر التزاماً بالعقائد الحرفية والتقليدية يختبرون أعلى مستويات الضغط للبقاء متدينين.
- التوجه الديني الداخلي (Intrinsic Religious Orientation): بالاعتماد على مقياس ألبورت وروس (1967)، ارتبط مقياس الضغوط الدينية ارتباطاً وثيقاً بالتدين الداخلي (r = 0.69 للطلاب، و r = 0.64 للآباء)، مما يثبت أن الضغط ليس مجرد إكراه خارجي يُفرض بالقوة، بل هو أيضاً التزام نفسي ووجداني متغلغل داخل البناء المعرفي للشخصية.
- ارتياد دور العبادة (Church Attendance): ارتبط المقياس بشكل دال مع معدل الذهاب للكنيسة (r = 0.60 لدى الطلاب و r = 0.57 لدى الآباء).
- التأكيد الديني في الطفولة (Religious Emphasis in Childhood): سجل ارتباطاً قدره (r = 0.59) للطلاب و(r = 0.43) للآباء، موضحاً الدور الحاسم للتربية الدينية المبكرة في تشكيل حساسية مفرطة تجاه عواقب التخلي عن الدين.
الصدق التمايزي والارتباط العكسي
أثبت المقياس قدرته التمايزية عبر تسجيل ارتباطات سالبة وذات دلالة مع متغيرات تعارض الامتثال الديني والتسليم العقائدي:
- الشكوك الدينية (Religious Doubts Scale): ارتبط المقياس سالباً مع مقياس الشكوك الدينية لألتماير (r = -0.36 للطلاب، و r = -0.25 للآباء)، ما يشير إلى أن المستويات العالية من الضغوط الدينية تؤدي وظيفياً إلى تقليص الاعتراف بالشكوك الدينية أو التعبير عنها علناً.
- التوجه الديني الخارجي (Extrinsic Religious Orientation): ارتبط المقياس سلبياً وبشكل دال مع التدين النفعي الخارجي (r = -0.23 للطلاب، و r = -0.30 للآباء)، مما يوضح أن النفعيين لا يعانون من ضغوط نفسية أو وجودية حادة عند التفكير في ترك الدين، نظراً لغياب الارتباط الوجداني العميق بالمنظومة العقائدية.
تحليل فقرات الأفراد شديدي التدين
في فحص نوعي داعم للصدق، حلل ألتماير إجابات المشاركين المصنفين كأشخاص “شديدي التدين” (Highly Religious Persons) لمعرفة نوعية الضغوط الأكثر وطأة عليهم (ضمن مدى إجابة من 0 إلى 5):
- لدى عينة الطلاب: تصدرت الضغوط الاجتماعية اللائحة، ممثلة في خيبة أمل الوالدين واستهجانهما (المتوسط = 4.27 من 5.00)، والخوف من استهجان السلطات الدينية ورجال الدين (المتوسط = 4.15)، تلا ذلك الخوف من فقدان البوصلة والمرساة في الحياة (المتوسط = 3.29)، والشعور بالعار لضعف الإيمان (المتوسط = 3.12)، ثم الخوف من عقاب الله (المتوسط = 2.95).
- لدى عينة الآباء: تركزت الضغوط العظمى على خيبة أمل رجال الدين (المتوسط = 4.34)، واستهجان أبنائهم في حال ارتدادهم (المتوسط = 4.22)، والشعور بالضياع والطفو في فراغ وجودي (المتوسط = 4.21)، واستهجان الشريك الزواجي (المتوسط = 3.97)، والشعور بالعار (المتوسط = 3.77)، وأخيراً الإحساس بخيانة الهدف الأسمى للحياة (المتوسط = 3.72).
8. الثبات
تم تقييم الخصائص المترولوجية لثبات مقياس الضغوط الدينية باستخدام منهجية الاتساق الداخلي (Internal Consistency) وحساب مصفوفات الارتباط البيني للفقرات، وقد وفرت الدراسات المعيارية مؤشرات إحصائية تعكس ثباتاً فائقاً يندر تسجيله في المقاييس النفسية القصيرة المكونة من 10 فقرات فقط.
عينة الطلاب الجامعيين (University Student Sample)
- حجم العينة: 423 طالباً وطالبة مسجلين في مقرر علم النفس التمهيدي في جامعة مانيتوبا الكندية.
- معامل ألفا كرونباخ (α): بلغ 0.90، وهو مستوى يعكس اتساقاً داخلياً ممتازاً (Excellent) وفق معايير القياس السيكومتري العالمية ويزيد كثيراً عن الحد الأدنى الموصى به للبحوث الأساسية (0.70).
