يُمثل العجز المكتسب أحد أعمق المفاهيم في علم النفس الإكلينيكي والمعرفي، إذ يفسر الكيفية التي يتنازل بها الكائن الحي طواعية عن محاولات النجاة أو التكيف إثر تعرّضه لخبرات سلبية متكررة لا يملك السيطرة عليها. لا يقتصر هذا المفهوم على كونه رد فعل عابر تجاه الضغوط، بل يُشكل بنية نفسية ومعرفية معقدة تُعيد تشكيل الإدراك، والدافعية، والاستجابة الانفعالية تجاه العالم المحيط، مما يجعله حجر زاوية في دراسة الاكتئاب والاضطرابات النفسية المختلفة.
العجز المكتسب (Learned Helplessness)
1. التعريف الموجز
يُعرَّف العجز المكتسب بأنه حالة نفسية وسلوكية يتوقف فيها الفرد أو الكائن الحي عن محاولة تجنب المثيرات المؤلمة أو غير السارة، نتيجة التعرض المسبق لمواقف ضاغطة متكررة كانت فيها النتائج خارجة تماماً عن نطاق سيطرته وإرادته. يقود هذا الإدراك إلى ترسيخ قناعة عميقة بلا جدوى المحاولة، حتى عندما تتغير الظروف وتصبح سبل النجاة أو التغيير ممكنة ومتاحة في البيئة الحالية.
يتجاوز العجز المكتسب مجرد اليأس الظرفي؛ فهو يتضمن عجزاً معرفياً يتمثل في صعوبة تعلم استجابات جديدة تؤدي إلى السيطرة، وعجزاً دافعياً يتمثل في انخفاض المبادرة السلوكية، وعجزاً انفعالياً يظهر في صورة كآبة، وقلق، واستسلام كامل. يُعد هذا المفهوم نموذجاً محورياً لفهم الآليات الكامنة وراء اضطرابات المزاج، ولا سيما اضطراب الاكتئاب الرئيس والإحباط المزمن.
2. التأثيل والأصل اللغوي
صيغ المصطلح باللغة الإنجليزية في أواخر ستينيات القرن العشرين تحت مسمى Learned Helplessness من قِبل عالمي النفس مارتن سيليغمان (Martin Seligman) وستيفن ماير (Steven Maier). تتكون التسمية من شقين: الأول Learned المشتق من الجرمانية القديمة والذي يشير إلى الاكتساب المعرفي أو السلوكي عبر التجربة والملاحظة، والشق الثاني Helplessness المشتق من الإنجليزية القديمة helpleas وتعني الافتقار التام إلى المعونة أو العجز عن تغيير الواقع.
في اللسان العربي، يُشتق مصطلح «العجز» من الجذر الثلاثي (ع-ج-ز)، ويدل في المعاجم على الضعف، والقصور، والتأخر عن الشيء وفوات القدرة عليه. أما كلمة «المكتسب» فترجع إلى الجذر (ك-س-ب)، وتفيد نيل الشيء وتحصيله بالسعي أو الممارسة والتجربة. والتركيب الاصطلاحي «العجز المكتسب» ينقل بدقة الفكرة المحورية للنظرية: فالعجز هنا ليس سمة وراثية حتمية أو عاهة فطرية، بل هو حصيلة تكييفية وخبرات تراكمية تعلّم فيها الكائن أن أفعاله منفصلة تماماً عن النتائج التي يتلقاها.
3. النطق والصيغة الصرفية
يُنطق المصطلح باللغة العربية بفتح العين وسكون الجيم مع كسر الزاي المضمومة تِلوها (العَجْزُ المُكْتَسَبُ). من الناحية الصرفية، تُعد كلمة «العجز» مصدراً أصلياً للفعل الثلاثي المجرد «عَجَزَ» (بمعنى ضعف وقصر)، بينما تأتي كلمة «المكتسب» على صيغة اسم المفعول من الفعل الخماسي المزيد «اكتسب»، وتعمل هنا كصفة أو نعت يوضح طبيعة هذا العجز بأنه وليد الخبرة البيئية والتعلم.
