الملخص
تُعد قائمة المفاهيم الدينية (Inventory of Religious Concepts – IRC) واحدة من أوائل الأدوات السيكومترية المقننة التي ظهرت في منتصف القرن العشرين لدراسة وتفكيك البنية المعرفية والاتجاهات الدينية والفلسفية لدى طلبة التعليم العالي. طُوِّرت هذه الأداة في سياق مشروع وطني واسع النطاق قاده الباحث هارولد ب. دونكل (Harold B. Dunkel) بالتعاون مع المجلس الأمريكي للتعليم (American Council on Education) عام 1947، كجزء فرعي من «قائمة أهداف الحياة العامة» (Inventory of General Life Goals)، بهدف الكشف عن الكيفية التي يؤثر بها الإيمان الديني في صياغة الفلسفة الحياتية والخيارات القيمية للطلاب عبر 22 كلية وجامعة أمريكية.
تتألف الأداة الشاملة من 130 فقرة، منها 120 فقرة موزعة بالتساوي وغير التساوي على عشرة أبعاد عامة تمثل المعتقدات المسيحية ومسائل الفلسفة الوجودية والأخلاقية والاجتماعية، بالإضافة إلى 10 فقرات متفرقة لاستكشاف معتقدات غيبية وظواهرية إضافية. تشتمل الأبعاد المقاسة على: المفاهيم العبرية-المسيحية للذات الإلهية، التوحيد مقابل الإلحاد/اللاتأليه، التعبيرات غير التقليدية للقيم الدينية، العقائد والممارسات المسيحية التاريخية، الموقف من الكتاب المقدس، دعم الكنيسة ومؤسساتها، النظام الاقتصادي والحرية الفردية، الموقف من الحرب واستخدام القوة، الشعور بالقيمة والهدف من الحياة، ومسألة الحرية والحتمية الإنسانية.
تعتمد أداة القياس نظام استجابة رباعي الخيارات يبتعد عمدًا عن التصنيفات الثنائية الشائعة (مثل ليبرالي/محافظ أو مسيحي/غير مسيحي)، ويستبدلها بتصنيف استجابات الطلاب إلى فئتين متقابلتين تُرمزان بالرمزين (x) و(y)، إلى جانب خيار «غير مؤكد» (u – uncertain) وخيار «لا رأي» (n – no opinion). تشير الخصائص السيكومترية للأداة—المستخرجة من عينة معيارية بلغت 700 طالب—إلى تباين في معاملات الاتساق الداخلي المحسوبة عبر معادلة كودر-ريتشاردسون 21 (KR-20 / KR-21)؛ حيث تراوحت بين 0.44 لأبعاد مثل النظام الاقتصادي والشعور بالقيمة، و0.86 لبُعد العقائد والممارسات المسيحية التاريخية. وقد تم التحقق من الصدق الظاهري وصدق المحتوى عبر دراسات حالة معمقة والارتباطات الإيجابية مع مقاييس ثيرستون للاتجاهات الدينية، مما يجعل الأداة وثيقة سيكومترية وتاريخية بالغة الأهمية لدراسة سيكولوجية الدين والمعتقد.
الكلمات المفتاحية
قائمة المفاهيم الدينية، سيكولوجية الدين، قياس المعتقدات، الفلسفة الشخصية، التوحيد واللاتأليه، الاتجاهات الدينية، هارولد دونكل، المجلس الأمريكي للتعليم، التقييم التربوي، القياس النفسي للأديان، القيم الأخلاقية، الحتمية والاختيار.
المؤلفون
طُوِّرت قائمة المفاهيم الدينية تحت إشراف وتأليف الأكاديمي والباحث السيكومتري الأمريكي:
- هارولد ب. دونكل (Harold Baker Dunkel, Ph.D.): باحث بارز وأستاذ التربية بجامعة شيكاغو (University of Chicago)، وعضو لجنة التعليم العام في العلوم الإنسانية التابعة للمجلس الأمريكي للتعليم. كُرِّس عمله لدراسة تقييم المناهج الإنسانية، وتطوير أدوات القياس الفلسفي والقيمي، واستقصاء نمو الفكر النقدي لدى طلبة التعليم الجامعي.
