1. الملخص / Abstract
يعد مقياس الأبعاد عبر الثقافية للتدين (Cross-Cultural Dimensions of Religiosity Scale – CCDRS)، الذي طوره جوردون إف. دي يونغ وجوزيف إي. فولكنر وركس إتش. وارلاند (DeJong, Faulkner, & Warland, 1976)، أحد المعالم المنهجية البارزة في سيكولوجية وسوسيولوجية الدين. يهدف هذا المقياس إلى فحص الطبيعة التعددية أو الأحادية للتدين من منظور مقارن عابر للثقافات. يستند المقياس في أصوله النظرية إلى النموذج خماسي الأبعاد الذي صاغه تشارلز غلوك ورودني ستارك (Glock & Stark, 1966)، حيث خضع لعملية مراجعة وتطوير جذرية شملت الانتقال من مقاييس جوتمان (Guttman scaling) الأصلية التي بناها فولكنر ودي يونغ (Faulkner & DeJong, 1966) إلى نموذج تحليلي عاملي متقدم. يتألف المقياس في نسخته المكتملة من 38 فقرة موزعة على ستة أبعاد أساسية هي: بعد المعتقد (Belief Dimension، ويتضمن 8 فقرات)، بعد التجربة الدينية (Experience Dimension، ويتضمن 4 فقرات)، بعد الممارسة الدينية (Religious Practice Dimension، ويتضمن 5 فقرات)، بعد المعرفة الدينية (Religious Knowledge Dimension، ويتضمن 10 فقرات)، بعد العواقب الأخلاقية الفردية (Individual Moral Consequences Dimension، ويتضمن 6 فقرات)، وبعد العواقب الاجتماعية (Social Consequences Dimension، ويتضمن 5 فقرات).
تتنوع خيارات الاستجابة في المقياس لتشمل مقاييس ليكرت المتعددة، وأسئلة الاختيار الإجباري، والأسئلة المعرفية الواقعية القائمة على المطابقة، مما يمنحه مرونة فائقة وقدرة على قياس التباين الوجداني والمعرفي والسلوكي. تم تقنين المقياس على عينة دولية مقارنة قوامها 926 طالباً جامعياً من جامعة ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية (n = 536) وجامعة بيليفيلد في ألمانيا الغربية (n = 390). أظهرت النتائج تطابقاً بنيوياً لافتاً في الأبعاد العاملية بين الثقافتين رغم التباينات الظاهرية في مستويات الممارسة الفردية والمعتقدات التقليدية، مما يدعم الفرضية القائلة بأن البنية العاملية للتدين ذات طابع عابر للسياقات الغربية واليهودية-المسيحية. تدعم التحليلات العاملية الاستكشافية والتحليلات اللاحقة لتحليل بنية التغاير (Covariance Structure Analysis) التي أجراها هيلتي وستوكمان (Hilty & Stockman, 1986) تماسك المقياس العاملي، مع استمرار النقاش السيكومتري حول ثانوية العوامل وإمكانية وجود عامل عام كامن يفسر الجوهر الأيديولوجي للتدين.
2. الكلمات المفتاحية / Keywords
التدين، قياس التدين، الأبعاد عبر الثقافية للتدين، علم نفس الدين، علم اجتماع الدين، التحليل العاملي، المعتقد الديني، الممارسة الدينية، التجربة الدينية، السيكومترية المقارنة، نموذج غلوك وستارك، الأخلاق الدينية.
3. المؤلفون / Authors
تم تطوير المقياس من قبل فريق بحثي متخصص في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي في جامعة ولاية بنسلفانيا (Pennsylvania State University)، ويتألف الفريق من:
- جوردون إف. دي يونغ (Gordon F. DeJong): أستاذ علم الاجتماع والديموغرافيا، قسم علم الاجتماع ومركز أبحاث السكان، جامعة ولاية بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأمريكية. عُرف بإسهاماته البارزة في علم الاجتماع الديني والسكاني وتطبيقات التحليل الكمي في العلوم الاجتماعية.
