السيرة
يُمثّل رينسيس ليكرت (Rensis Likert؛ 1903–1981) إحدى القمم الفكرية والمنهجية الأكثر تأثيراً في تاريخ العلوم السلوكية وعلم النفس الاجتماعي والتنظيمي خلال القرن العشرين. لقد كان الرجل عالماً استثنائياً استطاع أن يردم الفجوة الإبستيمولوجية العميقة التي فصلت لعقود طويلة بين النزعة الإنسانية الأخلاقية في إدارة المنظمات وبين الدقة المنهجية الصارمة للقياس السيكومتري والإحصائي. في وقت كانت العلوم الاجتماعية تكافح فيه لانتزاع اعتراف المؤسسات العلمية بصرامتها مقارنة بالعلوم الطبيعية، ظهر ليكرت ليبرهن أن المشاعر الإنسانية الكامنة، والمواقف النفسية المعقدة، والروح المعنوية، والأنماط القيادية، ليست مجرد تجريدات فلسفية أو انطباعات أدبية، بل هي متغيرات قابلة للرصد والقياس والتحليل الكمي بدقة تفوق التوقعات.
تجاوز إسهام ليكرت حدود تطوير أداته الشهيرة المقترنة باسمه عالمياً، وهي مقياس ليكرت (Likert Scale)، ليمتد إلى تأسيس بنية تحتية علمية متكاملة للبحث الميداني التجريبي؛ حيث قاد تأسيس معهد البحوث الاجتماعية (Institute for Social Research – ISR) في جامعة ميشيغان، وحوّله إلى أكبر صرح أكاديمي لمسوحات الرأي العام والسلوك التنظيمي في العالم. ومن خلال أبحاثه الميدانية المكثفة، طوّر ليكرت نظرية رائدة في الإدارة عُرفت بأنماط الإدارة الأربعة، مقدماً دليلاً تجريبياً قاطعاً على أن الإدارة التشاركية القائمة على الثقة وتمكين الموارد البشرية ليست خياراً أخلاقياً فحسب، بل هي الإستراتيجية الاقتصادية الأكثر كفاءة واستدامة للربحية والإنتاجية العالية على المدى الطويل.
تستعرض هذه الدراسة الأكاديمية الشاملة السيرة الفكرية والعملية لرينسيس ليكرت، متتبعةً جذور تكوينه العلمي من الهندسة والاجتماع إلى قمة علم النفس السلوكي، ومحللةً بعمق البنية السيكومترية لأدواته في قياس الاتجاهات، والجدل المنهجي والإحصائي المستمر حول بياناتها. كما تُفصّل المقالة نظرياته الإدارية كنظام “الحلقة الرابطة” ونظرية العلاقات الداعمة، وصولاً إلى مشروعه الثوري في “محاسبة الموارد البشرية”، ومقارنة أطروحاته مع كبار مفكري عصره، لنخلص إلى فهم متكامل للأثر الخالد الذي تركه هذا العالم الفذ في صياغة الفكر التنظيمي المعاصر ومناهج البحث العلمي في شتى بقاع الأرض.
1. النشأة والخلفية الأكاديمية والمهنية المبكرة لرينسيس ليكرت
1.1 المراحل الأولى والتكوين التعليمي
ولد رينسيس ليكرت في الخامس من أغسطس عام 1903 في مدينة شايان بولاية وايومنغ الأمريكية، في بيئة عائلية اتسمت بالانضباط الذهني والتفكير العلمي العملي. كان والده، جورج هربرت ليكرت، يعمل مهندساً مدنياً بارزاً في شركة سكك حديد “يونيون باسيفيك” (Union Pacific Railroad)، وهو ما أتاح للشاب رينسيس الاحتكاك المبكر بالمشاريع الهندسية الكبرى والتنظيم الهيكلي الصارم الذي يحكم حركة العمل الميداني. تركت هذه البيئة الهندسية بصمة عميقة في عقلية ليكرت؛ إذ تشرب منها حب القياس، وتقدير النظم المنضبطة، والرغبة الدائمة في إيجاد حلول وظيفية للمشكلات المعقدة، وهي سمات رافقته طوال مسيرته الأكاديمية، ووجهت لاحقاً محاولاته المبتكرة لـ “هندسة” السلوك الإنساني داخل المنظمات على أسس رقمية صلبة.
التحق ليكرت مبدئياً بـ جامعة ميشيغان لدراسة الهندسة المدنية سيراً على خطى والده، وقضى فيها سنواته الأولى مستوعباً مبادئ الرياضيات التطبيقية، وحساب التفاضل والتكامل، والفيزياء الكلاسيكية. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية العاصفة التي شهدتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى، والاضطرابات العمالية المتزايدة، لفتت انتباهه إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمعات الصناعية الحديثة لا يكمن في الآلات أو الجسور أو السكك الحديدية، بل في “العنصر الإنساني” المحرك لتلك المنظومات. قاده هذا الاستبصار إلى اتخاذ قرار مصيري بالتحول الأكاديمي، فترك كلية الهندسة لينخرط في دراسة علم الاجتماع والاقتصاد في الجامعة ذاتها.
خلال تلك الفترة، كانت جامعة ميشيغان مركزاً حيوياً للعلوم الاجتماعية الناشئة، حيث تأثر ليكرت بشكل ملحوظ بأفكار عالم الاجتماع البارز تشارلز هورتون كولي (Charles Horton Cooley) ونظريته حول “الذات في المرآة” وأهمية الجماعات الأولية. تخرج ليكرت بمرتبة الشرف عام 1926 حاملاً شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع، وممتلكاً مزيجاً فريداً من العقلية الهندسية الصارمة والوعي الاجتماعي العميق. دفعته طموحاته العلمية إلى مغادرة ميشيغان والتوجه نحو جامعة كولومبيا في نيويورك، التي كانت تعد آنذاك قبلة علم النفس التجريبي والقياس الكمي في أمريكا الشمالية، لمواصلة دراساته العليا في علم النفس الاجتماعي والتجريبي في بيئة كانت على وشك إعادة صياغة العلوم السلوكية برمتها.
1.2 أطروحة الدكتوراه ونقطة التحول العلمية (1932)
في جامعة كولومبيا، وجد ليكرت نفسه في قلب حراك علمي استثنائي قاده رواد بارزون في القياس النفسي وعلم النفس التربوي والاجتماعي. تأثر ليكرت بشكل مباشر بعالم النفس الشهير إدوارد ثورندايك (Edward L. Thorndike)، الذي رسخ مبدأه القائل: “كل ما يوجد، يوجد بمقدار، وكل ما يوجد بمقدار يمكن قياسه”. لكن التأثير الأعمق جاء من أستاذه ومشرفه الأكاديمي المباشر غاردنر ميرفي (Gardner Murphy)، أحد أعمدة علم النفس الاجتماعي آنذاك، والذي ساعد ليكرت في صياغة إشكاليات بحثية تتعلق بكيفية قياس الاتجاهات الاجتماعية الدولية والعرقية والاقتصادية التي كانت تموج بها الساحة الفكرية العالمية إبان فترة ما بين الحربين.
تُوِّج هذا المسار الأكاديمي بنيل ليكرت درجة الدكتوراه عام 1932 بأطروحة تاريخية نُشرت في مجلة “أرشيفات علم النفس” (Archives of Psychology) بعنوان: “أسلوب لقياس الاتجاهات” (A Technique for the Measurement of Attitudes). كانت هذه الأطروحة نقطة تحول مفصلية في تاريخ القياس السيكولوجي، حيث استهدفت بشكل مباشر معالجة أوجه القصور الهيكلية والتطبيقية في المقياس السائد آنذاك، وهو مقياس الفترات المتساوية ظاهرياً الذي ابتكره لويس ليون ثورستون (Louis Leon Thurstone) عام 1928. ورغم الدقة النظرية لمقياس ثورستون، إلا أنه كان شديد التعقيد والتكلفة الباهظة في التصميم؛ إذ تطلب الاستعانة بمئات “المحكّمين” (Judges) لفرز وتصنيف عشرات العبارات عبر إحدى عشرة فئة لتحديد أوزانها القياسية قبل تطبيق المقياس النهائي.
قدّم ليكرت في أطروحته بديلاً ثورياً تميز بالبساطة المنهجية والكفاءة الإحصائية الفائقة؛ حيث تخلص تماماً من الحاجة إلى هيئة المحكمين المعقدة، واقترح توجيه العبارات مباشرة إلى المفحوصين مع إعطائهم خيارات استجابة متدرجة ترتبط برتب رقمية (من 1 إلى 5)، يتم جمع درجاتها للحصول على درجة كلية تمثل اتجاه الفرد. أثبت ليكرت عبر حساب معاملات الارتباط والاتساق الداخلي أن طريقته الجديدة لا تضاهي مقياس ثورستون في الدقة السيكومترية ومعاملات الثبات والصدق فحسب، بل تتفوق عليه في توفير الجهد والوقت، مما أتاح فتح آفاق جديدة كلياً للبحث الميداني واسع النطاق لقياس المواقف النفسية والاجتماعية.
1.3 المسيرة المهنية خلال فترة الكساد والحرب العالمية الثانية
تزامنت بداية المسيرة المهنية لليكرت مع ذروة أزمة الكساد الكبير التي ضربت الاقتصاد العالمي، وهي بيئة مشحونة بالتحديات تطلبت توجيه الأدوات الأكاديمية لحل معضلات البقاء والإنتاج في الواقع العملي. في عام 1935، تولى ليكرت منصب مدير الأبحاث في “جمعية أبحاث التأمين على الحياة” (Life Insurance Sales Research Bureau) في هارتفورد بكونيتيكت، وظل فيه حتى عام 1939. ركزت مهامه هناك على دراسة أسباب فشل أو نجاح وكلاء التأمين، وقام بإجراء دراسات ميدانية رائدة حللت تأثير الأنماط القيادية للمشرفين، والروح المعنوية للوكلاء، والعلاقات الإنسانية داخل فرق العمل على حجم المبيعات واستقرار الموظفين، وهي التجارب التي غرست بذور نظرياته اللاحقة في القيادة التنظيمية.
مع اقتراب نذر الحرب العالمية الثانية، استدعت الحكومة الفيدرالية الأمريكية خبرات ليكرت، فعُيِّن عام 1939 رئيساً لـ “قسم مسوحات البرامج” (Division of Program Surveys) في وزارة الزراعة الأمريكية (USDA). في هذا الموقع الحيوي، تولى ليكرت تصميم وإدارة مسوحات وطنية دقيقة لقياس ردود أفعال المزارعين والمواطنين تجاه السياسات الاقتصادية والزراعية للحكومة الفيدرالية، والتعرف على المشكلات اللوجستية والتموينية. نجح ليكرت هناك في دمج أساليب العينات الاحتمالية الصارمة مع تقنيات المقابلات المعمقة والمقننة، مما جعل من قسمه أحد أكثر المراكز التحليلية موثوقية في واشنطن.
