السيرة
يمثل البروفيسور إي. سكوت جيلر (E. Scott Geller) علامة فارقة في تاريخ علم النفس المعاصر، حيث استطاع على مدار أكثر من نصف قرن أن ينقل النظريات السلوكية والتجريبية من جدران المختبرات الضيقة وحجرات الاختبار المغلقة إلى قلب الواقع الإنساني والعمليات الصناعية والمجتمعية المعقدة. وُلد جيلر في خضم تحولات كبرى شهدها القرن العشرين، وكرّس مشروعه الفكري لخدمة غاية أخلاقية وعلمية سامية: حماية الأرواح، وتقليل المعاناة الإنسانية، وبناء مجتمعات قائمة على التكافل والدعم المتبادل، مستنداً إلى أرضية صلبة تجمع بين دقة المنهج التجريبي ونبل الغاية الإنسانية الوجودية.
تكمن فرادة جيلر في قدرته النادرة على الجمع بين صرامة التحليل السلوكي المستمد من مدرسة الجمعية الأمريكية لعلم النفس والإشراط الإجرائي، وبين الرؤى العميقة لعلم النفس الإنساني والدافعية الذاتية. فلم يقف عند حدود التفسير الآلي الميكانيكي للاستجابات السلوكية المرتبطة بالمثيرات البيئية المحضة، بل أعاد صياغة النموذج السلوكي برمته ليتضمن مفاهيم الثقة، والكرامة، والتعاطف، والمسؤولية الأخلاقية. ومن خلال هذا المزج الفريد، وُلد مفهوم “السلوكية الإنسانية” (Humanistic Behaviorism)، الذي تجسد لاحقاً في منظومات عملية كبرى غيّرت وجه الصناعة والسلامة المهنية عالمياً، مثل منهجية “السلامة القائمة على السلوك” (Behavior-Based Safety – BBS) وحركة “الاهتمام الفاعل بالآخرين” (Actively Caring for People – AC4P).
يقدم هذا المرجع الأكاديمي الشامل قراءة معمقة وتحليلية لمسيرة سكوت جيلر الممتدة منذ ولادته عام 1942 وحتى الوقت الحاضر. نتتبع في هذه الأطروحة نشأته وتطوره الأكاديمي في جامعة فرجينيا تك، وجذوره النظرية، والمشروعات الميدانية الرائدة التي قادها، وصولاً إلى استجاباته السيكولوجية للمآسي الإنسانية الكبرى، وأثره الدائم في القيادة المؤسسية والتعليم والسلامة البيئية، فضلاً عن تقييم نقدي لإرثه المعرفي والآفاق المستقبلية لأطروحاته في عصر الذكاء الاصطناعي والأتمتة الصناعية.
1. مدخل تعريفي: سيرة سكوت جيلر والنشأة الأكاديمية (1942 – الحاضر)
1.1 الخلفية الأسرية والمراحل التعليمية المبكرة
شهدت سنة 1942 ولادة إدوارد سكوت جيلر في الولايات المتحدة الأمريكية، في ذروة الحرب العالمية الثانية؛ وهي حقبة زمنية اتسمت بالاضطرابات الجيوسياسية وإعادة تشكيل البنى الاجتماعية والصناعية في الغرب. تركت هذه البيئة المشحونة بالدعوة إلى التضامن والتعبئة المجتمعية أثراً غير مباشر في الوعي المبكر للطفل جيلر؛ إذ ترسخت في ذهنه قيمة العمل الجماعي وأهمية الدور الذي يؤديه الفرد داخل المنظومة المجتمعية الأكبر. نشأ جيلر في أسرة أمريكية متوسطة غرست فيه الانضباط وحب الاستطلاع الأكاديمي، مما دفعه مبكراً نحو الاهتمام بالعلوم الطبيعية واستكشاف أسرار السلوك الإنساني وقدرة الإنسان على التكيف مع التحديات البيئية الضاغطة.
التحق جيلر في مساره التأسيسي الجامعي بكلية ووستر (College of Wooster)، حيث حصل على درجة البكالوريوس في علم النفس عام 1964. تميزت دراسته الجامعية الأولى بتركيز مكثف على المناهج الإحصائية والتصميم التجريبي، وتأثر بالأساتذة الذين كانوا يرون في علم النفس علماً طبيعياً صارماً يجب أن يتحرر من التخمينات الميتافيزيقية. وقد شكلت هذه المرحلة النواة الأولى لانحيازه المنهجي نحو السلوك الظاهر القابل للقياس والملاحظة، مبتعداً عن التحليلات التأملية التي كانت سائدة في بعض المدارس الفرويدية التقليدية، ليضع قدميه بثبات على طريق السيكولوجيا التجريبية الصارمة.
واصل جيلر تعليمه العالي في جامعة جنوب إلينوي في كاربونديل (Southern Illinois University at Carbondale)، وهي إحدى القلاع الأكاديمية المعروفة حينها بتطوير برامج التحليل السلوكي المتقدم. نال جيلر درجة الماجستير عام 1967، ثم تُوّج مساره الأكاديمي بالحصول على درجة الدكتوراه في علم النفس التجريبي عام 1969. ركزت أطروحته وأبحاثه المبكرة على السيكوفيزياء، والعمليات الإدراكية، ونظرية التعلم الترابطي. منحه هذا التكوين الصارم في القياس النفسي وفهم العمليات الحسية السلوكية أفقاً فريداً، وأسهم في تشكيل منهجه العلمي المستقبلي الذي لا يعترف بالنتائج إلا إذا كانت مدعومة ببيانات تجريبية دقيقة وخطوط أساس كمية يمكن إعادة تكرارها والتحقق منها تجريبياً وميدانياً.
1.2 الالتحاق بجامعة فرجينيا تك ومحطات التدرج الأكاديمي
في خريف عام 1969، انضم الدكتور سكوت جيلر إلى قسم علم النفس في معهد فرجينيا للفنون التطبيقية وجامعة الولاية المعروفة بـ فرجينيا تك (Virginia Tech) كأستاذ مساعد. كانت تلك اللحظة بداية علاقة أكاديمية وتاريخية استثنائية استمرت لأكثر من خمسة عقود دون انقطاع. وجد جيلر في فرجينيا تك بيئة خصبة تدمج بين التوجهات الهندسية والتطبيقية والعلوم الإنسانية، مما مكنه من توجيه علمه النظري نحو القضايا الملموسة التي تواجه المجتمع الصناعي والمدني في ولاية فرجينيا والولايات المتحدة ككل.
تدرج جيلر بسرعة لافتة في المراتب الأكاديمية نظير غزارة إنتاجه البحثي وأصالته المنهجية، فنال الترقية إلى أستاذ مشارك ثم أستاذ كرسي كامل، وصولاً إلى حصوله على أعلى لقب أكاديمي تمنحه الجامعة، وهو “الأستاذ المتميز للخريجين” (Alumni Distinguished Professor). لم يكن هذا اللقب مجرد اعتراف روتيني بمسيرته، بل جاء تقديراً لإسهاماته الرائدة في التدريس، وإلهام آلاف الطلاب، وتأثيره الحاسم في رفع التصنيف البحثي للجامعة على المستوى الدولي من خلال إدخال علم النفس في حل المشكلات التقنية والصناعية.
ولمأسسة هذا النشاط الميداني، أسس جيلر في رحاب الجامعة “مركز الأنظمة السلوكية التطبيقية” (Center for Applied Behavior Systems – CABS). أصبح المركز حاضنة بحثية ومختبراً حياً لاستقطاب الباحثين من مختلف دول العالم، ونفذ مئات المشروعات التي تركزت على السلامة على الطرق، والحفاظ على البيئة، والوقاية من الإصابات في المصانع. وحتى الوقت الحاضر، ورغم تقدمه في السن، يواصل جيلر نشاطه الأكاديمي المتدفق، ملقياً المحاضرات، ومشرفاً على طلاب الدراسات العليا، ومؤلفاً للأبحاث والكتب، ليظل شاهداً حياً وفاعلاً على تحولات علم النفس التطبيقي عبر قرنين من الزمان.
2. الجذور النظرية: التحول من السلوكية الراديكالية إلى السلوكية الإنسانية
2.1 التفاعل الفكري مع الإشراط الإجرائي لسكينر
بدأ المشروع الفكري لسكوت جيلر بالتفاعل النقدي والمكثف مع إرث بورهوس فريدريك سكينر (B. F. Skinner) والمدرسة السلوكية الراديكالية. تبنى جيلر في البداية القناعة السكينرية الراسخة بأن البيئة هي المحدّد الأساسي للسلوك البشري؛ حيث يتشكل السلوك عبر منظومة ثلاثية تتألف من السوابق (Antecedents)، والسلوك الظاهر (Behavior)، والعواقب البيئية المترتبة عليه (Consequences)، وهي الصيغة المعروفة بنموذج (ABC). استوعب جيلر بدقة قوانين التعزيز الإيجابي والسلبي، والعقاب، والاندثار، ورأى في هذه الآليات أدوات علمية دقيقة قادرة على تفسير السلوك دون الحاجة إلى افتراض قوى نفسية غير قابلة للرصد المباشر.
ومع ذلك، ومع انتقاله من تجارب الفئران والحمام في صناديق سكينر إلى دراسة سلوك العمال في مصانع السيارات والمناجم وورش البناء، أدرك جيلر باكراً حدود السلوكية الراديكالية الصارمة. وجد أن الاختزال الميكانيكي للبشر وتجاهل الحالات الداخلية للشخصية -كالكرامة، والتصورات الذاتية، والخوف، والرغبة في المعنى- يؤدي إلى مقاومة شديدة للتدخلات السلوكية، ويجعل الامتثال الخارجي إجراءً هشاً يزول بمجرد غياب المراقب أو انقطاع المعزز المادي. السلوكية الصارمة أظهرت عجزاً هيكلياً في توليد استدامة طويلة الأجل لدى الأفراد عندما يوضعون في سياقات تتطلب التضحية والمبادرة الفردية غير المفروضة بقوة القانون أو الحافز المالي.
