السيرة
يحتل الفيلسوف وعالم النفس البريطاني-النيوزيلندي روم هاري (Rom Harré: 1927-2019) موقعاً فريداً واستثنائياً في خارطة الفكر المعاصر؛ إذ يمثل جسراً فكرياً نادراً ربط بين صلابة فلسفة العلوم الطبيعية وحيويّة العلوم الإنسانية والاجتماعية. لم يكن هاري مجرد أكاديمي موسوعي كتب بغزارة منقطعة النظير، بل كان مُنشئاً لثورات معرفية صامتة أعادت مساءلة البديهيات المستقرة في الابستمولوجيا الوضعية، والسلوكية الاختزالية، ونظريات العقل الديكارتية المعزولة. لقد انطلق من خلفية دقيقة في الرياضيات والفيزياء، ليتجه لاحقاً نحو تفكيك البنى الفلسفية للواقعية العلمية، ومن ثم توظيف هذا الأساس الراسخ لإطلاق ثورته المدوية في علم النفس الاجتماعي، والتي عُرفت تاريخياً بـ «الثورة المعرفية الثانية» التي استعادت الإنسان بوصفه كائناً فاعلاً، ناطقاً، وأخلاقياً صانعاً للمعنى، وليس مجرد كائن بيولوجي تنعكس عليه حتميات المثير والاستجابة.
تتجلى عبقرية روم هاري الفلسفية في قدرته المدهشة على كشف التناقضات الهيكلية التي وقعت فيها العلوم الإنسانية إبان محاولتها الساذجة لمحاكاة نموذج العلوم الفيزيائية النيوتونية؛ حيث أوضح أن علم النفس التجريبي السائد لم يكن يحاكي الفيزياء الحقيقية، بل كان يحاكي صورة كاريكاتورية ومشوهة رسمتها الوضعية المنطقية عن العلم. من هنا، جاء مشروعه الضخم ليعيد صياغة مفهوم «الواقعية العلمية» من خلال نظريته الرائدة حول «القوى والطبائع السببية» (Causal Powers)، ليتبع ذلك بتأسيس المنهج «الإيثوجيني» (Ethogenics)، ثم نحت أركان «علم النفس الخطابي» (Discursive Psychology)، وتتويج ذلك ببلورة «نظرية التموضع» (Positioning Theory) التي غدت اليوم إحدى أخصب الأدوات التحليلية لدراسة التفاعلات البشرية، والصراعات الدولية، والهويات الاجتماعية.
يهدف هذا المقال الأكاديمي الشامل والموسع إلى تسليط الضوء بعمق منهجي دقيق على المسار المعرفي والفكري الحافل لروم هاري، متتبعاً أصول نظرياته وتطورها وتطبيقاتها المعاصرة. سنرتحل عبر مفاصل مشروعه الابستمولوجي، بدءاً من نشأته العلمية والتحولات الفكرية في مسيرته، مروراً بنقده الراديكالي للتجريبية الساذجة، وصولاً إلى أطروحاته التأسيسية حول الذات بوصفها بنية نحوية، والانفعالات بصفتها ممارسات معيارية وثقافية. إن قراءة روم هاري في هذا السياق ليست مجرد استعادة لتاريخ الأفكار، بل هي استحضار لبوصلة فلسفية بالغة الأهمية تستنهض البعد الإنساني في عصر تطغى عليه النزعات الاختزالية العصبية والمادية التي تسلب الإنسان حريته وتفرغه من أبعاده القيمية والمعنوية.
1. السيرة الذاتية والمسيرة الأكاديمية لروم هاري (1927-2019)
يمثل التطور الفكري لروم هاري نموذجاً رفيعاً للمفكر العابر للتخصصات، الذي استطاع أن يهضم أعمق التطورات في العلوم الصورية والطبيعية ليحولها إلى طاقة ابتكار فلسفية وإنسانية. تمتد مسيرته الحياتية على مدار تسعة عقود شهدت أعنف التحولات الأكاديمية والابستمولوجية في القرن العشرين، وشارك هو شخصياً في صياغة العديد من مفاصلها الحاسمة.
1.1 النشأة والتكوين العلمي المبكر في نيوزيلندا
ولد هوراس رومانو هاري (Horace Romano Harré)، المعروف اختصاراً بـ «روم هاري»، في الثامن عشر من ديسمبر عام 1927 في بلدة صغيرة تدعى أبيتي (Apiti) بنيوزيلندا، في كنف بيئة ريفية بسيطة منحت ذهنه المتوثب فرصة مبكرة لتأمل الظواهر الطبيعية والتساؤل حول قوانينها المحركة. وسرعان ما برز نبوغه الأكاديمي الاستثنائي في مراحل دراسته الأولى، حيث التحق بـ جامعة نيوزيلندا (University of New Zealand) في ويلينغتون، مركزاً اهتماماته الصارمة على حقلي الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية. حصل هاري على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، تلاها بالحصول على بكالوريوس وماجستير بمرتبة الشرف في الرياضيات والفيزياء، وهو التكوين الصارم الذي طبع تفكيره اللاحق بنزعة منهجية دقيقة وشغف لا يلين بالبنى المنطقية والعلاقات السببية الواقعية.
لم يقف طموح الشاب النيوزيلندي عند حدود المعادلات الرياضية والحسابات الهندسية، بل دفعته ممارسته المبكرة لتدريس العلوم في مدرسة ثانوية ومحاضراته الأولية في كلية الملك (King’s College) في أوكلاند إلى الاصطدام بالأسئلة الكبرى الكامنة خلف التطبيقات العلمية: ما الذي نعنيه حقاً حين نقول إن قوة فيزيائية أحدثت تغييراً معيناً؟ وهل النماذج الرياضية التي نستخدمها تعبر عن بنية الواقع الخارجي أم هي مجرد أدوات تنبؤية ذرائعية؟ كانت هذه التساؤلات بمثابة نقطة التحول المعرفي الجذري في مسار هاري؛ إذ أدرك أن الإجابة عن هذه المعضلات لا توجد داخل المعادلات ذاتها، بل تتطلب الخوض في بحار الفلسفة والابستمولوجيا. دفعته هذه الرغبة الملحة إلى استكمال دراسة الفلسفة في جامعة أوكلاند، حيث حصل على درجة ماجستير ثانية في الفلسفة، مما مهد لانتقاله الكبير إلى المعقل الأكاديمي العالمي للفلسفة التحليلية: جامعة أكسفورد.
إن هذا المزيج الفريد بين التكوين الهندسي الرياضي والتعمق الفلسفي المبكر منح هاري حصانة فكرية دائمة ضد الانزلاق إلى النظريات الميتافيزيقية الغامضة من جهة، وضد القبول السطحي بالنزعات التجريبية الاختزالية من جهة أخرى. لقد تميز منذ بداياته بقدرته على توجيه سهام النقد إلى النماذج العلمية الرائجة باستخدام لغة العلم المعياري ذاته ومفرداته المنطقية، وهو ما منحه وزناً ابستمولوجياً ثقيلاً حين قرر الشروع في مساءلة الممارسات البحثية في الفلسفة والعلوم الإنسانية لاحقاً.
1.2 الانتقال إلى أكسفورد والتدريس في كلية لينيكر
في أواخر خمسينيات القرن العشرين، حط روم هاري رحاله في المملكة المتحدة ليلتحق بـ جامعة أكسفورد العريقة، باحثاً في دراسات ما بعد التخرج في الفلسفة، وسرعان ما لفت انتباه كبار فلاسفة العصر هناك. كان من حسن حظه، بل ومن حظ تاريخ الفلسفة المعاصرة، أن تتلمذ هاري وعمل مباشرة تحت إشراف الفيلسوف اللغوي البارز جون لانغشو أوستن (J. L. Austin)، رائد نظرية أفعال الكلام وأحد أقطاب «فلسفة اللغة العادية». تركت براكسيس أوستن اللغوية وتحليلاته الدقيقة لكيفية «فعل الأشياء بالكلمات» بصمة لا تُمحى في وعي هاري المنهجي، إذ تشرب منه النظرة إلى اللغة بوصفها نشاطاً بشرياً حياً وممارسة معيارية تقع في صميم التفاعل الاجتماعي، وليس مجرد نظام رمزي صوري لنقل المعلومات.
في عام 1960، عُيّن روم هاري في منصب محاضر جامعي في فلسفة العلوم (University Lecturer in Philosophy of Science) بجامعة أكسفورد، وهو المنصب الرفيع الذي شغله باقتدار منقطع النظير لعقود طويلة. كما انتُخب زميلاً بارزاً في كلية لينيكر (Linacre College) منذ تأسيسها في عام 1962، حيث ظل قطب الرحى الفكري فيها، وموجهاً لمئات الحلقات النقاشية والمؤتمرات الفلسفية. في رحاب أكسفورد، لعب هاري دوراً قيادياً وتاريخياً في ترسيخ تدريس فلسفة العلوم كحقل أكاديمي مستقل قائم بذاته؛ حيث لم يكتفِ بإعادة قراءة تاريخ الفكر العلمي، بل وسّع نطاق البحث الفلسفي ليشمل نقد النظريات الاجتماعية والعلوم السلوكية التي كانت تعيش أوج صعودها في الجامعات الغربية آنذاك.
استطاع هاري أن يحول أكسفورد إلى مركز جاذب للباحثين الشباب الرافضين للجمود الوضعي. تميزت حلقات نقاشه الأسبوعية بالجرأة المعرفية والتنوع الصاخب؛ حيث كان يلتقي الفيزيائي مع عالم الاجتماع، والمحلل النفسي مع المتخصص في فقه اللغة. أسس هاري في تلك الفترة رؤيته التأسيسية التي مفادها أن فصل العلوم الطبيعية عن العلوم الإنسانية هو فصل مصطنع غذته الأوهام الوضعية، وأن المهمة الفلسفية الأسمى تكمن في صياغة ابستمولوجيا متكاملة تحترم الطبيعة المادية للكون وفي الوقت ذاته تعلي من شأن الفاعلية الرمزية والأخلاقية للإنسان في العالم الاجتماعي.
1.3 المحطات الدولية والإنتاج الفكري الغزير
لم تحد حدود أكسفورد من الإشعاع الفكري لروم هاري؛ فمع مطلع ثمانينيات القرن العشرين، انطلق في مرحلة أكاديمية عالمية جديدة امتازت بالحركية والتأثير العابر للقارات. شغل منصب أستاذ متميز في قسم الفلسفة وعلم النفس بـ جامعة جورج تاون (Georgetown University) في واشنطن العاصمة، كما ارتبط بعلاقات أكاديمية وثيقة مع الجامعة الأمريكية (American University) في العاصمة الأمريكية ذاتها. كان هاري يوزع وقته بانتظام سنوي بين أكسفورد وواشنطن، مما أتاح له التأثير المباشر في دوائر الفكر الأنجلو-أمريكي المشتركة، ودمج الرصانة التحليلية البريطانية بالحيوية التجريبية والمؤسساتية الأمريكية.
تميز روم هاري بإنتاجية فكرية مذهلة تضعه في مصاف أغزر الفلاسفة كتابة وتأليفاً في التاريخ المعاصر؛ فقد تجاوز رصيده العلمي حاجز الأربعين كتاباً فردياً ومشتركاً، ونشر ما يربو على مئات الأوراق العلمية المحكمة وفصول الكتب الموسوعية. شملت كتاباته طيفاً مذهلاً من الحقول المعرفية، بدءاً من المنطق، وتاريخ الكيمياء، وفيزياء الجسيمات، مروراً بفلسفة العقل، وعلم النفس المعرفي، واللسانيات، ووصولاً إلى علم الاجتماع التطبيقي ونظريات الصراع السياسي وحل النزاعات. لم تكن هذه الغزارة كمية فحسب، بل اتسمت بجودة نوعية استثنائية وأثرت المكتبة الإنسانية بكتب مرجعية مثل: The Principles of Scientific Thinking (1970)، وThe Explanation of Social Behaviour (1972 بالاشتراك مع بول سيكورد)، وCausal Powers (1975 بالاشتراك مع إدوارد ماديان)، وThe Social Construction of Emotions (1986)، وThe Discursive Mind (1994)، وPositioning Theory (1999).
تجلى التأثير الفكري لروم هاري في رعايته وتوجيهه لعدة أجيال من الباحثين، وأساتذة الجامعات، وعلماء النفس عبر العالم؛ إذ لم يكن منظراً منعزلاً في برجه العاجي، بل كان محاوراً بارعاً ومستمعاً متواضعاً يُلهم طلابه بالتفكير النقدي وتجاوز الأطر الأكاديمية المتكلسة. استمر عطاؤه العلمي بلا انقطاع حتى الشهور الأخيرة من حياته المديدة، قبل أن يرحل عن عالمنا في الثامن عشر من أكتوبر عام 2019 في أكسفورد، تاركاً إرثاً فكرياً هائلاً لا يزال ينبض بالحياة، ويمثل مرجعاً لا غنى عنه لكل من يتصدى لدراسة العقل، والمجتمع، واللغة في أبعادها الواقعية والأخلاقية.