خلال سنوات الحرب العالمية الثانية (1941–1945)، توسعت مسؤوليات ليكرت لتشمل دعم المجهود الحربي مباشرة من خلال العمل مع “مكتب معلومات الحرب” (Office of War Information) ومجلس أبحاث الدفاع الوطني. كُلِّف بإدارة دراسات واسعة النطاق لقياس معنويات الجبهة الداخلية، وتقييم مواقف المواطنين من السندات الحربية، وتأثير نظام التقنين الصارم، ومواجهة الشائعات والبروباغندا المعادية. وفي ختام الحرب عام 1945، عُيِّن ليكرت مديراً لقسم الروح المعنوية في “مسح القصف الإستراتيجي للولايات المتحدة” (United States Strategic Bombing Survey)، حيث قاد فرقاً بحثية ميدانية جابت المدن الألمانية واليابانية المدمرة لإجراء مقابلات مع آلاف الناجين، بهدف تقييم الآثار النفسية والسلوكية للقصف الجوي المكثف على إرادة السكان والمجهود الحربي للأعداء، وهي التجربة التي رسخت مكانته كخبير عالمي لا يبارى في مسوحات الرأي العام السيكولوجية.
2. السياق التاريخي والفكري لظهور علم النفس التنظيمي
2.1 الانتقال من الإدارة العلمية إلى مدرسة العلاقات الإنسانية
شهد النصف الأول من القرن العشرين تحولات كوبرنيكية في فهم طبيعة المنظمات الصناعية والعلاقة بين العامل والإدارة. في بدايات القرن، هيمن نموذج “الإدارة العلمية” (Scientific Management) الذي صاغه فريدريك وينسلو تايلور (Frederick Winslow Taylor)، وهو نموذج آلي ميكانيكي ينظر إلى العامل باعتباره مجرد ترس بيولوجي في آلة إنتاجية ضخمة. كان تايلور يفترض أن الإنسان الاقتصادي (Homo Economicus) تحركه دوافع مادية محضة ترتكز على الأجر والمكافآت النقدية، وأن الكفاءة التنظيمية القصوى تتحقق عبر التخصص الدقيق، ودراسة الحركة والزمن، وإلغاء أي بعد نفسي أو اجتماعي أو مشاعري قد يربك هندسة خطوط الإنتاج المتدفقة.
لكن هذا النموذج التايلوري سرعان ما اصطدم بأزمات هيكلية خانقة؛ فقد ولدت النظرة الآلية مشاعر عميقة من الاغتراب التنظيمي، والتمرد الصامت، وارتفاع معدلات دوران العمل والغياب، والإضرابات العمالية المتكررة. وجاءت نقطة التحول التاريخية الكبرى عبر دراسات مصانع هاوثورن (Hawthorne Studies) التي أُجريت بين عامي 1924 و1932 في شركة “ويسترن إلكتريك” بإشراف عالم الاجتماع والنفس إلتون مايو (Elton Mayo) وزميليه فريتز رويثليسبيرجر وويليام ديكسون. كشفت هذه التجارب عن حقيقة علمية مذهلة: إن المتغيرات المادية كالإضاءة وفترات الراحة ليست المحدِّد الأساسي للإنتاجية، بل المشاعر النفسية، وتشكيل الجماعات غير الرسمية، وشعور العامل بالاهتمام والتقدير والمشاركة الاجتماعية داخل المؤسسة.
برزت على إثر ذلك “مدرسة العلاقات الإنسانية”، وبدأ الاهتمام يتصاعد بالحاجات النفسية والانتماء وكرامة العامل. غير أن مدرسة العلاقات الإنسانية المبكرة عانت من عيب منهجي حرج؛ فقد غلب عليها الطابع الوعظي والانطباعي، وافتقرت في كثير من أطروحاتها إلى الأدوات الرياضية والبيانات الإحصائية الدقيقة التي يمكن أن تقنع مجالس إدارات الشركات الصناعية الكبرى بجدواها الاقتصادية. وهنا تحديداً تجلت عبقرية رينسيس ليكرت التاريخية؛ إذ تموضع كجسر منهجي رابط بين القياس الكمي الإحصائي فائق الدقة وبين الرؤية الإنسانية التحررية، محولاً مفاهيم العلاقات الإنسانية من مجرد تمنيات فلسفية إلى نماذج سلوكية وإحصائية محكمة ذات قدرة تنبؤية وتطبيقية عالية.
2.2 تطور مناهج القياس السلوكي والاجتماعي في النصف الأول من القرن العشرين
تزامن صعود اهتمامات علم النفس الصناعي مع تطور الفلسفة الوضعية (Positivism) في العلوم الإنسانية، التي نادت بإخضاع الظواهر السلوكية لذات المعايير التجريبية المعمول بها في الفيزياء والكيمياء. شهد الربع الأول من القرن العشرين ازدهار حركة قياس الفروق الفردية واختبارات الذكاء مع أعمال ألفرد بينيه ولويس تيرمان، غير أن قياس “الاتجاهات النفسية” (Attitudes) وظل يمثل معضلة مستعصية. كانت الاتجاهات تُعرَّف بأنها حالات استعداد وجداني ومعرفي توجه سلوك الفرد نحو موضوع أو شخص أو فكرة معينة، ونظراً لكونها كيانات داخلية كامنة غير قابلة للملاحظة العينية المباشرة، فقد اعتُبر قياسها لفترة طويلة ضرباً من المستحيل المنهجي.
قام لويس ليون ثورستون بخرق هذا الحاجز عبر أسلوبه في قياس الفترات المتساوية ظاهرياً عام 1928، مبرهناً على إمكانية إخضاع الاتجاهات النفسية للتدريج الرياضي المتصل (Scale Continuum). ورغم عظمة إنجاز ثورستون، إلا أن تعقيد منهجيته وتكلفتها الزمنية والمادية العالية جعلت تطبيقه محصوراً في المختبرات الأكاديمية الضيقة، وعاجزاً عن تلبية الاحتياجات الملحة للهيئات الحكومية والمؤسسات الاقتصادية التي كانت بحاجة إلى أدوات مسح سريعة وموثوقة لقياس الرأي العام والروح المعنوية للمستهلكين والعاملين في ظل أزمات الكساد وتحديات الإنتاج الحربي.
في الوقت نفسه، كانت مناهج جمع البيانات تشهد ثورة موازية؛ حيث تبلورت نظريات المعاينة الإحصائية الاحتمالية (Probability Sampling) بفضل أبحاث جيرزي نيمان وموريس هانسن، مظهرةً تفوقها الكاسح على عينات الحصص (Quota Sampling) التقليدية التي تسببت في أخطاء تنبؤية كارثية في استطلاعات الرأي لعام 1936 الشهيرة في مجلة “ليتراري دايجست” (Literary Digest). كان ليكرت في مقدمة العلماء الذين استوعبوا هذه التحولات النظرية وطوعوها؛ حيث أدرك أن إنقاذ علم النفس الاجتماعي والتنظيمي يقتضي بالضرورة الجمع بين أداة قياس سيكومترية بسيطة وسليمة رياضياً (وهو ما حققه بمقياسه الخاص) ومنهجية معينة صارمة تمثل المجتمعات الإحصائية تمثيلاً أميناً، وهو ما مهد الطريق لولادة المقاييس المسحية المعاصرة.
3. مقياس ليكرت: الثورة المنهجية في قياس المواقف والاتجاهات النفسية
3.1 المفهوم النظري والمنطق السيكومتري للمقياس
ينطلق مقياس ليكرت من تصور إبستيمولوجي سيكومتري دقيق لمفهوم “الاتجاه النفسي”، باعتباره بناءً كامناً (Latent Construct) لا يمكن قياسه مباشرة مثل الطول أو الوزن، وإنما يُستدل عليه عبر مؤشرات سلوكية أو لفظية معلنة ومتعددة. في هذا الإطار، يُفترض أن الموقف الوجداني والمعرفي للفرد تجاه قضية ما (مثل الرضا الوظيفي، أو التحيز العرقي، أو الولاء التنظيمي) يقع على متصل نفسي مستمر يتراوح بين أقصى درجات الإيجابية وأقصى درجات السلبية، وأن استجابات الفرد اللفظية لسلسلة من العبارات المقننة تعكس موقعه النسبي على هذا المتصل الكامن.
تكمن النقلة النوعية التي أحدثها ليكرت في تحويل هذه الحالات الوجدانية المستمرة إلى “رتب كمية متدرجة” من خلال صياغة عبارات واضحة وحاسمة حول الموضوع المستهدف، ومطالبة المستجيب بتحديد درجة موافقته أو معارضته لكل عبارة عبر مقياس متدرج. ويقوم المنطق الرياضي للمقياس على مبدأ أساسي هو “الجمع التراكمي” (Summated Rating Scale)؛ حيث تتكامل استجابات الفرد على مجموعة من الفقرات المترابطة التي تقيس بعداً نفسياً واحداً لتشكل في مجموعها درجة نهائية مركبة تعبر بدقة عن قوة واتجاه موقفه، مستنداً إلى فرضية التماثل والمسافات المتساوية ظاهرياً بين فئات الاستجابة المتعاقبة.
من الضروري هنا التمييز الصارم والدقيق – وهو تمييز يغفله الكثير من الباحثين حتى اليوم – بين مفهومين سيكومتريين مختلفين جوهرياً:
- فقرة ليكرت (Likert-type Item): وهي العبارة المفردة ذات الخيارات المتدرجة (مثل: أوافق بشدة، أوافق، محايد، أعارض، أعارض بشدة)، وتُعامل إحصائياً كبيانات رتبية (Ordinal Data) تقيس جزئية محددة.
- مقياس ليكرت المركب (Likert Scale): وهو المقياس المتكامل الذي يتألف من مجموع درجات عدد من فقرات ليكرت المتجانسة التي تقيس مفهوماً كامناً موحداً، ويُعامل المجموع الكلي أو المتوسط الحسابي الناتج عنه في الأدبيات السيكومترية المعاصرة كبيانات شبه فئوية (Interval-like Data) تسمح بتطبيقات إحصائية متقدمة.