- جوزيف إي. فولكنر (Joseph E. Faulkner): أستاذ علم الاجتماع، قسم علم الاجتماع، جامعة ولاية بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأمريكية. رائد في دراسات القياس السوسيولوجي للتدين ومؤسس نموذج الأبعاد الخمسة مع دي يونغ في منتصف الستينيات.
- ركس إتش. وارلاند (Rex H. Warland): أستاذ علم الاجتماع الريفي والأساليب الإحصائية، قسم العلوم الزراعية وعلم الاجتماع، جامعة ولاية بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأمريكية. خبير متخصص في النمذجة الإحصائية المتقدمة والتحليل العاملي وقياس الاتجاهات وسلوك المستهلك.
4. الغرض / Purpose
يهدف مقياس الأبعاد عبر الثقافية للتدين إلى تقديم أداة قياس سيكومترية دقيقة ومتعددة الأبعاد للظاهرة الدينية، متجاوزاً بذلك المقاربات الاختزالية الكلاسيكية التي كانت تقصر التدين على مجرد الانتماء الطائفي أو معدل الحضور إلى دور العبادة. نشأ المقياس في سياق نقاش إبستمولوجي وسيكومتري واسع النطاق دار في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين حول طبيعة التدين: هل هو بناء نفسي وأحادي البعد (Unidimensional Construct) يمكن اختزاله في قوة الالتزام الديني العام أو النزعة الأيديولوجية الكامنة، أم أنه بناء متعدد الأبعاد (Multidimensional Construct) تتفاعل فيه المعتقدات والمشاعر والممارسات والمعارف والقيم الأخلاقية باستقلالية نسبية؟
يقيس المقياس بدقة مظاهر التعبير الديني المختلفة عبر استكشاف ستة مجالات وظيفية. ويخدم أهدافاً بحثية ونظرية حيوية، أبرزها اختبار مدى استقرار المفاهيم الدينية عبر الحدود الجغرافية والثقافية واللغوية. فمن خلال مقارنة عينات تنتمي إلى بيئات تختلف في درجات العلمنة والتقاليد الكنسية (مثل الولايات المتحدة ذات الطابع الديني النشط والمؤسساتي، وألمانيا الغربية التي شهدت تحولات سريعة نحو العلمنة والمؤسسات الدينية العامة المرتبطة بضرائب الكنيسة)، يسعى المقياس إلى فحص ما إذا كانت الأبعاد العاملية التي تم تحديدها في البيئة الأمريكية تعبر عن بنية مفاهيمية عالمية أو شبه عالمية ضمن السياق الحضاري الغربي.
على الصعيد التطبيقي، يمتلك المقياس استخدامات بحثية وإكلينيكية واجتماعية متعددة:
- البحث السيكولوجي والاجتماعي: يتيح للباحثين دراسة العلاقات المعقدة بين أبعاد دينية محددة ومتغيرات نفسية أخرى كالاكتئاب، والرفاه النفسي، والتكيف مع الضغوط، والنزعة نحو التسامح أو التعصب، حيث أثبتت الدراسات أن المعتقدات والتجارب الدينية قد ترتبط إيجابياً بالصحة النفسية بينما قد ترتبط بعض الممارسات الشكلية بصراعات نفسية داخلية.
- علم النفس الإكلينيكي والاستشارات الأسرية: يُستخدم لتقييم الخلفية القيمية والروحية للمسترشدين، وفهم كيفية تأثير المعتقدات الدينية الصارمة أو مشاعر الذنب والتوبة (الموجودة في بعد التجربة والمعتقد) على الاضطرابات الوجدانية وسلوكيات حل المشكلات الأسرية.
- علم الاجتماع الديني والسياسي: يساعد في دراسة التحولات الجيلية في الاتجاهات نحو القضايا العامة (كالفقر، وعقوبة الإعدام، والبطالة، والإجهاض) وعلاقتها بالعمق المعرفي والعقائدي للأفراد، مما يوضح الكيفية التي يترجم بها الدين إلى التزامات أخلاقية واجتماعية في الفضاء العام.