أعاد جيلر على إثر ذلك قراءة “التحليل السلوكي التطبيقي” (Applied Behavior Analysis – ABA)، وقرر نقله من حيز المعالجات السريرية الفردية أو المدرسية الخاصة إلى نطاق المنظومات الاجتماعية والشركات العملاقة. رأى أن المنهج السلوكي يحتاج إلى “إعادة أنسنة” شاملة، تجعل من الفرد مشاركاً فاعلاً في صياغة عواقب سلوكه وتصميم بيئته الوقائية، بدلاً من أن يكون مجرد كائن مستجيب لمثيرات فوقية مفروضة من قِبل الإدارات أو السلطات التنظيمية، وهو ما مهّد لانطلاق ثورته الفكرية الخاصة.
2.2 بلورة مفهوم السلوكية الإنسانية (Humanistic Behaviorism)
في خطوة اعتبرها كثير من منظري السلوك الكلاسيكي مجازفة إبستيمولوجية، أعلن سكوت جيلر عن تأسيس وتأصيل تيار “السلوكية الإنسانية” (Humanistic Behaviorism). سعى هذا الإطار النظري التوفيقي المبتكر إلى تذويب الاستقطاب التاريخي الحاد والعداء التقليدي بين الإشراط الإجرائي السكينري من جهة، وأطروحات علم النفس الإنساني والوجودي لرواد مثل كارل روجرز (Carl Rogers) وأبراهام ماسلو (Abraham Maslow) من جهة أخرى. رأى جيلر أن المنهج السلوكي يقدم أدوات القياس والتدخل التجريبي الموضوعي، في حين يقدم علم النفس الإنساني البوصلة الأخلاقية والعمق الوجداني الذي يعطي لهذه الأدوات معناها وغايتها النبيلة.
تستند السلوكية الإنسانية عند جيلر إلى مبدأ محوري مفاده أن المشاعر الداخلية، والتقدير الذاتي، والشعور بالانتماء ليست مجرد ظواهر ثانوية هامشية (Epiphenomena)، بل هي محركات ديناميكية تعزز من فاعلية السلوك الملاحظ وترسخ استدامته. وفقاً لهذه الرؤية، يجب ألا تُستخدم تقنيات التعديل السلوكي للسيطرة على الأفراد أو تدجينهم لزيادة الإنتاجية الرأسمالية فحسب، بل يجب تسخيرها لتمكين الإنسان، وحماية حريته المسؤولة، وترسيخ مشاعر الاحترام والكرامة المتبادلة في بيئات العمل والمجتمع ككل.
بنى جيلر جسراً معرفياً صلباً أكد من خلاله أن السلوكيين كانوا مخطئين حين أهملوا دور التفكير والمشاعر والدافعية الداخلية، وأن الإنسانيين كانوا مقصرين حين افتقروا إلى أدوات القياس الكمي والتصميم التجريبي الذي يحوّل أفكارهم النبيلة حول “تحقيق الذات” إلى برامج عمل تطبيقية يمكن إثبات فاعليتها وتكرارها إحصائياً. كانت السلوكية الإنسانية بهذا المعنى ولادة لعلم نفس تطبيقي يجمع بين “العقل العلمي الناقد” و”القلب الإنساني الرحيم”، وهو المزيج الذي شكّل الهوية الفكرية لجميع المشروعات والمؤلفات اللاحقة لسكوت جيلر.
3. نظرية وممارسة السلامة القائمة على السلوك (Behavior-Based Safety – BBS)
3.1 الأسس والمبادئ الجوهرية لمنظومة السلامة السلوكية
تُعد منهجية “السلامة القائمة على السلوك” (BBS) واحدة من أكثر الإسهامات الثورية التي ارتبطت باسم سكوت جيلر، والتي أحدثت تحولاً جذرياً في قطاعات الصناعة الثقيلة، والبتروكيماويات، والتصنيع، والبناء حول العالم منذ ثمانينيات القرن الماضي. انطلق جيلر من حقيقة إحصائية بيّنتها دراسات منظمة العمل الدولية والوكالات الأمريكية المختصة، ومفادها أن النسبة العظمى من إصابات وحوادث العمل (تصل في كثير من الأحيان إلى أكثر من 85-90%) ترجع في جذورها إلى سلوكيات عمل غير آمنة (At-Risk Behaviors)، وليست ناجمة فقط عن أعطال ميكانيكية أو عيوب هندسية مجردة. ومن هنا رأى جيلر ضرورة التركيز العلمي الصارم على السلوك الملاحظ كهدف مباشر للتحليل والتدخل.
وجّه جيلر نقداً لاذعاً لمنظومات السلامة التقليدية التي كانت تعتمد حصراً على ما يُعرف بـ “المؤشرات المتأخرة” (Lagging Indicators)، مثل معدل تكرار الإصابات (TRIR)، وأيام العمل الضائعة، وعدد الوفيات. أوضح جيلر أن قياس السلامة عبر غياب الحوادث هو وهم إداري؛ لأن انخفاض الحوادث قد يعود إلى الحظ المحض أو التستر على الأخطاء، ولا يعني بالضرورة وجود بيئة عمل آمنة. وبدلاً من ذلك، قاد جيلر تحولاً استراتيجياً نحو الاعتماد على “المؤشرات الاستباقية” (Leading Indicators)، التي ترصد معدلات السلوكيات الآمنة اليومية، ونسب عمليات التدقيق الميداني، والتغذية الراجعة الإيجابية المستمرة، مما يجعل الوقاية عملية يومية حية يمكن التحكم بها وإدارتها قبل وقوع الكارثة.
ارتكزت منظومة BBS على تفعيل نموذج (ABC) الكلاسيكي في الميدان الصناعي بطريقة منهجية دقيقة:
- السوابق (Antecedents): وتشمل لوحات التحذير، والتدريب المهني، والسياسات المكتوبة، واجتماعات السلامة الصباحية؛ وهي عناصر ضرورية لتوجيه السلوك، لكن جيلر أثبت أنها لا تملك قوة دافعة لاستمراره ما لم ترتبط بعواقب واضحة.
- السلوك (Behavior): وهو الفعل الحركي القابل للرصد والقياس بدقة، مثل ارتداء النظارات الواقية، واستخدام حزام الأمان على السقالات، أو اتباع إجراءات عزل الطاقة الخطرة (LOTO).
- العواقب (Consequences): وهي الأحداث التي تعقب السلوك مباشرة وتحدد ما إذا كان سيتكرر أم سيتلاشى. وأثبت جيلر أن العواقب الأكثر فاعلية في تثبيت السلوك الآمن هي تلك التي تتسم بأنها: فورية (Soon)، ومؤكدة (Certain)، وإيجابية (Positive)؛ بينما تفشل العقوبات المؤجلة أو غير المؤكدة في خلق ثقافة أمان مستدامة.
3.2 آليات الملاحظة وتقديم التغذية الراجعة التفاعلية
تتمثل الآلية التشغيلية المركزية في منظومة جيلر للسلامة السلوكية في عملية تفاعلية تتجاوز التفتيش الإداري السلطوي التقليدي، وتعتمد بدلاً من ذلك على ما صاغه في نموذجه الشهير للتدخل الميداني المسمى بعملية “DO IT”؛ وهي اختصار لأربع خطوات علمية محكمة:
- تحديد السلوك (Define): استهداف سلوكيات حرجة ذات تأثير مباشر على السلامة وصياغتها إجرائياً بوضوح.
- الملاحظة الميدانية (Observe): قياس تكرار السلوك الآمن والسلوك المعرض للخطر لإنشاء خط أساس موثوق.
- التدخل السلوكي (Intervene): تطبيق استراتيجيات قائمة على التحفيز وتعديل المثيرات وتقديم التغذية الراجعة.
- الاختبار والتقييم (Test): تحليل البيانات بعد التدخل للتأكد من فاعلية التغيير وتعديل الاستراتيجية عند الحاجة.
دعا جيلر إلى أن يتولى العمال أنفسهم مراقبة زملائهم من خلال نظام الملاحظة بين الأقران (Peer-to-Peer Observation). يتم تدريب العامل ليكون ملاحظاً واعياً ومحايداً، يسجل السلوكيات عبر بطاقات رصد سلوكية قياسية دون تسجيل أسماء أو فرض عقوبات. وبمجرد انتهاء جلسة الملاحظة التي تستمر عادة دقائق معدودة، يُجري الملاحظ محادثة فورية وتفاعلية مع زميله، تبدأ بتقديم الثناء الصادق والتغذية الراجعة الإيجابية للسلوكيات الآمنة، تليها مناقشة مفتوحة وبنّاءة حول الأسباب والدوافع التي جعلت العامل ينخرط في سلوكيات تنطوي على مخاطرة، والعمل سوياً على إيجاد حلول بيئية أو سلوكية لتفاديها مستقبلاً.
أدى تطبيق هذه المنهجية التشاركية القائمة على نبذ العقاب الإداري وتشجيع الرصد الذاتي والجمعي إلى نتائج إحصائية مذهلة وثقتها مئات الدراسات المنشورة لجيلر وزملائه. فقد وثقت كبرى الشركات المتعددة الجنسيات انخفاضات متتالية في معدلات الإصابات الصناعية الحادة تراوحت بين 40% إلى أكثر من 75% خلال سنوات قليلة من التطبيق المتسق، مما حوّل برامج BBS من مجرد أداة إدارية اختيارية إلى معيار عالمي راسخ للتميز التشغيلي في إدارة المخاطر المهنية المتقدمة لدى منظمات وهيئات دولية معنية مثل إدارة السلامة والصحة المهنية (OSHA) والمعهد الوطني للسلامة والصحة المهنية (NIOSH).