3.2 هيكل التدريج الخماسي والسباعي وبدائل القياس
صمم رينسيس ليكرت مقياسه في الأصل بنموذج خماسي النقاط يمتد عبر متصل متناظر يبدأ من (1: أعارض بشدة)، مروراً بـ (2: أعارض)، و(3: غير متأكد / محايد)، و(4: أوافق)، وصولاً إلى (5: أوافق بشدة). شكل هذا التدريج التوازن الأمثل بين القدرة على التمييز السيكولوجي وسهولة الفهم الإدراكي لدى عامة المستجيبين؛ إذ أظهرت الأبحاث التجريبية أن العقل البشري يمتلك قدرة فطرية على معالجة وتصنيف المشاعر بكفاءة عالية عندما تتراوح الخيارات بين خمسة إلى سبعة مستويات دون إجهاد ذهني مفرط.
أثار وجود “نقطة الحياد” (المستوى 3 في التدريج الخماسي) جدلاً سيكومترياً لا يزال محتدماً في دوائر منهجية البحث. يرى المدافعون عن إدراج نقطة الحياد، ومن بينهم ليكرت نفسه، أنها تمثل حالة واقعية أصيلة تعكس موقف الفرد غير الحاسم، أو عدم امتلاكه معلومات كافية، أو توازن الأدلة الإيجابية والسلبية في وعيه؛ وبالتالي فإن إجبار المستجيب على الاختيار الإيجابي أو السلبي يقود إلى قياس زائف وتشويه إحصائي لبيانات الواقع. في المقابل، يرى نقاد نقطة الحياد أنها تمثل ملاذاً سهلاً للتهرب المعرفي، وتراجع الجهد المبذول في ملء الاستبانات، أو تعبيراً مقنعاً عن المرغوبية الاجتماعية والخوف من إبداء الرأي، مما يدفع بعض الباحثين إلى اعتماد “المقاييس المتماثلة الزوجية” (Forced-Choice Scales) ذات الأربع أو الست نقاط لإجبار المفحوص على حسم اتجاهه النفسي.
امتد التطور المنهجي لاحقاً إلى ابتكار مقاييس ليكرت الموسعة، وعلى رأسها التدريج السباعي (7-point) والتساعي (9-point). يُعد التدريج السباعي، الذي يضيف مستويات وسيطة مثل (أوافق بدرجة معتدلة / أعارض بدرجة طفيفة)، الخيار المفضل في أبحاث علم النفس المعاصرة والتسويق الحساس؛ إذ يمنح المقياس حساسية تباينية أعلى (Higher Variance Sensitivity)، ويقلل من ظاهرة التكتل عند الأطراف أو ما يعرف بـ “تأثير السقف والأرضية” (Ceiling and Floor Effects). كما يعزز الاقتراب الرياضي لبيانات المقياس من التوزيع الطبيعي المعياري (Normal Distribution)، الأمر الذي يمنح المحللين مرونة أكبر في تطبيق النماذج الرياضية الأكثر تعقيداً.
3.3 الخصائص السيكومترية: الصدق والثبات
تستمد طريقة ليكرت خلودها المنهجي من قوتها السيكومترية الفائقة وصلابتها الرياضية في مواجهة معايير الصدق (Validity) والثبات (Reliability). في دراسته التأسيسية عام 1932، اعتمد ليكرت على أسلوب “التنصيف” (Split-Half Method) ومصفوفات الارتباط لحساب الاتساق الداخلي للفقرات، وهي الخطوة الرائدة التي مهدت لاحقاً لظهور أشهر معادلة سيكومترية في العالم عام 1951 على يد لي كرونباخ، وهي معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha). يُعد مقياس ليكرت البيئة المثالية لتطبيق هذا المعامل؛ حيث يقوم على قياس مدى تجانس فقرات المقياس في التعبير عن السمة الكامنة المشتركة عبر فحص التباين والارتباط المتبادل بينها.
فيما يتعلق بالصدق، يلبي مقياس ليكرت بامتياز متطلبات الصدق التكويني أو المفهومي (Construct Validity) والصدق التلازمي (Concurrent Validity). فمع ظهور وتطور أساليب التحليل العاملي بنوعيه؛ التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتحليل العاملي التوكيدي (CFA)، أثبتت مقاييس ليكرت كفاءة استثنائية في إظهار البنى العاملية للسمات النفسية وتشبع الفقرات على العوامل المفسرة لها، مما يمكن الباحثين من التحقق التجريبي من أن المقياس يقيس بالفعل الظاهرة المراد قياسها دون اختلاط بمتغيرات مشوشة.
تصدى ليكرت ومنهجيته ببراعة للنزعات الاستجابية والانحيازات النفسية التي تشوه صدق البيانات المجمعة، وعلى رأسها:
- نزعة الإذعان أو الموافقة التلقائية (Acquiescence Bias): وهي ميل بعض الأفراد للموافقة على كل ما يطرح أمامهم؛ وعالجها ليكرت بابتكار تقنية “الفقرات المعكوسة الصياغة” (Reverse-Coded Items) لإجبار المستجيب على القراءة الفاحصة وكسر النمطية.
- نزعة المرغوبية الاجتماعية (Social Desirability): وهي رغبة المفحوص في الظهور بمظهر متوافق مع القيم السائدة؛ وتم تقليصها بضمان سرية الهوية وصياغة عبارات حيادية النبرة.
- قوة التمييز (Discriminant Power): صمم ليكرت اختبارات الفروق الطرفية (Criterion of Internal Consistency)، حيث يتم مقارنة درجات الـ 27% الأعلى في المجموع الكلي مع الـ 27% الأدنى لاختبار قدرة كل فقرة بمفردها على التمييز بدقة بين ذوي الاتجاهات الإيجابية والسلبية، واستبعاد أي فقرة تعجز عن تحقيق دلالة إحصائية فارقة.
4. الجدل الإحصائي والمنهجي حول تحليل بيانات مقياس ليكرت
4.1 مستوى القياس: بيانات رتبية أم بيانات فئوية؟
أشعل ظهور نظرية مستويات القياس الأربعة (الاسمي، الرتبي، الفئوي، النسبي) التي صاغها عالم النفس الإحصائي ستانلي سميث ستيفنز (S. S. Stevens) عام 1946 جدلاً إبستيمولوجياً وإحصائياً محتدماً حول التصنيف الدقيق لبيانات مقياس ليكرت، وهو نزاع تاريخي استقطب كبار علماء المنهجية إلى معسكرين فكريين متمايزين وما زالت أصداؤه تتردد في المجلات العلمية المحكمة حتى اليوم.
يتبنى المعسكر الأصولي (Purist/Fundamentalist Camp) رؤية إحصائية صارمة تستند إلى تعريف ستيفنز الدقيق، مؤكداً أن فقرات ليكرت هي مجرد “بيانات رتبية” (Ordinal Data) بامتياز. ترتكز حجتهم على استحالة إثبات أن المسافة النفسية بين “أعارض بشدة” و”أعارض” تساوي بدقة متناهية المسافة النفسية بين “محايد” و”أوافق”. فالأرقام (1، 2، 3، 4، 5) الموضوعة على المقياس ليست سوى رموز لترتيب منطقي للرتب وليست مقادير مطلقة تعبر عن وحدات قياس متساوية حقيقية مثل الدرجات المئوية أو السنتيمترات؛ وبناءً عليه، يرى هذا التيار أن إجراء عمليات حسابية مثل الجمع والطرح وحساب المتوسط الحسابي والانحراف المعياري هو خطأ إحصائي منهجي فادح؛ لأن المتوسط الرياضي لبيانات رتبية لا معنى رياضي دقيق له، ويجب الاقتصار على الوسيط (Median) والمدى الربيعي (Interquartile Range) والنسب المئوية لوصف البيانات.
في المقابل، يجادل المعسكر البراغماتي/العملي (Pragmatist Camp) – وهو التوجه الغالب في علم النفس التطبيقي والعلوم السلوكية – بأن المقياس المركب المتكامل المكون من مجموع فقرات متعددة يتحول بالضرورة إلى مقياس “شبه فئوي” (Interval-like or Quasi-interval). يستند هذا التيار إلى نتائج نظرية النهاية المركزية (Central Limit Theorem) ومحاكاة مونت كارلو (Monte Carlo Simulations) المتعددة التي أثبتت أنه عندما تتعدد الفقرات وتتوزع الدرجات المركبة توزعاً طبيعياً معتدلاً (تتراوح فيه مؤشرات الالتواء والتفرطح بين ±1 أو ±2)، فإن تطبيق المعالجات الفئوية لا يفسد النتائج العلمية ولا يقود إلى استنتاجات مضللة، بل يكشف عن علاقات ارتباطية وتنبؤية لا يمكن للأدوات الرتبية الضيقة رصدها.
4.2 المفاضلة بين الاختبارات البارامترية واللابارامترية
يترتب على الموقف المنهجي من مستوى قياس مقياس ليكرت تحديد المسار الإحصائي لمعالجة الفرضيات البحثية، والبت الصارم في مسألة المفاضلة بين تطبيق الاختبارات المعلمية البارامترية (Parametric Tests) أو الاختبارات اللامعلمية اللابارامترية (Non-parametric Tests). يُلزم المنطق المنهجي الباحثين بالفصل الحاسم بين طبيعة الهدف من المعالجة الإحصائية وفق الجدول والمحددات التالية:
- تحليل الفقرات الفردية (Single Items): عندما يكون التحليل مركزاً على دراسة استجابات المستجيبين على فقرة واحدة بذاتها كمتغير مستقل أو تابع، تفرض القواعد المنهجية استخدام الاختبارات اللابارامترية التي لا تشترط التوزيع الطبيعي أو فئوية القياس؛ مثل استخدام اختبار “مان-ويتني” (Mann-Whitney U Test) للمقارنة بين مجموعتين مستقلتين، واختبار “كروسكال-واليس” (Kruskal-Wallis) للمقارنة بين ثلاث مجموعات فأكثر، ومعامل ارتباط الرتب “سبيرمان” (Spearman’s Rho).
- تحليل المقاييس المركبة الكلية (Summated Scales): عندما يتم دمج وتجميع درجات مجموعة فقرات تقيس بناءً كامناً موحداً، ويجتاز المقياس اختبارات التوزيع الطبيعي وتجانس التباين، يصبح تطبيق الاختبارات البارامترية أمراً مشروعاً ومفضلاً علمياً؛ بما يشمل اختبار “ت” (t-test)، وتحليل التباين الأحادي والمتعدد (ANOVA / MANOVA)، ومعامل ارتباط بيرسون، ونماذج الانحدار الخطي المتعدد، ونمذجة المعادلات البنائية (SEM).
