سيكولوجية الدينمقاييس الشخصيةمقاييس علم النفس الاجتماعي

مقياس أبعاد الأيديولوجيا الدينية

مقال أكاديمي شامل يستعرض مقياس أبعاد الأيديولوجيا الدينية (DRIS) الذي طوره سنيل بوتني ورسل ميدلتون (1961)، متضمناً الأبعاد النفسية، الخصائص السيكومترية، وإجراءات التطبيق والتصحيح.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 23 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 23 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

الملخص

يُعد مقياس أبعاد الأيديولوجيا الدينية (Dimensions of Religious Ideology Scale – DRIS)، الذي طوره عالما الاجتماع سنيل بوتني ورسل ميدلتون (Putney & Middleton, 1961)، أحد أبرز الأدوات السيكومترية الرائدة التي سعت إلى تفكيك الظاهرة الدينية ونقل دراستها من النظرة الأحادية التبسيطية إلى التحليل متعدد الأبعاد. صُمم المقياس لقياس أربعة أبعاد جوهرية للأيديولوجيا الدينية (التي تركزت أساساً في السياق الثقافي المسيحي لكن تمت صياغتها بعبارات عامة تنطبق على دراسة المعتقدات التوحيدية): أولاً، بُعد الأرثوذكسية أو الاستقامة العقائدية (Orthodoxy) ويقيس مدى التمسك بالعقائد الغيبية واللاهوتية التقليدية كوجود الجحيم، والشيطان، والحياة بعد الموت، والخطة الإلهية للكون؛ ثانياً، بُعد التعصب أو الحماس التبشيري (Fanaticism) الذي يُعنى بالرغبة الملحة في هداية الآخرين ونشر المعتقد الشخصي، والاعتقاد بأن مشكلات العالم تنبع من ضلال الآخرين؛ ثالثاً، بُعد الأهمية أو المركزية الشخصية (Importance) الذي يقيس مدى مركزية الدين في الفلسفة الحياتية للفرد وتوجيهه لقراراته ومساراته؛ ورابعاً، بُعد الازدواجية الوجدانية أو التردد الديني (Ambivalence) والذي يقيس الوعي الذاتي بوجود مشاعر وتوجهات متناقضة تجاه الدين والإيمان.

يتألف المقياس من 19 فقرة، موزعة بواقع ست فقرات لكل من مقاييس الأرثوذكسية والتعصب والأهمية، وفقرة مفردة تمثل مقياس الازدواجية، وتتم الاستجابة عليها وفق مقياس ليكرت الساعي الممتد من 1 (أعارض بشدة) إلى 7 (أوافق بشدة) مع وجود نقطة محايدة/عدم استجابة (4). أظهرت الدراسات السيكومترية المعيارية ارتباطات إيجابية قوية بين الأبعاد الثلاثة الأولى، في حين ارتبط بُعد الازدواجية سلباً معها. تراوحت معاملات الثبات والصدق البنائي عبر مختلف الدراسات الاستكشافية والتحليل العاملي (مثل دراسات Cygnar et al., 1977 وSeyfarth et al., 1984)، مما جعل هذه الأداة مرجعاً محورياً في دراسات علم النفس الديني، وعلم الاجتماع المعرفي، وبحوث التعصب والاتجاهات التبشيرية وعلاقتها بالصحة النفسية والسلوك الاجتماعي.

الكلمات المفتاحية

الأيديولوجيا الدينية، سيكولوجية الدين، الأرثوذكسية العقائدية، التعصب الديني، التبشير، التردد الديني، القياس النفسي، مقياس ليكرت، بوتني وميدلتون، الاتجاهات الدينية، التحليل العاملي، التدين الداخلي.

المؤلفون

تم تطوير هذا المقياس من قِبل الباحثين في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي:

  • سنيل بوتني (Snell Putney): أستاذ علم الاجتماع في جامعة سان خوسيه الحكومية (San Jose State University) سابقاً، الولايات المتحدة الأمريكية. عُرف بإسهاماته النظرية والميدانية المتقدمة في سيكولوجيا التوافق الاجتماعي والانحراف والأيديولوجيا الدينية وتأثير المعتقدات في تشكيل الهوية الفردية والجماعية.
  • رسل ميدلتون (Russell Middleton): أستاذ علم الاجتماع الفخري بجامعة ويسكونسن-ماديسون (University of Wisconsin-Madison)، الولايات المتحدة الأمريكية. يعد أحد أبرز رواد دراسة التمييز الاجتماعي، وعلم النفس الاجتماعي السياسي، ومحددات التدين والتحيزات العرقية والدينية في المجتمع الأمريكي المعاصر.