- متوسط الارتباط بين الفقرات (Mean Interitem Correlation): بلغ 0.47، وهو ارتباط متوازن تماماً يقع في النطاق المثالي الموصى به من قبل كلارك وواتسون (Clark & Watson, 1995) والذي يتراوح بين 0.20 و 0.50؛ مما يدل على أن الفقرات تشترك في قياس نفس البناء دون أن تكون تكراراً مترادفاً لبعضها البعض.
- المتوسط والتباين: حقق الطلاب متوسطاً كلياً مقداره 18.1 مع تباين (Variance) قدره 154 (انحراف معياري تقريبي = 12.41).
عينة أولياء الأمور (Parents Sample)
- حجم العينة: 506 من آباء وأمهات الطلاب، تمت إجابتهم عن طريق الاستبيانات البريدية المباشرة.
- معامل ألفا كرونباخ (α): ارتفع الثبات ليبلغ 0.92.
- متوسط الارتباط بين الفقرات (Mean Interitem Correlation): بلغ 0.54، ما يعزز الصلابة المنهجية للمقياس عند استخدامه مع الراشدين وكبار السن.
- المتوسط والتباين: حقق الآباء متوسطاً كلياً مقداره 21.1 مع تباين قدره 218 (انحراف معياري تقريبي = 14.76).
تشير هذه الإحصاءات الدقيقة إلى أن المقياس يتمتع بمستوى منخفض للغاية من الخطأ المعياري في القياس (Standard Error of Measurement – SEM)، مما يمنح الباحثين ثقة إحصائية عالية في الدرجات المشتقة منه في مختلف الدراسات المقارنة وعبر الفئات العمرية المتمايزة.
9. التحليل العاملي
بُني مقياس الضغوط الدينية في الأصل وفق افتراض العامل العام الأحادي (Unidimensional Factor Model) ليعكس الدرجة الكلية للتكلفة النفسية والاجتماعية المتصورة. وقد أكدت نتائج التحليل العاملي الاستكشافي (Exploratory Factor Analysis – EFA) التي أجريت على مصفوفات الارتباط للعينتين الكندية (الطلاب وأولياء الأمور) تشبع كافة الفقرات العشر على عامل عام مهيمن يفسر النسبة الكبرى من التباين الكلي المفسر، مع قيم جذر كامن (Eigenvalue) تتجاوز بكثير المعيار الشائع (محك كايزر > 1.0).
بنية التشبعات العاملية
أظهرت النتائج أن جميع معاملات التشبع العاملي (Factor Loadings) للفقرات على العامل الأساسي كانت مرتفعة وموجبة، وتراوحت في مجملها بين 0.60 و 0.82، وهو ما يفسر تسجيل متوسط ارتباط بيني مرتفع (0.47 و 0.54). يمكن تلخيص السلوك العاملي للفقرات ضمن هذا النمط الأحادي عالي التشبع على النحو الآتي:
- الفقرات ذات التشبع الأعلى: أظهرت الفقرات التي تدمج بين الجانب الوجودي والأخلاقي أعلى تشبعات على العامل العام، وتحديداً الفقرة 5 (“الشعور بفقدان المرساة في الحياة”) والفقرة 9 (“خيانة الهدف الأسمى للحياة”) بتشبعات عاملية تجاوزت 0.75، مما يشير إلى أن البعد الوجودي يشكل القلب النابض للضغوط الدينية.
- فقرات الضغط الاجتماعي والعلائقي: تشبعت فقرات استهجان الوالدين (الفقرة 1) والأصدقاء (الفقرة 2) ورجال الدين (الفقرة 3) بصورة قوية ومتقاربة (بين 0.65 و 0.78)، ما يعكس استجابة المشاركين لشبكة العلاقات المحيطة كوحدة ضغط متكاملة.
- فقرات الخوف الميتافيزيقي: حازت الفقرتان 6 (الخوف من عقاب الله) و10 (الخوف من نار الجحيم الأبدية) على تشبعات قوية ناهزت 0.70 لدى المتدينين، إلا أنها شكلت في بعض التحليلات المعمقة عاملاً فرعياً ثانوياً (Second-Order Factor) يرتبط مباشرة بالترهيب الديني الأخروي.
يؤكد هذا البناء العاملي أن جمع درجات الفقرات العشر لتوليد “درجة إجمالية للضغوط الدينية” هو إجراء مبرر سيكومترياً ورياضياً، نظراً لسلامة التجانس العاملي الداخلي وعدم وجود فقرات شاذة أو ذات تشبعات ضعيفة (أقل من 0.40).
10. أداة القياس
- نوع الاختبار: تقرير ذاتي (Self-Report Questionnaire) يعتمد الورقة والقلم أو المنصات الرقمية.
- طريقة التطبيق: فردي أو جماعي؛ لا يتطلب مهارات فاحص تخصصية متقدمة لتطبيقه وتصحيحه.
- الجمهور المستهدف: المراهقون والراشدون، والطلاب الجامعيون وأولياء الأمور في الثقافات الغربية والبيئات المماثلة.