خلصت التوصيات المعاصرة في مناهج البحث النفسي إلى منهج مرن ورصين؛ حيث أثبتت الدراسات التجريبية المكثفة – كأبحاث نورمان (Norman, 2010) وكاريفاليس (Carifio & Perla, 2008) – أن الاختبارات البارامترية تتمتع بـ “متانة فائقة” (Extremely Robust) تجعلها قادرة على تقديم نتائج موثوقة حتى مع البيانات التي تشهد انحرافات طفيفة عن التوزيع الطبيعي أو عند استخدام مقاييس ليكرت السباعية، محذرة في الوقت ذاته من التفسير الميكانيكي الأعمى للبيانات دون فحص شكل التوزيعات والتأكد من صرامة بناء المقياس السيكومتري ككل.
5. تأسيس معهد البحوث الاجتماعية (ISR) بجامعة ميشيغان ودوره الريادي
5.1 ولادة مركز بحوث المسوح (SRC) وتوسعه الأكاديمي
مع نهاية الحرب العالمية الثانية، أدرك رينسيس ليكرت أن مستقبل أبحاث العلوم السلوكية والمسوح الميدانية يجب أن يتحرر من القيود البيروقراطية للوزارات والهيئات الحكومية ليتمركز في بيئة أكاديمية مستقلة تتمتع بالحرية الفكرية والصرامة النظرية. وفي عام 1946، قاد ليكرت هجرة علمية تاريخية ضمت نواته الصلبة من باحثي قسم مسوحات البرامج بوزارة الزراعة، وتوجه بهم إلى رحاب جامعته الأم، جامعة ميشيغان في آن أربور، ليؤسس هناك “مركز بحوث المسوح” (Survey Research Center – SRC) ويتولى إدارته بكفاءة منقطعة النظير.
لم يكتف ليكرت بجمع المتخصصين في مسوحات الرأي، بل سعى لرسم خريطة علمية عابرة للتخصصات. ففي عام 1948، وإثر الوفاة المفاجئة لعالم النفس الاجتماعي العبقري كيرت ليفين (Kurt Lewin)، بادر ليكرت بحنكة أكاديمية إلى استقطاب تلامذة ليفين ومعهدهم الرائد “مركز أبحاث ديناميات الجماعة” (Research Center for Group Dynamics – RCGD) من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ليدمجه مع مركزه في ميشيغان. توج هذا التحالف الاستثنائي عام 1949 بتأسيس معهد البحوث الاجتماعية (Institute for Social Research – ISR)، وهو الكيان الذي سرعان ما غدا أكبر مؤسسة جامعية متعددة التخصصات لأبحاث العلوم الاجتماعية في العالم بأسره.
استقطب المعهد تحت قيادة ليكرت نخبة من ألمع العقول التي أعادت تشكيل علم النفس والاجتماع والاقتصاد؛ من بينهم أنجوس كامبل (Angus Campbell)، ودوريان كارترايت (Dorwin Cartwright)، وجورج كاتونا (George Katona) مؤسس علم النفس الاقتصادي، وليون فيستنجر (Leon Festinger) صاحب نظرية التنافر المعرفي، وجون فرينش. تضافرت هذه الجهود لتطوير منهجيات رائدة في المعاينة الطبقية الاحتمالية (Stratified Probability Sampling)، وتصميم أدلة المقابلات المفتوحة المقننة، واستخدام تكنولوجيا البطاقات المثقوبة المبكرة في معالجة البيانات، مما وضع معايير عالمية جديدة للبحث العلمي الرصين.
5.2 إدارة ليكرت للمعهد وترسيخ ثقافة البحث التجريبي
أدار رينسيس ليكرت معهد البحوث الاجتماعية لأكثر من عقدين متواصلين (1948–1970) بعقلية جمعت بين الصرامة العلمية والاستقلال المالي والتنظيمي. كان التحدي الأكبر يكمن في تأمين التمويل لاستمرار هذا الصرح الضخم دون استنزاف ميزانية الجامعة؛ فابتكر ليكرت نموذج “التمويل الذاتي التعاقدي”، حيث عقد شراكات إستراتيجية لإجراء بحوث مسحية كبرى لحساب المؤسسات العامة، والهيئات الحكومية، والشركات الصناعية العالمية، ووكالات التأمين، مع اشتراط احتفاظ المعهد بحق النشر الأكاديمي والاستقلالية الكاملة للنتائج، وهو نموذج مول المعهد ومكنه من تمويل الدراسات النظرية والتجريبية الخالصة.
نجح ليكرت في إرساء تقاليد بحثية فريدة دمجت بين استطلاعات الرأي الميدانية على المستوى القومي (Macro-Surveys) والتجارب الميدانية المصغرة في المصانع والشركات (Micro-Experiments). وكان المعهد يطبق على نفسه المبادئ الإدارية والديمقراطية التشاركية التي ينادي بها ليكرت نظرياً؛ فقد تمتع الباحثون باستقلالية واسعة، وأديرت الأقسام عبر فرق عمل متداخلة تتبادل الأفكار دون حواجز هرمية خانقة، مما وفر بيئة حاضنة أنتجت أضخم مشروعات التتبع الطولي (Longitudinal Studies) في العالم، ومنها:
- دراسة مسح المستهلكين (Surveys of Consumers): التي أطلقت “مؤشر ثقة المستهلك” في جامعة ميشيغان، والذي أصبح محركاً يومياً لقرارات الأسواق المالية وبنوك الاحتياطي الفيدرالي في العالم.
- دراسة اللجنة الوطنية للانتخابات (American National Election Studies – ANES): التي شكلت المرجع الأول عالمياً لدراسة السلوك التصويتي والاتجاهات الحزبية والسياسية.
- دراسة تتبع ديناميات الدخل (Panel Study of Income Dynamics – PSID): أطول دراسة تتبعية طولية للأسر واقتصادياتها في تاريخ العلوم الإنسانية.
تخرج من هذا الصرح تحت إشراف ليكرت أجيال متتابعة من كبار علماء الاجتماع وعلم النفس السلوكي والإحصائيين الذين انتشروا في كبرى الجامعات والمؤسسات الدولية، مرسخين ثقافة البحث الإمبيريقي الكمي كركيزة لا غنى عنها لصنع القرارات السياسية والتنظيمية في العالم المعاصر.
6. نظرية القيادة وأنماط الإدارة الأربعة (Likert’s Management Systems)
6.1 النظام الأول والثاني: السلطوية الصارمة والخيّرة
انطلاقاً من دراساته الميدانية المستفيضة التي غطت مئات المنظمات الصناعية والإنتاجية ضمن “برنامج أبحاث ميشيغان في القيادة التنظيمية”، بلور ليكرت نظريته الكبرى في تصنيف البيئات التنظيمية وأنماط القيادة إلى أربعة أنظمة متمايزة وممتدة على متصل يبدأ من التسلطية المطلقة وينتهي بالتشاركية الكاملة. يُشكل النظامان الأول والثاني الطرف السلبي والمحدود من هذا المتصل التنظيمي.
النظام 1: التسلطي الاستغلالي (Exploitative Authoritative): يمثل هذا النظام الصورة الأكثر قتامة للتسلطية الإدارية والبيروقراطية الميكانيكية العقيمة؛ حيث تتركز كل سلطات اتخاذ القرار وتحديد الأهداف في قمة الهرم الإداري دون أي مشاركة من المستويات الدنيا. تقوم دوافع العمل حصرياً على الخوف، والتهديد، والعقاب البدني أو المالي، والإكراه النفسي. تنعدم الثقة تماماً بين الرؤساء والمرؤوسين؛ حيث ينظر المديرون إلى العمال بنظرة احتقار تشكيكية، في حين تسود لدى العاملين مشاعر الحقد والخوف والكراهية للمؤسسة. تتسم قنوات الاتصال بالانحدار العمودي الصارم من الأعلى إلى الأسفل، وتقتصر على إصدار الأوامر الصارمة، بينما تنعدم الاتصالات الصاعدة إلا عندما تكون مشوهة وملفقة لتجنب العقاب؛ وتكون النتيجة الحتمية نشوء تنظيم غير رسمي سري يقاوم أهداف المؤسسة عبر التخريب الصامت، وتراجع الإنتاجية، وارتفاع معدلات الغياب والتمارض وتلف المنتجات.
النظام 2: التسلطي النفعي أو الخيّر (Benevolent Authoritative): يُجسد هذا النظام نمط الإدارة “الأبوية الاستعلائية” (Paternalistic Leadership)؛ حيث تظل القرارات الإستراتيجية والجوهرية حكراً على القيادة العليا، لكن مع السماح للمستويات الإدارية الوسيطة باتخاذ قرارات تشغيلية مقيدة ضمن أطر صارمة ومحددة سلفاً. تحل الحوافز والمكافآت النقدية محل التهديد المستمر بالعقاب، لكنها مكافآت مشروطة بالولاء والطاعة التامة وتوزيع الفتات. تبدو الثقة بين القائد والمرؤوسين من نمط ثقة “السيد بالخادم الصالح”؛ ثقة متعالية وحذرة، لا تسمح بأي ندية فكرية. ورغم أن هذا النمط يقلل نسبياً من العداء السافر للمؤسسة مقارنة بالنظام الأول، إلا أنه يولد بيئة من النفاق الوظيفي، والتبعية النفسية المطلقة، وضعف المبادرة الذاتية، ويقود في النهاية إلى أداء تنظيمي هش وتقليدي لا يمتلك أي مرونة للتكيف مع الأزمات والتغيرات السريعة.
6.2 النظام الثالث والرابع: الاستشاري والتشاركي
في الاتجاه المقابل من المتصل التنظيمي، يطرح ليكرت النظامين الثالث والرابع كنماذج متقدمة تؤمن بالطاقات الكامنة للبشر وتسعى لاستثمار رأس المال النفسي والفكري لتحقيق الفاعلية القصوى.
النظام 3: الاستشاري (Consultative): يمثل هذا النمط خطوة نوعية متقدمة نحو الإدارة الديمقراطية؛ حيث تبدي القيادة ثقة ملحوظة، وإن لم تكن مطلقة، بقدرات وأفكار المرؤوسين. تتدفق الاتصالات في هذا النظام في اتجاهين: هابطة وصاعدة، بل وحتى أفقية بين الزملاء في نفس المستوى. يحرص المديرون على استشارة العاملين ومناقشة تفاصيل مشكلات العمل معهم واستطلاع اتجاهاتهم قبل إصدار القرارات، غير أن الحق النهائي في اتخاذ القرار وإقراره يظل محصوراً في يد القيادة العليا. يشعر الموظفون في هذا النظام بتقدير نسبي لقيمتهم وكفاءتهم، مما يعزز دافعيتهم للعمل، غير أن استمرار تمركز اتخاذ القرارات النهائية في القمة قد يولد إحباطات متفرقة عندما يتم تجاهل الملاحظات الميدانية، الأمر الذي يجعل النظام الاستشاري مرحلة انتقالية واعدة لكنها لم تبلغ قمة النضج المؤسسي بعد.