2. المرجعيات الفلسفية وتأسيس الواقعية العلمية
شكلت فلسفة العلوم المنطلق الأساسي الذي بنى عليه روم هاري سائر أطروحاته اللاحقة في علم النفس والعلوم الاجتماعية. رأى هاري أن أي خلل في فهم طبيعة المعرفة الإنسانية أو السلوك البشري يعود بالأساس إلى تبني أسس ابستمولوجية هشة وعليلة؛ لذلك انخرط في مشروع فلسفي جبار لإعادة تعريف «الواقعية العلمية» (Scientific Realism) وتحريرها من إسار التصورات الوضعية والتجريبية الساذجة.
2.1 نقد الوضعية المنطقية والتجريبية الساذجة
شن روم هاري هجوماً كاسحاً على النزعة الوضعية المنطقية التي هيمنت على المشهد الأكاديمي لعقود متطاولة، تلك النزعة التي تمتد جذورها إلى الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم وتطورت في حلقة فيينا. اعتبر هاري أن التجريبية الساذجة ترتكب خطيئة ابستمولوجية كبرى حين تختزل الوجود والواقعية في ما يمكن ملاحظته ورصده إمبريقياً بطريقة حسية مباشرة؛ حيث تدعي الوضعية أن كل ما يتجاوز المعطيات الحسية المباشرة هو ضرب من الميتافيزيقا الزائفة التي ينبغي استبعادها من حقل المعرفة العلمية الرصينة.
في هذا السياق، فكك هاري بعمق النموذج التفسيري الشهير الذي صاغه الفيلسوف كارل هيمبل والمعروف باسم نموذج الاستنباط القانوني (Deductive-Nomological Model)، والذي يفترض أن التفسير العلمي لا يعني سوى إدراج الحادثة المبحوثة تحت قانون عام ينتظم تكرارها المنتظم؛ أي إذا حدث (أ) يحدث (ب) دائماً. أوضح هاري أن هذا التصور الهيومي-الهيمبلي هو تصور شديد السطحية والعقم؛ لأنه يكتفي برصد الارتباطات الإحصائية والانتظامات الخارجية بين الظواهر (Correlation) دون أن يقدم أي تفسير حقيقي للكيفية والآلية التي أدت إلى حدوث الظاهرة (Causation). إن مراقبة تتابع البرق والرعد آلاف المرات لا تقدم تفسيراً علمياً للرعد؛ فالتفسير لا يبدأ إلا حين نخترق السطح الظواهري لنبحث في الأعماق.
دافع هاري بحماسة عن الموقف الواقعي الأصيل الذي يؤكد أن العالم الطبيعي والاجتماعي مليء بالكيانات، والآليات، والبنى العميقة التي لا يمكن رصدها بالملاحظة العادية المباشرة، ولكنها تمتلك وزناً وجودياً فاعلاً وأثراً سببياً حقيقياً يمكن التحقق منه عقلانياً وتجريبياً. فالإلكترونات، والمجالات المغناطيسية، والجينات الوراثية في الفيزياء والأحياء لم تكن مرئية حين افتُرض وجودها لتفسير الظواهر المرئية، والتعامل معها كأدوات رياضية ملائمة فقط كما تفعل الذرائعية هو تشويه للطريقة الفعلية التي يتقدم بها العلم. العلم الحقيقي عند هاري ليس اختزالاً للواقع في قائمة من الملاحظات، بل هو كشف معرفي شجاع للبنى التحتية المحركة للكون.
2.2 الواقعية القائمة على القوى والطبائع (Causal Powers)
في عام 1975، نشر روم هاري بالاشتراك مع الفيلسوف إدوارد ماديان (Edward H. Madden) كتابهما الكلاسيكي الخالد Causal Powers: A Theory of Natural Necessity، وهو العمل الذي أحدث ثورة فكرية عميقة في فلسفة السببية الحديثة. طرح هاري وماديان في هذا المؤلف بديلاً جذرياً للرؤية الهيومية القائلة بأن السببية ليست سوى اقتران مطرد بين حوادث منفصلة في الزمان والمكان؛ حيث أسسا نظرية واقعية تعتمد على مفهوم «القوى والطبائع الكامنة» (Causal Powers and Capacities) للكيانات الطبيعية والاجتماعية.
تتلخص هذه النظرية في أن الأسباب الحقيقية للأحداث لا تكمن في الانتظامات التجريبية الخارجية، بل تنبع من «طبائع» الكيانات ذاتها وبنيتها الجوهرية والتركيبية. فالملح يذوب في الماء ليس لأننا تعودنا على رؤيته يذوب تاريخياً، بل لأن البنية الجزيئية الكيميائية للملح، المتمثلة في الروابط الأيونية بين الصوديوم والكلور، تمتلك «طبيعة» تمنحها «القوة» أو الاستعداد للذوبان والتفكك عند ملامسة الجزيئات القطبية للماء. وبالتالي، فإن الضرورة في الطبيعة ليست ضرورة منطقية استنباطية محضة، ولا هي وهم نفسي ناشئ عن العادة والاقتران، بل هي «ضرورة طبيعية» (Natural Necessity) متجذرة في البنى والطبائع الحقيقية للكيانات الفيزيائية والمادية.
نقل هاري هذا التأسيس الفلسفي المتين من عالم الفيزياء والكيمياء إلى عالم الإنسان والمجتمع؛ حيث بنى عليه مفهوم «الواقعية غير الاختزالية». فالبشر ليسوا ذرات سلبية تتقاذفها المؤثرات، بل هم كائنات مادية وحيوية تمتلك، بحكم بنيتها الفريدة، «قوى سببية» عقلية ولغوية تمكنهم من التفكير، والاختيار، والتفاعل، وإحداث التغيير في عالمهم. قاد هذا التحليل هاري إلى التمييز الصارم بين الحوادث الظاهراتية العابرة وبين القوى الكامنة الموّلدة، وهو ما نسف الأسس الاختزالية التي طالما حاولت تفسير الفكر المعقد عبر ردّه إلى كيمياء عصبية صامتة دون اعتبار للبنى الكلية والوظائف المعيارية لتلك القوى.
2.3 دور النماذج والتشبيهات في بناء المعرفة العلمية
أولى روم هاري عناية فلسفية فائقة لدراسة الكيفية التي يفكر بها العلماء فعلياً، بعيداً عن القوالب الصورية الجافة التي يفرضها المناطقة؛ ففي كتابه الرائد The Principles of Scientific Thinking (1970)، بين هاري أن القلب النابض للكشف العلمي وتوليد الفرضيات الثورية لا يكمن في الاستقراء التراكمي الأعمى ولا في الاستنباط الرياضي المجرد، بل يكمن في البناء الإبداعي لـ «النماذج التناظرية والتشبيهات» (Models and Analogies).
أوضح هاري أن المعرفة العلمية تتقدم عبر توظيف الخيال المنطقي؛ حيث يستعير العلماء آليات ونماذج معروفة ومفهومة من مجال مألوف لتفسير مجالات مجهولة وبنى عميقة لا تزال عصية على الرصد. فعلى سبيل المثال، شُبهت الذرة في مطلع القرن العشرين بالنظام الشمسي المصغر، حيث تدور الإلكترونات حول النواة كما تدور الكواكب حول الشمس، وشُبهت الغازات بكرات بلياردو متناهية الصغر تتصادم في وعاء مغلق. ميز هاري بدقة بين «النماذج الأيقونية» التي تحاكي المظهر الشكلي، و«النماذج المفهومية والتناظرية» التي تحاكي الميكانيزمات والوظائف السببية الداخلية، مبرهناً على أن هذه التشبيهات والمجازات ليست مجرد حلي لغوية ثانوية، بل هي أدوات عقلية مركزية لا غنى عنها لاختراق المجهول وتوجيه الملاحظات التجريبية نحو اكتشاف طبائع الأشياء.
هذا الفهم المبتكر للعلم بوصفه نشاطاً إنسانياً إبداعياً يوظف اللغة والمجاز في صياغة النماذج، كان له أثر عميق ومباشر على تصورات هاري للعلوم الإنسانية والاجتماعية. فقد رفض بصرامة استعارة العلوم الإنسانية لنماذج الفيزياء الميكانيكية التي تشبه الإنسان بـ «الآلة البخارية» أو «الحاسوب الآلي» أو «الساعة الدقيقة»، واقترح بدلاً من ذلك نماذج تناظرية مستمدة من الحياة الاجتماعية الأصيلة نفسها؛ كالنموذج «المسرحي» (Dramaturgical Model)، والنموذج «القائم على القواعد والحوار» (Rule-following and Conversational Model)، مما فتح آفاقاً جديدة وغير مسبوقة لفهم السلوك البشري خارج القيود الميكانيكية القاهرة.
3. الانعطاف نحو علم النفس ونقد النماذج التجريبية التقليدية
في مطلع سبعينيات القرن العشرين، أحدث روم هاري انعطافاً تاريخياً في مساره المعرفي؛ حيث وجّه كل ثقله الفلسفي وخبرته في الواقعية العلمية نحو حقل علم النفس الاجتماعي، وهو الحقل الذي كان يعاني آنذاك من مأزق وجودي ومنهجي حاد. رأى هاري أن علم النفس أصبح ضحية لأوهام علمية زائفة أفقدته القدرة على فهم جوهر الظاهرة الإنسانية، وتطوع لقيادة حركة تصحيحية كبرى لإعادة تأسيس هذا العلم على أسس إنسانية ومنطقية سليمة.
3.1 تشخيص أزمة علم النفس الاجتماعي في السبعينيات
في عام 1972، أصدر روم هاري بالاشتراك مع عالم النفس الأمريكي بول سيكورد (Paul Secord) كتابهما المرجعي الشهير The Explanation of Social Behaviour، وهو الكتاب الذي نزل كالصاعقة على الأوساط الأكاديمية السيكولوجية، وأطلق ما بات يُعرف تاريخياً بـ «أزمة علم النفس الاجتماعي» (The Crisis in Social Psychology). كشف هاري وسيكورد في هذا العمل الفارق عن الفجوة العميقة بين واقع الحياة الاجتماعية اليومية للبشر، وبين الممارسات المختبرية المعقمة والمصطنعة التي يتبناها علماء النفس التجريبيون تحت شعار العلمية الصارمة.
فند المؤلفان بدقة بالغة وهم التجارب المعملية؛ حيث يقوم الباحث باحتجاز عينة عشوائية من الطلاب الجامعيين في غرفة مغلقة، ويعرضهم لمثيرات مصطنعة، ثم يقيس ردود أفعالهم بأجهزة قياس كمية، مدعياً أنه يكشف بذلك عن «قوانين عامة» للسلوك البشري. أوضح هاري أن هذه الممارسة تسقط في مغالطة عزل الفاعل عن بيئته الثقافية، والمعيارية، والدلالية الطبيعية؛ فالإنسان داخل المختبر لا يتصرف كإنسان طبيعي، بل ككائن مرتبك يحاول تخمين توقعات الباحث ويستجيب لمعاني السياق المختبري المصطنع. وبيّن أن تعميم تلك النتائج المختبرية على العالم الاجتماعي المعقد هو خديعة إحصائية فارغة، لأن الحقيقة الاجتماعية تُبنى وتُعاش في الفضاءات الطبيعية المفتوحة: في البيوت، والمقاهي، وأماكن العمل، والشوارع، حيث تتشابك المعاني والقيم والمحددات الأخلاقية.
كما انتقد هاري وسيكورد الاعتماد الأعمى لعلم النفس على التعميمات الإحصائية المجردة (Statistical Generalizations) ومصفوفات الارتباط بين المتغيرات المستقلة والتابعة. وأكدا أن هذه المنهجيات تغفل البعد الدلالي الجوهري للفعل البشري؛ فالأرقام والإحصائيات قد توضح نسبة تكرار سلوك معين، لكنها تعجز تماماً عن توضيح «معنى» ذلك السلوك للفاعل نفسه، أو تقديم تفسير للآليات المعرفية والأخلاقية التي وجهته، مما يجعل السيكولوجيا التجريبية علماً تقنياً سطحياً بلا عمق تفسيري.
3.2 رفض النزعة السلوكية والتشييء الميكانيكي للإنسان
خاض روم هاري معركة ابستمولوجية ضارية ضد النزعة السلوكية (Behaviorism)، التي هيمنت لعقود طويلة بقيادة علماء مثل جون واطسون وب. ف. سكينر، وضد امتداداتها الميكانيكية الكامنة في النماذج المعرفية المبكرة التي عاملت الدماغ كمعالج إلكتروني صامت للبيانات. اعتبر هاري أن هذه النماذج ارتكبت جريمة معرفية تتمثل في «تشييء الإنسان» (Reification) واختزاله إلى مجرد آلة بيولوجية أو كائن آلي سلبي تسيّره المثيرات الخارجية والاستجابات الشرطية المنعكسة دون أي دور حقيقي للوعي أو التفكير الذاتي.