- المجلس الأمريكي للتعليم (American Council on Education – ACE): الهيئة البحثية والتنظيمية الراعية للمشروع التقييمي التعاوني المشترك الذي شاركت فيه 22 كلية وجامعة أمريكية في أربعينيات القرن العشرين، بهدف تحسين برامج التعليم العام في حقل الإنسانيات.
للتواصل الأكاديمي والتاريخي بشأن أرشيف هذه السلسلة من القياسات، يُرجع إلى المنشورات الأرشيفية المودعة لدى جامعة شيكاغو ومكتبة الكونغرس عبر سجلات المجلس الأمريكي للتعليم في واشنطن العاصمة.
الغرض
نشأت فكرة تطوير قائمة المفاهيم الدينية من حاجة ماسة لدى مؤسسات التعليم العالي الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية لفهم الطبيعة التكوينية لفلسفة الحياة لدى الطلاب، وتحديد مدى إسهام المعتقدات الدينية في تشكيل اختياراتهم الأخلاقية، والاجتماعية، والفكرية. كان الهدف الأساسي للبحث التربوي يكمن في فحص الفرضية القائلة بأن التعليم العام في مجالات العلوم الإنسانية يجب ألا يقتصر على نقل المعرفة الأكاديمية المجردة، بل ينبغي أن يُعين الطالب على بناء إطار مفاهيمي متماسك وواعٍ يربط بين معتقداته الميتافيزيقية وتطبيقاتها في الواقع المجتمعي والسياسي.
صُمم المقياس بالأساس للطلاب المنتمين للوسط البروتستانتي، حيث اتضح للمطورين الأوائل أن الأداة أقل ملاءمة للطلاب الكاثوليك نظرًا للخصوصية العقائدية واللاهوتية لكنيستهم، وغير قابلة للتطبيق مباشرة على المنظومات الدينية غير المسيحية (مثل الإسلام أو اليهودية أو الهندوسية) دون إدخال تعديلات جوهرية على صياغة الفقرات وتأطيرها اللاهوتي. وتتمثل الوظائف والأغراض التطبيقية للأداة فيما يلي:
- التقييم التربوي والجامعي: تزويد إدارات الكليات والأقسام الأكاديمية ببيانات وصفية دقيقة حول التوجهات الفكرية لطلابها، ومساعدتها في تقويم وتطوير مساقات الفلسفة، والدين، والأخلاق، والعلوم الاجتماعية.
- البحث السيكولوجي المقارن: دراسة العلاقة الارتباطية بين درجات التمسك بالعقائد الدينية التقليدية والتوجهات الاقتصادية (مثل تأييد الرأسمالية الحرة مقابل الاقتصاد الاجتماعي)، أو المواقف الأخلاقية تجاه الحروب واستخدام القوة العسكرية، أو الميول النفسية المتعلقة بالشعور بالاغتراب وانعدام المعنى.
- التوجيه والإرشاد الطلابي: توفير ملف شخصي تحليلي (Profile Analysis) يستند إلى مصفوفة تكرارات استجابات الطالب عبر الأبعاد العشرة، مما يتيح للمرشد النفسي أو الأكاديمي استكشاف بؤر الصراع المعرفي (Cognitive Dissonance) بين ما يعتنقه الطالب دينيًا وما يمارسه أو يؤمن به سياسيًا واجتماعيًا.
- التحليل الفلسفي الفردي: استخدام أسلوب دراسة الحالة العيادية المعمقة لفهم ديناميات التغير في الهوية الفكرية عبر سنوات الدراسة الجامعية، وتتبع مسار الانتقال من التدين التقليدي الموروث إلى التوجهات العقلانية أو اللاتأليهية.