تتضمن الاستخدامات الشائعة للمصطلح مترادفات دلالية مثل «العجز المتعلم» أو «الاستسلام المكتسب»، ويُعرب المركب وفق موقعه في الجملة حيث يكون المضاف موصوفاً والنعت تابعاً له في الحركات الإعرابية. في السياق الإكلينيكي التواصلي، يُستخدم أحياناً الاختصار الإنجليزي (LH) كدلالة سريعة في التدوين الطبي والبحثي على متلازمة العجز المكتسب.
4. الشرح المفاهيمي المفصل
يقوم العجز المكتسب على إدراك الكائن الحي لعدم وجود أي رابط سببي (Contingency) بين السلوك والنتيجة. في الحالات الطبيعية، يطور الإنسان عبر مسار نموه ثقة بأن أفعاله وجهوده تترك أثراً مباشراً في تخفيف الألم أو جلب المنفعة، وهو ما يُعرف بنمط الفاعلية الشخصية؛ ولكن عندما يمر الكائن بمواقف قاهرة تتكرر فيها الصدمات أو الإخفاقات دون أن تفلح أي استجابة تصدر منه في تغيير هذا المصير المؤلم، يحدث تفكك بين منظومة الفعل ومنظومة النتيجة.
يتفرع العجز المكتسب إلى ثلاثة عيوب بنيوية أساسية تُصيب الجهاز النفسي: الأول هو العجز الدافعي، ويتجلى في هبوط حاد في الرغبة في المبادرة السلوكية، حيث لا يجد الفرد أي دافع لتحريك ساكن ما دام الاعتقاد السائد هو حتمية الخيبة. الثاني هو العجز المعرفي، وهو التغير الطارئ على قدرة المعالجة الذهنية، بحيث يعجز الفرد عن استيعاب النجاح أو التحرر عندما تتغير الظروف، فيفسر أي انفراج بأنه محض صدفة عابرة لا صلة لها بكفاءته. الثالث هو العجز الانفعالي، الذي يتبدى في صورة مشاعر عميقة من الاكتئاب، واللامبالاة، والتبلد الوجداني، والقلق المزمن.
يمتد نطاق هذا المفهوم من السلوك الحيواني البسيط وصولاً إلى أعقد البنى الاجتماعية البشرية. في الإنسان، يتداخل العجز المكتسب مع عمليات التفكير المتقدمة واللغة؛ إذ لا يقف الأمر عند رد الفعل الشرطي، بل يُترجم داخلياً إلى سرديات معرفية قاسية ونظرة سوداوية شاملة للذات والبيئة والمستقبل، وهو ما يجعله حالة ممتدة قد تستمر لسنوات طويلة ما لم يتم التدخل لعلاجها وتفكيك منظوماتها المعرفية الراسخة.
5. التطور التاريخي
تعود البدايات الأولى لاكتشاف العجز المكتسب إلى عام 1967 في مختبرات جامعة بنسلفانيا، حين كان الباحثان الشابان مارتن سيليغمان وستيفن ماير يجريان تجارب امتداداً لأبحاث ريتشارد سولومون حول الإشراط الكلاسيكي والتجنبي لدى الكلاب. لاحظ الباحثان ظاهرة غريبة حيرت المدرسة السلوكية التقليدية: الكلاب التي تعرضت سابقاً لصدمات كهربائية غير قابلة للتجنب لم تبذل أي جهد للهرب عند وضعها في صندوق قفز تجريبي (Shuttle-box) يحتوي على حاجز منخفض وحجرة آمنة، بل جلبت رؤوسها واستلقت أرضاً تئن مستسلمة للصدمات، بخلاف الكلاب التي لم تخضع للصدمات المسبقة حيث قفزت فوراً فوق الحاجز متفادية الألم.
نشر سيليغمان وماير هذه النتائج، مما أحدث دوياً في الأوساط الأكاديمية لأنها برهنت على أن الحيوانات تتعلم وتتوقع أن الأحداث خارجة عن سيطرتها، وهو ما وجّه ضربة قوية للسلوكية الراديكالية التي كانت ترفض المفاهيم المعرفية مثل «التوقع» و«الإدراك». وفي عام 1975، نشر سيليغمان كتابه الرائد «العجز: حول الاكتئاب والتطور والموت»، مقترحاً أن العجز المكتسب هو النموذج التجريبي الأفضل لتفسير الاكتئاب التفاعلي عند البشر.
