1. الملخص / Abstract
يُعد استبيان القيم الصينية (Chinese Values Survey – CVS) أحد أبرز المعالم المنهجية والنظرية في تاريخ علم النفس الثقافي وعلم السلوك التنظيمي المقارن. طُوّرت هذه الأداة القياسية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين بواسطة شبكة بحثية دولية عُرفت باسم «رابطة الثقافة الصينية» (Chinese Culture Connection, 1987) تحت إشراف عالم النفس البارز مايكل هاريس بوند (Michael Harris Bond). نشأ المقياس بهدف معالجة التحيز الثقافي الغربي المتجذر في نظريات الشخصية والقياس النفسي، وتحديداً لمواجهة فرضية عالمية الأبعاد النفسية المشتقة حصرياً من الفلسفات الغربية والأدوات التي صُممت استناداً إلى مسح «روكيتش» للقيم (Rokeach Value Survey).
يتألف المقياس من أبعاد رئيسية استُخلصت عبر التحليل العاملي لقائمة أصلية تضم قيمًا ذات منشأ آسيوي وكونفوشيوسي أصيل، حيث ركّز التحليل على أربعة أبعاد قيمية محورية ترتبط ببيئة العمل والسلوك الاجتماعي: التكامل (Integration)، ودينامية العمل الكونفوشيوسية (Confucian Work Dynamism)، وإنسانية القلب / العطف الإنساني (Human-heartedness)، والانضباط الأخلاقي (Moral Discipline). تُسجّل استجابات المفحوصين باستخدام مقياس متدرج من نوع ليكرت مكوّن من 9 نقاط يمتد من (1 = عديم الأهمية إطلاقاً) إلى (9 = بالغ الأهمية القصوى).
أظهرت الدراسات السيكومترية أن المقياس يتمتع بمؤشرات اتساق داخلي مقبولة إلى ممتازة؛ حيث وثقت دراسة بيرسون وتشونغ (Pearson & Chong, 1997) معاملات ألفا كرونباخ بلغت 0.80 لبُعد التكامل، و0.77 لبُعد دينامية العمل الكونفوشيوسية، و0.81 لبُعد إنسانية القلب، في حين سجّل بُعد الانضباط الأخلاقي 0.55. كما برهنت دراسات الصدق التقاربي والتمايزي (مثل: Ralston et al., 1992) قدرة الاستبيان الفائقة على التمييز بدقة بين مديري الشركات من الصين الشعبية، وهونغ كونغ، والولايات المتحدة الأمريكية، مما أسهم لاحقاً في إعادة تشكيل الأبعاد الثقافية العالمية وألهم خبير الإدارة جيرت هوفستيد (Geert Hofstede) لإضافة البُعد الخامس لنموذجه الشهير والمتمثل في «التوجه طويل المدى».
2. الكلمات المفتاحية / Keywords
استبيان القيم الصينية, مايكل هاريس بوند, دينامية العمل الكونفوشيوسية, التكامل الاجتماعي, إنسانية القلب, الانضباط الأخلاقي, علم النفس عبر الثقافات, القيم التنظيمية, القياس النفسي الإيميكي, جيرت هوفستيد, الثقافة الصينية, التوجه طويل المدى, السلوك التنظيمي المقارن.
3. المؤلفون / Authors
طُوِّر المقياس بمبادرة علمية تعاونية رائدة من قِبل:
- رابطة الثقافة الصينية (The Chinese Culture Connection): وهي شبكة أكاديمية وبحثية دولية شملت باحثين ومختصين في العلوم السلوكية والتنظيمية من عدة دول ومناطق آسيوية وغربية.
- البروفيسور مايكل هاريس بوند (Michael Harris Bond): الأستاذ البارز في علم النفس بجامعة هونغ كونغ الصينية (The Chinese University of Hong Kong) آنذاك، وحالياً أستاذ زائر في جامعة هونغ كونغ المتعددة التقنيات (Hong Kong Polytechnic University). يُعد بوند أحد رواد حركة قياس الثقافة والمنهجيات الإيميكية (Emic Approaches). (البريد الأكاديمي المرجعي: [email protected] / [email protected]).