الغرض

يهدف مقياس أبعاد الأيديولوجيا الدينية إلى توفير تقييم كمي وموضوعي دقيق للبنية المعرفية والوجدانية التي تنتظم من خلالها المنظومة العقائدية لدى الأفراد. وقد نشأ المقياس في مطلع ستينيات القرن العشرين استجابة لقصور المناهج التقليدية التي كانت تعامل التدين كمتغير ثنائي بسيط (متدين مقابل غير متدين)، أو تعتمد فقط على المؤشرات السلوكية الظاهرة مثل معدل ارتياد دور العبادة أو تكرار الصلاة وممارسة الطقوس. وقد أدرك المؤلفان أن الأفراد الذين يتساوون في الممارسات الطقسية قد يختلفون جذرياً في بنيتهم الأيديولوجية؛ فمنهم من يتبنى المعتقد كنسق عقائدي لاهوتي صارم، ومنهم من يركز على نزعة تحويل الآخرين وهدايتهم، ومنهم من يمثل الدين جوهر هويته الفلسفية دون رغبة في فرضها، بينما يعيش آخرون صراعاً وتناقضاً داخلياً مستمراً.

تتعدد الاستخدامات والتطبيقات لهذا المقياس في المجالات البحثية والإكلينيكية والاجتماعية على النحو الآتي:

  • البحوث الاجتماعية والنفسية: يُستخدم المقياس كمتغير مستقل أو وسيط في دراسة محددات التسامح الاجتماعي، والتعصب العرقي، والتسلطية (Authoritarianism)، والتوجهات السياسية المحافظة والليبرالية. كما ساعد في فك الارتباط النظري بين الالتزام العقائدي الشخصي وبين النزعات الراديكالية المتطرفة.
  • علم نفس الصحة والإرشاد النفسي: يُسهم بُعد الازدواجية الوجدانية (Ambivalence) في مساعدة المعالجين النفسيين والمرشدين الروحيين على تحديد الصراعات الداخلية المرتبطة بالذنب الوجودي، والشك الديني، والتنافر المعرفي، والتي ترتبط في كثير من الأحيان بأعراض القلق والاكتئاب واضطرابات التكيف.
  • دراسات التبشير والدعوة الدينية: وظفت العديد من الأبحاث اللاحقة (مثل دراسة Seyfarth et al., 1984) بُعد التعصب (Fanaticism) لفحص الاتجاهات نحو التبشير وحملات استقطاب الأتباع، والتحقق من صدق مقاييس النشاط الدعوي والتبشيري المنظم.
  • التفرقة بين الهوية الطائفية والجوهر الديني: يسمح المقياس بقياس البعد الفكري المجرد للدين بمعزل عن التسميات المذهبية، حيث صيغت عباراته بطريقة تستهدف المضامين الفلسفية والمعرفية للدين دون الاقتصار على تسميات لاهوتية حصرية.

البناء النفسي

يقوم المقياس على تفكيك مفهوم “الأيديولوجيا الدينية” (Religious Ideology) إلى أربعة أبعاد مفاهيمية متمايزة ولكنها مترابطة داخلياً، ويشمل كل بُعد مجموعة من العمليات المعرفية والوجدانية الخاصة:

1. بُعد الأرثوذكسية العقائدية (Orthodoxy Dimension)

يشير هذا البُعد إلى درجة الإيمان والقبول العقائدي الواعي بالمفاهيم الغيبية واللاهوتية التقليدية التي تؤطر الفكر الديني الكلاسيكي. ولا يقتصر هذا المفهوم على مجرد المعرفة النظرية، بل يمتد إلى التسليم اليقيني بوجود نظام كوني تحكمه إرادة عليا، ووجود كيانات خارقة للطبيعة تتصارع في الكون (كالشيطان)، والاعتقاد بالجزاء الأخروي (الجنة والنار، والحياة بعد الموت)، وأن وظيفة المؤسسة الدينية تكمن في إنقاذ الأرواح من الهلاك الأبدي. كما يتضمن رفض الاختزال النفسي للدين؛ حيث يعتبر المؤمن الأرثوذكسي أن ممارسة الصلاة والعبادة لها فاعلية غيبية حقيقية تتجاوز مجرد تحقيق الراحة النفسية الذاتية للمصلي.