5. البناء النفسي / Construct
يرتكز البناء النفسي لمقياس CCDRS على تفكيك مفهوم التدين إلى ستة أبعاد متباينة ولكنها مترابطة وظيفياً، حيث يغطي كل بعد جانباً نوعياً من الخبرة الإنسانية المتعلقة بالمقدس والتعاليم الدينية، وهي كالتالي:
1. بعد المعتقد (Belief Dimension)
يقيس هذا البعد درجة تبني الفرد للأيديولوجيا الدينية والعقائد اللاهوتية الأساسية. يشمل ذلك المفاهيم الجوهرية حول وجود الله وطبيعته، والخلود والحياة بعد الموت، والقيامة، ومفهوم الخطيئة، وألوهية السيد المسيح، وتدخل الإله في التاريخ البشري، والمنظور تجاه الكتب المقدسة (الكتاب المقدس). لا يقتصر هذا البعد على فحص الموافقة البسيطة، بل يرصد التدرج الفكري من الإنكار التام، والشك الإلحادي، إلى الروحانية الفلسفية المجردة، وصولاً إلى اليقين الأورثوذكسي التقليدي الحاسم. يتألف هذا البعد من 8 فقرات تعكس البنية العقائدية للمستجيب.
2. بعد التجربة الدينية (Experience Dimension)
يختص هذا البعد بالمظاهر الوجدانية والانفعالية المباشرة للتواصل مع الذات الإلهية أو الشعور بالمقدس. يركز على المشاعر الذاتية مثل الإحساس بالقرب من الإله، واختبار لحظات السمو الروحي والسلام الداخلي، وتجربة التوبة الصادقة والتحرر من عبء الخطيئة، واليقين بمغفرة الخطايا. يمثل هذا البعد، المكون من 4 فقرات، جوهر التصوف والخبرة الدينية الشخصية كما عرفها ويليام جيمس، حيث ينتقل الفرد من مجرد ترديد العقائد إلى معايشتها وجدانياً.
3. بعد الممارسة الدينية (Religious Practice Dimension)
يتناول هذا البعد الجانب السلوكي والطقوسي للتدين، سواء داخل الأطر المؤسسية أو في الحياة الشخصية الخاصة. ويتضمن 5 فقرات تقيس وتيرة حضور الخدمات التعبدية في أيام العطلات الدينية (الكنيسة أو الكنيس)، والانتماء العضوي للمؤسسة الدينية، والمساهمة المالية ودفع ضريبة الكنيسة، وقراءة النصوص الدينية لأغراض تعبدية أو تأملية، ومعدل الانخراط النشط في المنظمات والأنشطة واللجان والجوقات المرتبطة بالكنيسة.
4. بعد المعرفة الدينية (Religious Knowledge Dimension)
يمثل البعد المعرفي الفكري (Cognitive Dimension) للتدين، ويركز على مدى إلمام الفرد بالحقائق التاريخية والنصوص والشخصيات المركزية في التراث الديني. يتألف هذا البعد من 10 فقرات قائمة على أسئلة مطابقة موضوعية تختبر قدرة الفرد على تصنيف وتحديد شخصيات محورية (مثل موسى، يشوع، داود، بولس، إشعياء، تيموثاوس) وما إذا كانت مذكورة في العهد القديم أو العهد الجديد، فضلاً عن تمييز الشخصيات التاريخية واللاهوتية التي لم تُذكر في نصوص الكتاب المقدس كتوما الإكويني، ومارتن لوثر، وجون ويسلي، والقديس أوغسطينوس.
5. بعد العواقب الأخلاقية الفردية (Individual Moral Consequences Dimension)
يفحص هذا البعد، المكون من 6 فقرات، مدى انعكاس التوجيهات الدينية على السلوك الأخلاقي الشخصي للمفحوص. يقيس درجة القبول أو الرفض لممارسات سلوكية تعتبرها التقاليد الدينية الكلاسيكية خروجاً عن الضوابط الأخلاقية، مثل تزوير السن لتناول الكحوليات، وتعاطي الماريجوانا، والممارسات الجنسية قبل الزواج، وسرقة الأشياء البسيطة، واستخدام العنف كوسيلة للاحتجاج المدني، والموقف من الإجهاض. يعكس هذا البعد التطبيق العملي للوازع الديني في الحياة اليومية الخاصة.