- فريق الباحثين المتوسعين لاحقاً: شملت الدراسات التطبيقية والتحققية اللاحقة جهود نخبة من الباحثين البارزين مثل: ديفيد أ. رالستون (David A. Ralston) في جامعة أوكلاهوما، وديفيد ج. غوستافسون (David J. Gustafson)، وباميلا إلساس (Pamela M. Elsass)، وفاني تشيونغ (Fanny M. Cheung)، وروبرت هـ. تيربسترا (Robert H. Terpstra)، وسيسيل أ. ل. بيرسون (Cecil A. L. Pearson)، وإل إس تشونغ (L. S. Chong).
4. الغرض / Purpose
تمثل الهدف الأساسي من صياغة وتطوير استبيان القيم الصينية (CVS) في تقديم أداة قياس نفسية أصيلة تنبع من الرؤية الثقافية الآسيوية الخالصة للكون والإنسان والمجتمع، لكسر احتكار المقاييس الغربية التي افترضت دون مسوغ تجريبي أن بنيتها ومفرداتها تمثل أبعاداً إنسانية عامة وشاملة (Etic Fallacy). كان علماء النفس الغربيون يعتمدون بالكامل على أدوات مثل مقياس ميلتون روكيتش للقيم، والتي تعكس قيم الفردانية، وحرية الاختيار، والخلاص الشخصي، وهي مفاهيم غريبة جزئياً عن السياقات الثقافية الجمعية الشرقية ذات الخلفيات الكونفوشيوسية والبوذية والداوية.
يتجلى المبرر النظري للاستبيان في تبني المنهج «الإيميكي الصيني الأصيل» (Indigenously Emic Approach)؛ حيث طلب بوند وزملاؤه من علماء اجتماع ونفس صينيين صياغة قائمة شاملة بالقيم والمثل التي تحكم التفاعل البشري اليومي والعملي وفق التراث الصيني، دون الرجوع نهائياً إلى أي أدبيات أو مقاييس غربية مسبقة. هدف الباحثون من هذا التوجه إلى استكشاف ما إذا كانت هناك أبعاد دافعية وقيمية توجه سلوك الأفراد في بيئات العمل والمنظمات تم إغفالها تماماً في النماذج النظرية السائدة عالمياً.
على الصعيد التطبيقي والبحثي، يُستخدم المقياس في مجالات متعددة تشمل:
- الإدارة المقارنة والسلوك التنظيمي: تقييم الفروق الجوهرية بين أساليب القيادة والإدارة في الشركات متعددة الجنسيات، لاسيما عند إدارة فروع أو فرق عمل مشتركة بين الثقافات الشرقية (مثل الصين وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ) والغربية (مثل الولايات المتحدة وأوروبا).
- التوافق المهني والرضا الوظيفي: فهم كيفية تأثير القيم الجمعية والأخلاقية المحافظة على معايير تقييم الأداء، والولاء للمنظمة، واستيعاب التغيرات الهيكلية داخل بيئات العمل المعاصرة.
- علم النفس الاجتماعي والثقافي: استكشاف التحولات القيمية العابرة للأجيال تحت وطأة الحداثة والعولمة، ودراسة تفاعل الهوية الثقافية التراثية مع الأنماط المعيشية الحديثة.
5. البناء النفسي / Construct
يستند استبيان القيم الصينية إلى نموذج قيمي رباعي الأبعاد يُغطي التفاعلات الاجتماعية والمهنية والفردية، حيث يُعرف كل بُعد على النحو الآتي:
1. التكامل (Integration)
يركز هذا البُعد على الأهمية البالغة التي يوليها الفرد للاستقرار الاجتماعي العام، والشعور بالانسجام والوئام مع الذات، والأسرة، والشركاء في العمل، والمجتمع ككل. يعكس التكامل تجنب الصراعات المباشرة، وتغليب المصلحة الجماعية على الطموحات الفردية الضيقة. يشمل هذا البُعد قيماً جوهرية مثل: التسامح مع الآخرين (Tolerance of others)، والانسجام مع الآخرين (Harmony with others)، والتضامن المجتمعي (Solidarity with others)، واللاعنف أو عدم التنافسية (Noncompetitiveness)، والجدارة بالثقة (Trustworthiness)، والقناعة والرضا (Contentedness)، والنزوع للمحافظة (Being conservative)، ووجود صديق مقرب وحميم، وبر الوالدين (Filial piety)، والولاء الوطني (Patriotism)، والعفة النسائية (Chastity in women). يُعد هذا البُعد معادلاً شرقياً لفكرة الاندماج الاجتماعي والتماسك الأسري والمجتمعي.