2. بُعد التعصب / الحماس التبشيري (Fanaticism Dimension)

يُعرف التعصب في إطار هذا المقياس من منظور سوسيولوجي وإجرائي محدد، بوصفه الرغبة القوية والاندفاع النشط نحو مشاركة العقيدة الدينية مع الآخرين، ومحاولة تعديل أفكارهم، وإلزام الذات بمسؤولية “تنوير” التائهين والضالين عقائدياً. يرى الفرد ذو الدرجة المرتفعة على هذا البُعد أن مشكلات العالم وأزماته الكبرى ناتجة عن ضلال البشر وابتعادهم عن الحقيقة الدينية الصحيحة التي يحملها هو. كما يتضمن هذا البُعد رفض النسبية المعرفية والحرية العقائدية التعددية، إذ يرفض المقولة القائلة بأن “ما يعتقده الفرد لا يهم طالما أنه سعيد به”. ويُعد هذا البُعد مؤشراً حاسماً على الميل نحو التبشير الديني الحركي.

3. بُعد الأهمية والمركزية الشخصية (Importance Dimension)

يقيس هذا البُعد الأهمية الوجودية والذاتية للدين في البناء النفسي العام للفرد وأسلوب حياته (Personal Salience). يعكس هذا البُعد المدى الذي تشكل فيه المعتقدات الدينية الركيزة الكبرى لفلسفة الفرد الحياتية، وكيف تفيض هذه الرؤية الدينية لتشكل وتوجه أحكامه وآراءه في المجالات الدنيوية الأخرى كالأخلاق، والسياسة، والعلاقات الاجتماعية، والمهنة. فالشخص الذي يحصل على درجة عالية في هذا البُعد يشعر بأن هويته الشخصية وطريقة عيشه ستتغيران تغيراً جذرياً لو تغيرت منظومته الدينية، مما يعكس تغلغلاً عميقاً للإيمان في البنية النفسية للذات يشبه مفهوم غوردون أولبورت عن التدين الداخلي (Intrinsic Religiosity).

4. بُعد الازدواجية الوجدانية والشك (Ambivalence Dimension)

يمثل هذا البُعد حالة الصراع الداخلي والتناقض المعرفي الذاتي تجاه المعتقد الديني. وقد قيس هذا المكون عبر الاعتراف الصريح بوجود جزء من الذات يؤمن بالدين وجزء آخر يقابله بالشك وعدم التصديق، حتى وإن كانت إحدى الكفتين أرجح من الأخرى. يعكس هذا البُعد مرونة التفكير، أو على العكس، التمزق الوجودي والتردد العقائدي، وهو بُعد فريد نادراً ما التفتت إليه المقاييس الكلاسيكية التي كانت تفترض أن الفرد إما مؤمن مطلق أو منكر مطلق، متجاهلة التوتر الديناميكي بين الشك واليقين في التجربة الإنسانية.

الإطار النظري

ينبثق مقياس أبعاد الأيديولوجيا الدينية من تقاطع خصب بين علم الاجتماع الديني الكلاسيكي، ونظرية التنافر المعرفي، وسيكولوجيا الاتجاهات. ففي خمسينيات وستينيات القرن العشرين، بدأ الباحثون يدركون عقم النماذج الأحادية البُعد في قياس الظواهر المعقدة. وقد تأثر بوتني وميدلتون بالحوارات النظرية المبكرة التي قادها رواد من أمثال إميل دوركايم وماكس فيبر، والتي تبلورت لاحقاً بصورة منهجية في أطروحات تشارلز غلوك ورودني ستارك (Glock & Stark) حول أبعاد التدين الخمسة (العقائدي، والطقسي، والخبراتي، والمعرفي، والنتائجي).

استند المؤلفان إلى فرضية أساسية مفادها أن الأيديولوجيا الدينية ليست كتلة صماء موحدة؛ فالإيمان بالأفكار اللاهوتية (الأرثوذكسية) يمثل البُعد المعرفي العقدي، بينما يمثل السعي لتغيير معتقدات الآخرين (التعصب) البُعد السلوكي-العلائقي التواصلي، بينما تجسد الأهمية البُعد المركزي الدافعي، في حين تمثل الازدواجية البُعد النقدي التفكيكي. وتتماشى هذه الرؤية مع نظرية التنافر المعرفي لـ ليون فيستنجر (Leon Festinger)، حيث يمثل بُعد الازدواجية محاولة لقياس التوتر الناجم عن وجود عناصر معرفية متناقضة داخل النسق العقائدي للفرد.