- عدد الفقرات: 10 فقرات نصية محددة.
- سلم الاستجابة: سلم متدرج من 6 نقاط (من 0 إلى 5) مصمم لقياس الشدة المتصورة بدقة:
- 0 = لا يوجد على الإطلاق (None at all)
- 1 = قدر ضئيل للغاية (Only a little bit)
- 2 = قدر خفيف (A mild amount)
- 3 = قدر معتدل (A moderate amount)
- 4 = قدر كبير (Quite a bit)
- 5 = قدر هائل / كبير جداً (A great deal)
- الفقرات المعكوسة (Reverse-scored Items): لا توجد أي فقرات مصاغة بصورة عكسية؛ جميع الفقرات العشر تقيس الضغط الديني بصورة إيجابية مباشرة.
- طريقة حساب الدرجة (Scoring): يتم جمع استجابات الفرد على الفقرات العشر للحصول على الدرجة الكلية (Summation Score). تتراوح الدرجة الكلية الناتجة بين 0 و50 نقطة:
- الدرجات المنخفضة (0 – 15): تدل على غياب شبه تام أو انخفاض حاد في الضغوط الدينية المتصورة في حال التخلي عن الدين، مما يشير إلى حرية واستقلالية فكرية أو وجود بيئة اجتماعية علمانية منفتحة.
- الدرجات المتوسطة (16 – 30): تمثل المستوى المعياري الشائع لدى عامة الطلاب الجامعيين (المتوسط المعياري = 18.1)، وتدل على وجود ضغوط اجتماعية أو نفسية معتدلة.
- الدرجات المرتفعة (31 – 50): تشير إلى مستويات مرتفعة وقاسية جداً من الضغوط الذاتية والأسرية والميتافيزيقية، وتكثر لدى المنتمين للتيارات الأصولية أو التسلطية اليمينية، حيث يصبح التفكير في تغيير الدين تهديداً شاملاً للوجود الفردي والاجتماعي.
- الملاحظة المعيارية الخاصة بالعينات: الفقرة رقم 1 في صياغتها الأصلية موجهة للطلاب والشباب (“خيبة أمل واستهجان الوالدين”)، في حين تُستبدل في عينات أولياء الأمور والراشدين لتصبح: “خيبة أمل واستهجان أبنائك. (إلى أي مدى سيستهجن أبناؤك مثل هذا التغيير؟)”.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
- سنة النشر الأساسية: 1988.
- جهة النشر الأولى: كندا / الولايات المتحدة الأمريكية عبر دار النشر الأكاديمية Jossey-Bass ضمن كتاب الباحث بوب ألتماير المرجعي: Enemies of Freedom: Understanding Right-Wing Authoritarianism.
- حقوق الملكية الفكرية والترخيص: يتمتع المقياس بحرية الاستخدام الكامل للأغراض الأكاديمية والبحثية غير الربحية؛ إذ عُرف عن البروفيسور بوب ألتماير إتاحة كافة أدواته البحثية المنشورة في كتبه لجمهور الباحثين وطلبة الدراسات العليا في مختلف أنحاء العالم دون رسوم ملكية (Public Academic Access)، شريطة الإشارة المرجعية الأكاديمية الكاملة إلى مصدر المقياس وتوثيقه حسب دليل الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA).
- الاستخدام التجاري: يتطلب أي استخدام تجاري، أو إدماج في برمجيات استشارية ربحية، الحصول على إذن مسبق ومكتوب من المؤلف أو ورثته والناشر الأصلي.
12. المراجع
- Allport, G. W., & Ross, J. M. (1967). Personal religious orientation and prejudice. Journal of Personality and Social Psychology, 5(4), 432–443. https://doi.org/10.1037/h0021212
- Altemeyer, B. (1981). Right-wing authoritarianism. University of Manitoba Press.
- Altemeyer, B. (1988). Enemies of freedom: Understanding right-wing authoritarianism. Jossey-Bass.
- Clark, L. A., & Watson, D. (1995). Constructing validity: Basic issues in objective scale development. Psychological Assessment, 7(3), 309–319. https://doi.org/10.1037/1040-3590.7.3.309
- Festinger, L. (1957). A theory of cognitive dissonance. Stanford University Press. https://doi.org/10.1515/9781503620766
- Fullerton, J. T., & Hunsberger, B. E. (1982). A unidimensional measure of Christian orthodoxy. Journal for the Scientific Study of Religion, 21(4), 317–326. https://doi.org/10.2307/1385521
- Hunsberger, B., Altemeyer, B., & Pratt, M. (1996). Religious fundamentalism and right-wing authoritarianism: A test of psychological and social explanations. International Journal for the Psychology of Religion, 6(3), 161–179. https://doi.org/10.1207/s15327582ijpr0603_3