2. دينامية العمل الكونفوشيوسية (Confucian Work Dynamism)
يُعد هذا البُعد أهم إضافة قدمها الاستبيان للمعرفة الإنسانية العالمية، حيث يركز على المحافظة على التراتبية الهرمية الاجتماعية، والاعتراف الصارم بالفروق في المكانة الاجتماعية، وتكريس مبادئ الاستقرار طويل المدى. يتضمن قيماً عملية شديدة التأثير في البيئة الاقتصادية والتنظيمية مثل: تنظيم العلاقات وفق المكانة ومراعاة النظام (Ordering relationships by status and observing order)، والادخار والتدبير الاقتصادي (Thrift)، والمثابرة والإصرار (Persistence)، وامتلاك حس بالخزي أو الحياء الاجتماعي (Having a sense of shame)، وتبادل الهدايا والخدمات والتحيات (Reciprocation of greetings, favors, and gifts)، والرزانة والثبات الشخصي (Personal steadiness)، وحماية ماء الوجه (Protecting your face)، واحترام التقاليد (Respect for tradition). يركز هذا البُعد على التفكير المستقبلي والتحلي بالصبر المؤسسي لتحقيق مكاسب بعيدة الأجل.
3. إنسانية القلب / العطف الإنساني (Human-heartedness)
ينبثق هذا البُعد مباشرة من المفهوم الكونفوشيوسي المركزي «رين» (Ren – 仁)، والذي يجسد جوهر الإنسانية والفضيلة الأخلاقية تجاه الآخرين. يركز البُعد على الوعي الاجتماعي الرفيع والحرص الدائم على التعامل بلطف وكياسة واحترام ورحمة تجاه سائر أفراد المجتمع. يتشكل هذا البناء النفسي من قيم: اللطف والشفقة والمغفرة (Kindness / compassion)، والحس العالي بالاستقامة والعدل (Sense of righteousness)، والصبر الجميل (Patience)، والكياسة والأدب الجم (Courtesy). يُظهر الأفراد الحاصلون على درجات عالية في هذا البُعد حساسية وجدانية تجاه مشاعر واحتياجات الآخرين واستعداداً للإيثار.
4. الانضباط الأخلاقي (Moral Discipline)
يتمحور هذا البُعد حول قدرة الفرد على كبح جماح رغباته وشهواته الشخصية وممارسة ضبط ذاتي صارم، لاسيما عند الانخراط في السياقات الجماعية والمؤسسية. يهدف الانضباط الأخلاقي إلى منع الفرد من أن يكون عبئاً على الجماعة أو سبباً في اختلال التوازن الأخلاقي. يتضمن قيماً مثل: الاعتدال وانتهاج الطريق الوسط (Moderation, following the middle way)، والترفع عن المنفعة الشخصية والحفاظ على النزاهة والطهارة الروحية (Keeping oneself disinterested and pure)، والقدرة على التكيف (Adaptability)، والحذر والحيطة (Prudence)، والرضا بقلة الرغبات والشهوات (Having few desires).
6. الإطار النظري / Theoretical Framework
ينتظم استبيان القيم الصينية داخل إطار نظري فلسفي ونفسي عميق، يعود في أصوله إلى الفلسفة الأخلاقية لكونفوشيوس (551-479 ق.م)، وما تلاها من تطورات عبر القرون في الفلسفة المدرسية النيونكونفوشيوسية، ممتزجاً بنظريات علم النفس الأصيل (Indigenous Psychology).
تنطلق النظرية المؤسسة من فرضية مفادها أن النظم الفلسفية الكبرى تشكل «المخططات المعرفية الجمعية» للشعوب. فبينما تأسست الحضارة الغربية على مبادئ التمركز حول الفرد، والعقلانية الديكارتية، والاستقلالية الشخصية كما تجلت في دراسات ماكس فيبر حول الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، قامت الحضارة الصينية وحضارات شرق آسيا عموماً على «الأخلاق الكونفوشيوسية الاجتماعية»، التي ترى الفرد دائماً بوصفه جزءاً من شبكة علاقات هرمية مترابطة، حيث لا معنى لتحقيق الذات إلا من خلال الانسجام مع المجموعة وتحمل الواجبات الأخلاقية المشتركة.