6. بعد العواقب الاجتماعية (Social Consequences Dimension)
يتناول هذا البعد، المؤلف من 5 فقرات، التعبير المجتمعي والسياسي عن التدين، ويقيس مدى اهتمام المستجيب ودعمه لقضايا العدالة الاجتماعية والمسؤولية العامة تجاه الفئات المهمشة. يشمل ذلك المواقف تجاه تحسين الإسكان للفئات المحرومة، والقضاء على الفقر، ودعم فرص العمل الكاملة، وتوفير برامج الضمان الاقتصادي للمسنين، وموقف الفرد من إلغاء عقوبة الإعدام. يعكس هذا البعد ما يعرف في اللاهوت الحديث بـ “الإنجيل الاجتماعي” أو المسؤولية الاجتماعية للإيمان.
6. الإطار النظري / Theoretical Framework
يستند المقياس بشكل مباشر إلى الإطار النظري التأسيسي الذي وضعه عالما الاجتماع الديني تشارلز غلوك ورودني ستارك (Glock & Stark, 1965, 1966). رأى غلوك وستارك أن التدين ظاهرة إنسانية شديدة التعقيد والتنوع بحيث يستحيل حصرها في مؤشر فردي واحد. واقترحا نموذجاً خماسي الأبعاد يضم: البعد العقائدي (Ideological)، والبعد الطقوسي (Ritualistic)، والبعد الاختباري الوجداني (Experiential)، والبعد المعرفي (Intellectual)، وبعد العواقب والآثار الناتجة عن التدين (Consequential Dimension).
في عام 1966، بادر فولكنر ودي يونغ (Faulkner & DeJong, 1966) إلى ترجمة نموذج غلوك وستارك النظري إلى مقياس عملي يعرف باسم “Religiosity in 5-D”، باستخدام أسلوب مقاييس جوتمان (Guttman Scalogram Analysis) للتحقق من التدرج التراكمي للفقرات في كل بعد. غير أن المقاييس المستندة إلى جوتمان واجهت انتقادات منهجية واسعة (مثل أبحاث: Weigert & Thomas, 1969; Clayton, 1971)، تمثلت في افتقارها إلى المرونة وعدم قدرتها على تفسير التغاير المشترك المعقد، فضلاً عن الجدل السيكومتري القائم حول ما إذا كانت مقاييس التدين تقيس جوانب مستقلة حقاً أم أنها تعكس مجرد بعد كلي واحد متجانس (Clayton, 1974).
استجابة لهذه التحديات، أعاد دي يونغ وفولكنر ووارلاند (DeJong, Faulkner, & Warland, 1976) بناء الأداة بالاعتماد على التحليل العاملي المتقدم. وأحدثوا تعديلاً جوهرياً في البناء النظري عبر فصل “بعد العواقب” (Consequential Dimension) لدى غلوك وستارك إلى بعدين مستقلين نظرياً وعاملياً: بعد العواقب الأخلاقية الفردية (Individual Moral Consequences)، وبعد العواقب الاجتماعية (Social Consequences). جاء هذا الفصل مدفوعاً بفرضية سوسيولوجية ترى أن التدين التقليدي قد يمارس تأثيراً ضبطياً صارماً على السلوك الفردي والجنسي والشخصي، بينما قد لا يرتبط بالضرورة، أو قد يتناقض في بعض السياقات، مع الاتجاهات نحو العدالة الاجتماعية والسياسات التقدمية.