علاوة على ذلك، استلهم البناء النظري مقترحات غوردون أولبورت وجوزيف روس حول “التوجه الديني الداخلي مقابل الخارجي”. إلا أن بوتني وميدلتون تميزا بفصل الرغبة في التبشير (التي قد ترتبط بتطرف خارجي أو داخلي) عن مجرد الأهمية الذاتية للدين. وقد تجلت عبقرية التصميم النظري للفقرات في تحييد المصطلحات العقائدية الحصرية؛ فعلى الرغم من أن المقياس وُضع في بيئة غربية مسيحية وتناول مفاهيم كالكنيسة والخلاص والشيطان، إلا أنه تجنب عمدياً ذكر “يسوع المسيح” أو عقائد الثالوث الخاصة، واستعاض عنها بمفاهيم دينية عامة، مما أتاح استخدامه عبر سياقات دينية توحيدية أوسع، واعتبرته الدراسات اللاحقة (مثل Benson et al., 1980) مقياساً عاماً للاتجاهات الدينية وليس مقتصراً على العقيدة المسيحية بمفهومها الضيق.

الصدق

خضع المقياس لسلسلة من الفحوص السيكومترية المتقدمة لتقييم صدق البناء (Construct Validity)، والصدق التقاربي (Convergent Validity)، والصدق التمايزي (Discriminant Validity)، عبر عينات طلابية ومجتمعية متعددة:

1. صدق البناء والتحليل التمييزي الداخلي

في الدراسة التأسيسية التي أجراها بوتني وميدلتون (1961) على عينة قوامها 1,200 طالب وطالبة من كليات وجامعات شمال شرق وجنوب شرق الولايات المتحدة (استقرت العينة التحليلية على 1,126 طالباً بعد استبعاد الطلاب اليهود وغير المسيحيين لضمان تجانس الفهم العقائدي الأساسي)، استخدم الباحثان مقياس الارتباط اللامعلمي (معامل Q ليول – Yule’s Q). أظهرت النتائج أن مقاييس الأرثوذكسية، والتعصب، والأهمية ترتبط فيما بينها ارتباطاً موجباً ودالاً إحصائياً، بينما أظهر مقياس الازدواجية الوجدانية ارتباطاً سالباً دالاً مع المقاييس الثلاثة الأخرى. واللافت أن الارتباطات الإيجابية البينية بين الأبعاد الثلاثة كانت أقوى بشكل ملحوظ من ارتباطاتها السالبة مع بُعد الازدواجية، مما يدعم صدق المفهوم النظري الذي يفترض أن التردد والشك يضعفان اليقين العقائدي والنشاط التبشيري ومركزية الدين.

2. الصدق التقاربي والتلازمي

قدمت دراسة سيفارث وزملاؤه (Seyfarth et al., 1984) دليلاً تجريبياً قوياً على الصدق التقاربي لمقياس التعصب (Fanaticism Scale). حيث قام الباحثون بتطوير مقياس للاتجاه نحو التبشير (Attitude Toward Evangelism Scale) مكون من عبارات مثل: “أحب الاستماع إلى المبشرين الدينيين”، و”النشاط التبشيري الديني يعد انتهاكاً لحقي في الخصوصية” (معكوسة). وعند فحص العلاقة الارتباطية بين مقياس التعصب من DRIS ومقياس الاتجاه نحو التبشير على عينة من طلاب علم النفس (متوسط أعمارهم 20.7 سنة)، بلغ معامل الصدق التلازمي r = 0.76، وهو معامل ارتباط مرتفع جداً يؤكد أن بُعد التعصب في أداة بوتني وميدلتون يقيس بدقة التوجه نحو نشر الدين والتبشير به.