أكد هاري على التهافت المنطقي للنزعة السلوكية؛ فالسلوكي يزعم أنه يستطيع تفسير سلوك الكائن البشري دون الرجوع إلى حالاته الذهنية الواعية أو مقاصده وتبريراته، وهو بذلك ينفي جوهر ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات الأخرى. وتساءل هاري بتهكم فلسفي لاذع: كيف يمكن للباحث السلوكي نفسه أن يكتب كتاباً أو يصمم تجربة معقدة إذا كان هو ذاته مجرد حزمة من الأفعال المنعكسة والمثيرات الخارجية؟ إن التخلي عن مفاهيم القصدية، والوعي، والنية، والمعنى يلغي أي إمكانية للحديث عن علم النفس من الأساس، ويحول السلوك البشري إلى حركة ميكانيكية عمياء تشبه تدحرج الحجارة على منحدر صخري بفعل الجاذبية.
وشدد هاري على رفض كل محاولات الحتمية البيولوجية والفيزيائية؛ فالبشر لا يعيشون في فضاء فيزيائي تحكمه القوانين الحتمية الصارمة من نوع (إذا وجد المثير س، وقع السلوك ص)، بل يعيشون في «فضاءات معيارية وأخلاقية» (Normative and Moral Spaces) تحكمها قواعد، وأعراف، وقيم ثقافية دلالية مشتركة. فالإنسان لا يستجيب للمثير بصفته كتلة طاقة فيزيائية، بل يستجيب لـ «المعنى» الذي يضفيه على ذلك المثير؛ فالإشارة الحمراء لا توقف سائق السيارة بفعل حاجز فيزيائي يمنع مركبته، بل لأن السائق يفهم قاعدة المرور المعيارية ويدرك الالتزام الأخلاقي والقانوني المترتب عليها.
3.3 استعادة الفاعلية الإنسانية وإنتاج المعنى
كان الهدف الأسمى لمشروع روم هاري السيكولوجي هو استعادة المكانة الضائعة لـ «الفاعل الإنساني» (Human Agency) في العلوم الاجتماعية؛ حيث رأى أن الإنسان كائن يتمتع بقدرة فريدة على «المراقبة الذاتية» (Self-monitoring)، والتدبر، والتأمل في أفعاله الخاصة، وتعديل مسار سلوكه في ضوء القواعد والمعايير التي يؤمن بها ويشترك فيها مع جماعته الثقافية. الفاعل البشري ليس محكوماً بالماضي فحسب، بل هو كائن موجه نحو المستقبل، يبني خططاً، ويضع استراتيجيات، ويفسر ما يدور حوله بوعي مستمر.
أعاد هاري تعريف «المعنى» (Meaning) و«القصدية» (Intentionality) بوصفهما الركيزتين الوجوديتين اللتين لا غنى عنهما لتفسير الفعل الاجتماعي. فالفعل الإنساني لا يمكن اختزاله في معطياته العضلية الظاهرة، بل يتشكل جوهره من المقاصد والغايات التي ينسبها الفاعل إلى سلوكه، والتي يعترف بها المحيطون به داخل إطار ثقافي محدد. وبالتالي، فإن تفسير السلوك البشري لا يتطلب البحث عن قوانين فيزيائية مجهولة، بل يتطلب فك شفرة المعاني، وفهم الأهداف، وتحديد القواعد التداولية التي استند إليها الفرد في تصرفه.
من هذا المنطلق الثوري، تمت إعادة تعريف علم النفس برُمّته في فكر روم هاري؛ حيث تحول من كونه علماً يبحث في «الميكانيزمات السببية المادية والحتميات البيولوجية» إلى كونه علماً يدرس «القواعد والممارسات المعنوية والتواصلية» التي يستعين بها الأفراد لإنتاج أفعالهم وتبريرها في الحياة الاجتماعية اليومية. أصبح علم النفس بهذا المعنى علماً للفعل الأخلاقي والثقافي الهادف، الذي يستمع إلى ما يقوله البشر عن أنفسهم بجدية متناهية، بدلاً من تكذيبهم وفرض تنظيرات خارجية مصطنعة عليهم.
4. المنهج الإيثوجيني (Ethogenics): استكشاف قواعد الفعل البشري
لم يكتفِ روم هاري بتقديم النقد الفلسفي لعلم النفس التقليدي، بل طوّر بديلاً منهجياً متكاملاً أطلق عليه اسم «المنهج الإيثوجيني» (Ethogenics: أو علم توليد الأفعال السلوكية). سعى هاري من خلال هذا المنهج إلى دراسة السلوك الإنساني في سياقاته الحية الطبيعية كظاهرة ثقافية تحكمها قواعد ومعايير يمكن كشفها واستكشاف آلياتها التوليدية.
4.1 أصول ومبادئ المقاربة الإيثوجينية
استلهم روم هاري مصطلح ومنطق «الإيثوجينيا» من علم سلوك الحيوان الكلاسيكي المعروف باسم «الإيثولوجيا» (Ethology)، والذي اشتهر بدراسة سلوك الكائنات الحية داخل مواطنها الطبيعية المفتوحة بدلاً من دراستها في أقفاص المختبرات المصطنعة، كما فعل رواد مثل نيكو تينبرغن وكونراد لورنتس. غير أن هاري أجرى تحويلاً جذرياً وعميقاً على هذه المقاربة لتلائم طبيعة الكائن الإنساني؛ فبينما يدرس عالم الإيثولوجيا الحيوانات عبر الملاحظة الخارجية لسلوكياتها الغريزية غير اللغوية، يدرك الباحث الإيثوجيني أن البشر كائنات ناطقة، واعية، وتمتلك لغة تشرح بها ما تفعل وتضفي عليه شرعية ومعنى.
تقوم الإيثوجينيا على مبدأ أساسي مفاده أن بنية الحوادث الاجتماعية (Social Episodes) لا تنشأ من تلقاء نفسها ولا تُفرض بقوانين ميكانيكية، بل يتم توليدها بنشاط من قِبل الأفراد أنفسهم بناءً على فهمهم المشترك للواقع الذي يعيشونه. ومن هنا، يرفض المنهج الإيثوجيني رفضاً قاطعاً التفسير الميكانيكي المستعار من الفيزياء الكلاسيكية، ويستبدله بمبدأ «التفسير التواصلي والدلالي»؛ حيث تصبح مهمة الباحث هي تفكيك البنية المنطقية والرمزية للحوادث الاجتماعية، واستجلاء النماذج الثقافية الكامنة التي توجه مساراتها وتحدد بداياتها ونهاياتها ونقاط التحول فيها.
يؤسس هذا المنهج لمفهوم «العالم المزدوج للإنسان»؛ فالإنسان يعيش في نظام فيزيائي للأشياء يخضع للضرورة الطبيعية، لكنه يعيش في الوقت نفسه، وبصورة أكثر حسماً ومركزية، في «نظام رمزي وأخلاقي» يتم إنتاجه وتجديده عبر الحديث واللغة المتبادلة. وبالتالي، فإن الهدف النهائي للبحث الإيثوجيني ليس التنبؤ الإحصائي بما سيفعله البشر كأجسام، بل الفهم العميق للكيفية التي ينسقون بها أفعالهم كأشخاص، وكيف ينجحون في الحفاظ على النظام الاجتماعي أو خرقه أو إعادة تشكيله.
4.2 التمييز الجوهري بين الأفعال والحركات
من أهم الركائز الابستمولوجية للمنهج الإيثوجيني التمييز الحاسم والدقيق الذي وضعه روم هاري بين «الحركات البدنية الفيزيائية» (Physical Movements) و«الأفعال الاجتماعية ذات المعنى» (Meaningful Social Actions). يرى هاري أن الخلط بين هذين المستويين هو السبب الرئيسي في تخبط علم النفس والعلوم السلوكية، وإهدار مليارات الساعات في أبحاث عديمة الجدوى تحاول قياس انقباضات العضلات بدلاً من فهم معاني التصرفات.
لتوضيح ذلك، يقدم هاري مثاله الكلاسيكي الشهير: إن حركة اليد ورفع الذراع في الهواء بزاوية معينة وسرعة محددة هي «حركة بدنية» (Movement) يمكن رصدها وتصويرها وقياسها فيزيائياً وعصبياً. ولكن هذه الحركة ذاتها، بنفس التفاصيل المادية العضلية الصامتة، قد تعني في مواقف اجتماعية مختلفة أشياء متباينة جذرياً؛ فقد تكون تحية لصديق عابر في الشارع، أو تصويتاً بالموافقة على قرار مصيري في برلمان، أو إشارة تكتيكية لإيقاف حافلة، أو أداءً لقسم قانوني داخل محكمة، أو مزايدة علنية في مزاد تجاري لبيع تحفة نادرة. إن الحركة البدنية واحدة، لكن «الفعل الاجتماعي» (Action) متعدد ومختلف تماماً في كل حالة.
يبرهن هاري على أن ما يحول الحركة البيولوجية الخام إلى فعل إنساني ذي دلالة هو السياق الثقافي والمعياري، والنظام الدلالي التداولي الذي يحيط بها. الأفعال ليست خصائص فيزيائية للأجساد، بل هي كينونات اجتماعية يتم خلقها وتثبيتها عبر التوافق المشترك بين الفاعلين على مقاصد السلوك ومحدداته المعنوية. وبناءً على ذلك، فإن دراسة السلوك البشري دون الرجوع إلى القواعد الثقافية التي تمنح الحركات معانيها كأفعال هو أشبه بمحاولة فهم لعبة الشطرنج بمجرد دراسة التركيب الكيميائي للخشب المصنوعة منه قطع اللعبة، متجاهلين قواعد الحركة، والافتتاحيات، وقواعد النصر والهزيمة.
4.3 القواعد والخطط الاجتماعية كمرشدات للسلوك
ينظر المنهج الإيثوجيني إلى السلوك الاجتماعي بوصفه عملاً عقلانياً موجهاً بـ «القواعد والخطط» (Rules and Plans)؛ حيث يتصرف الأفراد في حياتهم اليومية كممثلين يمتلكون قدراً من الوعي والمهارة، ويتبعون سيناريوهات ثقافية وخططاً مضمرة ومرنة تمكنهم من خوض الحوادث الاجتماعية بنجاح وتفادي الفوضى أو الإحراج الاجتماعي. ليست القواعد هنا حتميات جبرية تسلب الحرية، بل هي «موجهات ومصادر استرشادية» يتكئ عليها الأفراد لتنظيم تفاعلاتهم وفهم ما هو ملائم أو غير ملائم في لحظة زمنية معينة.
في هذا الإطار، ركز روم هاري تركيزاً مكثفاً على المنهج الإيثوجيني في دراسة ما يُعرف بـ «التبريرات وتقديم الحسابات اللفظية» (Accounts)؛ أي تلك الروايات والقصص والتفسيرات التي يقدمها الأفراد عندما يُسألون عن أسباب تصرفاتهم أو يواجهون اتهامات بانتهاك القواعد المتبعة. اعتبر هاري أن هذه الروايات اللفظية ليست مجرد تبريرات كاذبة بأثر رجعي، بل هي نوافذ معرفية لا تقدر بثمن تكشف عن البنية العميقة للمنظومات الأخلاقية والقواعدية التي يعتمد عليها المجتمع لإضفاء الشرعية على السلوكيات أو إدانتها.
تجلت القوة التفسيرية للمنهج الإيثوجيني بوضوح تام في الدراسة الميدانية التاريخية التي قادها روم هاري مع بيتر مارش وبات روزر، والتي نُشرت في كتابهم الكلاسيكي المشهور The Rules of Disorder (1978). درس الباحثون ظاهرة «شغب ملاعب كرة القدم» (Football Hooliganism) بين جماهير الشباب البريطانيين، وهي الظاهرة التي كانت تصفها وسائل الإعلام وعلم النفس التجريبي آنذاك بأنها سلوك همجي غير عقلاني، وحيواني، وتفجر أعمى للعدوانية الغريزية. لكن التحليل الإيثوجيني المعمق للحوارات، والمشاهدات الطبيعية، وحسابات المشجعين أنفسهم، كشف عن مفاجأة مذهلة: إن أحداث الشغب في الملاعب لم تكن فوضى عارمة كما تبدو للعين السطحية، بل كانت طقوساً معقدة وشديدة التنظيم تحكمها قواعد صارمة ودقيقة تشبه طقوس النزال القديمة؛ حيث توجد قواعد غير مكتوبة تحدد من يجوز استهدافه، وكيفية إظهار الشجاعة، وحدود التصعيد الجسدي التي نادراً ما تتجاوز مجرد الاستعراض الرمزي لإثبات الكرامة والدفاع عن السمعة. لقد برهن هاري وفريقه على أنه حتى في أكثر السلوكيات عنفاً وظاهرية في الفوضى، يظل الإنسان كائناً يبحث عن النظام، والشرف، والمعنى الاجتماعي وفق قواعد محددة.