4. فلسفة وثقافة “الاهتمام الفاعل بالآخرين” (Actively Caring for People – AC4P)
4.1 النشأة التاريخية للمفهوم واستجابة فاجعة فرجينيا تك
على الرغم من النجاح التجاري والصناعي الباهر لبرامج السلامة القائمة على السلوك، شعر سكوت جيلر أن حصر هذه المبادئ السيكولوجية في نطاق المعامل والمنشآت الإنتاجية يمثل تقزيماً لرسالتها الحقيقية. بدأت بذور مفهوم “الاهتمام الفاعل” (Actively Caring) تتشكل في ذهنه كحركة أخلاقية ونفسية تهدف إلى نقل روح المسؤولية وحماية الحياة من البيئة الصناعية إلى نسيج الحياة اليومية برمته؛ من الشوارع والمدارس والجامعات إلى المنازل والتجمعات المدنية.
جاء المنعطف الحاسم والمأساوي الذي فجر هذه الفلسفة وجعلها واجباً وجودياً ملحاً في صبيحة يوم 16 أبريل عام 2007، عندما شهدت جامعة فرجينيا تك واحدة من أبشع حوادث إطلاق النار الجماعي في تاريخ الجامعات العالمية، حيث قُتل 32 طالباً وعضواً في هيئة التدريس وأصيب العشرات داخل الحرم الجامعي الذي عاش فيه جيلر عقوداً. وقعت هذه المأساة في قاعات وممرات تبعد أمتاراً قليلة عن مكتب ومختبر جيلر، مما ترتب عليه صدمة نفسية وجماعية هائلة عصفت بالمجتمع الأكاديمي والطلابي بأسره.
في خضم هذا الركام النفسي وتداعيات الألم والحزن العميق، رفض جيلر الاستسلام لمشاعر العجز أو الاكتفاء بالتحليلات الأمنية والسياسية الجافة حول انتشار الأسلحة. وبدلاً من ذلك، قاد استجابة سيكولوجية إنسانية استثنائية؛ حيث أعلن تحويل الألم إلى مشروع سلوكي مجتمعي أطلق عليه رسمياً حركة “الاهتمام الفاعل بالآخرين” (Actively Caring for People – AC4P). كان الهدف المركزي للحركة هو التصدي لمناخ العزلة والعدائية والاكتئاب التي مهدت لارتكاب مثل هذه الجريمة، واستبدالها بثقافة جماعية نشطة تقوم على رصد احتياجات الآخرين العاطفية والجسدية والتدخل الإيجابي الملموس لمد يد العون قبل أن تتفاقم الأزمات النفسية والمجتمعية إلى مستويات كارثية.
4.2 الأبعاد السيكولوجية الداعمة لسلوك الاهتمام الفاعل
لم تكن فلسفة (AC4P) مجرد دعوة أخلاقية رومانسية أو شعار تبشيري، بل أسسها جيلر على بنية نظرية ونفسية بالغة الدقة. تساءل جيلر: ما الذي يجعل إنساناً ما يرى شخصاً يعاني أو يتصرف بطريقة خطرة أو يقع ضحية للتنمر ثم يمتنع عن التدخل لمساعدته؟ لتحليل هذه المعضلة، استند جيلر إلى الأبحاث الكلاسيكية حول “ظاهرة تجاهل المارة” (Bystander Effect) التي صاغها دارلي ولاتانيه (Darley & Latané)، مبيناً أن تشتت المسؤولية والخوف من الرفض الاجتماعي يشلان قدرة الفرد على المبادرة. ولتفكيك هذا الشلل، حدد جيلر خمسة أبعاد سيكولوجية متكاملة إذا توافرت لدى الفرد تحول إلى “مهتم فاعل” قادر على تجاوز السلبية:
- تقدير الذات (Self-Esteem): وهو إيمان الفرد بقيمته الجوهرية كإنسان (“أنا شخص ذو قيمة”). فالشخص الذي يمتلك تقديراً ذاتياً صحياً لا يخشى الرفض أو السخرية عندما يعرض المساعدة على الآخرين، ويكون أكثر استعداداً لتقاسم طاقته الإيجابية مع من حوله.
- الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy): المستمدة من نظرية ألبرت باندورا (Albert Bandura)، وتتمثل في إيمان الفرد بقدرته ومهارته على إحداث التغيير المطلوب (“أنا أستطيع فعل ذلك”). فالمساعدة تتطلب مهارة واعية ومعرفة بالسبل الصحيحة للتدخل السليم.
- الكفاءة الجمعية (Collective Efficacy): ثقة الفرد بأن مجتمعه أو فريقه يمتلك الإرادة والقدرة المشتركة على دعم المبادرات الإيجابية والتعامل مع الأزمات بروح التضامن والتكاتف.
- مركز السيطرة الداخلي (Personal Control): شعور الفرد بأنه صانع لمصيره وليس ريشة في مهب الظروف الخارجية (“أنا متحكم في خياراتي وأفعالي”). يقود هذا البعد إلى المبادرة دون انتظار إذن رسمي أو أوامر خارجية لإنقاذ موقف ما.
- الانتماء والتفاؤل (Belonging & Optimism): الإحساس العميق بالترابط الإنساني والتعاطف المشترك مع الجماعة، مدعوماً بنظرة متفائلة تتوقع نتائج إيجابية للتدخل الرحيم (“نحن جزء من كل واحد، والجهد الذي أبذله سيحدث فرقاً حقيقياً”).
أثبت جيلر من خلال دراسات مسحية وتجريبية واسعة أجراها في مختبرات (CABS) أن الأفراد الذين يسجلون درجات مرتفعة في هذه المقاييس الخمسة مجتمعة هم الأكثر استعداداً للتدخل الفاعل لمساعدة الغرباء، والإبلاغ عن المخاطر، ومواجهة التنمر، وتقديم الدعم النفسي للأقران المحبطين، مما جعل هذه الأبعاد نموذجاً معتمداً في تدريب القيادات الطلابية والعمالية.
4.3 تطبيقات حركة الاهتمام الفاعل في الحياة اليومية
حرص جيلر على تحويل هذه الأبعاد النظرية إلى ممارسات سلوكية ملموسة ومرئية تعزز التكرار والانتشار المجتمعي. وكان من أبرز الابتكارات التطبيقية للحركة هو إطلاق نظام “أساور وبطاقات الاهتمام الفاعل” (AC4P Wristbands & Tracking Process). تقوم هذه الآلية البسيطة والعميقة على أن يرتدي الفرد سواراً أخضر اللون منقوشاً عليه شعار الحركة، وعندما يشهد عملاً نبيلاً أو مساعدة غير مشروطة قدمها شخص آخر، يقترب منه ويشكره بحرارة ويقدم له السوار مرفقاً ببطاقة تحمل رمزاً رقمياً فريداً، طالباً منه أن يرتدي هذا السوار حتى تتاح له الفرصة لرصد عمل نبيل آخر يقدمه شخص ثالث، فيمرر السوار إليه بدوره.
أُنشئت منصة إلكترونية تفاعلية توثق رحلة كل سوار عبر الرمز الرقمي، حيث يسجل الأفراد قصص العطف والمساعدة التي شهدوها أو تلقوها. تحول هذا الإجراء السلوكي الصغير إلى سلسلة من المعززات الإيجابية والعدوى السلوكية الاجتماعية الإيجابية؛ إذ انتشرت مئات الآلاف من الأساور في مختلف الولايات الأمريكية والعديد من دول العالم، موثقة لحظات إنقاذ حياة، وتدخلات ضد التنمر، ومواقف مواساة إنسانية عميقة في المستشفيات والمدارس ومواقع العمل.
توسعت الحركة لتشمل قطاع التعليم العام والجامعي عبر مبادرات متخصصة مثل “الاهتمام الفاعل في المدارس” (AC4P in Schools) لمكافحة ظواهر التنمر والعزلة الاجتماعية التي يعاني منها المراهقون. يتم تدريب الطلاب على رصد السلوكيات الداعمة والتكريم العلني لزملائهم الذين يظهرون مشاعر اللطف والاحتواء لغيرهم، بدلاً من تكريم الطلاب على أساس التفوق الأكاديمي أو الرياضي الفردي فقط. كما دخلت هذه المبادئ إلى مجالس إدارات الشركات الكبرى ومصانع الطاقة النووية ومراكز الطيران، حيث أسهمت في بناء مناخ تنظيمي قائم على الثقة النفسية والتقدير المتبادل، مما انعكس إيجاباً ليس فقط على مؤشرات السلامة والصحة المهنية، بل وعلى مستويات الرضا الوظيفي والرفاه النفسي العام للعاملين.
5. الدافعية الذاتية والتمكين السيكولوجي في أطروحات جيلر
5.1 التمييز بين الدافعية الخارجية والمحركات الداخلية للسلوك
أفرد سكوت جيلر حيزاً واسعاً من كتاباته المتقدمة لتفكيك إشكالية الدافعية الإنسانية، موجهاً نقداً منهجياً للاعتماد المفرط على “المحفزات الخارجية” (Extrinsic Motivators) القائمة على مبدأ العصا والجزرة في توجيه السلوك التنظيمي والمجتمعي. أوضح جيلر أن المكافآت المادية المباشرة، كالحوافز المالية والهدايا، إلى جانب التهديد بالعقاب والفصل الإداري، قد تنجح في انتزاع استجابة سريعة وتعديل سلوكي مؤقت، لكنها تعجز تماماً عن بناء التزام طويل الأجل ومستدام ينبع من وجدان الفرد وقيمه الذاتية.