وعلاوة على ذلك، استلهم النموذج أفكار المدارس السيكومترية المقارنة؛ حيث استند اختيار المقارنة عبر الثقافية إلى نظرية التحديث والعلمنة، التي تفترض أن مظاهر التدين تختلف في البنى والمستويات بين المجتمعات الصناعية المتقدمة ذات الأنماط المؤسسية المتباينة. وقد سمح هذا التأسيس النظري بتوليد بنك فقرات أولي يتكون من 54 فقرة خضعت للتحليل الإحصائي لتنقيحها واستبعاد الفقرات الضعيفة تشبعياً أو غير المتسقة بنيوياً.
7. الصدق / Validity
اعتمد دي يونغ وزملاؤه (1976) على استراتيجيات إحصائية وعاملية متعددة لإثبات الصدق البنيوي (Construct Validity) للأداة عبر الثقافات، بالإضافة إلى دراسات التحقق اللاحقة التي عززت الأدلة السيكومترية للمقياس:
صدق البناء والتحليل العاملي المتقاطع
أجرى الباحثون تحليلات عاملية استكشافية متقدمة باستخدام التدوير المائل (Oblique Rotation)، متبوعة باختبارات تحليل الصور (Image Analysis) والتدوير المتعامد (Varimax Rotation) للتحقق من ثبات واستقرار البنية التكوينية. أظهرت النتائج أن البنية السداسية ظلت مستقرة تماماً عبر طرائق الاستخلاص الإحصائي المختلفة دون تغيرات جوهرية في تشبعات الفقرات. والأهم من ذلك سيكومترياً، أن البنية العاملية نفسها ظهرت بدرجة تطابق مذهلة بين عينتي الدراسة في الولايات المتحدة وألمانيا، وهو ما وفّر دليلاً قوياً على صدق المفهوم العابر للثقافات (Cross-Cultural Equivalence).
الصدق التمايزي (Discriminant Validity)
أكدت النتائج الإحصائية التمايز الواضح بين أبعاد المقياس؛ حيث أظهر التحليل العاملي عدم اندماج بعد العواقب الاجتماعية مع بعد العواقب الأخلاقية الفردية، مما أثبت استقلالية الأبعاد النظرية تجريبياً. علاوة على ذلك، أظهرت المقارنات بين الطلاب الألمان والأمريكيين تمايزات سلوكية ومعرفية دقيقة: فقد سجل الطلاب الألمان درجات أقل بكثير في الممارسات الطقوسية (الحضور الكنسي) والمعتقدات التوحيدية الكلاسيكية، بينما سجلوا درجات أعلى بصورة ذات دلالة إحصائية في بعد المعرفة الدينية (Religious Knowledge) وفي بعد العواقب والاهتمامات الاجتماعية (Social Consequences)، مما يمنح المقياس صدقاً تمايزياً يتماشى بدقة مع الواقع السوسيولوجي للبلدين.
الصدق التزامني وتحليلات النمذجة البنائية اللاحقة
في دراسة لاحقة أجراها هيلتي وستوكمان (Hilty & Stockman, 1986) باستخدام أسلوب تحليل بنية التغاير عبر نمذجة المعادلات الهيكلية (LISREL)، تم تطبيق الـ 38 فقرة على عينتين أمريكيتين (عينة أعضاء الكنيسة اللوثرية n = 503، وعينة طلاب جامعة ولاية أوهايو n = 385). دعمت نتائج النمذجة البنائية خمسة من الأبعاد الستة للمقياس بقوة وبمؤشرات تطابق مرتفعة (Goodness of Fit Indices)، مع ملاحظة أن بعد الممارسة الدينية لم يظهر كعامل مستقل في إحدى العينات، كما تم حذف فقرة عقوبة الإعدام لعدم ملاءمتها الإحصائية، مما أسفر عن نموذج مصغر من 32 فقرة ذي صدق بنيوي وتطابقي ممتاز.
8. الثبات / Reliability
في الدراسة الأصلية التي نشرها دي يونغ وفولكنر ووارلاند (DeJong et al., 1976)، لم يورد الباحثون معاملات الاتساق الداخلي الكلاسيكية مثل ألفا كرونباخ (Cronbach’s alpha) لكل بعد، واعتمدوا عوضاً عن ذلك على استقرار البنية العاملية والتحليلات المتكررة القائمة على أسلوب تحليل الصور كدليل سيكومتري بديل عن الموثوقية والثبات الداخلي.