شهدت النظرية تحولاً جوهرياً في عام 1978 عندما أعاد كل من لين أبرامسون (Lyn Abramson)، ومارتن سيليغمان، وجون تيسدال (John Teasdale) صياغة النظرية في ضوء نظرية العزو المعرفي لتفسير التباينات الفردية بين البشر، وتوضيح سبب إصابة بعض الأشخاص بالاكتئاب الحاد وتماسك آخرين رغم تعرضهم لنفس الظروف الضاغطة. وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، طور سيليغمان هذا النموذج لينبثق منه مفهوم «التفاؤل المكتسب» ونشأة تيار علم النفس الإيجابي، في حين كشفت أبحاث علم الأعصاب في مطلع الألفية بقيادة ماير أن الدماغ مُبرمج بيولوجياً على الاستسلام الفطري، وأن السيطرة هي التي تُكتسب عبر القشرة الجبهية.
6. الأسس النظرية
تستند النظرية في نسختها الكلاسيكية الأولى إلى نموذج التعلم المعرفي السلوكي. تفترض النظرية أن التعرض لمثير غير مشروط ومنفّر مع غياب استجابة تجنبية ناجحة يؤدي إلى استنتاج معرفي مفاده: «أفعالي لا تُحدث فارقاً». ينتقل هذا التوقع من الموقف الأصلي إلى مواقف جديدة تماماً ومختلفة بيئياً عبر عملية تعميم واسعة النطاق تُفقد الكائن القدرة على المبادرة التكيفية.
أما النسخة المعدلة للنظرية (Reformulated Learned Helplessness Theory)، فقد تبنت المنظور المعرفي العزوي، مؤكدة أن تعرض الإنسان لأحداث خارجة عن السيطرة لا يُنتج العجز تلقائياً، بل يتحدد مصيره وفق كيفية عزو هذا الفرد لأسباب الحدث عبر ثلاثة أبعاد رئيسية: الداخلي مقابل الخارجي، والمستقر مقابل غير المستقر، والعام مقابل الخاص. إذا نسب الفرد الفشل إلى أسباب داخلية مستقرة وعامة، تنهار مشاعر تقدير الذات وتتحول الحالة إلى اكتئاب عميق وواسع النطاق.
في المقابل، تُقدم البيولوجيا العصبية أساساً فسيولوجياً رصيناً للظاهرة؛ إذ بينت الدراسات الحديثة عبر تصوير الدماغ وتجارب القوارض دور نواة الرفاء الظهرية (Dorsal Raphe Nucleus) المسؤولة عن إفراز السيروتونين بكميات غير منضبطة تؤدي إلى تثبيط الحركة وإثارة القلق. وأظهرت أبحاث ستيفن ماير أن استجابة العجز في جوهرها هي الاستجابة البيولوجية التلقائية والافتراضية للشدائد، وأن قشرة الفص الجبهي البطني الأنسي (vmPFC) هي المسؤولة عن تثبيط هذه النواة عندما تدرك أن هناك سيطرة وإمكانية لتغيير الموقف.
7. المكونات والأنواع والأبعاد الرئيسية
يتألف العجز المكتسب من تصنيفات وأبعاد متداخلة تحدد عمقه وتأثيره السلوكي والنفسي:
- العجز الشخصي (Personal Helplessness): إدراك الفرد لعجزه التام عن حل مشكلة أو تجنب ضغط، مع اعتقاده في الوقت نفسه أن أقرانه والآخرين قادرون على تجاوز هذا الموقف بنجاح، مما يؤدي إلى تآكل تقدير الذات وشعور حاد بالدونية والذنب.
- العجز الشامل/العام (Universal Helplessness): إدراك الفرد أن المشكلة الحالية مستعصية ولا يملك أحد حيالها أي حل أو قدرة على التغيير (كالتعرض لكوارث طبيعية ساحقة أو أوبئة)، وفي هذا النوع يتشكل العجز الدافعي دون أن يُصاحبه انهيار في احترام الذات لأن الملامة لا تقع على الكفاءة الشخصية.