3. الصدق التمايزي والارتباط بمقاييس الأبعاد المتعددة

في دراسة معيارية أجراها سيغنار وجاكوبسون ونويل (Cygnar, Jacobson, & Noel, 1977) على عينة من طلاب المدارس الثانوية الكاثوليكية، تم تطبيق مقاييس الأرثوذكسية والتعصب والأهمية جنباً إلى جنب مع مقاييس فولكنر ودي جونغ (Faulkner & DeJong, 1966) الخماسية الشهيرة (الطقوس، الأيديولوجيا، المعرفة، الخبرة، والنتائج):

  • أظهرت مقاييس أبعاد الأيديولوجيا الدينية ارتباطات إيجابية متوسطة إلى قوية مع مقاييس الطقوس والأيديولوجيا والخبرة والمعرفة، حيث تراوحت معاملات الارتباط بين 0.32 و 0.52.
  • في المقابل، وعند مقارنتها بمقياس “النتائج” (Consequence Scale) – وهو المقياس الذي يرصد انعكاس الدين على السلوكيات الحياتية والقرارات اليومية غير الدينية – جاءت معاملات الارتباط منخفضة جداً وتراوحت بين 0.04 و 0.16. هذا الانخفاض يبرهن على الصدق التمايزي المرموق للأداة؛ إذ أثبتت النتائج أن الأيديولوجيا الدينية (كما يقيسها مقياس DRIS) تمثل بناءً معرفياً واتجاهياً مستقلاً عن الممارسات والسلوكيات اليومية البراغماتية، ولا تتطابق معها بالضرورة.

الثبات

تم التحقق من الاتساق الداخلي وثبات النصفين لمقاييس الأيديولوجيا الدينية عبر دراسات مستقلة قدمت مؤشرات سيكومترية واضحة:

  • بيانات سيغنار وزملائه (Cygnar et al., 1977): قام الباحثون بإجراء تحليل عاملي لفقرات كل مقياس فرعي، وحذف الفقرات التي لم تتشبع بدرجة كافية على العامل الأول، ثم استخرجوا الدرجات العاملية وحسبوا معاملات الاتساق الداخلي (معامل ألفا) للمقاييس المنقحة، وكانت النتائج كالتالي:
    • مقياس الأرثوذكسية (Orthodoxy): 0.50
    • مقياس التعصب (Fanaticism): 0.49
    • مقياس الأهمية (Importance): 0.60

    ويُعزى انخفاض هذه المعاملات نسبياً في هذه الدراسة إلى حذف بعض العبارات واستخدام الدرجات العاملية المشتقة من عينة محددة من المراهقين الكاثوليك، مما أدى إلى تقليص التباين الكلي.

  • بيانات سيفارث وزملائه (Seyfarth et al., 1984): قام الباحثون بتطبيق مقياس التعصب على عينة قوامها 124 طالباً في مادة المدخل إلى علم النفس (55% ذكور، متوسط العمر 20.7). وتم استخدام معادلة سبيرمان-براون التنبؤية لحساب ثبات التجزئة النصفية (Split-half reliability)، وأسفرت النتائج عن معامل ثبات قوي بلغ 0.77، وهو ما يعكس اتساقاً داخلياً متيناً لبُعد التعصب عند استخدامه بفقراته الكاملة.
  • ثبات مقياس الازدواجية الوجدانية: نظراً لأن بُعد الازدواجية يتكون من فقرة واحدة فقط، فإن حساب الاتساق الداخلي الكلاسيكي (ألفا كرونباخ) لا ينطبق عليه رياضياً، ولكن دلالات ثباته استُمدت من استقراره الزمني وارتباطه المنطقي العكسي المستمر بالدرجات الكلية للأبعاد الأخرى عبر المسوح المتكررة.

التحليل العاملي

أُجريت عدة تحليلات عاملية استكشافية وتوكيدية على بنية المقياس منذ ابتكاره لاختبار أحادية الأبعاد واستقلالية المقاييس الفرعية:

في التحليل العاملي الذي أجراه سيغنار وجاكوبسون ونويل (1977)، تم فحص مصفوفة الفقرات لكل مقياس على حدة باستخدام طريقة المكونات الأساسية (Principal Component Analysis) مع التدوير المتعامد. أظهرت النتائج الآتي:

  • مقياس الأرثوذكسية: برز عامل عام أول قوي استوعب النسبة الكبرى من التباين المفسر، وتشبعت عليه بقوة الفقرات المتعلقة بالجحيم الأخروي، والشيطان ككائن خارق يغوي البشر، وخطة الله للكون، والحياة بعد الموت (تشبعات عاملية تراوحت بين 0.55 و 0.78). بينما أظهرت الفقرة المعكوسة المتعلقة بكون “الفائدة الوحيدة للصلاة هي فائدة نفسية” تشبعاً سلبياً على العامل الأصلي، مما يؤكد أنها تقيس القطب المضاد للمفهوم الغيبي.
  • مقياس التعصب: تشبعت الفقرات التي تركز على الواجب الأخلاقي لتنوير الآخرين وإنقاذهم من الضلال الديني بقوة على العامل الرئيس (تشبعات بين 0.51 و 0.74). في حين انفصلت الفقرات المعكوسة (مثل: عدم جدوى الجدال الديني، أو عدم الاكتراث بما يعتقده الآخر طالما هو سعيد) كمؤشرات ممتازة على التسامح المعرفي والنسبية التي تتناقض بنيوياً مع التعصب.
  • مقياس الأهمية: أظهرت الفقرات الست انتظاماً عاملياً متماسكاً؛ حيث ارتبطت بقوة فقرة كون الأفكار الدينية حجر الزاوية في فلسفة الحياة، وفقرة تأثير الدين على مجالات الحياة المتعددة، والاعتقاد بأن الهوية الفردية ستتغير كلياً لو تغير الدين، بتشبعات عاملية تجاوزت 0.60، مع تشبع سالب واضح للفقرة السادسة المعكوسة التي تفيد بعدم الاهتمام الشخصي بموضوع الدين.

وقد أكدت مصفوفات الارتباط بين العوامل استقلالية الأبعاد الأربعة نسبياً؛ فبينما تتآزر الأرثوذكسية والتعصب والأهمية في تكوين متصل علوي للتدين المحافظ، فإن كل بعد منها ينفرد بقدرته على تفسير تباين مستقل في السلوك الاجتماعي، مما يبرر تماماً التعامل معها كمقاييس فرعية منفصلة وليست درجة كلية مركبة واحدة.

أداة القياس

تتضمن الخصائص المنهجية والإجرائية لأداة القياس التفاصيل التالية:

  • نوع الأداة: مقياس تقرير ذاتي (Self-report inventory / Questionnaire).
  • الجمهور المستهدف: المراهقون والراشدون، طلاب الجامعات، وعينات المجتمع العام من البيئات التوحيدية (خاصة البيئات المتأثرة بالثقافة التوحيدية/المسيحية).
  • عدد الفقرات: 19 فقرة موزعة كالتالي:
    • مقياس الأرثوذكسية: 6 فقرات (الفقرات 1 إلى 6).
    • مقياس التعصب: 6 فقرات (الفقرات 7 إلى 12).
    • مقياس الأهمية: 6 فقرات (الفقرات 13 إلى 18).
    • مقياس الازدواجية الوجدانية: فقرة واحدة (الفقرة 19).
  • خيارات الاستجابة: مقياس ليكرت متدرج من سبع نقاط كالتالي:
    • 7 = أوافق بشدة (Strongly Agree)
    • 6 = أوافق باعتدال (Moderately Agree)
    • 5 = أوافق قليلاً (Slightly Agree)
    • 4 = لا استجابة / محايد (No Response / Neutral)
    • 3 = أعارض قليلاً (Slightly Disagree)
    • 2 = أعارض باعتدال (Moderately Disagree)
    • 1 = أعارض بشدة (Strongly Disagree)
  • الفقرات ذات التصحيح العكسي (Reverse Scored Items):
    • في مقياس الأرثوذكسية: الفقرة رقم 6 (“The only benefit one receives from prayer is psychological”).
    • في مقياس التعصب: الفقرة رقم 9 (“There is no point in arguing about religion…”) والفقرة رقم 10 (“It doesn’t really matter what an individual believes…”).
    • في مقياس الأهمية: الفقرة رقم 17 (“Religion is a subject in which I am not particularly interested”).
    • يتم عكس الدرجات لهذه الفقرات بحيث تصبح (7=1، 6=2، 5=3، 4=4، 3=5، 2=6، 1=7).
  • طريقة التصحيح واستخراج الدرجات: تُحسب درجة كل مقياس فرعي على حدة بجمع درجات فقراته بعد عكس الفقرات السالبة:
    • يتراوح مدى الدرجات لكل من مقياس الأرثوذكسية، والتعصب، والأهمية بين 6 و 42 درجة.
    • يتراوح مدى درجة مقياس الازدواجية بين 1 و 7 درجات.
    • اتبع المؤلفان (Putney & Middleton, 1961) استراتيجية التصنيف الثنائي (High vs. Low) بالاعتماد على نقطة المنتصف النظرية (Theoretical Midpoint) لكل مقياس فرعي، والتي تبلغ 24 نقطة؛ فالأفراد الذين يحصلون على 24 فما دون يُصنفون ضمن الفئة المنخفضة، والذين يحصلون على 25 فما فوق يُصنفون ضمن الفئة المرتفعة.
  • ترتيب الفقرات أثناء التطبيق: يُشترط توزيع الفقرات الـ 19 بترتيب عشوائي مختلط لمنع تحيز الاستجابة (Response Bias) وتجنب توجيه المفحوص نحو بعد محدد.