5. علم النفس الخطابي وبناء المعرفة النفسية
مع اتساع مشروعه الفكري، كان روم هاري أحد القادة البارزين لما يُعرف بـ «الانعطاف اللغوي» (Linguistic Turn) في العلوم الاجتماعية؛ حيث ساهم بقوة، إلى جانب باحثين مثل ديريك إدواردز وجوناثان بوتر، في تأسيس «علم النفس الخطابي» (Discursive Psychology). انطلق هذا الاتجاه من فرضية راديكالية ترى أن العمليات العقلية والنفسية ليست كيانات داخلية غامضة تقبع داخل الجمجمة، بل هي ممارسات خطابية ورمزية تتبلور في الفضاء التفاعلي بين البشر.
5.1 الانعطاف اللغوي وتأثير فتغنشتاين المتأخر
تأثر روم هاري تأثراً تأسيسياً عميقاً بالفلسفة المتأخرة للودفيغ فتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein)، ولا سيما أطروحاته الثورية في كتابه الشهير تحقيقات فلسفية (Philosophical Investigations). استلهم هاري مفاهيم فتغنشتاين المحورية مثل «ألعاب اللغة» (Language-games) و«أشكال الحياة» (Forms of life)، ليعيد بها صياغة فهم الظواهر النفسية بالكامل. رفض هاري فكرة أن اللغة مجرد نظام تسميات تُطلق على أشياء وأفكار قائمة مسبقاً في عالم داخلي معزول، واستبدلها برؤية اللغة كـ «ممارسة ونشاط اجتماعي علني» يتحدد معنى ألفاظه وسياقاته من خلال استخدامه التداولي داخل الجماعة.
وفق هذا المنظور الفتغنشتايني، تصبح المفاهيم النفسية مثل: التفكير، والتذكر، والنية، والشك، والتخيل ليست حالات عقلية خاصة وباطنية يراقبها الشخص وحده بـ «الاستبطان»، بل هي مهارات اجتماعية ومعيارية يتم تعلمها وممارستها في إطار قواعد لغوية عامة ومشتركة. فالطفل لا يتعلم كلمة «ألم» لأنه يطابقها مع مادة عصبية داخلية، بل يتعلم التعبير عن الألم كجزء من لعبة لغوية تحل محل الصراخ الطبيعي، وتستدعي تعاطف ومساعدة الآخرين وفق شكل محدد للحياة الإنسانية.
أكد هاري أن البنى النفسية لا تسبق الخطاب، بل «تُبنى وتُعاش وتُصان» داخل المحادثات اليومية والأنشطة المشتركة. لقد نقل هاري دراسة العقل من مستنقع الذاتية الفردية المنعزلة (Solipsism) إلى رحاب الفضاء العام المشترك؛ فالمفاهيم العقلية هي أدوات خطابية نستخدمها لإنجاز مهام اجتماعية وأخلاقية محددة: كتبرير أفعالنا، أو تحميل الآخرين المسؤولية، أو إظهار الالتزام والوفاء، وهي ممارسات ترتبط جذرياً بطبيعة اللغة الحوارية.
5.2 نقد النموذج الديكارتي للعقل المعزول
وجّه روم هاري نقداً كاسحاً وممنهجاً لـ «الأسطورة الديكارتية» (The Cartesian Myth) التي هيمنت على الفلسفة الغربية منذ رينيه ديكارت، وتسللت منها إلى صميم علم النفس المعرفي التقليدي. تقوم هذه الأسطورة على ثنائية حادة تقسم العالم إلى جوهرين مستقلين: مادة ممتدة غير مفكرة (الجسد)، وجوهر مفكر غير مادي وغير ممتد (العقل). نتج عن هذا التصور الزائف، حسب هاري، خلق «شبح داخل الآلة»؛ أي فكرة وجود عالم داخلي عقلي وسري ومنفصل تماماً عن المجتمع، يشاهد فيه الفرد أفكاره ومشاعره كما لو كان يشاهد مسرحاً خاصاً به لا يراه أحد سواه.
أوضح هاري التهافت المنطقي والعملي لهذا النموذج الديكارتي؛ حيث بيّن أن صياغة العقل كـ «جوهر» أو «كيان» مستقل (Substance) هي مغالطة لغوية ناشئة عن سوء فهم لقواعد النحو (Reification Fallacy). العقل عند هاري ليس مكاناً ولا شيئاً يمكن العثور عليه، بل العقل هو «مجموعة من القدرات والمهارات والممارسات الخطابية» التي يمارسها الشخص الإنساني في العالم المشترك. العقل ليس ما نمتلكه في رؤوسنا، بل هو ما نفعله بكفاءة في تفاعلاتنا مع الآخرين ومع الأشياء المحيطة بنا.
استند هاري في هذا التفكيك إلى أطروحات عالم النفس الروسي ليف فيغوتسكي (Lev Vygotsky)، مبيناً أن العمليات المعرفية العليا لا تنبثق من الداخل الفردي نحو الخارج، بل تسير في مسار معاكس تماماً: من الخارج الاجتماعي إلى الداخل الشخصي. فالتفكير الفردي الصامت ليس سوى «محادثة اجتماعية تم استبطانها» (Internalized Conversation) عبر امتلاك اللغة؛ حيث يتحاور الفرد مع نفسه مستخدماً المفاهيم، والكلمات، والمعايير التي اكتسبها أصلاً من بيئته الثقافية والتفاعلية. وبذلك، نسف هاري فكرة العقل المعزول مؤكداً أن الإنسان كائن اجتماعي في صميم بنيته المعرفية الأكثر حميمية وعزلة.
5.3 المحادثة بوصفها الواقع الوجودي الأولي
في كتابه التأسيسي بالغ الأثر The Discursive Mind (1994)، الذي وضعه بالاشتراك مع جيل ستيفرز (Gillett Grant)، أعلن روم هاري عن أطروحته الوجودية الكبرى: «المحادثة هي الواقع الاجتماعي والأخلاقي والوجودي الأولي للبشر» (Conversation is the primary reality). يعني هذا المبدأ الجذري أن العالم الاجتماعي بأكمله، بمؤسساته، وقوانينه، وثقافاته، وهياكله النفسية، ينبثق باستمرار ويتجدد من خلال تدفق الأفعال الكلامية والمحادثات المتبادلة بين الناس في الزمن الفعلي.
يرى علم النفس الخطابي عند هاري أن المحادثة ليست مجرد أداة ثانوية لتبادل المعلومات ونقل الرسائل الجاهزة من عقل إلى عقل، بل هي «الرحم التوليدي» الذي تتشكل فيه العقول ذاتها وتنبثق منه التصورات والهويات. في كل محادثة يومية بسيطة، لا يقوم المتحدثون بتبادل الكلمات فحسب، بل يقومون بتوزيع الحقوق والواجبات، وإنتاج معايير الحقيقة والخطأ، وبناء علاقات القوة والتضامن، وتحديد من يحق له الحديث ومن يجب عليه الصمت.
تأسيساً على ذلك، قدّم روم هاري علم النفس الخطابي كبديل ابستمولوجي شامل لـ «علم النفس المعرفي المعالج للمعلومات» (Computational Cognitivism). رفض هاري تشبيه العقل بالحاسوب والبرمجيات الصامتة؛ لأن الحواسيب تعالج الرموز الصورية (Syntax) بناءً على قواعد ميكانيكية عمياء دون أي فهم لـ «الدلالة» (Semantics) أو حس بـ «المعيارية والأخلاق» (Normativity). الإنسان لا يحلل المدخلات كمصفوفات رقمية، بل يعيش داخل حوار مستمر غارق في الدلالات والمقاصد الأخلاقية، مما يجعل دراسة تفاعل الأفراد في الزمن الفعلي المنطلق الأوحد لفهم الهياكل المعرفية الحقيقية.
6. نظرية التموضع (Positioning Theory): تفكيك ديناميات التفاعل
تُعد «نظرية التموضع» (Positioning Theory) التتويج الفكري الأكثر إشراقاً وشهرة عالمية لمشروع روم هاري؛ حيث طورها في تسعينيات القرن الماضي بالتعاون مع باحثين بارزين مثل لوك فان لانغنهوف (Luk van Langenhove) وبرونوين ديفيز (Bronwyn Davies). قدمت هذه النظرية إطاراً تحليلياً فائق الحركية والمرونة، تجاوز جمود النظريات السوسيولوجية والسيكولوجية التقليدية، وأحدث ثورة تطبيقية في مجالات تبدأ من دراسة الخطاب اليومي وتصل إلى تحليل العلاقات الدولية وحل النزاعات المسلحة.
6.1 التحول من مفهوم الدور الثابت إلى التموضع المرن
انطلقت نظرية التموضع من نقد ابستمولوجي حاد وجهه روم هاري لمفهوم «الدور الاجتماعي» (Social Role) البنيوي والمستقر في السوسيولوجيا التقليدية المستندة إلى الوظيفية البنيوية عند تالكوت بارسونز، والنموذج المسرحي لإرفينغ غوفمان. رأى هاري أن مفهوم «الدور» هو مفهوم شديد الجمود والصلابة والصورية؛ فهو يفترض أن الأفراد يرتدون أدواراً اجتماعية ثابتة وجاهزة مسبقاً تشبه أزياء الممثلين المسرحيين المسجلة في نصوص مقدسة ومغلقة (مثل دور الأب، أو المعلم، أو الطبيب، أو القاضي)، ويبقى الفرد محبوساً داخل متطلبات دوره حتى تنتهي المسرحية الاجتماعية.
أوضح هاري أن هذا التصور يعجز كلياً عن تفسير السيولة التفاعلية، والتغيرات المجهرية المفاجئة، والمناورات الخطابية المعقدة التي تحدث في محادثات الحياة اليومية المستمرة. من هنا، نحت هاري مفهوم «التموضع» (Positioning) بوصفه بديلاً ديناميكياً متحركاً يعرفه بأنه: «العملية الخطابية والتفاعلية المرنة التي يتم من خلالها تخصيص، أو قبول، أو رفض، أو انتزاع شبكة من الحقوق والواجبات والموجبات الأخلاقية في سياق تواصل عيني ومحدد».
التموضع ليس قالباً هيكلياً ثابتاً، بل هو حالة متغيرة باستمرار مع كل جملة، وكل نظرة، وكل حركة كلامية تنطق في الحوار؛ فقد يدخل شخصان في محادثة بصفتهما المهنية الرسمية (طبيب ومريض مثلاً)، ولكن في غضون ثوانٍ معدودة وبفضل تعليق عابر أو نبرة صوت معينة، قد «يتموضع» المريض كخبير مطلع يصحح معلومة، بينما يتموضع الطبيب في موقع المدافع أو المقصر. هذا التدفق الحي للحوار يكشف أن المواقع الاجتماعية ليست معطيات مسبقة، بل هي إنجازات خطابية تتفاوض عليها الأطراف في الزمن الفعلي.
6.2 المثلث التفاعلي لنظرية التموضع
صاغ روم هاري بنية نظرية التموضع من خلال نموذج تحليلي أنيق وعبقري يُعرف بـ «المثلث التفاعلي للتموضع» (The Positioning Triad)؛ حيث يرى أن أي حدث تواصلي أو تفاعل خطابي يتشكل بالضرورة من ثلاثة أركان مترابطة ترابطاً عضوياً ومتبادلاً، لا يمكن فهم أحدها بمعزل عن الآخرين، وهي:
- ركن المواقع الخطابية (Positions): يشير هذا الركن إلى المنظومة الأخلاقية التداولية التي تحدد ما يحق للطرف قوله أو فعله وما لا يحق له في تلك اللحظة؛ أي توزيع «الحقوق والواجبات الخطابية» (Moral Rights and Duties). فعندما يتموضع شخص ما كـ «خبير»، فإنه يمنح نفسه الحق في إصدار الأحكام وتوجيه النصائح، ويفرض على الآخر واجب الاستماع والامتثال. وإذا تَموضع طرف كـ «ضحية»، فإنه يطالب بحق التعاطف والإنصاف ويعفي نفسه من واجبات معينة.
- ركن أفعال الكلام (Speech Acts): يستند هذا الركن مباشرة إلى تراث ج. ل. أوستن اللغوي؛ حيث تُحلل العبارات ليس فقط من زاوية معناها الدلالي المباشر، بل من زاوية «قوتها الإنجازية» (Illocutionary Force) وأثرها الفعلي. فالكلمة الواحدة (مثل: «انتبه!») قد تكون تحذيراً ودياً، أو أمراً سلطوياً، أو تهديداً مبطناً، اعتماداً على الموقع الذي ينطلق منه المتحدث والقصة التي يندرج فيها الكلام.