استند بوند وزملاؤه (Chinese Culture Connection, 1987) إلى التمييز الشهير الذي وضعه عالم الأنثروبولوجيا كينيث بايك بين النهج الإتيكي (العالمي الشامل من الخارج) والنهج الإيميكي (الثقافي المتخصص من الداخل). جادل الباحثون بأن استيراد مقاييس القيم الغربية وتطبيقها في آسيا يُمارس تشويهاً مفاهيمياً يسمى «التحيز الغربي الإتيكي المفروض» (Imposed Etic Bias). وبناءً عليه، بدأ بناء فقرات مقياس CVS بتجريد الكتب التراثية الكلاسيكية واستشارة علماء الثقافة الشرقية لاستخلاص مفاهيم أساسية مثل: «البر الوالدي» (Xiao)، و«حماية ماء الوجه» (Mianzi)، و«العلاقات والشبكات النفعية الأخلاقية» (Guanxi)، و«الاعتدال» (Zhongyong). تُرجمت هذه المفاهيم إلى عبارات قيمية مقتضبة تخاطب الأهمية الشخصية والمجتمعية لكل مفهوم في الحياة المعاصرة.
أحدثت هذه النظرية صدى هائلاً عندما أجرى هوفستيد وبوند تحليلاً مقارناً تقاطعياً، واكتشفا أن الأبعاد الثلاثة: (التكامل، وإنسانية القلب، والانضباط الأخلاقي) ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأبعاد هوفستيد الكلاسيكية (الفردانية مقابل الجمعية، والذكورة مقابل الأنوثة، وتجنب عدم اليقين). ومع ذلك، برز بُعد «دينامية العمل الكونفوشيوسية» كبُعد فريد تماماً لم يسبق لأي باحث غربي رصده، وهو ما أثبت تجريبياً أن النماذج الغربية كانت عمياء عن رصد قيم مثل الإصرار والادخار وحماية الوجه، وهو ما دفع هوفستيد لتبنيه كبُعد خامس رسمي باسم «التوجه طويل المدى في مقابل التوجه قصير المدى» (Long-term vs. Short-term Orientation).
7. الصدق / Validity
خضع استبيان القيم الصينية لاختبارات تجريبية صارمة للتحقق من مختلف أشكال الصدق السيكومتري عبر ثقافات وسياقات تنظيمية متباينة:
صدق المحتوى والترجمة العكسية (Content & Translation Validity)
صُممت فقرات المقياس في البداية باللغة الصينية الكلاسيكية والمعاصرة لضمان صدق المحتوى وثراء المعنى الدلالي للمفاهيم القيمية. بعد ذلك، أُخضعت الفقرات لإجراءات الترجمة والترجمة العكسية (Back-translation) الصارمة إلى اللغة الإنجليزية ومن ثم إعادتها إلى الصينية عبر لجان مستقلة من علماء النفس اللغويين للتأكد من التطابق الدلالي والمفاهيمي والتخلص من أي غموض لغوي.
الصدق التمايزي عبر الثقافات (Discriminant Validity Across Cultures)
قدمت دراسة ديفيد رالستون وزملائه (Ralston, Gustafson, Elsass, Cheung, & Terpstra, 1992) دليلاً حاسماً على الصدق التمايزي للمقياس؛ حيث استطاعت أبعاد استبيان القيم الصينية التمييز بدلالة إحصائية واضحة بين عينات من المديرين التنفيذيين المنتمين إلى ثلاث بيئات متباينة سياسياً وثقافياً: الصين الشعبية (PRC)، وهونغ كونغ (التي كانت خاضعة للإدارة البريطانية وتجمع بين الثقافة الصينية والانفتاح الاقتصادي الغربي)، والولايات المتحدة الأمريكية:
- بُعد التكامل: سجّل مديرو هونغ كونغ درجات أعلى بكثير وبدلالة إحصائية مقارنة بمديري جمهورية الصين الشعبية. فسر الباحثون ذلك بالاستقرار الاجتماعي والسياسي النسبي الطويل الذي شهدته هونغ كونغ، مقارنة بالاضطرابات الاجتماعية العنيفة التي عانى منها سكان البر الصيني خلال فترات تاريخية متقلبة (مثل الثورة الثقافية)، مما جعل قيمة الحفاظ على الانسجام الاجتماعي تحتل أولوية نفسية قصوى لدى مديري هونغ كونغ.