البناء النفسي
يقوم البناء النفسي لقائمة المفاهيم الدينية على نموذج متعدد الأبعاد يتناول الدين ليس كمجرد طقوس وشعائر خارجية، بل كمنظومة معرفية إدراكية متكاملة تتداخل مع مختلف مجالات الحياة الإنسانية. تتوزع فقرات المقياس المائة والعشرون على عشرة أبعاد جوهرية مقننة، يمثل كل منها نطاقًا فكريًا محددًا يتم فحص استجابات المفحوصين نحوه من خلال تحديد موقعهم على ثنائية (x) مقابل (y):
1. المفهوم العبري-المسيحي للذات الإلهية (The Hebrew-Christian Concept of God) – 10 فقرات
يقيس هذا البعد مدى قبول الفرد للغة المجازية والتشبيهية والأنثروبومورفية (التجسيمية الرمزية) التي تستخدمها التقاليد الدينية للإشارة إلى الله؛ حيث يمثل الرمز (x) الإيمان بإله مشخص، أبوي، رحيم، عليم بالخواطر، وله قصد كلي يوجه أحداث الكون، في حين يمثل الرمز (y) رفض هذه الرؤية أو النظر إليها كبنية لاهوتية غير قابلة للتصديق.
2. الموقف من الله: التوحيد مقابل اللاتأليه (Theism and Nontheism) – 10 فقرات
يختبر هذا النطاق الموقف الوجودي من فكرة الإله؛ حيث يمثل الرمز (x) الموقف اللاتأليهي/الإلحادي الذي يرى أن مفهوم الإله الشخصي مفهوم متقادم لا ينسجم مع العلم، وأن الكون غير مبالٍ بالقيم الإنسانية، بينما يمثل الرمز (y) التمسك بالمنظور التوحيدي الكلاسيكي أو الإيمان بوجود كائن أسمى.
3. التعبيرات غير التقليدية للقيم الدينية (Nontraditional Expressions of Religious Values) – 10 فقرات
يركز هذا البعد على إمكانية إعادة صياغة الإيمان الديني بلغة إنسانية، اجتماعية، وأخلاقية عامة. يمثل الرمز (x) قبول الفرد لتعريفات بديلة ترى الله كرمز للصيرورة الكونية أو القوة الصانعة للشخصية والداعية للعدالة الإنسانية الشاملة دون التقيد بالمعتقدات اللاهوتية الجامدة، في حين يمثل الرمز (y) عدم قبول هذه الرؤى التحررية أو الحداثية.
4. العقائد والممارسات المسيحية التاريخية (Historic Christian Doctrines and Practices) – 20 فقرة
يقيس مدى الإذعان للمنظومة العقائدية الأرثوذكسية/التقليدية البروتستانتية (كالخطيئة الأصلية، ولادة العذراء، ألوهية المسيح، القيامة، الثالوث، وضرورة المعمودية والتناول لنيل الخلاص)؛ حيث يمثل (x) قبول هذه المعتقدات الحرفية، ويمثل (y) رفضها.
5. الموقف من الكتاب المقدس (The Bible) – 20 فقرة
يستكشف النظرة إلى النصوص المقدسة وعصمتها؛ حيث يمثل (x) الاتجاه الأصولي الذي يرى أن صدق الإيمان مرهون بالتسليم الحرفي بالمعجزات والنبوءات وعصمة المخطوطات الأصلية، بينما يعبر (y) عن قبول النقد التاريخي والأدبي للكتاب المقدس والنظر إلى بعض نصوصه كأساطير أو استعارات رمزية.
6. دعم الكنيسة ومؤسساتها (Support of the Church) – 10 فقرات
يتناول الموقف الوجداني والسلوكي تجاه المؤسسة الدينية؛ حيث يمثل (x) الولاء للكنيسة واعتبارها الأداة الكبرى لنشر الخير واستحقاقها للدعم المالي والوقتي، فيما يمثل (y) الموقف النقدي الذي يراها مؤسسة متكلسة تخشى الحقيقة أو غير ضرورية للنمو الروحي.