- ركن خطوط الحبكة أو السرديات (Storylines): هو الإطار السردي والثقافي العام الذي يمنح التفاعل منطقه وسياقه المعنوي. نحن لا نتحدث في فراغ، بل نسكن دائماً سرديات وقصصاً مألوفة ثقافياً: كسردية «البطل والمنقذ»، أو «المعلم الحكيم والطالب الجاهل»، أو «المؤامرة والخيانة»، أو «العدالة والانتقام». هذا الخط السردي هو الذي يجعل بعض أفعال الكلام مفهومة ومشروعة ويجعل بعضها الآخر مرفوضاً أو غير ذي صلة.
يتميز هذا المثلث بخاصية الحركية الدائرية (Mutual Determinism)؛ فأي تغيير في ركن من الأركان الثلاثة يجر تلقائياً تغييراً في الركنين الآخرين؛ فطرح خط حبكة جديد يؤدي إلى إعادة توزيع المواقع وتغيير طبيعة أفعال الكلام الصادرة، وصدور فعل كلامي غير متوقع قد ينسف خط الحبكة القائم ويؤسس لمواقع تفاعلية جديدة كلياً.
6.3 التموضع المتعمد والتموضع القسري وإعادة التموضع
عمّق روم هاري وزملاؤه تصنيف ديناميات التموضع عبر التمييز بين أنماط متعددة من هذه الممارسة التفاعلية؛ حيث ميّزوا بين «التموضع الذاتي أو التأملي» (Reflexive Positioning)، وفيه يقوم الفرد طوعياً بوضع نفسه في موقع معين يختاره لنفسه (كأن يقول المتحدث: «أنا لست خبيراً لكنني أرى كذا…»، فيسقط عن نفسه واجب الإحاطة العلمية الصارمة ويحمي رأيه من النقد العلمي القاسي)، وبين «التموضع التفاعلي» (Interactive Positioning)، وفيه يقوم طرف بفرض موقع معين على طرف آخر من خلال خطابه وطريقة مخاطبته له (كأن يخاطب مديرٌ موظفَه بنبرة أبوية قائلاً: «أنت لا تزال صغيراً على فهم هذه التعقيدات»، فيموضعه قسراً في موقع العاجز والجاهل).
كما سلطت النظرية الضوء على «التموضع القسري» (Coercive Positioning)، الذي يُمارس في سياقات الهيمنة الاجتماعية والسياسية والمؤسساتية؛ حيث تُحرم فئات معينة، بناءً على الجندر، أو العرق، أو الطبقة، من حقوق خطابية أصيلة، كأن يُصنف الأفراد مسبقاً بأنهم «غير عقلانيين»، أو «خطرون»، أو «متطرفون»، مما يسلبهم حق المشاركة المتكافئة في الحوار وتبرير مواقفهم. إن مثل هذا التموضع لا يمثل مجرد رأي شخصي، بل هو ممارسة سلطوية رمزية تهدف إلى الهيمنة وإقصاء الآخر من الفضاء الأخلاقي المعترف به.
وفي مواجهة هذا التعسف الرمزي، طوّر هاري مفهوم «إعادة التموضع أو التموضع المضاد» (Counter-Positioning)؛ وهي الآلية الاستراتيجية التي يلجأ إليها الأفراد والجماعات لمقاومة ورفض المواقع الظالمة المفروضة عليهم خطابياً. يتم التموضع المضاد إما من خلال تفكيك السردية المهيمنة وطرح سردية بديلة تقلب الأدوار، أو من خلال التشكيك في شرعية سلطة الطرف الآخر وحقه في توزيع المواقع أصلاً. فتحت هذه الأبعاد التحليلية لنظرية التموضع آفاقاً بالغة الثراء لفهم صراعات الهوية، والتحيزات الاجتماعية، وكيفية إعادة التفاوض على المكانة والاعتراف داخل المجتمعات الإنسانية.
7. بنية الذات والشخصية في فكر روم هاري
تُعد مسألة «الذات» (The Self) والهوية الشخصية من أعقد الإشكاليات التي خاض فيها روم هاري بقلمه الفلسفي الحاد. ففي مواجهة النزعات الجوهرانية التي ترى الذات كجوهر روحي أو عقلي باطن، وفي مواجهة النزعات المادية التي تختزلها في دوائر عصبية بالدماغ، قدم هاري طرحاً سيكولوجياً ولغوياً بالغ الدقة والأصالة يعيد بناء مفهوم الذات انطلاقاً من استخدامات اللغة العادية والنظام النحوي.
7.1 الذات كبنية نحوية لا ككيان جوهري
في أطروحاته الشهيرة، خاصة في كتابه Being a Person: A Study of Personal Identity ومقالاته اللاحقة، أكد روم هاري أن «الذات ليست شيئاً يمتلكه الشخص، ولا هي عضواً سيكولوجياً مخفياً داخل الرأس». انتقد هاري بشدة النزوع الفلسفي الشائع إلى تجسيد المفاهيم (Reification)؛ حيث يظن الناس أنه طالما توجد كلمة اسمها «الذات» (The Self)، فلابد أن يقابلها «كيان حقيقي» ملموس يقبع في مكان ما داخل النفس أو المخ، وهو ما يماثل الاعتقاد بوجود شبح أسطوري يحرك الجسد.
بيّن هاري، متكئاً على التحليل اللغوي الفتغنشتايني، أن الذات هي بالأساس «أداة نحوية وتركيبية» (A Grammatical Fiction / Device). يتجلى ذلك بوضوح ساطع في الكيفية التي نستخدم بها ضمير المتكلم «أنا» (The First-Person Pronoun ‘I’) في اللغة الطبيعية؛ فالضمير «أنا» لا يقوم بوظيفة الإشارة إلى جوهر داخلي أو مادة خفية، بل يعمل تماماً مثل أداة الإشارة المادية «هنا» (Here) في المكان، و«الآن» (Now) في الزمان. حين أقول: «أنا أعدك بكذا»، أو «أنا أشعر بالخوف»، فإنني لا أصف كياناً داخلياً اسمه الذات، بل أقوم بتحديد «الموقع المرجعي» لجسدي في المكان والزمان، والأهم من ذلك أنني أتحمل «المسؤولية الأخلاقية» عن هذا القول والفعل.
الذات إذن ليست جوهراً ميتافيزيقياً ثابتاً، بل هي طريقة وأسلوب نتبناه في الحديث والتواصل مع الآخرين للتعامل مع أفعالنا، وإسناد المسؤوليات، وربط تجاربنا الشخصية المتفرقة في خيط ناظم واحد. نحن نتعلم أن نكون «ذواتاً» من خلال اكتساب قواعد النحو التداولي لمجتمعنا اللغوي، تلك القواعد التي تفرض علينا استخدام صيغة المتكلم لتقديم التبريرات والمحاسبة الذاتية، وتحويل السلوك من مجرد حركات غريزية إلى ممارسات شخصية مسؤولة.
7.2 النموذج الثلاثي للذات (Self 1, Self 2, Self 3)
لتفكيك اللبس والخلط المفاهيمي الهائل الذي يحيط بمصطلح «الذات» في الأدبيات الفلسفية والنفسية، اقترح روم هاري نموذجاً تحليلياً ثلاثي المستويات يتميز بصرامة منطقية رفيعة؛ حيث قسّم مفهوم الذات إلى ثلاثة أوجه متمايزة بنيوياً، ولكنها متكاملة وظيفياً:
- الذات الأولى (Self 1) – نقطة المركز المرجعية: هي الذات بوصفها مركزاً متفرداً للإدراك الحسي والوعي في المكان والزمان. إنها النقطة المرجعية الصامتة التي يرى الشخص من خلالها العالم؛ فأنا أرى الشجرة أمامي، والغرفة من حولي، والأصوات تأتي من جانبي. الذات 1 هي الموضع الهندسي والمكاني الذي تنبثق منه التجربة الظاهراتية، واستخدام ضمير «أنا» هنا هو تجسيد لكون الشخص موقعاً فريداً لا يمكن أن يشغله كائن آخر في اللحظة الزمنية ذاتها.
- الذات الثانية (Self 2) – الهوية المعرفية والاعتقادية: هي مجموع المعارف، والتصورات، والمعتقدات، والذكريات، والأحكام التي يمتلكها الشخص عن نفسه، وعن خصائصه الفردية، وقدراته، وماضيه، ومستقبله (وهي تقارب مفهوم «مفهوم الذات» Self-concept في علم النفس التقليدي). تختلف الذات 2 عن الذات 1 في أنها ليست نقطة مركزية ثابتة، بل هي بناء معرفي وسردي ديناميكي وقابل للمراجعة والنمو والتعديل مع مرور الوقت؛ حيث يمكن للشخص أن يغير رأيه في ذكائه، أو نزاهته، أو مهاراته بناءً على تجاربه الحياتية ومحادثاته مع الآخرين.
- الذات الثالثة (Self 3) – الهوية الاجتماعية والصورة العامة: هي الانطباع الاجتماعي، والشخصية المعروضة، والسمعة الأخلاقية (Personae) التي يقدمها الفرد أمام الآخرين في الفضاء التفاعلي العام؛ أي كيف يراني المحيطون بي في المشهد الاجتماعي. تتشكل الذات 3 وتتطور بناءً على أحكام المجتمع، والأعراف الثقافية، ونظرة المحيطين بنا إلى سلوكنا، وما إذا كانوا يصنفوننا كأشخاص موثوقين، أو شجعان، أو منافقين، أو أذكياء.
أوضح هاري أن الكثير من الاضطرابات النفسية والأخطاء الفلسفية تنبع من الخلط بين هذه المستويات الثلاثة؛ كأن يظن الفرد أن فقدان شيء من صورته الاجتماعية (الذات 3) أو تغير بعض معتقداته الشخصية (الذات 2) يمثل فناءً لمركزه الإدراكي والوجودي الأصيل (الذات 1)، أو أن يتوهم الباحثون أن الذات 1 هي جوهر مستقل يمكن دراسته كشيء مادي.
7.3 التمايز بين الشخص والكائن الحي والهوية الاجتماعية
من أجل إرساء أسس راسخة لعلم نفس أخلاقي غير اختزالي، وضع روم هاري تمييزاً ثلاثياً غاية في الأهمية بين المفاهيم التالية: «الكائن الحي البيولوجي» (The Organism)، و«الشخص الإنساني» (The Person)، و«الهوية الاجتماعية» (The Social Identity).
يرى هاري أن الكائن الحي هو ذلك الكيان البيولوجي المادي المكوّن من خلايا، وأنسجة، وجهاز عصبي، ويخضع بالضرورة للقوانين الفيزيائية والبيولوجية والداروينية، ويمكن دراسته بأساليب التشريح والطب والمختبر. أما الشخص فهو مفهوم أخلاقي وقانوني وحضاري مختلف تماماً؛ فالكائن الحي لا يولد شخصاً تلقائياً بمجرد خروجه من الرحم، بل يُمنح سمة «الشخص» ويترقى إليها عبر انخراطه في النظام الرمزي واللغوي لثقافة معينة. إن «الشخص» هو كائن يحظى بالاعتراف الاجتماعي بوصفه حاملاً لـ «الحقوق والواجبات»، وقادراً على تبرير أفعاله والمحاسبة الأخلاقية عليها أمام مجتمعه.
أما الهوية الاجتماعية فهي الشبكة المعقدة من المواقع، والأدوار، والتصنيفات التي تحتلها الشخصية داخل بنية مجتمعية معينة (مثل الهوية المهنية، أو الدينية، أو الوطنية). شدد هاري على أن الهوية الشخصية ليست قالباً صلباً وموروثاً، بل هي «سردية مستمرة ومتجددة» (Continuous Narrative) يبنيها الفرد ويصونها طوال حياته عبر أفعال الحكي والتذكر والتبرير؛ فنحن نخبر أنفسنا والآخرين دوماً بقصص عن من نكون، ومن أين أتينا، وإلى أين نتجه، وهذه السردية الحوارية هي ما يمنح وجودنا استمراريته وتماسكه الأخلاقي في مواجهة عواصف التغير الزمني.
8. البنائية الاجتماعية وتفسير الانفعالات والعواطف
اقتحم روم هاري أحد أكثر معاقل البيولوجيا رسوخاً في علم النفس: حقل «العواطف والانفعالات» (Emotions)؛ فبينما كانت النظريات السائدة تنظر إلى المشاعر الإنسانية كردود أفعال عضلية وعصبية وفسيولوجية غريزية تطورت بيولوجياً لتشترك فيها سائر الكائنات الثديية، أطلق هاري أطروحته الرائدة في البنائية الاجتماعية ليثبت أن الانفعالات الإنسانية هي في جوهرها ممارسات ثقافية ومعيارية تتدفق داخل ألعاب اللغة والأنظمة الأخلاقية المحلية.