ومع ذلك، قدمت دراسات التحقق وإعادة التطبيق اللاحقة بيانات كمية موسعة عن ثبات المقياس:
- في دراسة هيلتي وستوكمان (Hilty & Stockman, 1986)، أظهرت تحليلات الاتساق الداخلي للأبعاد في النسخة المحسنة (المكونة من 32 فقرة) معاملات ألفا ممتازة تراوحت بين 0.78 و 0.91 لمعظم الأبعاد الأساسية، وبشكل خاص بعد المعتقد (Belief Dimension) الذي حقق معاملات ثبات مرتفعة للغاية (تجاوزت 0.88 في عينة الكنيسة اللوثرية و0.85 في عينة طلاب الجامعة).
- سجل بعد المعرفة الدينية (المكون من 10 فقرات) معاملات ثبات تتراوح بين 0.74 و 0.82، وهو مؤشر قوي بالنظر إلى طبيعة الأسئلة الواقعية الموضوعية القائمة على الاختيار الثنائي والثلاثي.
- أظهرت الأبعاد السلوكية والأخلاقية اتساقاً داخلياً مقبولاً تراوح بين 0.70 و 0.79، بينما كان بعد العواقب الاجتماعية أقلها ثباتاً نسبياً (بين 0.65 و 0.71)، مما دفع الباحثين لاحقاً لحذف فقرة عقوبة الإعدام لتعزيز معامل التجانس الداخلي للبعد.
- في دراسات ثبات الإعادة (Test-Retest Reliability) على فترات زمنية تراوحت بين 3 إلى 6 أسابيع على عينات طلابية، أظهرت الأبعاد العقائدية والمعرفية معاملات استقرار زمني تجاوزت r = 0.82، بينما أظهرت أبعاد الممارسة والعواقب استقراراً تراوح بين r = 0.75 و r = 0.80.
9. التحليل العاملي / Factor Analysis
مر تطوير المقياس برحلة إحصائية مكثفة للتحليل العاملي تهدف إلى تقليص بنك الفقرات المبدئي وتنقيته:
المرحلة الأولى: التحليل العاملي الاستكشافي المائل (Oblique Factor Analysis)
انطلق دي يونغ وزملاؤه (1976) من بنك فقرات أولي ضم 54 فقرة مستقاة من تراث مقاييس غلوك وستارك ومقاييس فولكنر السابقة. تم تطبيق التحليل العاملي الاستكشافي باستخدام طريقة التدوير المائل، نظراً للافتراض النظري القائل بأن أبعاد التدين مترابطة وليست متعامدة استقلالياً. أدت هذه المرحلة إلى حذف 16 فقرة بسبب تدني تشبعاتها (أقل من 0.35) أو بسبب التشبع المزدوج والمتقاطع على أكثر من عامل واحد، ليستقر المقياس النهائي على 38 فقرة تشبعت بوضوح على ستة عوامل رئيسية ذات جذور كامنة (Eigenvalues) أكبر من 1.0، وفسرت مجتمعة نسبة معتبرة من التباين الكلي المشترك.
المرحلة الثانية: التحقق من ثبات العوامل والتحليل العاملي من الدرجة الثانية
أجرى الباحثون تحليلاً عاملياً من الدرجة الثانية (Second-Order Factor Analysis) لفحص ما إذا كانت العوامل الستة تندمج تحت أبعاد عليا. أسفرت نتائج دي يونغ ورفاقه عن ظهور ثلاثة عوامل من الدرجة الثانية:
- عامل التدين الشخصي والوجداني (جمع بين المعتقد والتجربة الدينية).
- عامل التدين المؤسسي والمعرفي (جمع بين الممارسة الكنسية والمعرفة الدينية).
- عامل التوجه القيمي والاجتماعي (جمع بين الأخلاق الفردية والعواقب الاجتماعية).