النظام 4: الجماعي التشاركي (Participative Group): يمثل هذا النظام النموذج المثالي (Ideal-Type) والذروة التنظيمية التي دعا إليها رينسيس ليكرت، واعتبرها أعظم اكتشافاته العلمية. يقوم النظام الرابع على دعائم سيكومترية وإدارية ثورية تتلخص في النقاط التالية:
- الثقة المتبادلة الكاملة: تسود الثقة المطلقة وغير المشروطة بين القادة وجميع أفراد التنظيم في شتى القضايا والمهام.
- صنع القرار اللامركزي التكاملي: تتوزع عملية اتخاذ القرارات عبر فرق عمل متداخلة في شتى المستويات، ولا تُفرض الأهداف فرضاً بل تُصاغ بتوافق جماعي يمنح الجميع شعور “الملكية النفسية” للأهداف المؤسسية.
- التدفق الاتصالي الشامل: تسري المعلومات بحرية ودون تشويه أو خوف رأسياً وأفقياً وقطرياً، مما يوفر شفافية معلوماتية كاملة تعزز دقة وسرعة الاستجابة الميدانية.
- الدافعية عبر تحقيق الذات: يُحفز العاملون من خلال تحقيق ذواتهم، والمشاركة في الإنجاز، والتقدير الاجتماعي، إلى جانب التعويضات المادية العادلة.
أثبت ليكرت عبر سلسلة من الدراسات الطولية المقارنة في كبريات الشركات أن المؤسسات التي نجحت في التحول إلى “النظام الرابع” حققت قفزات مذهلة في معدلات الإنتاجية، وانخفاضاً حاداً في نسب الهدر وتكاليف التشغيل، وتراجعاً قياسياً في دوران العمالة والنزاعات النقابية، متفوقة بمسافات شاسعة على المنظمات القابعة في النظامين الأول والثاني.
6.3 أداة القياس النفسي للمناخ الإداري (Profile of Organizational Characteristics)
لم يترك ليكرت نظريته في أنماط الإدارة الأربعة في إطار التنظير الوصفي المجرد، بل سارع – مدفوعاً بعبقريته السيكومترية – إلى صياغة أداة تشخيصية تطبيقية لقياس هذا البناء النظري بدقة كمية، وهي استبانة “ملف الخصائص التنظيمية” (Profile of Organizational Characteristics – POC). صُممت هذه الأداة لتقييم المناخ والنمط الإداري السائد في أي مؤسسة عبر مسح واسع لآراء العاملين بمختلف مستوياتهم.
تغطي الأداة سبعة أبعاد تشخيصية جوهرية تُقاس بسلسلة من فقرات ليكرت المصممة بعناية فائقة، وهي:
- العمليات القيادية (طبيعة الثقة، ونمط التفاعل، واستخدام النفوذ).
- القوى الدافعية (الأسس المستخدمة للتحفيز: خوف، مكافأة، إنجاز، مشاركة).
- عمليات الاتصال (اتجاهه، مداه، دقته، تقبل المعلومات الصاعدة).
- عمليات التفاعل والتأثير (طبيعة العلاقات البينية وإمكانية التأثير في الأهداف).
- عمليات اتخاذ القرارات (موقعها، معرفة القائمين بها بالواقع الميداني، المشاركة فيها).
- تحديد الأهداف (كيفية صياغتها، والالتزام بها، ومستوى الطموح التنظيمي).
- عمليات الرقابة (تمركزها، وطبيعة استخدامها: أداة عقاب أم توجيه ذاتي ودعم).
تتميز استبانة ليكرت بتقنية فريدة تطلب من المفحوص الإجابة عن كل فقرة مرتين على متصل التدريج: المرة الأولى لتوصيف “الوضع التنظيمي الفعلي القائم” (Now / Real)، والمرة الثانية لتحديد “الوضع التنظيمي المأمول أو المرغوب” (Ideal). يتيح تحليل الفجوة الحسابية (Gap Analysis) بين القياسين لعلماء النفس التنظيمي واستشاريي التطوير المؤسسي رسم منحنى تشخيصي بصري دقيق يوضح مدى بعد المنظمة عن “النظام الرابع”، وتحديد مواطن الخلل الهيكلي بدقة إحصائية متناهية، مما يحول الاستبانة من مجرد ورقة بحثية إلى أداة تدخل سيكولوجي موجه لقيادة عمليات التغيير الثقافي والمؤسسي الشامل.
7. نموذج ‘الحلقة الرابطة’ (Linking Pin Model) وديناميات الجماعات
7.1 البنية الهيكلية للمؤسسة كشبكة من المجموعات المتداخلة
وجّه رينسيس ليكرت نقداً لاذعاً للهياكل التنظيمية الهرمية الكلاسيكية الموروثة عن النماذج العسكرية والبيروقراطية التقليدية؛ حيث رأى أن المخططات الهيكلية الرأسية الصارمة تمزق المؤسسة إلى “جزر منعزلة”، وتختزل العلاقات التنظيمية في خطوط فردية عمودية بين (رئيس ومرؤوس)، مما يقتل العمل الجماعي، ويولد مشاعر التنافس غير البناء والصراع الداخلي العقيم بين الأقسام والإدارات على الموارد والنفوذ.
في مقابل هذا النموذج المتآكل، طرح ليكرت في كتابه التأسيسي “أنماط جديدة للإدارة” (1961) تصوره الهيكلي الثوري المعروف عالمياً باسم نموذج الحلقة الرابطة (Linking Pin Model). يُعيد هذا النموذج تعريف المؤسسة لا كبناء هرمي من الأفراد المنعزلين، بل كـ “شبكة متكاملة من مجموعات العمل المتداخلة” (Interlocking Groups). وفي هذا البناء الجديد، لا يعمل الفرد بمفرده بل بوصفه عضواً في فريق عمل جماعي مترابط يسعى لتحقيق أهداف محددة.
يكمن الابتكار العبقري في تعريف دور “القائد” أو “المشرف” في هذا النظام؛ فالقائد لم يعد مجرد آمر عمودي يصدر التعليمات، بل هو “حلقة وصل رابطة” (Linking Pin) عضوية؛ يمتلك عضوية مزدوجة متزامنة وحيوية:
- هو قائد موجه وراعٍ لمجموعة العمل التابعة له في مستواه الإداري الأدنى، ينسق جهودها ويحفز قدراتها ويدافع عن مصالحها.
- وهو في الوقت ذاته عضو مرؤوس مساوٍ لزملائه في مجموعة العمل ذات المستوى الإداري الأعلى التي تضم مديره وأقرانه من قادة المجموعات الأخرى.
تضمن هذه العضوية المزدوجة المتراكبة تدفقاً سلساً وفورياً للمعلومات والأفكار والاحتياجات في كل الاتجاهات؛ فصوت العاملين في خط الإنتاج الأدنى ينتقل عبر “الحلقة الرابطة” بأمانة وفاعلية إلى المستويات الإستراتيجية العليا، وتوجيهات الإدارة العليا تتدفق إلى الميدان مشفوعة بالفهم والإقناع وليس بالإكراه، مما يقضي تماماً على الاختناقات البيروقراطية وتضارب الأولويات.
7.2 الآثار النفسية للتكامل الجماعي وصنع القرار المشترك
ينطوي نموذج “الحلقة الرابطة” على مضامين نفسية وسيكولوجية بالغة العمق تتجاوز مجرد إعادة ترتيب المربعات في الهيكل التنظيمي؛ إذ يرى ليكرت أن انتماء الفرد لمجموعة عمل متماسكة وداعمة يمثل حاجة نفسية فطرية متجذرة لتحقيق الأمان والانتماء وتقدير الذات، وهي حاجات تقمعها الهياكل الفردية البيروقراطية الصارمة.
يعمل الاندماج في مجموعات متداخلة على محاصرة “الاغتراب التنظيمي” وتخفيف “تنازع الأدوار” (Role Conflict) وغموضها؛ حيث يتيح التفاعل المستمر داخل المجموعة للعاملين فهم السياق الكلي لمهامهم، وتعديل سلوكياتهم في ضوء التغذية الراجعة الفورية من أقرانهم، وليس فقط من رؤسائهم. كما توفر المجموعة “شبكة دعم سيكولوجي” تمتص ضغوط العمل وتحد من الإجهاد المهني، مما يعزز الصلابة النفسية الجمعية لأفراد التنظيم في مواجهة الأزمات المفاجئة.
على صعيد اتخاذ القرارات، يؤدي نموذج الحلقة الرابطة إلى تفكيك مقاومة التغيير (Resistance to Change) بشكل تلقائي. ففي إطار أبحاث ديناميات الجماعة التي استند إليها ليكرت، ثبت أن الأفراد الذين يشاركون بفعالية في دراسة المشكلات والمساهمة في صياغة الحلول التنظيمية يكتسبون التزاماً ذاتياً وأخلاقياً عميقاً بإنجاح تلك القرارات، مقارنة بالقرارات التي تُسقط عليهم فوقياً. كما يثري التفكير الجماعي التعاوني الابتكار المؤسسي، حيث تتلاقح الخبرات المتنوعة لأعضاء المجموعات المتداخلة لتقديم حلول إبداعية تتجاوز بكثير ما يمكن أن يصل إليه أي قائد بمفرده في ظل التعقيد المتزايد لبيئات الأعمال المعاصرة.
8. نظرية الدافعية والعلاقات الإنسانية والفاعلية التنظيمية
8.1 مبدأ العلاقات الداعمة (Principle of Supportive Relationships)
يحتل “مبدأ العلاقات الداعمة” مكانة القلب النابض في المنظومة الفكرية لرينسيس ليكرت؛ إذ يُعد المبدأ التوجيهي العام والمظلة النظرية التي تحكم كل تفاعل سلوكي وتنظيمي داخل المؤسسة الإنسانية السليمة. صاغ ليكرت هذا المبدأ بعبارة أكاديمية دقيقة تنص على أن: “عمليات القيادة والسياسات التنظيمية للمؤسسة يجب أن تضمن دائماً أن يشعر كل عضو داخل التنظيم، في ضوء خلفيته وتطلعاته وقيمه الشخصية، بأن تجاربه وتفاعلاته داخل المنظمة تبني وتدعم شعوره المستمر بأهميته وقيمته الشخصية”.