8.1 نزع الصفة الطبيعية المحضة عن الانفعالات
في كتابه التأسيسي الرائد The Social Construction of Emotions (1986)، شن روم هاري هجوماً معرفياً متماسكاً على النزعة الطبيعية الساذجة والافتراضات الداروينية الصارمة التي روّج لها باحثون مثل بول إكمان وغيره، والتي ادّعت وجود حزمة من «الانفعالات الأساسية العامة» (مثل الغضب، والخوف، والحزن، والاشمئزاز، والمفاجأة) تتطابق تعبيراتها الوجهية والفسيولوجية بيولوجياً لدى جميع البشر عبر كل الأزمنة والأمكنة.
أوضح هاري أن هذه الرؤية البيولوجية تخلط خلطاً شنيعاً بين «الاستثارة الفسيولوجية الجسدية الخام» (Visceral / Bodily Arousal) وبين «الانفعال العاطفي الإنساني ذي الدلالة»؛ فارتفاع دقات القلب، وإفراز الأدرينالين، وتوتر العضلات، واحمرار الوجه هي مجرد استجابات فسيولوجية غامضة وعامة لا هوية محددة لها في حد ذاتها؛ إذ يمكن للحالة الجسدية ذاتها أن تكون تعبيراً عن غضب عارم، أو نشوة فرح طاغية، أو خوف شديد، أو حتى إجهاد بدني ناتج عن صعود الدرج. إن ما يحوّل هذه الاستثارة الجسدية إلى انفعال سيكولوجي محدد ليس الكيمياء الحيوية، بل هو «الحكم التقييمي المعياري» (Appraisal and Judgment) الذي يصدره الشخص في ضوء السياق الثقافي الذي يتواجد فيه.
برهن هاري على صحة طرحه بالاستناد إلى الدراسات الأنثروبولوجية المقارنة؛ حيث كشف عن وجود انفعالات وعواطف محددة في بعض الثقافات لا يوجد لها أي نظير لغوي أو اختباري في ثقافات أخرى. استشهد هاري بمفاهيم عاطفية فريدة مثل مفهوم «الأمايه» (Amae) في الثقافة اليابانية (وهو شعور عاطفي بالاعتماد المتبادل والرغبة في التمتع بتدليل ورعاية شخص آخر)، ومفهوم «إيفالوك» (Song) في غينيا الجديدة (وهو انفعال يرتبط بالحنق الأخلاقي والتوبيخ العام في إطار الشرف الجمعي)، ومفهوم «الشماتة» (Schadenfreude) في الألمانية. لو كانت العواطف نتاجاً مباشراً للدوائر العصبية البيولوجية المشتركة، لما وجدت هذه الفروق الجذرية؛ فالعواطف لا تُفرز من الغدد، بل تُصاغ داخل الثقافة وتُكتسب عبر تعلم المفردات الخطابية للجماعة.
8.2 النظام المعياري والخطابي للعواطف
حلل روم هاري الانفعالات بوصفها «أفعالاً ذات دلالة أخلاقية وأحكاماً قيمية» وليست مجرد أحاسيس سلبية عابرة تجتاح الإنسان رغماً عنه؛ فالغضب، على سبيل المثال، ليس مجرد فوران دموي داخلي، بل هو «موقف أخلاقي واحتجاج خطابي» ينبني على حكم ضمني بأن هناك خطأً قد ارتُكب، أو حقاً قد اغتُصب، أو قاعدة قد كُسرت بصورة غير مبررة. ومن هنا، فإن إظهار الغضب في مجتمع ما هو مطالبة علنية بالعدالة، أو تذكير بالحقوق، أو ممارسة لنوع من الضغط الاجتماعي لتصحيح خلل أخلاقي.
بيّن هاري أن كل مجتمع يمتلك ما يُعرف بـ «قواعد الشعور» (Feeling Rules) و«قواعد التعبير» الخطابية؛ حيث تملي المنظومة الأخلاقية المحلية للمجتمع متى يحق للفرد أن يغضب، وما هو الحجم المسموح به لهذا الغضب، وتجاه من يجوز إظهاره، وما هي الألفاظ والإيماءات المقبولة اجتماعياً للتعبير عنه. فالغضب على رئيس العمل تحكمه قواعد تختلف جذرياً عن الغضب على طفل صغير، والتعبير عن الحزن في مأتم يتبع طقوساً معيارية تمليها ثقافة الجماعة للحفاظ على التوازن والنظام الرمزي العام.
تتحول المفردات العاطفية في فكر هاري إلى أدوات سياسية وأخلاقية بامتياز؛ فعندما يصف شخص ما نفسه بأنه «مكتئب» أو «غيور» أو «فخور»، فإنه لا يقرر حقيقة بيولوجية صامتة، بل ينخرط في حركة تفاعلية تستهدف تعديل موقعه الأخلاقي في المحادثة، أو التملص من التزامات معينة، أو الحصول على دعم وتعاطف المحيطين به. وبهذا، كشف هاري عن الطبيعة الأدائية والإنجازية للعواطف في صميم التفاعل الاجتماعي الحي.
8.3 نقد الاختزال العصبي (Neuro-reductionism)
في مطلع القرن الحادي والعشرين، ومع الصعود الصاخب لعلوم الأعصاب والتقنيات الحديثة للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، وقف روم هاري سداً منيعاً ضد النزعة التي أطلق عليها اسم «الاختزال العصبي الفج» (Neuro-reductionism)، والتي سعت إلى تفسير سائر السلوكيات والظواهر الإنسانية المعقدة بردها حصرياً إلى إفرازات المشابك العصبية ونشاط القشرة الدماغية. اشترك هاري مع علماء وفلاسفة بارزين مثل بيتر هاكر (Peter Hacker) وماكس بينيت (Max Bennett) في تفكيك هذا النزوع المضلل.
حذر هاري من الوقوع في فخ ما يسمى فلسفياً بـ المغالطة الميريولوجية (The Mereological Fallacy)؛ وهي المغالطة المنطقية التي تتمثل في «عزو أفعال وخصائص تنتمي إلى الكائن الإنساني ككل، إلى جزء من أجزائه فقط». بيّن هاري أنه من الخطأ الفادح ابستمولوجياً ولغوياً أن نقول: «الدماغ يفكر»، أو «الدماغ يشعر بالذنب»، أو «الفص الجبهي يقرر»، أو «الناقلات العصبية تقع في الحب»؛ فالدماغ ليس فاعلاً أخلاقياً ولا هو شخص يقرأ ويكتب ويفهم، الدماغ عضو بيولوجي معقد لا يفكر ولا يعي. الفاعل الحقيقي الذي يفكر، ويشعر، ويتخذ القرارات، ويتحمل المسؤولية هو «الشخص الإنساني بكليته» (The Person as a whole) داخل مجتمعه وثقافته.
لم ينكر هاري للحظة واحدة الأهمية الحيوية الهائلة للدماغ والجهاز العصبي؛ حيث اعتبر أن سلامة البنية الدماغية هي «الشرط المادي والفيزيائي الضروري للقدرة على التفكير» (Enabling Condition)، ولكنها ليست «العلة التفسيرية التوليدية للمعنى» (Generative Cause). فالراديو ضروري لسماع الموسيقى، وإذا كسرنا دوائره الإلكترونية سينقطع الصوت، لكن دراسة ترانزستورات الراديو لن تفسر لنا أبداً عبقرية السيمفونية التاسعة لبيتهوفن أو معاني كلماتها وأبعادها الجمالية. وبالمثل، تظل دراسة الأعصاب عاجزة عن تفسير الظاهرة الإنسانية ما لم ندرك أولوية البعد الثقافي والرمزي والمعياري الذي يبنيه البشر عبر لغتهم المشتركة.
9. علم النفس الأخلاقي وفلسفة المسؤولية الإنسانية
يتميز المشروع الفلسفي لروم هاري بأنه ينتهي بالضرورة إلى صياغة رؤية متكاملة لـ «علم النفس الأخلاقي»؛ إذ اعتبر أن إبعاد البعد القيمي والأخلاقي عن دراسة السلوك البشري هو الخطيئة الكبرى التي قادت علم النفس إلى الانحدار والضحالة. فالإنسان عند هاري ليس كائناً يبحث عن إشباع الغرائز والحفاظ على التوازن البيولوجي فحسب، بل هو بالدرجة الأولى كائن أخلاقي مسكون بالرغبة في نيل الاحترام، وتأكيد الكرامة، والعيش وفق معايير الصواب والخطأ.
9.1 الفعل التواصلي كنشاط أخلاقي ومعياري
أكد روم هاري أن كل تفاعل إنساني، مهما بدا بسيطاً أو عابراً في ظاهره، هو بالضرورة «نشاط أخلاقي خاضع للمعيارية»؛ فحين يلتقي شخصان في حديث عابر، فإنهما يدخلان فوراً في شبكة غير مرئية من الالتزامات والواجبات والاستحقاقات المتبادلة. إن التحدث إلى الآخرين يتطلب ضمناً الالتزام بقواعد الصدق، والموثوقية، والاحترام المتبادل، والاعتراف بأهلية الطرف الآخر ككائن عاقل يستحق الاستماع.
طوّر هاري في هذا السياق مفهوم «النظام الأخلاقي المحلي» (The Local Moral Order)؛ وهو النسق الثقافي والمعياري الموضعي الذي يحكم جماعة معينة في سياق تاريخي ومكاني محدد، ويحدد بدقة تراتبيات المكانة، وحقوق الحديث، وقواعد السلوك المقبول والمرفوض. يختلف النظام الأخلاقي لعصابة شوارع عن النظام الأخلاقي لمجتمع أكاديمي، لكن كلا النظامين يفرضان معايير صارمة للصواب والخطأ يجب على المنتمين إليهما إدراكها والتنقل بين ثناياها ببراعة لتجنب الإدانة.
يرى هاري أن الدافع المحرك للسلوك البشري في كثير من الأحيان ليس المنفعة المادية الضيقة كما تدعي النظريات النفعية والاقتصادية الساذجة، بل هو «الرغبة في تأمين المكانة الأخلاقية والسمعة والاحترام» (The Quest for Respect and Dignity) داخل النظام الأخلاقي المحلي. فالبشر مستعدون للتضحية بأموالهم، بل وبأرواحهم ذاتها، من أجل الدفاع عن شرفهم، أو تجنب الخزي والإهانة الاجتماعية، وهو ما يؤكد أن المعيارية الأخلاقية هي المحرك الأكثر أصالة وعمقاً للفعل الإنساني.
9.2 التبريرات وتقديم الحسابات (Accounts) في الحياة اليومية
اهتم روم هاري اهتماماً استثنائياً بدراسة الظاهرة اللغوية التي تُعرف بـ «تقديم الحسابات والتبريرات» (Accounting Practices)، مستفيداً من أفكار أوستن، وسكوت وليمان (Scott & Lyman)؛ حيث يرى أن النظام الاجتماعي ليس آلة تعمل بسلاسة تامة، بل تعتريه باستمرار انتهاكات، وتصدعات، ومفارقات تنتج عن فشل الأفراد في تلبية التوقعات المعيارية أو ارتكابهم لأخطاء وتجاوزات.
في هذه اللحظات الحرجة من التعثر الاجتماعي، يلجأ الأفراد إلى ممارسة خطابية راقية لإصلاح الخلل الأخلاقي من خلال تقديم «الحسابات» (Accounts). ميّز هاري بدقة بين نوعين رئيسيين من هذه الحسابات:
- الأعذار (Excuses): وفيها يعترف الفرد بأن الفعل المرتكب خاطئ، أو سيئ، أو غير مرغوب فيه، لكنه يرفض تحمل المسؤولية الشخصية الكاملة عنه؛ متذرعاً بظروف قاهرة خارجة عن إرادته أو جهل غير مقصود (كأن يقول: «أعلم أن التأخر عن الاجتماع أمر غير لائق، لكن حركة المرور كانت متوقفة تماماً بسبب حادث سير مفاجئ»). العذر هنا يحافظ على سلامة القاعدة المعيارية ويعفي الفاعل جزئياً من العقاب الأخلاقي.
- المبررات (Justifications): وفيها يتحمل الفرد المسؤولية الكاملة عن ارتكاب الفعل، لكنه يرفض تصنيفه كفعل خاطئ أو سيئ، بل يدافع عن صوابه ومشروعيته في ضوء قيمة أخلاقية أسمى أو سياق استثنائي (كأن يقول: «نعم، لقد تحدثت بحدة وكسرت هدوء اللقاء، ولكن كان لابد من ذلك لمنع التعدي الصارخ على حقوق زميلي المستضعف»). المبرر هنا لا يتنصل من الفعل، بل يعيد صياغة معناه الأخلاقي.
أكد هاري أن دراسة هذه التبريرات ليست رصداً لأكاذيب سطحية، بل هي كشف للميكانيزمات السردية والرمزية التي يلجأ إليها البشر لـ «صيانة الوجه» (Face-saving)، وحماية السمعة الاجتماعية، واستعادة التناغم والتماسك التفاعلي، وتجنب العزل أو الإقصاء الاجتماعي، مما يجعلها عصب الحياة الأخلاقية اليومية.