- بُعد دينامية العمل الكونفوشيوسية: حقق أعلى تمايز ثقافي ثلاثي؛ حيث جاء مديرو الصين الشعبية في المرتبة الأولى (أهمية قصوى لدينامية العمل)، يليهم مديرو هونغ كونغ (أهمية متوسطة)، في حين حل المديرون الأمريكيون في المرتبة الأدنى بفارق جوهري شاسع، وهو ما يعكس التمايز بين الثقافات التاريخية الكونفوشيوسية والثقافة الأمريكية القائمة على التوجهات الفورية والنتائج قصيرة الأجل.
- بُعد إنسانية القلب: ميز بدقة متناهية المديرين الأمريكيين (الذين منحوا هذا البُعد أهمية مرتفعة جداً تتماشى مع تركيز الثقافة الغربية على اللطف الفردي والكياسة الإنسانية المباشرة) عن مديري الصين الشعبية وهونغ كونغ.
الصدق التنبؤي والملازم (Predictive & Criterion Validity)
أثبتت دراسة بيرسون وتشونغ (Pearson & Chong, 1997) الصدق التنبؤي للأداة في بيئة العمل الصناعية والمؤسسية؛ حيث كشفت النتائج أن خصائص بيئة العمل الوظيفية (مثل إثراء العمل، وتنوع المهام، والاستقلالية) كانت أقل تأثيراً في الرضا الوظيفي لدى الموظفين والعمال الذين سجلوا درجات عالية في الأبعاد الجمعية للاستبيان (خاصة التناغم داخل جماعة العمل والمحافظة على الوضع الراهن)، في حين كانت العوامل البيئية أكثر حساسية لدى ذوي الدرجات المنخفضة في هذه القيم الجمعية.
8. الثبات / Reliability
حظيت الخصائص السيكومترية المتعلقة بالاتساق الداخلي للاستبيان بتمحيص مستفيض في الأدبيات المتخصصة. في دراسة التقييم النفسي والتحليلي التي أجراها بيرسون وتشونغ (Pearson & Chong, 1997)، تم حساب معاملات ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) للمقاييس الفرعية الأربعة للأداة، وجاءت المؤشرات كالتالي:
- بُعد التكامل (Integration): بلغ معامل ألفا 0.80، وهو ما يعكس مستوى اتساق داخلي مرتفع وممتاز إحصائياً، ويثبت الترابط الوثيق بين فقرات التسامح والانسجام والتضامن والولاء الأسري والوطني.
- بُعد إنسانية القلب (Human-heartedness): حقق أعلى معامل اتساق داخلي مسجلاً 0.81، مما يؤكد أن القيم المكونة لهذا البُعد (اللطف، والعدل، والصبر، والكياسة) تتضافر معاً في بنية نفسية أحادية التماسك.
- بُعد دينامية العمل الكونفوشيوسية (Confucian Work Dynamism): بلغ معامل ألفا 0.77، وهو مؤشر قوي ومقبول بدرجة كبيرة وفق المعايير السيكومترية لنونالي (Nunnally)، لاسيما بالنسبة لمقياس متعدد الأوجه يجمع بين مفاهيم اقتصادية واجتماعية وهرمية متباينة ظاهرياً (مثل الادخار والمثابرة وحفظ الوجه).
- بُعد الانضباط الأخلاقي (Moral Discipline): سجّل معامل ألفا منخفضاً نسبياً بلغ 0.55. وقد عزا الباحثون (Pearson & Chong, 1997; Ralston et al., 1992) هذا الانخفاض الملحوظ إلى قلة عدد الفقرات المشبعة على هذا العامل (5 فقرات فقط)، فضلاً عن الطبيعة الفلسفية التجريدية العالية لقيم مثل «الترفع عن المنفعة والطهارة» و«قلة الرغبات»، والتي قد يفسرها الأفراد المعاصرون بطرق مختلفة تبعاً لدرجة تدينهم الشخصي ومستواهم الاقتصادي. ومع ذلك، اعتُبر البُعد محتفظاً بقيمته النظرية والاستكشافية الهامة.