- العجز العام في مقابل العجز النوعي (Global vs. Specific): يمتد العجز العام ليشمل كافة مناحي الحياة والأنشطة الأكاديمية والمهنية والاجتماعية بمجرد الفشل في نطاق واحد، بينما يقتصر العجز النوعي على نطاق محدد بذاته (مثل الاستسلام في مادة الرياضيات فقط مع الحفاظ على النشاط والفاعلية في باقي المواد).
- العجز المزمن في مقابل العجز العابر (Chronic vs. Transient): يدوم العجز المزمن لفترات زمنية طويلة ويصعب تفكيكه لارتباطه بأساليب عزو مستقرة، في حين يزول العجز العابر سريعاً بزوال الموقف الضاغط أو تلقي دعم خارجي إيجابي.
- المكون الدافعي (Motivational Deficit): انطفاء الرغبة في المحاولة والتلكؤ السلوكي المستمر والانسحاب من ساحات المواجهة والمبادرة.
- المكون المعرفي (Cognitive Deficit): صعوبة إدراك وتشفير الروابط الجديدة بين السعي الإيجابي والنتائج الناجحة، واعتناق نمط فكري جامد يرفض محاولات التغيير.
- المكون الانفعالي (Emotional Deficit): تفشي حالات الحزن، واليأس، والتبلد الوجداني، وارتفاع معدلات التوتر والاحتراق النفسي.
8. الأمثلة والحالات التوضيحية
تتجلى هذه الظاهرة في العديد من السياقات الواقعية والعيادية؛ خذ على سبيل المثال طالباً مدرسياً يعاني من صعوبات تعلم غير مشخصة في مادة معينة. يبذل الطالب جهداً شاقاً في الاستذكار، لكنه يرسب مراراً وتكراراً بسبب غياب التوجيه المناسب. بعد عدة محاولات فاشلة، يصل الطالب إلى قناعة تامة بأنه «غبي بطبيعته»، فيكف عن فتح الكتب أو المذاكرة نهائياً؛ وحتى عندما يحصل على معلم خاص ممتاز وصبور يُسهل له المنهج، يرفض الطالب المحاولة ويتجمد ذهنه استجابة لبرمجة العجز السابقة.
مثال آخر يتضح في البيئات الأسرية المعنفة؛ حيث تظل المرأة الخاضعة لعلاقة مسيئة عاجزة عن الهروب أو طلب المساعدة القانونية رغم توفر الملاجئ والفرص أحياناً. يعود ذلك إلى أن سنوات من التهديد والقمع وتجريدها من الموارد أقنعتها بأن كل محاولة للهرب ستنتهي بمزيد من العقاب والبطش، فيتشكل لديها عجز مكتسب يقيد استجابتها الحركية ويدفعها للبقاء في البيئة المؤذية كنتيجة لفقدان الإيمان بجدوى الملاذ الآمن.
في بيئات العمل المؤسسية، يُلاحظ العجز المكتسب لدى الموظفين الذين يقدمون مبادرات وأفكاراً إبداعية لتطوير العمل فتُقابل دائماً بالرفض والازدراء من إدارة سلطوية جامدة. بمرور الوقت، يدخل هؤلاء الموظفون في حالة استسلام وظيفي يُعرف بالانسحاب الصامت؛ فلا يطرحون أي فكرة، ويتخلون عن الطموح، ويتحول أداؤهم إلى روتين آلي ميت، متيقنين من أن لا صوت يُسمع ولا جدوى من التغيير.
9. القياس والتقييم النفسي
يتم تقييم العجز المكتسب وأنماطه المعرفية المصاحبة عبر مجموعة من المقاييس السيكومترية المقننة، وأبرزها استبيان أسلوب العزو (Attributional Style Questionnaire – ASQ) الذي وضعه بيترسون وزملاؤه لقياس ميل الفرد لشرح الأحداث السلبية والإيجابية عبر أبعاد: (داخلي/خارجي)، (مستقر/غير مستقر)، و(شامل/محدد). يُعد هذا المقياس من أكثر الأدوات دقة في التنبؤ بمدى قابلية الفرد لتطوير عجز مكتسب أو السقوط في براثن الاكتئاب.