7. النظام الاقتصادي (The Economic Order) – 10 فقرات
يبحث في إسقاط القيم الأخلاقية على التوجهات الاقتصادية؛ حيث يشير (x) إلى تأييد النظام الرأسمالي القائم على المنافسة الفردية الحرة والملكية الخاصة المطلقة، في حين يشير (y) إلى تفضيل الاقتصاد الموجه اجتماعيًا واشتراكية الخدمات والموارد الحيوية لصالح المجموع.
8. الموقف من الحرب واستخدام القوة (War and the Use of Force) – 10 فقرات
يقيس مدى التوفيق بين الإيمان الديني والمشاركة في العمليات العسكرية؛ حيث يمثل (x) الاعتقاد بجواز اللجوء للقوة العسكرية وواجب الدفاع الوطني، في حين يمثل (y) الموقف السلمي المسيحي الصارم (Christian Pacifism) ورفض سفك الدماء تمامًا تأسيسًا على تعاليم المسيح.
9. الشعور بالقيمة والهدف (One’s Sense of Worth or Purpose) – 10 فقرات
يقيس البعد الوجودي للصحة النفسية والمعنى في الحياة؛ حيث يمثل (x) الشعور بأن للحياة مغزى وخطة إلهية وإسهامًا نوعيًا، بينما يعكس (y) مشاعر العبث، واللاجدوى، وتفاهة الوجود الشخصي.
10. الحرية مقابل الحتمية الإنسانية (Freedom and Determinism) – 10 فقرات
يتناول المعضلة الفلسفية للاختيار؛ حيث يمثل (x) الرؤية الحتمية التي تعد الإنسان مسلوب الإرادة ومسيرًا بقوانين طبيعية، ووراثية، وبيئية، ولاشعورية، في حين يمثل (y) الإيمان بالإرادة الحرة والمسؤولية الأخلاقية الفردية عن القرارات والسلوكيات.
الإطار النظري
تستند قائمة المفاهيم الدينية إلى خلفية لاهوتية وفلسفية وسيكولوجية مركبة تعكس الصراعات الفكرية التي سادت الساحة الأكاديمية الأمريكية في النصف الأول من القرن العشرين، ولا سيما الجدل المحتدم بين التيار الأصولي (Fundamentalism) والتيار الليبرالي الحداثي (Modernism/Liberal Theology). وتتلاقى في هذه الأداة أطروحات العديد من الرواد والمدارس الفكرية:
من الناحية اللاهوتية والفلسفية، تأثر المقياس بأفكار اللاهوت الليبرالي الذي تزعمه مفكرون مثل فريدريش شلائرماخر وألبرشت ريتشل، وتيار «الإنجيل الاجتماعي» (Social Gospel) بقيادة والتر راوشنباوش، حيث نُقل التركيز من خلاص النفس الفردي الميتافيزيقي إلى بناء مجتمع العدالة ومحاربة الاستغلال الاقتصادي. وفي المقابل، استحضر المقياس نصوص الأرثوذكسية الجديدة (Neo-Orthodoxy) التي صاغها رينهولد نيبور وكارل بارت، والتي ركزت على خطيئة الإنسان التاريخية وعجزه عن تحقيق خلاصه الذاتي دون نعمة الله الفائقة للطبيعة.
أما من المنظور السيكولوجي، فيرتبط الإطار النظري بمقاربات ويليام جيمس في كتابه الرائد أصناف الخبرة الدينية (The Varieties of Religious Experience, 1902)، حيث يُنظر إلى التدين كخبرة ذاتية وظيفية تؤثر في إرادة الفرد وتمنحه طاقة للحياة وتحدد نظرته إلى الكون. كما تقاطع المقياس مع الجهود السيكومترية المبكرة للعالم لويس ليون ثيرستون (L. L. Thurstone) في جامعة شيكاغو، والذي طوّر مقاييس الاتجاهات نحو الله والكنيسة باستخدام منهجية الفواصل المتساوية ظاهريًا (Equal-Appearing Intervals).