أشارت دراسات الاتساق عبر الزمن (ثبات إعادة الاختبار – Test-Retest Reliability) على عينات طلابية وتنظيمية إلى استقرار ملحوظ في الأوزان النسبية للقيم على مدار فترات زمنية فاصلة تراوحت بين ستة إلى ثمانية أسابيع، مما يعزز الثقة في استقرار استبيان القيم الصينية كأداة لقياس المعتقدات القيمية الراسخة بدلاً من الحالات المزاجية العابرة.
9. التحليل العاملي / Factor Analysis
خضعت الأداة لإجراءات تحليل عاملي مكثفة، بدأت بالتحليل العاملي على المستوى الإيكولوجي/الدولي (Ecological-level Factor Analysis) الذي أجرته شبكة رابطة الثقافة الصينية (1987) عبر عينات ممثلة لـ 22 دولة حول العالم، تلاها إجراء تحليلات عاملية استكشافية (EFA) وتأكيدية (CFA) على المستوى الفردي من قبل رالستون وزملائه (Ralston et al., 1992) وبيرسون وتشونغ (Pearson & Chong, 1997).
البنية العاملية الاستكشافية
أُجري التحليل العاملي الأولي باستخدام طريقة المكونات الأساسية (Principal Components Analysis – PCA) متبوعاً بالتدوير المتعامد فاريماكس (Varimax Rotation). أفرزت النتائج أربعة عوامل كبرى فسرت مجتمعة نسبة معتبرة من التباين الكلي في استجابات الأفراد عبر الثقافات:
- العامل الأول (التكامل – Integration): تشبعت عليه بقوة مفردات الانسجام الاجتماعي، والتسامح، وبر الوالدين، وعدم التنافسية، مشكلاً الكتلة الأكبر من التباين المفسر.
- العامل الثاني (دينامية العمل الكونفوشيوسية – Confucian Work Dynamism): ارتبطت به مفردات التراتبية والمثابرة والادخار وحفظ الوجه والحياء الاجتماعي بتشبعات عاملية تراوحت بين 0.45 و0.72.
- العامل الثالث (إنسانية القلب – Human-heartedness): تركزت فيه تشبعات قيم الرأفة واللطف والأدب والصبر.
- العامل الرابع (الانضباط الأخلاقي – Moral Discipline): تشبعت عليه فقرات كبح الرغبات، والاعتدال، والنزاهة، والترفع عن المصلحة الشخصية.
الفقرات غير المشبعة على العوامل الأربعة الكبرى
أظهر التحليل العاملي الصارم وجود 12 فقرة قيمية لم تحقق شروط التشبع الإحصائي النقي (Factor Loadings > .40) على أي من العوامل الأربعة الرئيسية، أو أظهرت تشبعات متقاطعة ضعيفة (Cross-loadings)، فتم إبقاؤها كقيم مستقلة في الأداة دون إدراجها ضمن الدرجات المعيارية للأبعاد الأربعة، وهي: الاجتهاد والعمل الدؤوب (Industry)، والتواضع (Humbleness)، والولاء للرؤساء (Loyalty to superior)، ومراعاة الطقوس والشعائر الاجتماعية (Observation of rites and social rituals)، والمعرفة والتعليم (Knowledge)، وتهذيب الذات (Self-cultivation)، والسلطة الرحيمة (Benevolent authority)، ومقاومة الفساد (Resistance to corruption)، والإخلاص والصدق (Sincerity)، ومجازاة الإحسان بالإحسان والإساءة بمثلها (Repayment of both good and evil)، والشعور بالتفوق الثقافي (A sense of cultural superiority)، والثروة (Wealth).
10. أداة القياس / Instrument
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-Report Instrument) يقيس الأسبقيات والقيم الثقافية والتنظيمية والشخصية.
- تنسيق المقياس: مسح قيمي يتضمن عبارات ومفاهيم قيمية مختصرة تُعرض على المفحوص لتقييم درجة أهميتها التوجيهية في حياته وسلوكه اليومي والمهني.