تُستخدم أيضاً أدوات أخرى مكملة، مثل «مقياس العجز المكتسب» (Learned Helplessness Scale – LHS) الذي يركز مباشرة على تقييم مدى شعور الفرد بضعف التحكم في حياته، إضافة إلى الاستعانة بـ مقياس بيك للاكتئاب (BDI) ومقياس اليأس لبيك (Beck Hopelessness Scale)، نظراً للتداخل الوثيق والارتباط الإحصائي المرتفع بين الشعور باليأس وأعراض العجز السلوكي والمعرفي.
على المستوى التجريبي والمخبري، يُقاس العجز المكتسب عبر مهام حل المشكلات غير القابلة للحل؛ كتعريض المشاركين لسلسلة من الألغاز أو الأصوات المزعجة التي لا يمكن إيقافها، ثم اختبار قدرتهم بعد ذلك على حل ألغاز سهلة للغاية (مثل مهام الجناس الناقصة – Anagrams). يُقاس العجز بحساب الزمن المستغرق قبل إعلان الاستسلام، وعدد المحاولات السلوكية التي يقوم بها الفرد قبل أن يكف تماماً عن السعي.
10. التطبيقات والأهمية العملية
تكتسب نظرية العجز المكتسب أهمية بالغة في العلاج المعرفي السلوكي (CBT)؛ إذ يُبنى التدخل العيادي على تفكيك التحريفات المعرفية للمريض، ومساعدته على دحض المعتقدات القائلة بأن الأحداث السلبية تحدث بسببه وحده وأنها ستستمر إلى الأبد. عبر تقنيات مثل «إعادة البناء المعرفي» والواجبات المنزلية المتدرجة للنجاح (Graded Task Assignments)، يتم كسر حلقة العجز وإعادة بناء حس الفاعلية الذاتية شيئاً فشيئاً.
في الحقل التربوي، توجه النظرية المعلمين إلى ضرورة تزويد الطلاب بأساليب تعزيز متسقة قائمة على الجهد المبذول بدلاً من الذكاء الفطري، وتفادي المواقف التي تُشعر التلميذ بأن الفشل مصير حتمي لا مفر منه. يساعد ذلك على تحويل الطلاب من حالة «العجز» إلى «عقلية النمو» (Growth Mindset)، مما يرفع مرونتهم النفسية وقدرتهم على مقاومة الإحباط عند مواجهة المواد الصعبة.
أما في علم النفس التنظيمي والإداري، فتُسهم النظرية في توجيه القيادات نحو تصميم بيئات عمل تُعزز من استقلالية الموظف وتمنحه مساحة حقيقية للمشاركة في اتخاذ القرار وتلقي تغذية راجعة بناءة. يُسهم ذلك في الوقاية من الاحتراق النفسي والاكتئاب المهني ويزيد من الإنتاجية والارتباط الوظيفي، حيث يدرك العاملون بوضوح أن مجهوداتهم تنعكس بشكل ملموس على نتائج العمل وتطورهم المهني الشخصي.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
أكدت مئات الدراسات التجريبية عبر العقود الماضية صحة فرضيات نموذج العجز المكتسب. أظهرت تجارب دونالد هيروتو (Donald Hiroto, 1974) الرائدة على البشر، باستخدام ضوضاء بيضاء مزعجة وغير قابلة للإيقاف، أن البشر يتعرضون لنفس تأثير العجز المكتسب تماماً كالنماذج الحيوانية؛ حيث عجزت المجموعات التي خضعت للضجيج غير القابل للتجنب عن تعلم تحريك مقبض بسيط لإيقاف الصوت في غرفة اختبار لاحقة، مقارنة بالمجموعات التي كان بإمكانها إيقاف الصوت منذ البداية.
في دراسة طولية مشهورة قادها بيترسون وسيليغمان (Peterson & Seligman, 1984)، تم تتبع الأساليب التفسيرية لطلاب الجامعات على مدار عقود، وأثبتت النتائج أن الأفراد الذين يتبنون أسلوب عزو تشاؤمياً (عجز مكتسب) كانوا أكثر عرضة للإصابة بنوبات اكتئاب لاحقة، وتدني المناعة الجسدية، وارتفاع معدلات الوفاة المبكرة الناتجة عن أمراض القلب مقارنة بنظرائهم من أصحاب الأساليب التفسيرية المتفائلة.