فرّق جيلر بصورة إبستيمولوجية حاسمة بين مفهومين محوريين:
- الامتثال المفروض (Compliance): وهو الأداء السلوكي القائم على دافع “الاضطرار إلى الفعل” (Have to do it). في هذه الحالة، يتصرف الفرد بطريقة آمنة أو أخلاقية فقط لتفادي عواقب مؤلمة أو للحصول على جائزة خارجية فورية؛ وتكون هذه الاستجابة مصحوبة بمشاعر الاستياء والتوتر النفسي، وتنهار بمجرد غياب سلطة الإشراف المباشر.
- الالتزام الطوعي (Commitment): وهو السلوك النابع من دافع “الرغبة الذاتية في الفعل” (Want to do it). هنا يتصرف الفرد وفق معايير الأمان والرعاية بدافع من إيمانه العميق بأن هذا الفعل يمثل قيمة أخلاقية ووجودية عليا تحميه وتحمي زملاءه ومجتمعه، ويستمر هذا السلوك بثبات حتى في ظل غياب أي رقابة إدارية أو مكافأة نفعية قريبة.
ولتأصيل هذا التحول من الامتثال إلى الالتزام، أدمج جيلر مفاهيم “نظرية تقرير المصير” (Self-Determination Theory) التي صاغها إدوارد ديسي وريتشارد ريان (Deci & Ryan) ضمن برامجه السلوكية. أكد جيلر أن الدافعية الداخلية تزدهر فقط حين تلبي البيئة التنظيمية ثلاثة احتياجات نفسية فطرية لدى الإنسان: الحاجة إلى الاستقلالية (Autonomy) عبر منح العاملين حرية اختيار طرق أداء مهامهم بأمان؛ والحاجة إلى الكفاءة (Competence) من خلال توفير التدريب والتغذية الراجعة التمكينية؛ والحاجة إلى الارتباط والترابط (Relatedness) عبر ترسيخ مشاعر الاهتمام الفاعل والانتماء الجمعي الصادق داخل المنظمة.
5.2 المثلث النفسي للتمكين الذاتي والشعور بالسيطرة
صاغ سكوت جيلر نموذجاً تطبيقياً رائداً ومكثفاً لبناء وتعزيز الدافعية الذاتية، عُرف في الأوساط الأكاديمية والإدارية باسم “المثلث النفسي للتمكين” (The Psychological Empowerment Triangle). يقوم هذا النموذج على فكرة أن أي قائد أو معلم أو أب يريد من شخص آخر أن يتصرف بدافعية ذاتية واستقلالية كاملة، يجب أن يساعده في الحصول على إجابة قاطعة وإيجابية عن ثلاثة أسئلة نفسية وجودية تمثل أضلاع مثلث التمكين:
1. سؤال الكفاءة (Competence): “هل أستطيع فعل ذلك؟” (Can I do it?)
يتعلق هذا السؤال بإدراك الفرد لقدراته وإمكاناته المعرفية والجسدية لإنجاز السلوك المستهدف بنجاح. إذا شعر الفرد بالشك في قدرته أو أن المَهمة تفوق طاقته، فإنه سينسحب ويتملكه القلق والسلوك الدفاعي. وهنا يتطلب التمكين توفير التدريب الدقيق المستمر، وتفكيك المهام المعقدة إلى خطوات إجرائية صغيرة يمكن التحكم فيها وإتقانها تدريجياً لتعزيز الكفاءة الذاتية.
2. سؤال الفاعلية وإمكانية التطبيق (Outcome Expectancy): “هل سينجح هذا العمل في تحقيق الهدف؟” (Will it work?)
حتى لو اعتقد الفرد أنه قادر على أداء السلوك جسدياً، فإنه لن يقدم عليه إذا كان يشكك في جدوى الفعل نفسه. يتعلق هذا الضلع بإيمان الفرد بأن السلوك الآمن أو الإيجابي سيؤدي حتماً إلى النتيجة المرجوة (مثل خفض الحوادث أو تحسين حياة مريض أو حماية المجتمع). يتطلب بناء هذا الاعتقاد تقديم أدلة علمية وبيانات إحصائية وشهادات موثوقة ونماذج حية تثبت أن هذا السلوك المحدد هو السبب المباشر للنجاح والوقاية.
3. سؤال القيمة والأهمية (Value): “هل النتيجة تستحق العناء؟” (Is it worth it?)
هذا هو الضلع الأكثر ارتباطاً بالجانب الوجداني والأخلاقي للإنسان. هل الهدف المرجو يستحق استثمار الوقت والجهد وتغيير العادات الشخصية القديمة؟ إذا شعر الفرد أن النتيجة تخدم فقط زيادة أرباح الشركة دون أن تعود بالنفع على سلامته وكرامته ورفاه أسرته وزملائه، فلن تشتعل جذوة الدافعية الذاتية لديه. يتحقق التمكين الكامل عندما يرتبط السلوك بقيم عليا كحماية الأرواح، والكرامة الإنسانية، والتضامن الأخلاقي الفاعل.
أكد جيلر أن التمكين الذاتي هو حاصل ضرب هذه الأبعاد الثلاثة، وليس مجموعها؛ فإذا كانت الإجابة عن أحد هذه الأسئلة بـ “صفر” أو “لا”، فإن الدافعية الذاتية تنهار برمتها. وقد وظف جيلر هذا المثلث في مئات الندوات والمحاضرات العالمية (ومنها محاضرته التاريخية واسعة الانتشار في منصة تيد إكس – TEDx بعنوان “The Psychology of Self-Motivation”) لإرشاد القيادات حول كيفية صياغة ثقافة مؤسسية ومجتمعية تصنع أفراداً مُمكَّنين يمتلكون الشجاعة السلوكية للمبادرة دونما حاجة لأي إكراه خارجي.
6. علم النفس السلوكي التطبيقي وحل المعضلات المجتمعية والبيئية
6.1 الحفاظ على الموارد البيئية وتطبيقات السلوك المستدام
لم يقصر سكوت جيلر أبحاثه على السلامة المهنية والصناعية، بل كان من أوائل رواد السيكولوجيا البيئية السلوكية (Applied Behavioral Environmental Psychology) في العالم. تنبه جيلر مبكراً في مطلع السبعينيات إلى أن أزمة تدهور البيئة واستنزاف الموارد الطبيعية وتغير المناخ ليست مجرد معضلات جيولوجية أو أزمات هندسية تكنولوجية، بل هي في جوهرها أزمات ناجمة عن أنماط السلوك البشري اليومي غير المستدام، وأن حلها الدائم يتطلب تغييراً في العادات الاستهلاكية الجمعية.
صمم جيلر وفريقه في مختبر (CABS) برامج تدخل تجريبية رائدة لترشيد استهلاك الطاقة في المرافق الجامعية والمجتمعات السكنية الواسعة. استخدم تقنيات متطورة استندت إلى إعادة تصميم المثيرات البيئية؛ مثل تثبيت أجهزة قياس استهلاك لحظية مرئية تقدم “تغذية راجعة فورية ومباشرة” للطلاب والمقيمين حول حجم استهلاكهم للكهرباء والمياه، مقترنة بمحفزات مجتمعية واحتفالات رمزية للمباني الأكثر حفاظاً على الطاقة. أظهرت هذه الدراسات انخفاضات موثقة إحصائياً في استهلاك الطاقة تجاوزت 15-20% بمجرد تغيير هندسة الإشارات البيئية وتوفير التغذية الراجعة، دون فرض أي قيود جبرية.
كما قاد جيلر أبحاثاً ميدانية تاريخية لترسيخ ثقافة إعادة التدوير (Recycling) والحد من النفايات الصلبة. قام بتطبيق تقنيات التحليل السلوكي عبر تصميم حاويات تدوير تفاعلية، ووضع إشارات تحفيزية واضحة في مسارات حركة الناس، واستخدام أنظمة المكافآت المصغرة (Raffles and Lotteries) القائمة على إعطاء بطاقة سحب رمزية لكل من يقوم بإيداع المواد القابلة لإعادة التدوير في أماكنها المخصصة. وقد شكلت هذه الدراسات التأسيسية نموذجاً استندت إليه فيما بعد وكالات حماية البيئة العالمية لتصميم سياسات مستدامة تحفز السلوك المؤيد للبيئة (Pro-Environmental Behavior).
وفي تحليله لأزمة التغير المناخي العالمية، قدم جيلر تشخيصاً سيكولوجياً دقيقاً استند فيه إلى مفهوم “الخصم الزمني” (Temporal Discounting) والتفضيل الحاضر للبشر؛ حيث يميل الدماغ البشري جينياً وتطورياً إلى تفضيل المكاسب السلوكية الفورية والمريحة في الحاضر (مثل قيادة السيارات المستهلكة للوقود بكثافة واستخدام البلاستيك)، وتجاهل العواقب الكارثية البعيدة والغامضة التي لن تقع إلا بعد عقود. وأكد جيلر أن التغلب على هذه المعضلة يقتضي “تقريب المستقبل” وجعل العواقب البيئية البعيدة مرئية وملموسة ومربوطة بمعززات اجتماعية فورية ومحلية تُكافئ الفرد على سلوكه المستدام في الحاضر.