9.3 الحرية والمسؤولية في مواجهة الحتمية النفسية
اتخذ روم هاري موقفاً فلسفياً صلباً وشجاعاً في معركة «الإرادة الحرة والمسؤولية الإنسانية» (Free Will and Responsibility)، رافضاً كل أشكال الجبرية النفسية (Psychological Determinism) والجبرية البيولوجية التي سعت إلى تصوير الإنسان كدمية مسلوبة الإرادة تتحكم فيها عقد الطفولة اللاشعورية وفق التحليل النفسي الفرويدي، أو تقوده شفرات الجينات والهرمونات وفق البيولوجيا الاختزالية.
عرّف هاري الإرادة الحرة تعريفاً واقعياً ولغوياً ناصعاً؛ فالإرادة الحرة عنده ليست قدرة ميتافيزيقية سحرية تعمل خارج قوانين الطبيعة الفيزيائية، بل هي «القدرة الواقعية للشخص على الاختيار الواعي والتصرف في ضوء القواعد والمعايير المفهومة، مع إمكانية تصرفه بشكل مختلف لو قرر ذلك». الحرية الإنسانية ترتبط مباشرة بامتلاك اللغة؛ فاللغة هي التي تمنحنا القدرة على تأمل البدائل، وصياغة الخطط المستقبلية، وتأجيل الرغبات الغريزية الفورية، وتقييم أفعالنا بميزان الصواب والخطأ قبل الإقدام عليها.
تأسيساً على ذلك، شدد هاري على أن إسقاط المسؤولية الأخلاقية عن الإنسان بدعوى الحتميات السيكولوجية أو العصبية هو تدمير للأسس التي تقوم عليها الحضارة، والعدالة، والقانون. فالمجتمع الإنساني يقوم على فرضية بديهية لا يمكن التخلي عنها وهي: أن الشخص الراشد كائن يمتلك الأهلية للمحاسبة (Accountable Agent). إن الاعتراف بإنسانية الإنسان يقتضي بالضرورة الاعتراف بحريته ومسؤوليته عن خياراته، ومعاملته كشخص أخلاقي وليس كآلة صامتة يجب ضبط براغيها بالمختبرات والعقاقير.
10. المنهجية والبحث النوعي في مشروع روم هاري
لم يكن روم هاري مجرد فيلسوف نظري يكتفي بالجدال المجرد، بل كان مجدداً منهجياً بارزاً ساهم بقوة في ثورة «البحث النوعي» (Qualitative Research) التي اجتاحت العلوم الإنسانية في الربع الأخير من القرن العشرين. قاد هاري التمرد على النماذج الكمية العمياء، واضعاً معايير جديدة للبحث تستمد قوتها من احترام الطبيعة الرمزية للحياة الاجتماعية.
10.1 التحليل السردي وتحليل الخطاب كأدوات بحثية مركزية
اعتمد المنهج الإيثوجيني وعلم النفس الخطابي عند روم هاري على اعتبار النصوص المكتوبة، والحوارات الشفهية الطبيعية، والتسجيلات التفاعلية بمثابة «البيانات الخام الأولية» ذات الصلاحية العلمية القصوى لدراسة الظاهرة النفسية والاجتماعية. رفض هاري تحويل سلوك البشر إلى درجات رقمية وجداول إحصائية صامتة، مؤكداً أن الحقيقة تكمن في تفاصيل الكلام وبنيته السردية الدقيقة.
طوّر هاري أدوات متقدمة في «تحليل الخطاب» (Discourse Analysis) تستهدف تفكيك المحادثات في سياقها الطبيعي غير المفتعل، للكشف عن الاستراتيجيات البلاغية والتموضعات الضمنية التي يستخدمها المتحدثون لإقناع الآخرين، أو لتثبيت سلطتهم، أو لمقاومة الهيمنة. كما ركز تركيزاً مكثفاً على «التحليل السردي» (Narrative Analysis)؛ منطلقاً من أن البشر كائنات حكّاءة تبني تجاربها وتفهم ماضيها وتشكل هوياتها من خلال صياغة قصص ذات حبكات درامية تمنح الأحداث الفردية والجمعية تماسكاً ومعنى.
من خلال هذا التحليل، يُظهر الباحث كيف تتدخل السرديات الثقافية المشتركة في توجيه التفكير والشعور الفردي؛ فذكرياتنا الشخصية ليست تسجيلاً أرشيفياً محايداً للأحداث كما يفعل شريط الفيديو، بل هي إعادة بناء سردية مستمرة يتم تنقيحها وصياغتها لتناسب مقتضيات الحاضر وتطلعات المستقبل، مما يجعل دراسة بنية السرد المدخل المنهجي الملكي لفهم العقل البشري.
10.2 دراسة الحالات المفردة مقابل النزعة التجميعية
دافع روم هاري بصلابة ابستمولوجية عن «المنهج الإفرادي أو دراسة الحالات الخاصة» (The Idiographic Approach)، ووقف بحزم ضد الهيمنة المطلقة لـ «المنهج الشمولي التجميعي» (The Nomothetic Approach) الذي يلهث خلف صياغة قوانين عامة للسلوك من خلال حشد أعداد هائلة من العينات وحساب متوسطاتها الحسابية وتشتتاتها الإحصائية.
أوضح هاري المغالطة المنطقية الفادحة الكامنة في الاعتماد الحصري على النماذج التجميعية؛ فالقول بأن متوسط ذكاء عينة مكونة من ألف شخص هو درجة معينة، أو أن 60% من عينة ما يتصرفون بعدوانية عند التعرض لمثير محدد، لا يقدم أي معرفة حقيقية أو فهم بنيوي لأي فرد محدد داخل تلك العينة. المتوسط الإحصائي هو اختراع رياضي تجريدي لا وجود له في الواقع العيني الملموس؛ فالمجتمع لا يتكون من «متوسطات»، بل يتكون من أفراد متفردين يمتلك كل منهم نسقاً معرفياً وأخلاقياً متكاملاً.
برهن هاري على أن الفهم العميق والمفصل لبنية وتطور حالة فردية واحدة (Single Case Study) مدروسة كـ «نظام متكامل ومغلق» يمكن أن يكشف عن الآليات والقدرات التوليدية للعقل البشري بدرجة تفوق بكثير ما يمكن أن تكشفه آلاف الاستبيانات السطحية والمغلقة. وطبق ذلك بمقارنة ذكية مع الكيمياء؛ حيث لا نحتاج إلى خلط الملايين من عينات الماء عشوائياً للوصول إلى طبيعتها، بل يكفي الفحص البنيوي العميق لمركب مائي واحد لمعرفة طبيعته السببية وخصائصه التوليدية.
10.3 معايير المصداقية والصلاحية في البحث الإيثوجيني
رفض روم هاري تطبيق معايير الصلاحية (Validity) والموثوقية (Reliability) التقليدية المستعارة من العلوم الفيزيائية على بحوث العلوم الإنسانية؛ إذ رأى أن تلك المعايير قائمة على فرضية خاطئة تفترض ثبات الظاهرة الاجتماعية وإمكانية تكرارها آلياً بمعزل عن الفواعل والسياق.
ابتكر هاري بدلاً من ذلك معايير جديدة ومبتكرة للمصداقية العلمية في البحث النوعي والإيثوجيني، كان في مقدمتها معيار «تصديق المشاركين وصلاحية التحقق التداولي» (Member Validation / Participant Validation). يتلخص هذا المبدأ الثوري في أن التحليل والتفسير الذي يقدمه الباحث الاجتماعي لا يكتسب شرعيته ومصداقيته من مجرد موافقة الأقران الأكاديميين في المجلات المحكمة، بل يكتسبها أولاً وقبل كل شيء من مدى اعتراف وتصديق الأفراد والمشاركين أنفسهم الذين خضع سلوكهم للدراسة؛ فإذا عُرض التحليل على الفاعلين وقالوا: «نعم، هذا بالضبط ما نقصده، وهذه هي القواعد الحقيقية التي كنا نسترشد بها في تصرفاتنا»، فإن التحليل يكون قد حقق صلاحيته الميدانية القصوى.
كما شدد هاري على مبدأ «الشفافية الانعكاسية» (Reflexivity)؛ الذي يفرض على الباحث الكشف الصريح والكامل عن سياقاته، وافتراضاته المسبقة، وخلفياته الثقافية، وطبيعة التفاعل الحي الذي دار بينه وبين المشاركين أثناء إجراء الدراسة؛ لأن الباحث ليس مراقباً فوتوغرافياً محايداً يقف خارج المشهد، بل هو مشارك خطابي يساهم في تشكيل المعنى المشترك، وتحقيق التوازن الدقيق بين الرصانة النظرية الصارمة والتعقيد الاجتماعي الحي هو المعيار الحقيقي للبحث العلمي الأصيل.
11. التطبيقات المعاصرة لأفكار روم هاري في حقول المعرفة
لم تبقَ تنظيرات روم هاري حبيسة الحقل السيكولوجي والفلسفي الضيق، بل تحولت أفكاره، وبخاصة «نظرية التموضع» والمقاربة الخطابية، إلى أدوات تحليلية بالغة الفاعلية اجتاحت عدداً كبيراً من حقول المعرفة الإنسانية المعاصرة، وقدمت حلولاً واستبصارات غير مسبوقة لمعضلات اجتماعية وسياسية وتربوية ملحة.
11.1 حل النزاعات ودراسات العلاقات الدولية
قدمت نظرية التموضع لروم هاري مساهمات باهرة في حقل العلوم السياسية ودراسات العلاقات الدولية وفض النزاعات المسلحة، وذلك بالتعاون الوثيق مع باحثين كبار مثل فتحعلي مقدم (Fathali Moghaddam). مكنت النظرية المحللين من تجاوز المقاربات الجيوسياسية المادية الجافة التي تختزل الصراعات الدولية في صراع موازين القوى والمصالح الاقتصادية، لتسلط الضوء على «الصراع السردي والخطابي» الذي يمهد للحروب ويغذي العداء.
كشفت الدراسات المستندة إلى فكر هاري كيف أن الصراعات الدولية الكبرى يتم إشعالها وإدامتها عبر ديناميات «التموضع المتبادل الخبيث»؛ حيث يقوم قادة الدول المتصارعة بتموضع ذواتهم خطابياً في موقع «المدافع الشريف عن الحضارة، أو الضحية النقية»، بينما يموضعون الخصم دائماً في موقع «المعتدي الهمجي، أو الخائن للعهود، أو الشيطان غير العقلاني الذي لا يجدي معه الحوار». هذا التموضع المتصلب يجرد الخصم من أي حقوق خطابية، ويعفي الذات من أي واجبات أخلاقية تجاهه، مما يجعل اللجوء إلى القوة والعنف أمراً حتمياً ومبرراً أخلاقياً في عيون الجماهير.
ومن ناحية أخرى، وفرت نظرية التموضع أطراً حوارية دبلوماسية بالغة الخصوبة لـ «تفكيك النزاعات وإعادة بناء جسور السلام»؛ حيث تُستخدم استراتيجيات التموضع المضاد المتبادل لخلخلة السرديات المتصلبة، وتشجيع الأطراف على التخلي عن مواقع الضحية المطلقة والعدو المطلق، والاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات الأخلاقية، مما يفتح مسارات جديدة للتفاوض الدبلوماسي القائم على العدالة الخطابية وتكافؤ المكانة.
11.2 المجال التربوي والبيئات التعليمية
شهد الحقل التربوي وتطوير المناهج التعليمية تطبيقات واسعة ومثمرة لنظريات روم هاري، لا سيما في فهم ديناميات التفاعل الصفي والتحصيل الدراسي؛ حيث تجاوزت البحوث الحديثة النظرة إلى غرفة الصف كبيئة لنقل المعلومات التلقينية، لتراها فضاءً تواصلياً تتفاوض فيه الهويات والمواقع باستمرار.
بينت الدراسات التي وظفت نظرية التموضع داخل الفصول الدراسية أن الدافعية الأكاديمية للطالب ونجاحه التعليمي لا يرتبطان فقط بقدراته العقلية الفطرية، بل يتأثران جذرياً بـ «المواقع الخطابية» التي يتيحها له المعلم وأقرانه في الصف. فالطالب الذي يتموضع باستمرار كـ «متعثر، أو بطيء الفهم، أو مشاغب» يُحرم عملياً من الحقوق الخطابية في المبادرة والمشاركة الإيجابية، وسرعان ما يستبطن هذا الموقع ليتحول إلى فشل أكاديمي واقعي بفعل التوقعات المعيارية المحيطة به.
كما سلطت أطروحات هاري الضوء على التموضع القائم على الجندر، أو العرق، أو الطبقة الاجتماعية داخل المدارس، موجهة النقد للممارسات التعليمية التقليدية. ودعت إلى تبني استراتيجيات تدريسية حوارية متقدمة تمكّن المتعلمين من أخذ مواقع «الفاعلين والشركاء في بناء المعرفة»، وتمنحهم صوتاً حراً وحقاً كاملاً في السؤال والاعتراض والتفكير النقدي، مما يحول البيئة المدرسية من مؤسسة للهيمنة والقولبة إلى فضاء للنمو العقلي والأخلاقي والتحرر المعرفي.