الأذونات والرسوم وسنة الاختبار

نُشر المقياس لأول مرة في عام 1961 في مجلة القوى الاجتماعية (Social Forces)، المجلد 39، الصفحات 285-290، من قِبل سنيل بوتني ورسل ميدلتون. ونظراً لنشره التاريخي في دورية أكاديمية وتضمين فقراته كاملة في الورقة الأصلية دون قيود تجارية خاصة، فإن الأداة تندرج ضمن الملكية العامة للأغراض البحثية والأكاديمية غير الربحية (Academic Public Domain). لا يتطلب استخدام المقياس في البحوث العلمية والرسائل الجامعية دفع أي رسوم ترخيص، ولكن يُشترط الاستشهاد بالورقة التأسيسية الأصلية كمرجع رئيسي وفقاً لمعايير التوثيق الأكاديمي المتعارف عليها.

المراجع

  • Benson, P. L., Dehority, J., Garman, L., Hanson, E., Hochschwender, M., Lebold, C., Rohr, R., & Sullivan, J. (1980). Intrapersonal correlates of non-spontaneous helping behavior. The Journal of Social Psychology, 110(1), 87–95. https://doi.org/10.1080/00224545.1980.9924227
  • Cygnar, T. E., Jacobson, C. K., & Noel, D. L. (1977). Religiosity and prejudice: An interdimensional analysis. Journal for the Scientific Study of Religion, 16(2), 183–191. https://doi.org/10.2307/1386341
  • Faulkner, J. E., & DeJong, G. F. (1966). Religiosity in 5-D: An empirical analysis. Social Forces, 45(2), 246–254. https://doi.org/10.2307/2574395
  • Pargament, K. I., Ensing, D. S., Falgout, K., Olsen, H., Reilly, B., Van Haitsma, K., & Warren, R. (1990). God help me: (I): Religious coping efforts as predictors of the outcomes to significant negative life events. American Journal of Community Psychology, 18(6), 793–824. https://doi.org/10.1007/BF00938065
  • Putney, S., & Middleton, R. (1961). Dimensions and correlates of religious ideologies. Social Forces, 39(4), 285–290. https://doi.org/10.2307/2573426
  • Seyfarth, L. H., Larsen, K. S., Lamont, K., Haasch, C., Hale, T., & Haskin, D. (1984). Attitude toward evangelism: Scale development and validity. The Journal of Social Psychology, 123(1), 55–61. https://doi.org/10.1080/00224545.1984.9713197

13. فقرات المقياس (Scale Items)

فيما يلي نص فقرات المقياس بلغتها الأصلية كما وردت في الدراسات القياسية المعيارية دون أي تعديل أو ترجمة للحفاظ على صدق أداة القياس وثباتها:
1

I believe there is a supernatural being, the devil, who continually tries to lead men into sin.
2

To me the most important work of the church is the saving of souls.
3

I believe that there is a life after death.
4

I believe there is a divine plan and purpose for every living person and thing.
5

The only benefit one receives from prayer is psychological. (reverse scored)
★

تقييم هذا المقياس النفسي

5.0 / 5 • 1 تقييم

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 23). مقياس أبعاد الأيديولوجيا الدينية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/scales/dimensions-of-religious-ideology-scale-3/
looti, Mohammed. “مقياس أبعاد الأيديولوجيا الدينية.” عرب سايكلوجي, 23 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/scales/dimensions-of-religious-ideology-scale-3/.
looti, Mohammed. “مقياس أبعاد الأيديولوجيا الدينية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 23, 2026. https://arabpsychology.com/scales/dimensions-of-religious-ideology-scale-3/.