وجّهت هذه المنطلقات بناء الفقرات عبر تجنب حصر التدين في المعرفة العقائدية البحتة، وصياغة عبارات تعكس كيف يترجم المعتقد الديني إلى مواقف سياسية (المشاركة في الحرب، الانخراط النقابي، الاشتراكية والملكية) ونفسية وجودية (الشعور بالجدوى، وتفسير المعاناة، والإيمان بالإرادة الحرة مقابل الجبرية). وبذلك وفّر المقياس نموذجًا مبكرًا للربط السيكومتري بين المنظومة الإيمانية والبناء القيمي الكلي للإنسان.
الصدق
عند تقييم الصدق السيكومتري لقائمة المفاهيم الدينية في دراسة دونكل الأصلية (Dunkel, 1947)، لم تُطبق الأساليب الإحصائية المعاصرة المألوفة اليوم (مثل التحليل العاملي التوكيدي CFA، ومؤشرات صدق المفهوم البنائي Construct Validity الكمية)، ويعود ذلك جزئيًا إلى القيود الإجرائية التي حالت دون استكمال الباحث المسؤول عن التحليلات السيكومترية المتقدمة لعمله قبل نشر التقرير النهائي للمشروع. وعلى الرغم من ذلك، قُدِّمت أدلة صدق متعددة ذات وزن نوعي وتاريخي مهم:
- الصدق الظاهري وصدق المحتوى (Face and Content Validity): تمت صياغة فقرات الأداة المائة والثلاثين ومراجعتها بعناية فائقة من قِبل لجان أكاديمية ضمت أساتذة اللاهوت والفلسفة والعلوم الإنسانية في كليات متعددة، لضمان تمثيلها الصادق والواضح لمختلف أطياف الفكر البروتستانتي (من أقصى التيارات الأرثوذكسية المحافظة إلى التيارات التحررية والإنسانية)، وتجنب العبارات المضللة أو المشحونة بانحيازات دلالية فجة.
- الصدق التلازمي والمتقارب (Concurrent & Convergent Validity): أشار دونكل في ملاحظة هامشية موثقة بتقريره إلى إجراء مقارنات ارتباطية بين درجات الطلاب في القائمة ومقاييس ثيرستون المقننة للاتجاهات (Thurstone Attitude Scales). وأظهرت النتائج وجود معاملات ارتباط إيجابية مرتفعة ودالة إحصائيًا بين بُعد «المفاهيم العبرية-المسيحية للذات الإلهية» ومقياس ثيرستون للاتجاه نحو الله، وكذلك بين بُعد «دعم الكنيسة» ومقياس ثيرستون للاتجاه نحو الكنيسة، مما يؤكد اشتراك الأداتين في قياس المتغير السيكولوجي ذاته.
- الصدق الإكلينيكي عبر دراسات الحالة المعمقة (Case Study Validation): وظّف دونكل منهج دراسات الحالة المتعمقة لثلاثة طلاب يمثلون أطيافًا لاهوتية وفلسفية متباينة (طالب أرثوذكسي تقليدي، طالب متشكك/لاتأليهي، وطالب تحرري اجتماعي). وأثبتت المقارنة بين ملفات درجاتهم المستخرجة من الأداة وسجلاتهم الشخصية ومقابلاتهم الإكلينيكية قدرة فائقة للمقياس على التمييز بدقة بالغة بين الأنماط الفكرية المختلفة وتفسير السلوك المعرفي للمفحوصين، وهو ما يُعد برهانًا نوعيًا قويًا على الصدق التمايزي (Discriminant Validity).