6.2 سلامة الطرق والمواصلات وسلوكيات القيادة
تُعد أبحاث سكوت جيلر في مجال السلامة المرورية وسلوكيات السائقين من أكثر الأعمال العلمية تأثيراً مباشراً في إنقاذ مئات الآلاف من الأرواح وتقليل الإعاقات الدائمة عالمياً. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، عندما كانت نسب ارتداء أحزمة الأمان في الولايات المتحدة منخفضة جداً ولا تتجاوز 15-20% وسط رفض اجتماعي واسع للقوانين الإلزامية بدعوى الحرية الفردية، قاد جيلر مشروعات بحثية وطنية ممولة من وزارة النقل الأمريكية والإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة (NHTSA).
ابتكر جيلر استراتيجيات مبتكرة تعتمد على الدفع السلوكي والمكافآت الإيجابية الطوعية لتشجيع ربط حزام الأمان. نظم برامج في المجمعات الصناعية وحرم الجامعات تضمنت منح قسائم وجوائز رمزية غير متوقعة للسائقين الذين يرتدون الحزام عند بوابات الدخول، مقترنة بحملات توعية سلوكية ركزت على أن حزام الأمان هو تعبير عن “الاهتمام الفاعل بالنفس وبالأسرة”. أدت هذه البرامج إلى قفزات تاريخية في معدلات الارتداء وصلت في بعض المواقع التجريبية إلى أكثر من 70% قبل سريان القوانين الزجرية الصارمة، وقدمت أبحاثه الإسناد الإمبريقي الذي استند إليه المشرعون لتشريع القوانين الوطنية لارتكاب المخالفات لاحقاً.
امتدت جهوده لتشمل التصدي لظواهر القيادة تحت تأثير الكحول (DUI) وسلوكيات القيادة المشتتة وتأثير الهواتف المحمولة في العقود الأخيرة. صمم جيلر برامج للتدخل المجتمعي بين طلبة الجامعات لتشجيع تعيين السائق البديل الممتنع عن الشرب (Designated Driver)، مستخدماً أساليب الإلزام الاجتماعي العلني والمكافآت الرمزية في الحانات والتجمعات الطلابية. كما صمم لوحات سرعة تفاعلية توفر تغذية راجعة ديناميكية ولحظية للسائقين عن سرعاتهم الحالية عبر إشارات ضوئية مبتسمة أو عابسة، وهو الابتكار الذي ثبتت فاعليته السلوكية الميدانية وأصبح اليوم عنصراً معيارياً في البنية التحتية الذكية لسلامة الطرق في معظم مدن العالم الحديثة.
7. القيادة السلوكية والتغيير الثقافي في المنظمات المعاصرة
7.1 الانتقال من الإشراف التوجيهي إلى القيادة القائمة على الدعم
أحدثت أطروحات سكوت جيلر زلزالاً معرفياً في مفاهيم الإدارة والقيادة الصناعية؛ حيث وجّه ضربة قاصمة لنموذج “الإشراف البوليسي التوجيهي” (Directive Policeman Supervision) السائد تاريخياً في بيئات التصنيع والمؤسسات الكبرى. انتقد جيلر أساليب المديرين والمشرفين الذين يقضون أوقاتهم في مكاتبهم أو يخرجون للميدان فقط لترصد أخطاء العمال، واصطياد الهفوات، وتوجيه العقوبات والإنذارات؛ مؤكداً أن هذا الأسلوب الفاشل يولد مناخاً مسموماً من عدم الثقة، ويدفع الموظفين إلى إخفاء الحوادث الوشيكة (Near Misses) والتستر على المخاطر لتجنب العقاب، مما يجعل وقوع الحادث المأساوي مسألة وقت لا أكثر.
دعا جيلر في المقابل إلى تبني مفهوم “القيادة السلوكية الداعمة” (Supportive Behavioral Leadership). تتلخص هذه الفلسفة في أن مهمة القائد الحقيقي ليست التفتيش وملاحقة المخالفين، بل “اصطياد الأفراد وهم يؤدون أعمالهم بطريقة صحيحة” (Catching people doing things right) وتقديم التقدير الفوري الصادق لهم. يتطلب هذا النموذج من القادة النزول المستمر إلى أرض الواقع والتواصل المباشر مع عمال الخطوط الأمامية عبر ممارسة مهارات “الاستماع النشط والتعاطفي” (Active & Empathetic Listening)، حيث يستمع القائد لأكثر مما يتكلم، ويسعى بصدق لفهم التحديات الهندسية والضغوط التنظيمية التي قد تدفع العامل للمخاطرة، والعمل المشترك على إزالتها بدلاً من الاكتفاء بلومه.
أرسى جيلر مفهوماً علمياً عميقاً يُعرف بـ “النزاهة السلوكية” (Behavioral Integrity)، ومفاده أن القيادة لا تكتسب شرعيتها من المنصب الرسمي أو اللوائح الصارمة، بل من التوافق المطلق بين أقوال القائد وأفعاله الميدانية. فالقائد الذي يتشدق بأهمية السلامة لكنه يضغط على العمال لتجاوز إجراءات الأمان من أجل اللحاق بجدول الإنتاج، يدمر ثقافة المنظمة السلوكية من جذورها. في حين أن القائد الذي يضحي بالإنتاج مؤقتاً لإصلاح خلل يهدد سلامة أبسط عامل، يبعث برسالة سلوكية غير قابلة للنسيان ترسخ الأمان كقيمة عليا غير خاضعة للتفاوض.
7.2 هندسة الثقافة التنظيمية الشاملة للسلامة
يرى سكوت جيلر أن السلامة والاستدامة ليستا إجراءين فنيين يمكن فرضهما عبر كتيب تعليمات، بل هما نتاج عضوي لـ “الثقافة التنظيمية الشاملة”. ولفهم نضج هذه الثقافة وتطورها، طور جيلر نماذج تشخيصية دقيقة تتماهى مع منحنى برادلي لنضج السلامة، مقسماً الثقافة المؤسسية إلى مراحل ارتقائية متتالية:
- المرحلة التفاعلية (Reactive Stage): حيث تسود ثقافة الغفلة ولا تتحرك الإدارة إلا بعد وقوع الكارثة، مع تحميل العامل الضحية كامل اللوم والمسؤولية الجنائية والأخلاقية.
- مرحلة الاعتمادية الإجبارية (Dependent Stage): وفيها تعتمد السلامة على الرقابة الصارمة، وكثرة اللوائح، وتهديد المخالفين بالعقاب؛ وتتميز بالامتثال الشكلي وغياب المبادرة.
- مرحلة الاستقلالية الذاتية (Independent Stage): يصل فيها الفرد إلى مستوى متقدم من الوعي الداخلي والتمكين؛ حيث يلتزم بالسلامة لحماية نفسه، انطلاقاً من مسؤوليته الفردية ومهارته الذاتية.
- مرحلة الترابط والاهتمام المتبادل (Interdependent Stage): وهي الذروة التي نادى بها جيلر، حيث تصبح السلامة مسؤولية تضامنية؛ فلا يكتفي الفرد بحماية نفسه، بل يمارس “الاهتمام الفاعل” المستمر لحماية زملائه والتدخل الإيجابي لمنع الخطر عن الجميع، وتتحول المنظمة إلى أسرة واحدة متماسكة ومترابطة.
تتطلب هندسة هذه الثقافة المتقدمة دمج قيم السلامة والاهتمام الإنساني في صلب القرارات الاستراتيجية للمنظمات، وربط تقييم وترقيات القيادات العليا بقدرتهم على خلق بيئة آمنة نفسياً وجسدياً، وتطوير مؤشرات أداء نوعية تقيس التماسك الاجتماعي، ومعدلات الدعم المتبادل، ومستوى الشفافية في الإبلاغ عن الأخطاء دون خوف من الانتقام؛ محولة الشركات من وحدات إنتاجية مجردة إلى مؤسسات تفيض بالمعنى الإنساني والقيمي.
8. مركز الأنظمة السلوكية التطبيقية (CABS) ومختبرات البحث الميداني
8.1 البنية البحثية ورسالة المركز العلمي
شكل تأسيس “مركز الأنظمة السلوكية التطبيقية” (CABS) في قسم علم النفس بجامعة فرجينيا تك على يد سكوت جيلر تجسيداً حياً لرؤيته في ضرورة ردم الهوة العميقة بين “برج العاج الأكاديمي” والواقع الميداني المعاش. تأسس المركز ليعمل كجسر تنظيمي وبحثي ينقل النظريات السيكولوجية المعقدة من صفحات المجلات المحكمة إلى خطوط إنتاج المصانع، والمستشفيات، والمؤسسات الحكومية، ومراكز التدريب المهني؛ محولاً المعرفة النفسية إلى حلول تطبيقية تلامس حياة الناس اليومية بصورة قابلة للملاحظة والقياس.
تميزت البنية البحثية للمركز بتبني نموذج تعليمي وإرشادي مبتكر وفريد من نوعه أطلق عليه جيلر اسم “النموذج التعاوني: الباحث-الطالب كزميل عمل” (The Colleague Model). رفض جيلر الهرمية الأكاديمية التقليدية؛ ففي مختبرات CABS، يجلس طلاب المرحلة الجامعية الأولى (Undergraduates) إلى جانب طلاب الماجستير والدكتوراه والباحثين الما بعد الدكتوراه كزملاء متساوين في حلقات نقاش مفتوحة لتصميم التجارب الميدانية، وتحليل البيانات الإحصائية، والمشاركة في النشر العلمي. درّب هذا المركز مئات الطلاب الذين تشربوا أخلاقيات البحث التجريبي الصارم وتسلحوا بالقدرة على تنفيذ التدخلات الميدانية في البيئات المعقدة.