ينطلق هذا المبدأ من رؤية سيكولوجية عميقة تُدرك أن المحرك الأقوى للدافعية الإنسانية المستدامة ليس الخوف ولا الأجر المادي المنعزل، بل رغبة الإنسان الأساسية في أن يُعامل كفرد ذي قيمة وكرامة، وأن تحظى مساهماته الفكرية والعملية بالاعتراف والتقدير من الجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها في ميدان العمل. عندما تتسم سلوكيات القائد بالدعم، والإصغاء الحقيقي، والحرص الصادق على نمو مرؤوسيه مهنياً ونفسياً، يتحرر الموظفون من مشاعر الدفاعية والترقب الحذر، وتتحول طاقاتهم النفسية المستنزفة في القلق إلى طاقات ابتكارية موجهة نحو الإنجاز والتفوق.
يتجاوز مبدأ العلاقات الداعمة ثنائية “الاهتمام بالعمل أو الاهتمام بالناس” الزائفة؛ فليكرت لم يكن يدعو إلى تفريط في الإنتاج باسم العلاقات الطيبة، بل أثبت تجريبياً أن القيادة التي تُظهر اهتماماً حقيقياً بالإنسان ومشاعره واحتياجاته السيكولوجية هي الوحيدة القادرة على دفع هذا الإنسان للالتزام بأعلى معايير الإنجاز التنافسي، مما يمنع حدوث الاحتراق النفسي (Job Burnout) ويؤسس لمناخ مهني يتسم بالعافية السلوكية والتفاني الطوعي.
8.2 الإنتاجية قصيرة المدى مقابل الإنتاجية طويلة المدى المستدامة
أزاح ليكرت الستار عن واحدة من أخطر الخدع الإدارية والمالية التي تضلل المؤسسات والشركات، وهي ظاهرة “وهم الإنتاجية المرتفعة تحت الإدارة التسلطية الصارمة على المدى القريب”. رصد ليكرت في دراساته الميدانية أن القائد التسلطي (النظام 1 أو 2) الذي يعتمد على الضغط الهائل، والإكراه، والتهديد، قد ينجح بالفعل خلال عام أو عامين في إجبار الموظفين على زيادة وتيرة الإنتاج ورفع الأرباح الدفترية اللحظية، مما يجعل الإدارة العليا تتوهم خطأً نجاح هذا النموذج القهري.
إلا أن ليكرت حذر عبر تتبعه الطولي الصارم للبيانات من أن هذه النتائج قصيرة الأجل تُدفع من “رأس المال النفسي للمنظمة”؛ إذ تؤدي هذه الأساليب التسلطية إلى تراكم بطيء وغير مرئي في بدايته لمشاعر الغضب، والإحباط، وفقدان الثقة، والتوتر المزمن. وما تلبث هذه الآثار السلبية الكامنة أن تنفجر بحلول العام الثالث أو الرابع على شكل قفزات مدمرة في معدلات دوران الكفاءات، وارتفاع هائل في نسب الغياب والأخطاء المهنية، والإضرابات العمالية، وتكلفة التقاضي، وتدهور سمعة المؤسسة، مما يؤدي في النهاية إلى انهيار اقتصادي تتجاوز تكاليفه بكثير تلك المكاسب الوهمية السريعة التي تحققت في البداية.
لتفسير هذه الدينامية الإحصائية المعقدة، قدم ليكرت “نموذجه التكاملي للمتغيرات التنظيمية”، والذي قسم فيه المتغيرات المؤثرة في حياة المؤسسة إلى ثلاث فئات متسلسلة سببياً:
- المتغيرات السببية (Causal Variables): وهي العوامل المستقلة التي تخضع لتحكم الإدارة وقراراتها المباشرة؛ مثل الهيكل التنظيمي، والسياسات، والنمط القيادي المعتمد، والإستراتيجيات.
- المتغيرات المتداخلة أو الوسيطة (Intervening Variables): وهي الحالات النفسية والسيكولوجية الداخلية لأفراد المؤسسة التي تتأثر بالمتغيرات السببية؛ وتشمل الروح المعنوية، والولاء، ومستوى الثقة، والدوافع، والاتجاهات، وتماسك الجماعة، والإدراك المشترك.
- متغيرات المخرجات النهائية (End-Result Variables): وهي النتائج الاقتصادية والإنتاجية النهائية المترتبة على تفاعل المتغيرات السابقة؛ وتشمل حجم الإنتاج، والأرباح، ونسب الهدر، وتكاليف التشغيل، وجودة الخدمات.
برهن ليكرت رياضياً على أن المتغيرات السببية الإدارية لا تنتقل مباشرة إلى المخرجات النهائية دون المرور بالمتغيرات الوسيطة وتعديلها. فالإدارة التسلطية تضغط المتغيرات السببية لتحقيق مخرجات مؤقتة، مدمرةً في طريقها المتغيرات الوسيطة الحيوية، بينما تنجح الإدارة التشاركية الإنسانية (النظام 4) في بناء وتغذية المتغيرات النفسية الوسيطة، مما يقود حتمياً إلى مخرجات ربحية واقتصادية هائلة، ومستدامة لعقود طويلة.
9. محاسبة الموارد البشرية (Human Resource Accounting): رؤية سابقة لعصرها
9.1 تأصيل المفهوم والدوافع النظرية
في أواخر ستينيات القرن العشرين، انطلق رينسيس ليكرت في مغامرة فكرية ريادية جديدة بالتعاون الوثيق مع الباحث إريك فلامهولتز (Eric Flamholtz) وويليام بايل في معهد البحوث الاجتماعية، وبالتنسيق مع كبرى شركات تصنيع المنتجات المطاطية مثل شركة “آر جي باري” (R.G. Barry Corporation). كانت هذه المغامرة تهدف إلى التأسيس الأكاديمي لحقل معرفي جديد كلياً عُرف باسم “محاسبة الموارد البشرية” (Human Resource Accounting – HRA).
وجّه ليكرت نقداً إبستيمولوجياً واقتصادياً لاذعاً لمعايير المحاسبة المالية التقليدية المقبولة عموماً (GAAP)؛ حيث رأى أنها تعاني من عمى تنظيمي فاضح وتخلف نظري خطير. فالنظم المحاسبية الكلاسيكية تعامل كل إنفاق استثماري على الأفراد وتدريبهم وصحتهم النفسية وتطوير معنوياتهم باعتباره مجرد “تكاليف ومصروفات جارية” (Expenses) تُخصم فوراً من أرباح العام، بينما تصنف شراء الآلات والمباني والمعدات كـ “أصول رأسمالية” (Capital Assets) تُسجل في الميزانية العمومية للشركات وتُستهلك قيمتها على مدى سنوات طويلة.
أكد ليكرت أن هذا المنطق المحاسبي المعيب يقود المديرين – المحكومين بتقارير الأرباح الفصلية قصيرة الأجل – إلى تقليص برامج التدريب والتطوير وإرهاق العاملين لتحقيق وفورات محاسبية خادعة ترفع من أسهم الشركة مؤقتاً، في حين أنهم في حقيقة الأمر “يبيعون ويستهلكون” الأصول البشرية الأثمن للمؤسسة دون أن تسجل الدفاتر المحاسبية هذا التآكل الكارثي. دعا ليكرت إلى ثورة تصحيحية تقضي بإدراج الكفاءات والقدرات والاتجاهات النفسية الإيجابية للعاملين كـ “أصول بشرية استراتيجية” (Human Assets) تمتلك قيمة مستقبلية متدفقة، مع حساب التكاليف الاقتصادية الحقيقية لتدهور الروح المعنوية، والرضا، وارتفاع معدلات الدوران والغياب، وإدراجها كخسائر رأسمالية مباشرة في القوائم المالية.
9.2 التحديات المنهجية وتأثير النموذج في الفكر الإداري اللاحق
رغم الرؤية الفكرية الثورية لمحاسبة الموارد البشرية، إلا أن النموذج واجه عقبات وتحديات تطبيقية شاقة حالت دون اعتماده الشامل في القوانين المحاسبية الإلزامية آنذاك؛ وجاءت هذه التحديات على جبهات متعددة:
- الصعوبة المنهجية للتقييم المالي: صعوبة وضع معادلات نقدية موضوعية متفق عليها لتحويل المتغيرات النفسية الكامنة كالانتماء والولاء والرضا إلى أرقام مالية محددة بدقة ترضي متطلبات مراجعي الحسابات الماليين.
- المقاومة المؤسسية المحاسبية: واجه النموذج رفضاً شديداً من الهيئات المحاسبية المحافظة، مثل مجلس معايير المحاسبة المالية (FASB) وهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC)، التي تخوفت من فتح باب التلاعب بالقوائم المالية عبر تقييمات ذاتية للأصول غير الملموسة.
- المعضلة الأخلاقية: التخوف الفلسفي والأخلاقي لدى نقابات العمال من أن يؤدي تقييم البشر كأصول مالية إلى تحويلهم مجدداً إلى “سلع” قابلة للتملك والاستهلاك في دفاتر الشركات.
ومع ذلك، أثبت التاريخ اللاحق سداد استبصار ليكرت المستقبلي؛ إذ شكلت أطروحاته في محاسبة الموارد البشرية الأرضية النظرية التي انطلقت منها المفاهيم الإدارية المعاصرة في تسعينيات القرن العشرين وبدايات الألفية الثالثة، وعلى رأسها نظريات “رأس المال الفكري” (Intellectual Capital)، و”رأس المال البشري”، و”رأس المال النفسي الإيجابي” (Positive Psychological Capital). كما كان لنموذجه فضل مباشر في إلهام روبرت كابلان وديفيد نورتون لتطوير منهجية بطاقة الأداء المتوازن (Balanced Scorecard)، التي وسعت تقييم أداء المنظمات ليتجاوز الأرقام المالية المجردة ويشمل رضا العاملين، وتطور العمليات الداخلية، والتعلم والنمو المؤسسي، محققةً بذلك وصية ليكرت بضرورة النظر إلى الإنسان بوصفه أصل الوجود التنظيمي ومصدر قيمته الدائمة.