أعادت أبحاث ماير وماتسوشيتا في العقدين الأخيرين (Maier & Amat, 2012) صياغة الفهم التجريبي للعجز، حيث أكدت التحليلات العصبية المتقدمة أن «العجز» ليس حالة مكتسبة بالمعنى الإشراطي، بل هو الاستجابة البيولوجية الأولية للكرب الحاد غير المتحكم فيه، وأن ما يُكتسب بالفعل هو «السيطرة» عبر مسارات عصبية تنحدر من الفص الجبهي لتلجم استجابة الاستسلام؛ مما فتح آفاقاً واعدة لعلاج الاكتئاب عبر استهداف المسارات العصبية للتثبيط والتحكم.
12. الاعتبارات الثقافية والعبر-ثقافية
تتأثر مظاهر العجز المكتسب وأساليب التعبير عنه بالثقافة السائدة والقيم المجتمعية؛ ففي الثقافات الغربية الفردانية، يُقاس النجاح بالسيطرة الشخصية الصارمة والفاعلية الفردية، لذا فإن عجز الفرد عن السيطرة يُفسر داخلياً بشكل حاد ويقود سريعاً إلى مشاعر الذنب الشخصي وانخفاض احترام الذات. بينما في الثقافات الجمعية (مثل بعض المجتمعات الآسيوية والشرقية)، يميل الأفراد إلى إسناد أسباب الأحداث إلى السياق الاجتماعي الأوسع أو القوى القدرية والظروف الأسرية المشتركة.
يمكن لهذا العزو الخارجي في الثقافات الجمعية أن يعمل أحياناً كعامل حماية يخفف من الانهيار النفسي لتقدير الذات، لكنه في المقابل قد يكرس نمطاً من الرضوخ الاجتماعي إذا ما دُمج مع تفسيرات جبرية مغلوطة للقدر، حيث يُنظر إلى محاولات التغيير الفردي على أنها تمرد غير مجدٍ ضد النظام القائم. ينبغي للمعالجين النفسيين إدراك هذه الفروق، والتفريق بدقة بين التسليم والرضا الإيجابي المتوازن وبين الاستسلام المرضي والقعود القائم على العجز المعرفي المشوه.
13. الانتقادات والجدالات والحدود النظرية
واجهت نظرية العجز المكتسب انتقادات منهجية ونظرية عديدة منذ انطلاقها؛ كان أبرزها عجز النموذج الحيواني الأولي عن تفسير التناقضات السلوكية لدى البشر، حيث لا يستسلم كل البشر عند مواجهة الصدمات غير القابلة للتحكم، بل إن بعضهم يُظهر رد فعل معاكس يتمثل في التحدي والمقاومة الشرسة (ما يُعرف بنظرية المعاكسة النفسية – Psychological Reactance لجاك بريم).
دفع هذا الخلل النقاد، مثل برنارد وينر، إلى الإشارة إلى أن إغفال العمليات المعرفية التفسيرية أضعف النظرية، وهو ما تداركته إعادة الصياغة عام 1978. ومع ذلك، وُجهت انتقادات أخرى لصعوبة التمييز بدقة بين العجز المكتسب وبين الاكتئاب السريري ككيان مرضي كامل؛ إذ يختزل نموذج العجز الاكتئاب في مجرد خلل في السيطرة المتوقعة، مهملاً العوامل الجينية، والهرمونية، واضطرابات النواقل العصبية البنيوية التي قد تسبق الإدراك المعرفي ذاته.
إضافة إلى ذلك، يُجادل بعض الباحثين بأن مفهوم «العجز» يقع في فخ لوم الضحية في بعض السياقات؛ فعندما يُقال إن الفئات المهمشة أو الخاضعة للاستبداد والفقر المدقع تعاني من «عجز مكتسب»، قد يُفهم من ذلك أن المشكلة تكمن في طريقة تفكيرهم واستسلامهم، بدلاً من الاعتراف بأن هناك عوائق هيكلية ومادية قاهرة تمنعهم فعلياً من تحقيق أي تغيير ملموس في بيئتهم الواقعية.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة
- موقع الضبط الداخلي والخارجي (Locus of Control): سمة شخصية عامة ومستقرة تتعلق بمدى إيمان الفرد عموماً بقدرته على التحكم في مجريات حياته؛ بينما العجز المكتسب هو حالة نفسية واستجابة ظرفية معرفية تنشأ تحديداً بعد المرور بخبرات الفشل والصدمات المتكررة التي لا يمكن السيطرة عليها.