نجح المركز تحت إدارة جيلر في بناء شراكات استراتيجية عابرة للقطاعات مع مؤسسات صناعية وحكومية عالمية كبرى؛ من بينها شركات النفط العالمية، ومصانع الكيماويات العملاقة، ومصانع السيارات مثل جنرال موتورز (General Motors)، ومؤسسات النقل الفيدرالية، ووزارة الدفاع الأمريكية. لم تكن هذه الشراكات مجرد عقود استشارية نفعية، بل كانت اتفاقيات بحث وتطوير مفتوحة تمكن الباحثين من اختبار التدخلات السلوكية في بيئات واقعية عالية الخطورة، ونشر النتائج بشفافية علمية كاملة لإثراء المعرفة الإنسانية العامة.
8.2 المشاريع البحثية الكبرى والتطبيقات المبتكرة
أفرزت مختبرات مركز الأنظمة السلوكية التطبيقية (CABS) عبر تاريخها الممتد عشرات المشاريع البحثية الضخمة التي كان لها صدى علمي واجتماعي واسع. ومن أبرز هذه المبادرات مشروعات “تعديل السلوك الاستهلاكي والمسؤولية الاجتماعية”؛ حيث عمل باحثو المركز على تطوير تقنيات مبتكرة لدفع المستهلكين نحو اختيار منتجات صديقة للبيئة والتقليل من الهدر الاستهلاكي في المراكز التجارية الكبرى عبر هندسة الإشارات التسويقية والخيارات الافتراضية، مما أثبت أن المبادئ السلوكية تمتلك قوة هائلة في توجيه قرارات الشراء نحو خيارات مستدامة ومسؤولة دون المساس بحرية المستهلك.
وعلى صعيد البيئة الجامعية، قاد المركز مشاريع رائدة لمكافحة مشاكل الصحة النفسية المتفاقمة بين طلاب الجامعات، لا سيما بعد فاجعة فرجينيا تك عام 2007. أطلق المركز مبادرات قائمة على “الدعم السلوكي بين الأقران” (Peer-to-Peer Behavioral Support)، دربت آلاف الطلاب في قاعات السكن الجامعي على مهارات الاستماع التعاطفي، ورصد مؤشرات الاكتئاب والانعزال المبكر لدى زملائهم، وتطبيق تقنيات التدخل الفاعل والتحويل السلس لمراكز الدعم المتخصصة، مما أسهم في بناء شبكة أمان اجتماعي ونفسي غير مسبوقة داخل الحرم الجامعي خفضت من معدلات الانتكاس والعزلة بين الطلاب الجدد.
توجت هذه الإنجازات بنشر مئات الدراسات والأوراق البحثية المحكمة في أرفع الدوريات العالمية المتخصصة؛ مثل مجلة التحليل السلوكي التطبيقي (Journal of Applied Behavior Analysis – JABA)، ومجلة علم النفس التطبيقي (Journal of Applied Psychology)، ومجلة السلامة المهنية، بالإضافة إلى عشرات التقارير التقنية والمونوغرافات التي أصبحت مراجع إجبارية للهيئات التنظيمية ومؤسسات وضع معايير السلامة العالمية، مما جعل من CABS أحد أكثر المراكز البحثية الجامعية تأثيراً في التاريخ المعاصر لعلم النفس التطبيقي.
9. منهجيات القياس والتدخل السلوكي في أبحاث سكوت جيلر
9.1 تصميمات التجارب الميدانية للتحليل السلوكي
تميزت المدرسة البحثية لسكوت جيلر بالالتزام المنهجي الصارم بقواعد القياس السلوكي والابتعاد عن التقييمات الذاتية الانطباعية. ولتحقيق أعلى درجات الدقة التجريبية في البيئات الميدانية المعقدة والصاخبة (كالمصانع والشوارع) التي يصعب فيها تطبيق التجارب المعملية المعزولة، اعتمد جيلر وفريقه بصورة واسعة على “تصميمات القياس الفردي والميداني المتقدمة” (Single-Case & Quasi-Experimental Designs)، وعلى رأسها “تصميم خطوط الأساس المتعددة” (Multiple Baseline Designs Across Individuals, Settings, and Behaviors).
يسمح هذا التصميم التجريبي الرصين للباحثين بتطبيق التدخل السلوكي بطريقة متدرجة زمنياً على مجموعات أو بيئات عمل مختلفة؛ حيث يتم قياس خط الأساس (Baseline) لجميع المجموعات بالتزامن لفترة محددة، ثم يُطبق التدخل السلوكي على المجموعة الأولى فقط مع استمرار المراقبة دون تدخل في المجموعات الأخرى. فإذا تحسن السلوك المستهدف فقط لدى المجموعة التي تلقت التدخل وظلت المجموعات الأخرى مستقرة عند خط الأساس القديم حتى يحين موعد تطبيق التدخل عليها تباعاً، يثبت بالدليل الإحصائي القاطع أن التدخل السلوكي نفسه هو السبب الحقيقي والمباشر للتغيير، وليس أي متغير تاريخي أو صدفة محضة، وهو ما يضمن تحقيق أعلى معايير الصدق الداخلي (Internal Validity).
عالج جيلر ببراعة إشكالية المتغيرات الدخيلة والتشويش البيئي (Environmental Confounders) الشائعة في المواقع الصناعية؛ مثل تقلبات وتيرة الإنتاج، وتغيير الإدارات، وتبديل الورديات؛ عبر استخدام تصميمات التراجع والتبادل (ABAB Reversal Designs) عندما تسمح الاعتبارات الأخلاقية بذلك، أو اللجوء إلى مجموعات المقارنة غير المتكافئة وضبط الفروق إحصائياً. وقد وضع جيلر بهذه المنهجيات معايير جديدة ألزمت الباحثين السلوكيين بعدم الاكتفاء بالدراسات الوصفية السطحية، بل النزول الميداني المصحوب بتصميمات تجريبية صارمة تؤكد الربط السببي بين التدخل السلوكي والنتائج الوقائية المحققة.
9.2 تطوير أدوات القياس السلوكي والاستبيانات التشخيصية
إلى جانب الملاحظة السلوكية الميدانية المباشرة، كان سكوت جيلر رائداً في تطوير ترسانة متقدمة من المقاييس السيكومترية والاستبيانات التشخيصية التي صُممت بعناية لقياس الأبعاد غير الملموسة للثقافة التنظيمية والحالات النفسية المرتبطة بالسلامة والاهتمام الفاعل. سعى جيلر إلى جعل هذه الأدوات أدوات قياس تشخيصية (Diagnostic Tools) وليس مجرد استطلاعات رأي روتينية، بحيث تكشف بدقة عن مواطن الضعف السلوكي والخلل النفسي داخل المؤسسات قبل أن تترجم إلى كوارث بشرية.
ابتكر جيلر أدوات معيارية بارزة؛ من بينها “مقياس مناخ السلامة الشامل” (Comprehensive Safety Climate Survey) و”استبيان قياس الاهتمام الفاعل” (AC4P Survey Inventory). تخضع هذه المقاييس لعمليات تحليل عاملي استكشافي وتوكيدي صارمة للتأكد من صدقها وثباتها الداخلي عبر مجتمعات عمالية متنوعة. تقيس هذه الأدوات مستويات الثقة التنظيمية، والعدالة الإجرائية المدركة، وشجاعة التبليغ، ومقدار التمكين الذاتي، ودرجة الاستماع التعاطفي لدى القيادات، مما يمنح صانع القرار خريطة دقيقة حول “الصحة النفسية والسلوكية” للمنظمة.
دمج جيلر هذه الاستبيانات مع تقنيات الرصد اللحظي المتقدمة؛ مثل “أخذ العينات اللحظية للوقت” (Momentary Time Sampling) وسجلات التدقيق السلوكي الدوري (Behavioral Audits). وعبر استخدام الأساليب الإحصائية المتقدمة وحساب “حجم الأثر” (Effect Size) والتحليلات المقارنة للبيانات قبل التدخل وأثناءه وبعده، وضع جيلر منظومة تقييم متكاملة تربط مباشرة بين المؤشرات السيكومترية الذاتية والنتائج السلوكية الميدانية الصلبة، مقدماً نموذجاً يحتذى به في المنهجية السيكولوجية المتكاملة التي تجمع بين عمق القياس النفسي ودقة الرصد السلوكي التجريبي.
10. الانتقادات والجدل العلمي حول أطروحات سكوت جيلر
10.1 الانتقادات الموجهة لمنهجية السلامة القائمة على السلوك (BBS)
رغم الانتشار الواسع والنجاحات الإحصائية اللافتة لمنظومة السلامة القائمة على السلوك (BBS) التي صاغها سكوت جيلر، إلا أنها واجهت عبر العقود الثلاثة الماضية موجات عاتية من النقد العلمي والجدل النقابي والعمالي المحتدم، خاصة من طرف اتحادات العمال الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا؛ مثل الاتحاد الدولي لعمال الصلب (USW) والاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية (AFL-CIO).
تمحور النقد النقابي الجوهري حول اتهام برامج BBS بأنها أداة خبيثة تهدف في جوهرها إلى “إلقاء اللوم على العامل” (Blaming the Worker) وتبرئة ساحة الإدارة وأصحاب رؤوس الأموال. يرى المعارضون أن التركيز المفرط على السلوك الفردي يصرف الأنظار والميزانيات المالية بعيداً عن الاستثمار المكلف في “التسلسل الهرمي للسيطرة على المخاطر” (Hierarchy of Controls)؛ والذي يوجب أولاً القضاء الهندسي على الخطر (Elimination)، أو استبداله (Substitution)، أو عزله بالحلول الهندسية قبل مطالبة العامل بحماية نفسه سلوكياً. ورأى النقاد أن المنشأة إذا كانت تنضح بالمخاطر الميكانيكية والغازات السامة، فإن تدريب العامل على التصرف الآمن هو محاولة لتسكين الأزمة وتحميل الضحية مسؤولية خطأ المنظومة برمتها.