10. التطبيقات الميدانية والاستشارات التنظيمية لليكرت بعد التقاعد
10.1 تأسيس شركة ‘رينسيس ليكرت أسوشيتس’ (RLA)
وصل رينسيس ليكرت إلى سن التقاعد الأكاديمي الإلزامي من جامعة ميشيغان عام 1970 بعد ربع قرن من القيادة التاريخية لمعهد البحوث الاجتماعية، غير أن تقاعده من قاعات التدريس لم يكن سوى تدشين لمرحلة استشارية وتطبيقية أكثر حيوية وتأثيراً في الميدان الصناعي والتجاري العالمي. أسس ليكرت في آن أربور شركة استشارات تنظيمية دولية حملت اسمه: “رينسيس ليكرت أسوشيتس” (Rensis Likert Associates – RLA)، ليعمل من خلالها كخبير ومستشار إستراتيجي لأضخم الكيانات الاقتصادية والحكومية في العالم.
نقل ليكرت في شركته الاستشارية أدواته السيكومترية ونظرياته في النظم التشاركية من رفوف المكتبات إلى أرض الواقع في شركات عملاقة، مثل “جنرال موتورز” (General Motors)، وشركة صناعة الألومنيوم الأمريكية “ألكوا” (Alcoa)، و”بروكتر آند غامبل” (Procter & Gamble). وطوّر ليكرت بالتعاون مع فريقه منهجية استشارية متكاملة أطلق عليها اسم “التطوير المؤسسي الموجه بالمسوح” (Survey-Guided Development – SGD)، وهي منهجية منهجية متقدمة تقوم على الخطوات التالية:
- إجراء مسح سيكومتري وتشخيصي شامل ودقيق لجميع العاملين باستخدام استبانات ليكرت وأنماط الإدارة الأربعة.
- إعادة تغذية البيانات (Data Feedback) إلى مجموعات العمل والقيادات في حلقات نقاش موجهة ومفتوحة لتحليل الفجوات ومواطن القصور.
- صياغة خطط عمل تصحيحية بمشاركة جماعية لمعالجة الاختناقات القيادية والاتصالية والانتقال بالمنظمة تدريجياً نحو النظام الرابع.
- إعادة القياس الدوري للتحقق من ثبات التحسن التنظيمي وربطه بالمؤشرات المالية.
نجحت شركة (RLA) في إثبات “العائد على الاستثمار” (ROI) للتدخلات السيكولوجية والإنسانية بلغة الأرقام والمكاسب الاقتصادية الصريحة، مما جعل من خدمات ليكرت الاستشارية المرجع الأكثر طلباً لإصلاح الثقافة المؤسسية للشركات العالمية في سبعينيات القرن العشرين.
10.2 مؤلفات ليكرت المركزية وأثرها في الأدبيات السيكولوجية
ترك رينسيس ليكرت وراءه إرثاً تأليفياً رفيع المستوى، تُرجم إلى عشرات اللغات الأجنبية، وأصبح من الكلاسيكيات التأسيسية التي لا يستغني عنها أي باحث في علوم الإدارة وعلم النفس الصناعي والتنظيمي. تجسدت رؤيته المركزية في ثلاثة مؤلفات جوهرية صاغت الوعي القيادي المعاصر:
كتاب “أنماط جديدة للإدارة” (New Patterns of Management, 1961): وهو الكتاب الذي أحدث زلزالاً معرفياً فور صدوره، وصنفته الجمعية الأمريكية للإدارة كواحد من أهم الكتب الإدارية تأثيراً في القرن العشرين. استعرض ليكرت في هذا السفر الضخم نتائج أبحاثه التجريبية الميدانية الممتدة منذ عام 1947، وقدم فيه لأول مرة توصيفاً تفصيلياً لأنماط الإدارة الأربعة، ومفهوم “الحلقة الرابطة”، ومبدأ العلاقات الداعمة، مستنداً إلى مئات الجداول الإحصائية ومصفوفات الارتباط التي حسمت النقاش حول تفوق الإدارة التشاركية.
كتاب “المنظمة الإنسانية: إدارتها وقيمتها” (The Human Organization: Its Management and Value, 1967): جاء هذا المؤلف استكمالاً وتعميقاً لكتابه الأول؛ حيث صاغ فيه ليكرت نموذجه الرياضي للمتغيرات السببية والوسيطة والنهائية، وفصل فيه أبعاد استبانة الخصائص التنظيمية (POC). كما شهد هذا الكتاب إطلاق الشرارة الأولى لنظرية “محاسبة الموارد البشرية”، مبيناً بالتجارب الحسابية كيفية إدراج القيمة الاقتصادية للأصول البشرية ضمن أصول الشركات، وكيفية حماية المنظمات من تدمير معنويات موظفيها باسم خفض النفقات اللحظي.
كتاب “طرق جديدة لإدارة النزاعات” (New Ways of Managing Conflict, 1976): ألفه ليكرت بالاشتراك مع زوجته ورفيقة دربه الفكري جين جيبسون ليكرت (Jane Gibson Likert)؛ وكرساه لتطبيق مبادئ “النظام الرابع” في تسوية النزاعات الحادة، سواء بين الإدارات والعمال، أو داخل المدارس والجامعات، أو حتى النزاعات العرقية والمجتمعية والدولية. ركز الكتاب على استراتيجيات حل المشكلات التكاملية (Win-Win Solutions) القائمة على بناء الثقة، والإصغاء العميق، وتغليب الأهداف العليا المشتركة على المصالح الفئوية الضيقة.
لا تزال هذه الكتب حتى يومنا هذا مقررات ومراجع إجبارية في برامج الماجستير والدكتوراه في كليات إدارة الأعمال وعلم النفس السلوكي والتربية في كبريات جامعات العالم، ومصدراً ملهماً لا ينضب للنظريات القيادية الحديثة.
11. التقييم النقدي والمقارنة مع رواد الفكر التنظيمي المعاصرين
11.1 الانتقادات والحدود المنهجية لأطروحات ليكرت
رغم المكانة التاريخية الرفيعة التي تبوأها ليكرت، إلا أن أطروحاته ونظرياته تعرضت لقراءات نقدية فاحصة من باحثي نظرية المنظمة والمناهج الإحصائية؛ تركزت حول عدد من الحدود والقيود المنهجية الجديرة بالاعتبار:
- نقد المثالية التنظيمية والتعميم المطلق (Normative Utopianism): اعتبر نقاد المدرسة الموقفية والشرطية في الإدارة (Contingency Theory) – مثل فريد فيدلر، وبول هيرسي، وكينيث بلانشارد – أن دعوة ليكرت الجازمة إلى تعميم “النظام الرابع” كنظام مثالي صالح لكل زمان ومكان تتسم بقدر من المثالية المفرطة. فبينما يثبت النظام التشاركي نجاحه الباهر في بيئات البحث والتطوير والشركات المعرفية والوظائف الابتكارية، فإنه قد يكون شديد البطء وعاجزاً عن العمل في بيئات الأزمات الحادة، أو غرف الطوارئ الطبية، أو المؤسسات العسكرية والشرطية التي تتطلب انضباطاً فورياً واتخاذ قرارات فردية حاسمة لا تحتمل المشاورات المطولة.
- مشكلات التعميم الثقافي العابر للأوطان: بُنيت أبحاث ليكرت ومسوح معهد البحوث الاجتماعية بصورة أساسية في المجتمع الأمريكي وفي بيئات صناعية غربية؛ وافترضت ضمناً أن النزعة نحو الديمقراطية التشاركية واستقلالية الفرد تمثل حاجة إنسانية شاملة ومطلقة. غير أن أبحاث علم النفس الثقافي اللاحقة – لا سيما دراسات جيرت هوفستيد (Geert Hofstede) في أبعاد الثقافات الوطنية – أثبتت أن المجتمعات التي تتميز بمؤشر “مسافة سلطة عالية” (High Power Distance) أو جماعية محافظة تفضل غالباً الأنماط الأبوية والتسلطية الخيرة (النظام 2)، وتنظر إلى المشاركة الواسعة للقرارات كعلامة على ضعف القائد وتخليه عن واجباته ومسؤولياته.
- معضلة السببية (Causality Dilemma): أشار بعض علماء المنهجية إلى أن معظم الدراسات المسحية التي استند إليها ليكرت كانت دراسات ارتباطية مقطعية (Cross-Sectional Correlation)، وهو ما يفتح الباب واسعاً للتساؤل السببي الشهير: هل تؤدي القيادة التشاركية في النظام الرابع حقاً إلى رفع الإنتاجية والرضا الوظيفي، أم أن المنظمات والشركات الناجحة مالياً ومستقرة تشغيلياً هي التي تمتلك “الرفاهية الاقتصادية” والموارد الفائضة التي تسمح لها بتبني الأنماط التشاركية واستشارة العاملين دون خوف على أرباحها؟
- محدودية الاستجابة الذاتية والتباين المشترك للمنهج (Common Method Variance): نظراً لاعتماد ليكرت الواسع على الاستبانات المقننة الذاتية لقياس المناخ التنظيمي والمخرجات، فإن البيانات قد تعاني من تضخم اصطناعي لمعاملات الارتباط ناتج عن استخدام نفس الأداة الإدراكية لقياس المتغيرات المستقلة والتابعة معاً، فضلاً عن تأثير تحيزات الرغبة الاجتماعية والنزعة المركزية لدى المستجيبين.