- عدد الفقرات: يتألف الاستبيان الإجمالي من 40 فقرة قيمية؛ منها 28 فقرة تشكل الأبعاد العاملية الأربعة المعتمدة (11 فقرة للتكامل، 8 فقرات لدينامية العمل الكونفوشيوسية، 4 فقرات لإنسانية القلب، 5 فقرات للانضباط الأخلاقي)، بالإضافة إلى 12 فقرة مستقلة لم تتشبع على العوامل الكبرى ولكنها تُقاس لأغراض بحثية موسعة.
- مقياس الاستجابة: مقياس متدرج من نوع ليكرت مكوّن من 9 نقاط (9-point Likert Scale)؛ حيث تمثل الدرجة (1 = عديم الأهمية إطلاقاً / No importance)، وتمثل الدرجة (9 = بالغ الأهمية القصوى / Extreme importance).
- طريقة التصحيح: تُحسب درجات كل بُعد فرعي عن طريق جمع درجات الفقرات المنتمية إليه وقسمتها على عدد فقرات ذلك البُعد للحصول على متوسط درجات البُعد (Mean Score) الذي يتراوح بين 1 و9، حيث تشير الدرجات المرتفعة إلى تبني قوي ومحوري لتلك القيمة، وتشير الدرجات المنخفضة إلى تهميشها.
- الفقرات المعكوسة: لا يحتوي المقياس على أي فقرات معكوسة (Reverse-scored items)؛ نظراً لأن جميع العبارات تمثل فضائل ومُثلاً قيمية إيجابية بطبيعتها التوجيهية في الثقافة الإنسانية.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار / Permissions & Fee and Test Year
- سنة الصدور والتطوير الأصلي: 1987 (The Chinese Culture Connection)، ونُشرت دراساته المقارنة الكبرى والتطبيقية في عام 1992 (Ralston et al.) وعام 1997 (Pearson & Chong).
- حقوق النشر والملكية الفكرية: تعود حقوق الملكية الفكرية للدراسات القياسية المنشورة إلى المؤلفين الأصليين بالتعاون مع «جمعية علم النفس الأمريكية» (American Psychological Association – APA) ودار نشر «Sage Publications» المسؤولة عن مجلة Journal of Cross-Cultural Psychology.
- الرسوم والأذونات: يُتاح المقياس مجاناً لأغراض البحث العلمي غير التجاري والدراسات الأكاديمية والأطروحات الجامعية، مع اشتراط الإشارة المرجعية الكاملة والصحيحة لمصدر الأداة ودراسات الفريق الأصلي. أما للاستخدامات التجارية، مثل الاستشارات الإدارية وتطوير المؤسسات وتقييم القيادات في الشركات الخاصة، فيلزم الحصول على تصريح كتابي رسمي مسبق من أصحاب الحقوق المنشورة.
12. المراجع / References
- Chinese Culture Connection. (1987). Chinese values and the search for culture-free dimensions of culture. Journal of Cross-Cultural Psychology, 18(2), 143–164. https://doi.org/10.1177/0022002187018002002
- Hofstede, G., & Bond, M. H. (1988). The Confucius connection: From cultural roots to economic growth. Organizational Dynamics, 16(4), 4–21. https://doi.org/10.1016/0090-2616(88)90009-5
- Pearson, C. A. L., & Chong, L. S. (1997). The effects of job content and social information on organizational commitment and job satisfaction: A study in an Asian environment. Journal of Management Development, 16(2), 123–139. https://doi.org/10.1108/02621719710164337
- Ralston, D. A., Gustafson, D. J., Elsass, P. M., Cheung, F., & Terpstra, R. H. (1992). Eastern values: A comparison of managers in the United States, Hong Kong, and the People’s Republic of China. Journal of Applied Psychology, 77(5), 664–671. https://doi.org/10.1037/0021-9010.77.5.664
- Bond, M. H. (1991). Beyond the Chinese face: Insights from psychology. Oxford University Press.
13. فقرات المقياس / Items of the Scale
Responses are obtained using a 9-point Likert-type scale where:
1 = No importance
9 = Extreme importance
- Tolerance of others
- Harmony with others
- Solidarity with others
- Noncompetitiveness
- Trustworthiness
- Contentedness
- Being conservative
- A close, intimate friend
- Filial piety
- Patriotism
- Chastity in women