كما حذر خبراء السلامة من ظاهرة “التلاعب بالإحصاءات” وتثبيط الإبلاغ عن الإصابات (Suppression of Reporting). فعندما تربط الشركات المكافآت والحوافز المالية بتحقيق سجلات تخلو من الحوادث وتطبيق برامج سلوكية صارمة، ينشأ ضغط أقران غير صحي يدفع العمال للتستر على الإصابات والجروح الطفيفة وعدم الإبلاغ عنها خوفاً من ضياع المكافأة الجماعية للوردية أو التعرض للتحقيق السلوكي؛ مما يولد شعوراً زائفاً بالأمان يخفي وراءه مخاطر مدفونة قد تنفجر لاحقاً في صورة حوادث كبرى مدمرة.
لم يقف جيلر مكتوف الأيدي أمام هذه الانتقادات، بل تصدى لها بشجاعة علمية في مؤلفاته ومناظراته العامة؛ مؤكداً أن BBS الحقيقية لا تعني أبداً تجاهل الحلول الهندسية أو لوم العامل، وميز بحزم بين التطبيق العلمي الإنساني الأصيل لمنظومته، وبين “التطبيق المشوه والسطحي” الذي تمارسه بعض الشركات الاستشارية النفعية التي تحول السلامة السلوكية إلى برنامج مراقبة قمعي وتفتيشي. شدد جيلر على مفهوم “الثالوث التكاملي للسلامة” (The Safety Triad)، الذي يؤكد على التفاعل العضوي المستمر بين ثلاثة عناصر لا ينفصل أحدها عن الآخر: البيئة المادية والهندسية، والسلوك الظاهر، والعوامل الشخصية والنفسية، معلناً أن أي برنامج سلوكي يُطبق في بيئة تفتقر للتأمين الهندسي الأساسي هو برنامج محكوم عليه بالفشل الأخلاقي والعلمي.
10.2 نقاشات حول مثالية حركة الاهتمام الفاعل (AC4P)
واجهت حركة “الاهتمام الفاعل بالآخرين” (AC4P) نصيبها أيضاً من المناقشات والاعتراضات السيكولوجية والاجتماعية؛ حيث نظر إليها بعض علماء الاجتماع التنظيمي ونقاد الرأسمالية المعاصرة بوصفها “طوباوية رومانسية مفرطة في المثالية” تصطدم بصخور الواقع الاقتصادي الشرس. حاجج هؤلاء بأن محاولة غرس الإيثار والتكافل التلقائي في بيئات عمل تتسم بالتنافس الشديد على الترقيات والرواتب، وخفض النفقات، وتسريح العمال، هي محاولة بائسة لتجميل واقع استغلالي غير متوازن بنيوياً، وتطلب من الأفراد الاهتمام ببعضهم بينما المنظومة الهيكلية لا تهتم بأي منهم.
وانصب نقد آخر على آليات التحفيز الرمزية؛ مثل تمرير الأساور الخضراء وبطاقات الشكر والاعتراف. تساءل باحثون في الدافعية عما إذا كانت هذه الطقوس الرمزية قد تتحول مع الوقت إلى “سلوكيات شكلية استعراضية” تفتقر إلى الصدق العاطفي (Superficial Tokenism)، يمارسها الموظفون نفاقاً للإدارة أو كواجب اجتماعي مفروض يفقد بهجته التلقائية بمجرد إلزامية المشاركة، فضلاً عن احتمالية أن يولد توزيع المكافآت والتقدير شعوراً بالغيرة أو الاستبعاد لدى أولئك الذين لم يحصلوا على أساور، مما يهدد بتفكيك اللحمة الاجتماعية التي صُمم البرنامج أصلاً لحمايتها وترسيخها.
كما أشارت دراسات تتبعية طويلة الأجل أجرتها فرق بحثية مستقلة إلى معضلة “تلاشي أثر التدخل” (Intervention Fade-out). فبعد انتهاء الحملات التوعوية وانسحاب فرق التدريب التابعة للجامعة من المدارس والمصانع، تميل وتيرة سلوكيات الاهتمام الفاعل إلى التراجع التدريجي لتعود البيئات إلى خطوط الأساس السابقة ما لم تتوافر قيادات استثنائية تحافظ على شعلة التمكين متقدة. أقر جيلر بهذه التحديات بصدر رحب، موضحاً أن حركة AC4P ليست حلاً سحرياً ميكانيكياً، بل هي كفاح ثقافي وتربوي متواصل يتطلب نفساً طويلاً وإعادة هيكلة شاملة للأنظمة المجتمعية والتعليمية لتصبح حاضنة لقيم التعاطف بدلاً من أن تكون منصات للتنافس الفردي المحموم.
11. المؤلفات الكبرى والإنتاج المعرفي لسكوت جيلر
11.1 الكتب المرجعية في السلامة والتحليل السلوكي
يُعد الإنتاج المعرفي لسكوت جيلر من بين الأغزر والأكثر تأثيراً في تاريخ علم النفس الحديث؛ حيث ألف وشارك في تأليف وتحرير أكثر من 30 كتاباً مرجعياً ومئات الفصول الأكاديمية التي وضعت اللبنات الأساسية لما بات يعرف اليوم بـ “علم نفس السلامة المهنية والصناعية”. ومن بين هذه المؤلفات، يبرز كتابه التأسيسي الضخم الذي حقق مبيعات خيالية وتُرجم إلى العديد من لغات العالم:
“سيكولوجية السلامة: كيفية تحسين سلوكيات ومواقف الأفراد في مكان العمل” (The Psychology of Safety: How to Improve Behaviors and Attitudes on the Job):
نُشر هذا الكتاب في منتصف التسعينيات ليصبح بمثابة “الإنجيل المرجعي” لمسؤولي السلامة والصحة المهنية ومديري الموارد البشرية حول العالم. قدم جيلر في هذا السفر الكبير شرحاً شاملاً وتطبيقياً لنموذج ABC، وكيفية صياغة استبيانات الملاحظة، وتصميم برامج التغذية الراجعة، والانتقال من عقلية تصيد الأخطاء إلى عقلية التمكين والاحتفاء بالسلوك الآمن. وقد حُوّل هذا الكتاب إلى برامج تدريبية تخرج منها مئات الآلاف من المتخصصين في القارات الخمس.
أعقب جيلر هذا الإنجاز بإصدار كتابه الموسوعي الشامل “دليل سيكولوجية السلامة” (The Psychology of Safety Handbook) عام 2001، وهو نسخة موسعة ومحدثة عميقة تتجاوز المفاهيم الأساسية لتستعرض التصاميم التجريبية الصارمة، ودراسات الحالة الواقعية في القطاعات فائقة الحساسية، وكيفية إدارة التغيير الثقافي في الشركات متعددة الجنسيات وتطوير القيادة السلوكية المسؤولة. كما ألف بالتعاون مع زملائه كتباً بالغة الأثر مثل: “العمل بأمان: نصائح عملية للتغيير السلوكي المستدام” (Working Safe)، و“مفاتيح السلامة القائمة على السلوك” (Keys to Behavior-Based Safety)، والتي كرست مكانته كمرجع علمي لا غنى عنه لكل باحث وممارس في هذا الحقل الحيوي.
11.2 سلسلة مؤلفات الاهتمام الفاعل بالآخرين والدافعية الذاتية
مع تدشين حركة الاهتمام الفاعل بالآخرين (AC4P)، انطلق جيلر في مشروع تأليفي وإشعاعي جديد هدف إلى تبسيط العلوم النفسية المعقدة وإتاحتها لجمهور القراء العريض، والتربويين، وقادة المجتمعات المحلية. تمخضت هذه الفترة عن سلسلة كتب استثنائية نالت شهرة دولية واسعة، كان من أبرزها:
“الاهتمام الفاعل بالآخرين في المدارس: دمج التعليم الإيجابي بالسلوك الاجتماعي”:
قدم جيلر في هذا الكتاب دليلاً عملياً للمعلمين ومديري المدارس والأخصائيين النفسيين حول كيفية تفكيك ظواهر العنف المدرسي والتنمر اللفظي والجسدي عبر استراتيجيات التعزيز الإيجابي والملاحظة التشاركية للطف وللأفعال الإيثارية بين الطلاب. أثبت الكتاب أن علاج المشكلات الأخلاقية في المدارس لا يكون بالمزيد من كاميرات المراقبة أو اللوائح التأديبية الطاردة، بل بإشاعة مناخ سيكولوجي يعزز الانتماء والاهتمام والمسؤولية التضامنية بين الأقران.
كما أصدر كتابه التحفيزي الفلسفي “علم النفس التطبيقي للنجاح والتمكين الشخصي” (Applied Psychology of Success)، والذي فصّل فيه نظرية الدافعية الذاتية، ومثلث التمكين، وكيفية التغلب على قيود الخوف من الفشل واكتساب عقلية النمو والسيطرة الشخصية. وإلى جانب الكتب والمقالات المحكمة، كانت لجيلر مساهمات مشهودة في التواصل العلمي الجماهيري عبر مقاطع الفيديو التعليمية، والمحاضرات الرئيسية في المنتديات العالمية، ومحادثاته الأيقونية على منصة TEDx، التي شاهدها ملايين البشر، ونجح عبرها في ترجمة المفاهيم المعملية المجردة إلى إلهام يومي يغير مسارات حياة الأفراد ويدفعهم لأن يكونوا قوة حقيقية من أجل الخير في مجتمعاتهم.