11.2 المقارنة مع دوغلاس ماكغريغور وأبراهام ماسلو وبليك وموتون
ينتمي رينسيس ليكرت إلى الجيل الذهبي لعلماء الإنسانية السلوكية الذين غيروا وجه الفكر المؤسسي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين؛ وتظهر المقارنة التحليلية مع معاصريه تكاملاً فكرياً لافتاً، مع تميز منهجي حاسم لليكرت في طبيعة التدليل العلمي:
| المفكر / المنظر | النظرية المركزية المقابلة | نقاط الالتقاء مع ليكرت | أوجه التمايز وخصوصية ليكرت |
|---|---|---|---|
| دوغلاس ماكغريغور (Douglas McGregor) |
نظرية X ونظرية Y (Theory X and Theory Y) |
يتطابق النظام (1 و2) لليكرت كلياً مع افتراضات نظرية X التشاؤمية، بينما يجسد النظام (4) التطبيق العملي الكامل لافتراضات نظرية Y الإيجابية حول حب الإنسان الفطري للعمل والمسؤولية. | كان ماكغريغور فيلسوفاً ومفكراً نوعياً، بينما تفوق ليكرت بتحويل هذه الافتراضات الفلسفية إلى أداة سيكومترية قابلة للقياس الرياضي (POC) معززة بقواعد بيانات مسحية هائلة. |
| أبراهام ماسلو (Abraham Maslow) |
هرم الاحتياجات الإنسانية (Hierarchy of Needs) |
يرتكز مبدأ العلاقات الداعمة والنظام الرابع على إشباع الحاجات العليا في هرم ماسلو (الانتماء، وتقدير الذات، وتحقيق الذات) داخل بيئة العمل اليومية. | انطلق ماسلو من علم النفس العيادي والتحليل الإنساني للأفراد المتميزين، بينما انطلق ليكرت من علم النفس الاجتماعي المسحي الميداني داخل الشركات والمصانع الإنتاجية الكبرى. |
| روبرت بليك وجين موتون (Blake & Mouton) |
الشبكة الإدارية (Managerial Grid) |
يتطابق النظام الرابع التشاركي تماماً مع نمط “إدارة الفريق” ذي الإحداثيات (9,9) في الشبكة الإدارية، والذي يدمج أقصى اهتمام بالإنتاج مع أقصى اهتمام بالإنسان. | اعتمد بليك وموتون على مصفوفة ثنائية الأبعاد، في حين قدم ليكرت متصلاً متعدد الأبعاد يربط الهيكل الاتصالي وديناميات الجماعة (الحلقة الرابطة) بمخرجات محاسبة الموارد البشرية. |
تتجلى الفرادة التاريخية لرينسيس ليكرت بين هذه القامات السامقة في كونه “الرجل التجريبي والمنهجي الصارم” للمدرسة الإنسانية؛ فلم تكن أفكاره مجرد أطروحات تأملية استنتاجية، بل كانت مخرجات مباشرة لملايين الاستجابات والبيانات الإحصائية المقننة التي عالجها وصمم أدواتها بنفسه، مما منح أفكاره مصداقية مادية استثنائية صمدت في وجه المشككين لعقود طويلة.
12. الإرث المستدام لرينسيس ليكرت في علم النفس والعلوم السلوكية المعاصرة
12.1 المكانة الأبدية لمقياس ليكرت في البحث العلمي العالمي
لو لم يقدم رينسيس ليكرت طوال مسيرته العلمية الحافلة سوى أطروحته المنشورة عام 1932 والمكونة من بضع عشرات من الصفحات، لكان ذلك كافياً ليخلد اسمه بأحرف من نور في سجلات كبار العلماء في التاريخ البشري. فاليوم، لا توجد زاوية في كوكب الأرض يُمارس فيها بحث علمي في مجالات علم النفس، أو الاجتماع، أو التربية، أو الطب والرعاية الصحية، أو استطلاعات الرأي العام والانتخابات، أو التسويق، دون أن يكون “مقياس ليكرت” الركيزة المنهجية الأولى لجمع البيانات وتحليل الاتجاهات.
أظهر مقياس ليكرت مرونة تكنولوجية وإبستيمولوجية أسطورية؛ فمع الانتقال من الاستبانات الورقية إلى منصات جمع البيانات السحابية العملاقة ومنصات الاستطلاع الإلكتروني (مثل Qualtrics وSurveyMonkey)، وتطبيقات دراسات تجربة المستخدم (UI/UX Design)، ظل مقياس ليكرت الخيار الأمثل والأنقى برمجياً وإدراكياً لالتقاط انطباعات المستخدمين ومشاعرهم ومواقفهم حيال المنتجات الرقمية والسياسات العامة. كما أن مؤشرات الاقتصاد المعاصر الذائعة، مثل مؤشر الترويج الصافي (Net Promoter Score – NPS) ومقاييس إشراك الموظفين المعاصرة (Employee Engagement)، ليست في جوهرها سوى مشتقات حديثة واقتباسات مباشرة من البنية الرياضية التي أرسى دعائمها ليكرت قبل قرن من الزمان.
على الصعيد النظري المتقدم للقياس السيكومتري، مهدت أعمال ليكرت الكلاسيكية الطريق لتطور النماذج الإحصائية الحديثة؛ ومنها “نظرية الاستجابة للمفردة” (Item Response Theory – IRT)، وتحديداً نموذج الاستجابة المتدرجة لساميجيما (Samejima’s Graded Response Model) ونموذج التقدير الجزئي لماسترز (Masters’ Partial Credit Model). هذه النماذج الرياضية المتقدمة لم تلغ مقياس ليكرت، بل استندت إلى هيكل بياناته الرتبية المتعددة الفئات لتطوير معايير تقدير دقيقة تفحص صعوبة الفقرات وقوتها التمييزية على المتصل الكامن، مما يضمن بقاء أطروحة الدكتوراه الصادرة عام 1932 في قمة قوائم الاستشهادات المرجعية في تاريخ العلوم السلوكية قاطبة.
12.2 الدروس المستفادة والتوجهات المستقبلية للقيادة السيكولوجية
إن استعادة فكر رينسيس ليكرت وقراءته بعيون معاصرة تكشف عن راهنية مذهلة لأطروحاته في خضم التحولات التي يشهدها عالم العمل والإنتاج في القرن الحادي والعشرين. في عصر الثورة الصناعية الرابعة، والذكاء الاصطناعي، والعمل عن بعد، واقتصاد المعرفة، تكتشف المنظمات العالمية اليوم حقيقة ما نادى به ليكرت في منتصف القرن الماضي: إن القوة التنافسية الحقيقية لم تعد تكمن في الأصول المادية أو الآلات التي يمكن استنساخها وشراؤها بسهولة، بل في “رأس المال النفسي والإنساني”، وفي الثقة المشتركة، وشبكات التعاون الجماعي التي يستحيل تقليدها.
تجد أحدث المنهجيات الإدارية الثورية في القرن الحالي جذورها العضوية المباشرة في نظريات ليكرت الخالدة؛ فالإدارة الرشيقة (Agile Methodology)، وفرق العمل المستقلة وذاتية الإدارة (Self-Managing Teams)، والمنظمات الفيروزية (Teal Organizations)، والأنظمة الهولاكراسية (Holacracy)، ليست سوى تنويعات وتطبيقات معاصرة متقدمة لنموذج “الحلقة الرابطة” وشبكات المجموعات المتداخلة التي صممها ليكرت لكسر الهرمية التقليدية. كما أن صعود مفاهيم “القيادة الخادمة” (Servant Leadership)، و”القيادة التمكينية” (Empowering Leadership)، ومفاهيم “الأمان النفسي في فرق العمل” (Psychological Safety) التي قادتها إيمي إدموندسون في جامعة هارفارد، تمثل جميعها انتصاراً تاريخياً وتأكيداً إمبيريقياً قاطعاً لصحة “مبدأ العلاقات الداعمة” الذي وضعه ليكرت حجر زاوية لكل فاعلية تنظيمية.
لقد جسدت سيرة رينسيس ليكرت قصة كفاح علمي استثنائية لعالم لم يرض بالانفصال بين الفكر والواقع، ورفض أن تكون الإنسانية مجرد شعارات بلا براهين؛ فصاغ أدوات قياس دقيقة حمت مشاعر الإنسان وعواطفه ومواقفه من التهميش، وأثبت للرأسمالية الصناعية العالمية بلغة الأرقام الصارمة أن احترام كرامة العامل، وإشراكه في القرار، وبناء بيئة داعمة لنموه النفسي، ليست نفقات تُهدَر، بل هي أعظم استثمار رأسمالي وأضمن طريق لتحقيق الازدهار الاقتصادي والحضاري المستدام.
خاتمة
ختاماً، يقف رينسيس ليكرت في تاريخ المعرفة الإنسانية كأحد أعظم بناة الجسور المنهجية والفكرية في العلوم الاجتماعية والسلوكية. لقد استطاع بعقليته الهندسية وروحه الإنسانية أن يرتقي بمناهج القياس النفسي من التقديرات الانطباعية إلى مستوى العلوم الوضعية المنضبطة، مخلداً اسمه بمقياس صار لغة التواصل المشتركة بين الباحثين في كل أصقاع الأرض. ولم تكن إسهاماته الإدارية سوى تجسيد عملي لإيمانه العميق بأن المنظمات البشرية تبلغ أقصى مدارج كفاءتها عندما تتحرر من الأغلال التسلطية البيروقراطية لتتبنى النماذج التشاركية القائمة على الثقة والكرامة الإنسانية. إن إرث ليكرت، الممتد من مقياسه الخماسي الشهير إلى معهد البحوث الاجتماعية ونماذج القيادة التشاركية ومحاسبة الموارد البشرية، يظل منارة علمية هادية تؤكد لكل باحث وقائد تنظيمي أن الاستماع الواعي لآراء البشر ومشاعرهم واحترام ذواتهم هو نقطة البداية والنهاية لكل تقدم علمي وإنساني حقيقي.
المراجع
- Carifio, J., & Perla, R. J. (2008). Resolving the 50-year debate around using and misusing Likert scales. Medical Education, 42(12), 1150–1152. https://doi.org/10.1111/j.1365-2923.2008.03172.x
- Cronbach, L. J. (1951). Coefficient alpha and the internal structure of tests. Psychometrika, 16(3), 297–334. https://doi.org/10.1007/BF02310555
- Flamholtz, E. G. (1974). Human Resource Accounting. Dickenson Publishing Company.
- Hofstede, G. (2011). Dimensionalizing cultures: The Hofstede model in context. Online Readings in Psychology and Culture, 2(1), 1–26. https://doi.org/10.9707/2307-0919.1014
- Kaplan, R. S., & Norton, D. P. (1992). The balanced scorecard: Measures that drive performance. Harvard Business Review, 70(1), 71–79. https://hbr.org/1992/01/the-balanced-scorecard-measures-that-drive-performance-2
- Likert, R. (1932). A technique for the measurement of attitudes. Archives of Psychology, 22(140), 1–55.
- Likert, R. (1961). New Patterns of Management. McGraw-Hill.
- Likert, R. (1967). The Human Organization: Its Management and Value. McGraw-Hill.
- Likert, R., & Likert, J. G. (1976). New Ways of Managing Conflict. McGraw-Hill.
- Mayo, E. (1933). The Human Problems of an Industrial Civilization. Macmillan.
- McGregor, D. (1960). The Human Side of Enterprise. McGraw-Hill.
- Norman, G. (2010). Likert scales, levels of measurement and the “laws” of statistics. Advances in Health Sciences Education, 15(5), 625–632. https://doi.org/10.1007/s10459-010-9222-y
- Stevens, S. S. (1946). On the theory of scales of measurement. Science, 103(2684), 677–680. https://doi.org/10.1126/science.103.2684.677
- Taylor, F. W. (1911). The Principles of Scientific Management. Harper & Brothers.
- Thurstone, L. L. (1928). Attitudes can be measured. American Journal of Sociology, 33(4), 529–554. https://doi.org/10.1086/214483