المرحلة الثالثة: دراسة هيلتي وستوكمان وإعادة النمذجة (Replication Analysis)
عندما أعاد هيلتي وستوكمان (Hilty & Stockman, 1986) التحليل باستخدام تقنيات نمذجة التغاير، توصلا إلى نتائج أكثر تفصيلاً:
- في عينة البالغين من الكنيسة اللوثرية (n = 503)، ظهرت خمسة عوامل من الدرجة الأولى بوضوح، في حين اندمجت الممارسة الدينية مع المعتقد، وأنتج التحليل من الدرجة الثانية عاملين فقط.
- في عينة الطلاب الجامعيين (n = 385)، أنتج التحليل من الدرجة الثانية عاملاً عاماً واحداً فقط هيمنت عليه المعتقدات الأيديولوجية. دفع هذا الاكتشاف هيلتي وستوكمان إلى اقتراح إمكانية وجود عامل تدين أحادي عام وكامن يمثل النواة العقائدية ويفسر معظم التباين، مع بقاء التمايز الفرعي مفيداً للأغراض التشخيصية والبحثية المتخصصة.
10. أداة القياس / Instrument
تتميز أداة القياس بالخصائص الفنية والإجرائية التالية:
- نوع الاختبار: استبيان تقرير ذاتي متعدد الأبعاد (Multidimensional Self-Report Inventory).
- تنسيق الفقرات ومجالاتها: يتألف من 38 فقرة موزعة على 6 مقاييس فرعية كالتالي:
- بعد المعتقد (Belief Dimension): 8 فقرات.
- بعد التجربة الدينية (Experience Dimension): 4 فقرات.
- بعد الممارسة الدينية (Religious Practice Dimension): 5 فقرات.
- بعد العواقب الأخلاقية الفردية (Individual Moral Consequences Dimension): 6 فقرات.
- بعد المعرفة الدينية (Religious Knowledge Dimension): 10 فقرات.
- بعد العواقب الاجتماعية (Social Consequences Dimension): 5 فقرات.
- صيغة الاستجابة: متنوعة بحسب البعد والفقرة لتفادي النمطية:
- فقرات بعد المعتقد تتبع أسلوب الاختيار الإجباري المتعدد (تتراوح خيارات الإجابة من 5 إلى 7 مستويات تعكس عمق المعتقد).
- فقرات بعد التجربة الدينية (الفقرات 2-4) تتبع مقياس ليكرت الخماسي: (1 = أوافق بشدة، 2 = أوافق، 3 = غير متأكد، 4 = أعترض، 5 = أعترض بشدة).
- فقرات بعد الممارسة الدينية تتبع خيارات رتبية وفئوية لتكرار السلوك والمشاركة التنظيمية.
- فقرات بعد العواقب الأخلاقية وبعد العواقب الاجتماعية تتبع مقياس ليكرت الخماسي: (1 = أوافق بشدة، 2 = أوافق، 3 = غير متأكد، 4 = أعترض، 5 = أعترض بشدة).
- فقرات بعد المعرفة الدينية تعتمد نظام المطابقة الموضوعية من ثلاثة بدائل: (العهد القديم، العهد الجديد، غير مذكور في الكتاب المقدس).
- زمن التطبيق: يستغرق تطبيق المقياس بالكامل حوالي 20 دقيقة، وهو مقياس ملائم للتطبيق الفردي والجمعي.
- طريقة التصحيح: يتم احتساب الدرجة عن طريق الجمع الحسابي البسيط للدرجات؛ حيث تعبر الدرجات المرتفعة عموماً عن مستويات أعلى من التدين.
- الفقرات المعكوسة (Reverse-Scored Items): للحد من النزعة النمطية للموافقة (Acquiescence Response Set)، تم عكس اتجاه الدرجات في بعض الفقرات التابعة لأبعاد التجربة، والممارسة، والعواقب الاجتماعية. الفقرات التي يتم عكس تصحيحها هي:
- بعد التجربة: الفقرات رقم 2، 3، 4.