11.3 الديناميات التنظيمية والعمل الجماعي
في ميدان إدارة الأعمال وعلم الاجتماع التنظيمي، أحدثت أفكار روم هاري نقلة نوعية في تحليل ديناميات القيادة، والعمل الجماعي، وثقافة المؤسسات والشركات. انتقد الباحثون التنظيميون النماذج الإدارية الكلاسيكية التي تنظر إلى المؤسسة كهيكل هرمي صلب من المكاتب والتعليمات المكتوبة، وتبنوا بدلاً منها المقاربة الإيثوجينية والخطابية التي ترى المؤسسة كـ «شبكة مستمرة من المحادثات والتفاوضات اليومية».
أظهر تطبيق مفهوم التموضع في بيئات العمل كيف تتشكل الصراعات الوظيفية وتتعطل المشاريع ليس بسبب نقص الكفاءة الفنية، بل بسبب «الاحتكار غير المشروع للمواقع الخطابية وحقوق اتخاذ القرار»؛ فحين يمارس المدير تموضعاً قسرياً يحرم فيه الموظفين من حق إبداء الرأي أو تقديم التبريرات المنطقية لأخطائهم، تنشأ بيئة تنظيمية سامة تسودها السلبية والتموضع الدفاعي واللامبالاة الوظيفية.
وقد استُخدم التحليل الإيثوجيني بنجاح باهر في تحسين استراتيجيات التواصل الداخلي وتسهيل «إدارة التغيير المؤسسي»؛ حيث يساعد القادة الإداريين على فهم السرديات المحلية للعاملين، ومشاركة السلطة الخطابية، وتوزيع الحقوق والواجبات بعدالة وإشراك الجميع في رسم خطوط الحبكة السردية لمستقبل المؤسسة، مما يفجر الطاقات الإبداعية الكامنة ويوطد التماسك الأخلاقي داخل فرق العمل.
12. التقييم النقدي والإرث الدائم لروم هاري في الفكر النفسي
يقف الإرث الفكري لروم هاري شامخاً بين أعظم الإنجازات الفلسفية والسيكولوجية في القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين؛ غير أن هذا المشروع العملاق لم يكن بمعزل عن المساجلات الفكرية والنقاشات النقدية الساخنة التي أثارها ولا يزال يثيرها في مختلف الأوساط الأكاديمية عبر العالم.
12.1 الانتقادات والمناقشات الفكرية حول أطروحاته
واجهت أطروحات روم هاري عدداً من الاعتراضات النقدية الجادة التي وجهها إليه باحثون ينتمون إلى مدارس فكرية متباينة؛ كان في مقدمتها النقد القادم من الاتجاهات الواقعية النقدية والعلوم المعرفية التقليدية، والذي تساءل حول ما إذا كان هاري قد «أفرط في التركيز على البعد اللغوي والخطابي» للدرجة التي جعلته يقلل من شأن العمليات البيولوجية والفسيولوجية الصامتة والقيود المادية الصلبة التي تفرضها الطبيعة على الفعل البشري. رأى بعض النقاد أن جعل «المحادثة هي الواقع الأولي» يهدد بالانزلاق نحو ضرب من المثالية اللغوية التي تهمل شروط الجسد المادية.
ومن جهة أخرى، واجه المنهج الإيثوجيني والنوعي لهاري تساؤلات منهجية حول «صعوبة صياغة تنبؤات علمية دقيقة» وتعميم النتائج في ضوء رفضه للنظريات التجميعية واستخدام العينات الإحصائية الضخمة؛ حيث جادل بعض علماء النفس التجريبيين بأن التركيز على الحالات المفردة والتفاصيل الدقيقة للخطاب المحلي يحرم علم النفس من تقديم استشارات وحلول عملية سريعة لسياسات الصحة العامة التي تتطلب قرارات مبنية على دراسات وبائية وكمية واسعة النطاق.
كذلك دخل هاري في مساجلات حامية مع «البنائية الاجتماعية الراديكالية» التي قادها صديقه ومجايله كينيث غيرغن (Kenneth Gergen)؛ فبينما كان غيرغن يدفع البنائية نحو آفاق ما بعد حداثية نسبية ترفض مفاهيم الحقيقة والموضوعية، ظل هاري وفياً لجذوره في الواقعية العلمية، رافضاً النسبية المطلقة، ومؤكداً أن هناك عالماً طبيعياً وبنى سببية حقيقية تفرض قيودها على لغتنا، وأن البنائية يجب أن تظل واقعية وعقلانية ولا تتحول إلى فوضى عدمية.
12.2 الموقع التاريخي بين فلاسفة العلم ورواد علم النفس البديل
يتبوأ روم هاري موقعاً تاريخياً فريداً بين كبار فلاسفة العلم في عصره؛ إذ لا يمكن مقارنته إلا بأسماء بحجم توماس كون (Thomas Kuhn)، وبول فييرابند (Paul Feyerabend)، وإيمري لاكاتوش، وروي باسكار (Roy Bhaskar). غير أن ما ميز هاري عن سائر هؤلاء الأعلام هو أنه لم يكتفِ بنقد الفلسفة الطبيعية والتنظير المجرد لها، بل اقتحم بنفسه حقل التطبيق الإنساني، وقاد تمرداً تاريخياً أصلح به مسار علم النفس الاجتماعي المعاصر.
يُعترف بروم هاري اليوم، إلى جانب أسماء مثل جيروم برونر، وكينيث غيرغن، وليف فيغوتسكي، بوصفه أحد الآباء الشرعيين والرواد المؤسسين لما بات يُعرف في تاريخ السيكولوجيا بـ «الثورة المعرفية الثانية» (The Second Cognitive Revolution). كانت الثورة الأولى قد أطاحت بالسلوكية لكنها استبدلتها بنموذج الحاسوب الرقمي الميكانيكي، أما الثورة الثانية التي قادها هاري فقد أعادت الاعتبار لـ «اللغة، والمعنى، والثقافة، والأخلاق»، ومثلت جسراً متيناً وحد بين تقاليد الفلسفة التحليلية البريطانية والعلوم الإنسانية والاجتماعية.
لقد أعاد هاري لعلم النفس هيبته الفكرية بوصفه علماً للكرامة الإنسانية، وحرره من التبعية المذلة للعلوم الطبيعية، مؤكداً أن دراسة الإنسان تتطلب أدوات تناسب طبيعته ككائن فريد منتج للمعنى، وهو إنجاز تاريخي لا يزال يوجه مسار كبرى الجامعات ومراكز البحوث في العالم.
12.3 استمرارية الإرث وتطوير النظريات بعد رحيله
برحيل روم هاري في خريف عام 2019، لم ينطفئ وهج أفكاره بل ازداد توهجاً ورسوخاً في الأوساط العلمية الدولية؛ حيث تواصل مراكز الأبحاث المتخصصة في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وأستراليا، وأوروبا، وآسيا تطبيق وتطوير «نظرية التموضع» من خلال مؤتمرات دولية سنوية ومجلات علمية محكمة، مثل Journal for the Theory of Social Behaviour التي كان هاري أحد أعمدتها المؤسسين ورئيس تحريرها لسنوات طويلة.
كما تمتد بصمات هاري المعرفية لتلقي بظلالها الوارفة على مسارات حديثة في علم النفس الثقافي (Cultural Psychology)، وفلسفة الذهن المعاصرة، والتحليل السردي، والدراسات البيئية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الأخلاقي. يستلهم الباحثون الجدد تحذيراته المبكرة من الاختزال الرقمي والعصبي، معيدين التأكيد على أن الآلات مهما بلغت قوتها الحسابية، لن تستطيع مجاراة الإنسان في إدراك المعيارية الأخلاقية والعيش داخل الخطاب الإنساني المشترك.
يظل مشروع روم هاري الفكري صرخة فلسفية وإنسانية دائمة تحثنا على استعادة إنسانية العلم؛ علماً يرى في البشر أشخاصاً أحراراً، وفاعلين أخلاقيين، ورواة لقصصهم الخاصة، يشاركون بنشاط في نسج الحقيقة الاجتماعية على نول المحادثة المستمرة، وهو ما يجعل قراءة هاري اليوم واجباً فكرياً لكل باحث يسعى إلى فهم أعماق النفس الإنسانية في كل ثرائها وعظمتها وغموضها الجميل.
خاتمة: استعادة البعد الإنساني في العلوم المعرفية والاجتماعية
في ختام هذا التطواف الفكري الشامل والموسع في عالم روم هاري، يتضح بجلاء أن مشروعه المعرفي لم يكن مجرد تراكم أكاديمي لأبحاث متفرقة، بل كان رؤية فلسفية متكاملة ذات بعد نهضوي وتصحيحي حاسم. لقد أدرك هاري مبكراً الخطر الداهم الذي يهدد الإنسانية حين تستسلم لخطابات العلموية الساذجة (Scientism)، تلك الخطابات التي تتوهم أن العلم لا يتحقق إلا بتجريد الإنسان من حريته، ووعيه، وأخلاقه، وردّه قسراً إلى مجرد ذرات صامتة أو إفرازات فسيولوجية خالية من المعنى.
لقد نجح هاري ببراعة منقطعة النظير في أن يثبت للعالم أن «الواقعية العلمية الصارمة» لا تتناقض أبداً مع «إنسانية الإنسان»؛ بل إن الفهم العلمي الحقيقي والعميق للكون يفرض علينا الاعتراف بتنوع القوى والطبائع السببية للكيانات، وأن للإنسان طبيعة وقدرات فريدة تتمثل في كونه كائناً لغوياً، ناطقاً، معيارياً، وأخلاقياً بالأساس. إن منهجه الإيثوجيني، وتأسيسه لعلم النفس الخطابي، ونظرية التموضع، وتفكيكه للأوهام الديكارتية والعصبية، كلها تمثل أدوات تحريرية استعادت الفاعل الإنساني وأعادت وضعه في مركز الصدارة في دراسة المجتمع والتاريخ.
إن إرث روم هاري يوجه دعوة متجددة وملحة لعلماء النفس، وفلاسفة العلوم، والباحثين في شتى حقول الإنسانيات: أن كفوا عن ملاحقة السراب الميكانيكي، وعودوا إلى دراسة الإنسان في مواطنه الطبيعية؛ استمعوا إلى ما يقوله البشر في محادثاتهم، وافهموا القواعد التي يسترشدون بها، وتأملوا السرديات التي تصنع هوياتهم وتوجه مشاعرهم. إن المحادثة هي أصل الوجود الإنساني، وفي رحابها تتشكل المعرفة وتتحقق الكرامة وتستمر الحياة، وهي الرسالة الخالدة التي خطها روم هاري بحبر عقله المتقد وظلت وستظل نبراساً يهتدي به الفكر الإنساني لعقود وقرون قادمة.
المراجع
- Bennett, M. R., & Hacker, P. M. S. (2003). Philosophical foundations of neuroscience. Blackwell Publishing.
- Davies, B., & Harré, R. (1990). Positioning: The discursive production of selves. Journal for the Theory of Social Behaviour, 20(1), 43–63. https://doi.org/10.1111/j.1468-5914.1990.tb00174.x
- Edwards, D., & Potter, J. (1992). Discursive psychology. SAGE Publications.
- Harré, R. (1970). The principles of scientific thinking. Macmillan.
- Harré, R. (1979). Social being: A theory for social psychology. Basil Blackwell.
- Harré, R. (1983). Personal being: A theory for individual psychology. Basil Blackwell.
- Harré, R. (Ed.). (1986). The social construction of emotions. Basil Blackwell.
- Harré, R. (1998). The singular self: An introduction to the psychology of personhood. SAGE Publications.
- Harré, R., & Gillett, G. (1994). The discursive mind. SAGE Publications.
- Harré, R., & Madden, E. H. (1975). Causal powers: A theory of natural necessity. Basil Blackwell.
- Harré, R., & Moghaddam, F. M. (2003). The self and others: Positioning individuals and groups in personal, political, and cultural contexts. Praeger.
- Harré, R., & Secord, P. F. (1972). The explanation of social behaviour. Basil Blackwell.
- Harré, R., & van Langenhove, L. (Eds.). (1999). Positioning theory: Moral contexts of intentional action. Blackwell Publishers.
- Marsh, P., Rosser, E., & Harré, R. (1978). The rules of disorder. Routledge & Kegan Paul.
- Moghaddam, F. M., Harré, R., & Lee, N. (2008). Global conflict resolution through positioning analysis. Springer. https://doi.org/10.1007/978-0-387-72008-1
- Scott, M. B., & Lyman, S. M. (1968). Accounts. American Sociological Review, 33(1), 46–62. https://doi.org/10.2307/2092239
- Wittgenstein, L. (1953). Philosophical investigations (G. E. M. Anscombe, Trans.). Basil Blackwell.