- فاعلية الذات (Self-Efficacy): تشير إلى ثقة الفرد في امتلاكه المهارات والقدرات اللازمة لأداء سلوك محدد والنجاح فيه؛ ويُمثل العجز المكتسب النقيض الوظيفي المباشر لفاعلية الذات المنخفضة المقترنة بتوقع عدم جدوى المحاولة.
- الاكتئاب الإكلينيكي (Major Depression): متلازمة مرضية سريرية ونفسية واسعة النطاق تتضمن اضطرابات بيولوجية، وحركية، ونوماً، وشهية، وأفكاراً انتحارية؛ بينما العجز المكتسب هو آلية نفسية ونموذج سببي مفسر لجزء أساسي من أعراض الاكتئاب وليس الاضطراب بكامله.
- المعاكسة النفسية (Psychological Reactance): استجابة دافعية دفاعية تنشأ عندما يشعر الفرد بأن حريته في الاختيار مهددة، فيزداد تمسكاً بالفعل الممنوع؛ وتحدث عادة في المراحل المبكرة من التهديد قبل أن يتحول الموقف المتكرر إلى عجز مكتسب تام واستسلام مطلق.
- الاحتراق النفسي (Burnout): حالة من الإجهاد البدني والعاطفي والذهني تنجم عن ضغوط العمل المزمنة غير المعالجة؛ وقد يمثل العجز المكتسب المرحلة المتقدمة والنهائية من الاحتراق النفسي حين يفقد الموظف الأمل في تحسين بيئته الوظيفية.
15. الخلاصة والنقاط الجوهرية
يظل العجز المكتسب واحداً من أكثر المفاهيم الكلاسيكية ثراءً وتأثيراً في مسيرة علم النفس المعاصر. ينبهنا هذا المفهوم إلى أن الاستسلام البشري في مواجهة الصعاب ليس بالضرورة دليلاً على كسل أو ضعف فطري، بل هو نتاج تكييف معرفي ونفسي قاسٍ تسببت فيه بيئات وظروف جردت الفرد من أدوات التأثير والسيطرة.
تكمن الأهمية الكبرى لدراسة العجز المكتسب في الوجه الآخر للعملة: فإذا كان العجز قابلاً للاكتساب عبر التجربة والتعلم، فإن التفاؤل والفاعلية والمرونة النفسية هي أيضاً مهارات قابلة للاكتساب وإعادة البناء عبر التدخلات المعرفية السلوكية والبيئات الداعمة، مما يفتح باب الأمل واسعاً أمام الإنسان لاسترداد صوته وقدرته على تغيير مصيره مهما طال استسلامه.
المراجع
- Abramson, L. Y., Seligman, M. E., & Teasdale, J. D. (1978). Learned helplessness in humans: Critique and reformulation. Journal of Abnormal Psychology, 87(1), 49–74. https://psycnet.apa.org/record/1979-11497-001
- Maier, S. F., & Seligman, M. E. (1976). Learned helplessness: Theory and evidence. Journal of Experimental Psychology: General, 105(1), 3–46. https://psycnet.apa.org/record/1976-24874-001
- Maier, S. F., & Seligman, M. E. (2016). Learned helplessness at fifty: Insights from neuroscience. Psychological Review, 123(4), 349–367. https://psycnet.apa.org/record/2016-35327-001
- Peterson, C., Maier, S. F., & Seligman, M. E. (1993). Learned helplessness: A theory for the age of personal control. Oxford University Press. https://global.oup.com/academic/product/learned-helplessness-9780195044409
- Seligman, M. E. (1975). Helplessness: On depression, development, and death. W. H. Freeman. https://www.apa.org/pubs/books/4316007