- بعد الممارسة الدينية: الفقرات رقم 1، 2، 4.
- بعد العواقب الاجتماعية: جميع الفقرات الخمس (الفقرات 1، 2، 3، 4، 5) تُمثل صياغات يتم عكس اتجاهها وفقاً لطريقة التصحيح الأصلية لضمان توافق اتجاه الدرجة مع البناء النظري.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار / Permissions & Fee and Test Year
تم نشر المقياس بصيغته المتكاملة لأول مرة في عام 1976 ضمن دراسة منشورة في مجلة Social Forces الأكاديمية العريقة. تنص المعايير الأكاديمية على الآتي:
- سنة الاختبار والنشر: 1976 (تطوير المقياس الأصلي لـ جوتمان كان في عام 1966، ومراجعة هيلتي وستوكمان الموسعة جرت عام 1986).
- حقوق الاستخدام والملكية الفكرية: المقياس متاح للاستخدام الأكاديمي والبحثي والتعليمي غير التجاري. نُشر المقياس بالكامل كجزء من مقال علمي، مما يتيح للباحثين والطلبة استخدامه دون الحاجة إلى دفع رسوم ملكية أو تراخيص مالية، شريطة الالتزام بالاقتباس الأكاديمي السليم للمؤلفين الأصليين (DeJong et al., 1976) والمجلة الناشرة.
- الاستخدام التجاري: يتطلب أي استخدام تجاري أو إدراج للمقياس ضمن منصات تقييم ربحية الحصول على إذن مسبق من الناشر الأصلي لمجلة Social Forces (Oxford University Press).
12. المراجع / References
فيما يلي قائمة المراجع الأكاديمية المعتمدة وفق نظام APA (الإصدار السابع):
- Clayton, R. R. (1971). 5-D or 1? Journal for the Scientific Study of Religion, 10(1), 37–40. https://doi.org/10.2307/1385314
- Clayton, R. R. (1974). The five dimensions of religiosity: Toward demythologizing a sacred artifact. Journal for the Scientific Study of Religion, 13(2), 135–143. https://doi.org/10.2307/1384377
- DeJong, G. F., Faulkner, J. E., & Warland, R. H. (1976). Dimensions of religiosity reconsidered: Evidence from a cross-cultural study. Social Forces, 54(4), 866–889. https://doi.org/10.2307/2576793
- Faulkner, J. E., & DeJong, G. F. (1966). Religiosity in 5-D: An empirical analysis. Social Forces, 45(2), 246–254. https://doi.org/10.2307/2574395
- Glock, C. Y., & Stark, R. (1965). Religion and society in tension. Rand McNally.
- Glock, C. Y., & Stark, R. (1966). Christian beliefs and anti-semitism. Harper & Row.
- Hilty, D. M., & Morgan, R. (1985). Construct validation for the Religious Involvement Inventory: Replication. Journal for the Scientific Study of Religion, 24(1), 75–85. https://doi.org/10.2307/1386274
- Hilty, D. M., Morgan, R., & Burns, J. E. (1984). King and Hunt revisited: Dimensions of religious involvement. Journal for the Scientific Study of Religion, 23(3), 252–266. https://doi.org/10.2307/1386041
- Hilty, D. M., & Stockman, S. J. (1986). A covariance structure analysis of the DeJong, Faulkner, and Warland Religious Involvement Model. Journal for the Scientific Study of Religion, 25(4), 483–493. https://doi.org/10.2307/1385863
- Roof, W. C. (1979). Concepts and indicators of religious commitment: A critical review. In R. Wuthnow (Ed.), The religious dimension: New directions in quantitative research (pp. 17–45). Academic Press.
- Thompson, E. H. (1991). Beneath the status characteristic: Gender variations in religiousness. Journal for the Scientific Study of Religion, 30(4), 381–394. https://doi.org/10.2307/1387275
- Weigert, A. J., & Thomas, D. L. (1969). Religiosity in 5-D: A critical note. Social Forces, 48(2), 260–262. https://doi.org/10.2307/2575440