12. الإرث الأكاديمي والآفاق المستقبلية للمدرسة السلوكية الجيلرية
12.1 التأثير المستمر في أجيال الباحثين والممارسين
يمتد الأثر الأكاديمي والمهني لسكوت جيلر إلى ما هو أبعد من أرقام الاقتباسات العلمية أو مبيعات الكتب؛ فقد أسس “مدرسة فكرية وتطبيقية” تخرجت منها أجيال متتابعة من كبار علماء النفس، ورؤساء الأقسام الأكاديمية، وخبراء الاستشارات الصناعية المرموقين عالمياً. حمل هؤلاء التلامذة -الذين كان يعاملهم جيلر دوماً كشركاء علميين- شعلة “السلوكية الإنسانية” ونشروها في جامعات مرموقة ومراكز بحثية متعددة في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وآسيا وأستراليا، مطبقين رؤيته التوفيقية في سياقات جديدة ومتباينة.
حصد جيلر على مدار مسيرته أرفع الأوسمة والجوائز التقديرية الدولية التي تُمنح لعلماء النفس الاستثنائيين؛ حيث نال جوائز التميز مدى الحياة والمساهمات المهنية البارزة من كبرى المؤسسات التخصصية، وعلى رأسها الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA – تحديداً القسم 25 المعني بالتحليل التجريبي والتطبيقي للسلوك)، وجمعية تحليل السلوك الدولية (ABAI)، إلى جانب الجمعية الأمريكية لمهندسي السلامة (التي تحولت إلى الجمعية الأمريكية لمحترفي السلامة – ASSP). وقد كرمته هذه المحافل تقديراً لريادته التاريخية في تحويل علم النفس من علم وصفي يكتفي بدراسة الظواهر إلى قوة تدخلية فاعلة تنقذ أرواح العمال وتحسن جودة الحياة في أماكن العمل القاسية.
تكمن المكانة الدائمة لجيلر في كونه أحد القلائل الذين نجحوا في إعادة الهيبة والمقبولية الأخلاقية للتيار السلوكي في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين؛ ففي الوقت الذي كان يُنظر فيه إلى السلوكية على أنها مذهب اختزالي آلي عفى عليه الزمن وتجاوزته الثورة المعرفية، أثبت جيلر من خلال منهجه التكاملي الإنساني أن السلوك القابل للملاحظة يظل جوهر التغيير، ولكن بشرط أن يتنفس برئة الكرامة الإنسانية والدافعية الذاتية والاهتمام الفاعل، تاركاً بصمة لا تُمحى في الوجدان العلمي المعاصر.
12.2 مستقبل التحليل السلوكي في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي
مع دخول البشرية عصر الثورة الصناعية الرابعة، وموجات التحول الرقمي المتسارعة، وتغلغل خوارزميات الذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات في كافة قطاعات العمل والإنتاج، تطرح أطروحات سكوت جيلر أسئلة حيوية وتكتسب راهنية متجددة غير مسبوقة. فكيف يمكن لمبادئ السلامة السلوكية والاهتمام الفاعل أن تتكيف مع بيئات عمل تقنية هجينة يعمل فيها البشر جنباً إلى جنب مع الآلات الذكية والأنظمة الخوارزمية المستقلة؟
يشهد اليوم حقل التحليل السلوكي التطبيقي اندماجاً مذهلاً مع تقنيات “البيانات الضخمة” (Big Data) والتحليلات التنبؤية (Predictive Analytics)؛ حيث تُستخدم المستشعرات القابلة للارتداء (Wearable Sensors) وأنظمة الرؤية الحاسوبية القائمة على الذكاء الاصطناعي لرصد السلوكيات الخطرة وحركات الإجهاد العضلي لدى العمال في الوقت الحقيقي. ومع ذلك، يحذر الإطار الأخلاقي والجيلري من الانزلاق إلى “المراقبة الرقمية البانوبتية الشاملة”؛ إذ يشدد على أن تكنولوجيا الرصد الرقمي لا يجب أن تتحول إلى أداة لتعقب العاملين ومعاقبتهم، بل يجب تسخيرها لتوليد “تغذية راجعة فورية وداعمة ومحفزة” تمكن العامل وتدعمه، تماشياً مع جوهر السلوكية الإنسانية.
وعلاوة على ذلك، يبرز التحدي الأكبر في “عصر العزلة الرقمية” والعمل عن بعد؛ حيث تتضاءل الروابط الإنسانية الطبيعية وتتفاقم مشكلات الوحدة والانفصال النفسي والاكتئاب. في هذا السياق، تظل حركة “الاهتمام الفاعل بالآخرين” (AC4P) بوصلة إنسانية حيوية لا غنى عنها لمقاومة تشييء الإنسان وتسليعه داخل المنظومات الرقمية المعاصرة. إن الإصرار على رؤية الشخص وراء المنشورات والشاشات، والمبادرة بتقديم الدعم النفسي التضامني للأقران، وتأسيس ثقافة التعاطف الصادق هو الترياق الوحيد ضد الآثار الاغترابية للتكنولوجيا الصماء؛ مما يؤكد أن الإرث العلمي والأخلاقي لسكوت جيلر سيظل منارة تلهم الباحثين وصناع السياسات لعقود قادمة لحماية الإنسانية وتزكيتها في عالم سريع التحول والتغير.
خاتمة
إن استعراض السيرة العلمية والمسيرة المديدة للبروفيسور إي. سكوت جيلر (1942 – الحاضر) يكشف بجلاء عن نموذج نادر للعالِم الملتزم بقضايا مجتمعه والإنسانية جمعاء. لم يكن جيلر باحثاً أكاديمياً يكتفي باختبار الفرضيات النظرية خلف أسوار الجامعة الهادئة، بل نزل بعلمه ومنهجه التجريبي إلى أعماق المناجم، وأرضيات المصانع الصاخبة، وتقاطعات الطرق السريعة، وأروقة المدارس والجامعات الجريحة؛ ليصنع فارقاً نوعياً وملموساً بين الحياة والموت، وبين الإصابة والسلامة، وبين العزلة والتكافل.
نجح جيلر بعبقرية منهجية نادرة في ترويض جموح السلوكية الميكانيكية الراديكالية عبر ضخ دماء الفلسفة الإنسانية في شرايينها، مؤسساً مدرسة “السلوكية الإنسانية” التي ألغت التناقض المصطنع بين دقة السلوك الملاحظ وعمق المشاعر والقيم الوجدانية الكامنة. ومن هذا الرحم الفكري الخصب، ولدت منظومة “السلامة القائمة على السلوك” (BBS) كمعيار عالمي للوقاية الصناعية الشاملة، ثم انطلقت حركة “الاهتمام الفاعل بالآخرين” (AC4P) كرد حضاري ونفسي استثنائي على مأساة العنف، محولة الألم والصدمة إلى طاقة تضامن ورحمة مستدامة تجوب أرجاء الأرض.
يقف إرث سكوت جيلر اليوم شاهداً راسخاً على أن علم النفس يبلغ أسمى غاياته المعرفية والأخلاقية عندما يتحرر من القوالب التجريدية الصرفة، ليصبح أداة حية في يد الإنسان لتمكينه، وصون كرامته، وبناء مجتمعات واعية تتسم بالتماسك والاهتمام الفاعل المتبادل؛ وهي الرسالة الخالدة التي ستظل تنير دروب أجيال المستقبل من العلماء والممارسين الساعين إلى جعل العالم مكاناً أكثر أماناً وإنسانية وجمالاً.
المراجع
- American Psychological Association. (2020). Scott Geller honored for distinguished contributions to applied psychology. APA PsycNet. https://www.apa.org
- Bandura, A. (1997). Self-efficacy: The exercise of control. W. H. Freeman and Company.
- Deci, E. L., & Ryan, R. M. (2000). The “what” and “why” of goal pursuits: Human needs and the self-determination of behavior. Psychological Inquiry, 11(4), 227-268. https://doi.org/10.1207/S15327965PLI1104_01
- Geller, E. S. (1996). The psychology of safety: How to improve behaviors and attitudes on the job. CRC Press / Chilton Book Company.
- Geller, E. S. (2001). The psychology of safety handbook (2nd ed.). CRC Press / Lewis Publishers. https://doi.org/10.1201/9781420032581
- Geller, E. S. (2005). Behavior-based safety and occupational risk management. Behavior Modification, 29(3), 539-561. https://doi.org/10.1177/0145445504273287
- Geller, E. S. (2013). Actively caring for people: Cultivating a culture of compassion. Make-A-Difference, LLC.
- Geller, E. S. (2015). The psychology of self-motivation [Video]. TED Conferences. https://www.ted.com
- Geller, E. S., Winett, R. A., & Everett, P. B. (1982). Preserving the environment: New strategies for behavior change. Pergamon Press.
- Geller, E. S., & Veazie, M. A. (2017). The courage to actively care: A guide to humanistic behaviorism. Morgan James Publishing.
- National Institute for Occupational Safety and Health. (2018). Leading indicators and organizational safety culture. Centers for Disease Control and Prevention. https://www.cdc.gov/niosh/
- Occupational Safety and Health Administration. (2021). Safety and health management systems and leading indicators. U.S. Department of Labor. https://www.osha.gov
- Skinner, B. F. (1953). Science and human behavior. Macmillan.
- United Steelworkers. (2007). The traits and perils of behavior-based safety programs. USW Health, Safety and Environment Department. https://www.usw.org
- Virginia Tech Department of Psychology. (2023). Faculty profile: E. Scott Geller, Alumni Distinguished Professor and Director of CABS. Virginia Polytechnic Institute and State University. https://www.vt.edu