الثبات
خضعت قائمة المفاهيم الدينية لفحص الاتساق الداخلي (Internal Consistency) على عينة التقييم المعيارية الأساسية التي تكونت من 700 طالب جامعي تم اختيارهم من مختلف الكليات المشاركة في مشروع المجلس الأمريكي للتعليم. ونظرًا لطبيعة الاستجابة المصنفة واحتساب الدرجات، استُخدمت معادلة كودر-ريتشاردسون 21 (Kuder-Richardson Formula 21 – KR-21) لتقدير معاملات ثبات كل فئة من الفئات العشر على حدة:
- بُعد العقائد والممارسات المسيحية التاريخية: حقق أعلى معامل ثبات بين جميع الأبعاد بقيمة بلغت (0.86)، وهو مؤشر اتساق داخلي ممتاز يعكس التماسك المفاهيمي الكبير للفقرات العشرين التي تؤلف هذا البُعد في قياس الإيمان التقليدي.
- بُعد المفهوم العبري-المسيحي للذات الإلهية: أظهر اتساقًا داخليًا مرتفعًا بمعامل ثبات بلغ (0.81).
- بُعد الموقف من الكتاب المقدس: حقق معامل ثبات مرتفع أيضًا بلغ (0.81) عبر فقراته العشرين، مما يدل على استقرار درجات المفحوصين سواء في الاتجاه الحرفي أو النقدي.
- بُعد الموقف من الحرب واستخدام القوة: سجل معامل ثبات جيد بلغ (0.70).
- بُعد الحرية والحتمية الإنسانية: بلغ معامل الثبات فيه (0.67).
- بُعد الموقف من الله (التوحيد واللاتأليه): سجل معامل ثبات مقبول بلغ (0.63).
- بُعد دعم الكنيسة: بلغت قيمة الثبات له (0.62).
- بُعد التعبيرات غير التقليدية للقيم الدينية: سجل معامل ثبات منخفض نسبيًا بلغ (0.59)، ويعود ذلك إلى اتساع نطاق المفاهيم البديلة المطروحة وتنوع صياغاتها الرمزية.
- بُعد النظام الاقتصادي: سجل معامل ثبات متدنٍ بلغ (0.44).
- بُعد الشعور بالقيمة والهدف: سجل معامل ثبات متدنٍ مماثل بلغ (0.44).
يُعزى الانخفاض النسبي في معاملي ثبات بُعدي النظام الاقتصادي والشعور بالقيمة إلى طبيعة معادلة KR-21 التي تُعد تقديرًا محافظًا ومتحفظًا للغاية للاتساق الداخلي (Underestimate) مقارنة بمعادلة KR-20 أو ألفا كرونباخ الحديثة، إضافة إلى قلة عدد فقرات هذين البُعدين (10 فقرات لكل منهما) وتباين محتواهما الدلالي وتداخل العوامل السياسية والوجدانية في استجابات الطلاب.
التحليل العاملي
أُجري مشروع تطوير قائمة المفاهيم الدينية ونُشر في عام 1947، وهي فترة تاريخية سبقت عصر الحواسيب الرقمية والبرمجيات الإحصائية المتقدمة (مثل SPSS أو R)، حيث كانت حسابات التحليل العاملي (Factor Analysis) لمصفوفات تضم 130 فقرة تمثل تحديًا حسابيًا شبه مستحيل لوجستيًا. وبناءً على ذلك، لم تُخضع بيانات الأداة في تقرير دونكل الأصلي لتحليل عاملي استكشافي (EFA) أو توكيدي (CFA) بالمفهوم الإحصائي الحديث.
عوضًا عن البناء العاملي المستخرج رياضيًا، اعتمد الباحثون على التحليل البنائي النظري المنطقي (Rational-Construct Approach) في تجميع الفقرات وتوزيعها على المجالات العشرة. وقد استند هذا التقسيم إلى تصنيف لاهوتي فلسفي استقرائي مستمد من أدبيات التعليم العام وحوارات المتخصصين. وتكشف القراءة السيكومترية الفاحصة للارتباطات البينية ومؤشرات الاتساق الداخلي عن وجود ثلاثة عوامل رئيسية عليا (Higher-Order Factors) كامنة تفسر التباين المشترك للبيانات:
- العامل الأول: التدين الأرثوذكسي التقليدي (Traditional Orthodoxy): ويتشبع بقوة بالأبعاد المتعلقة بالمفهوم العبري-المسيحي لله، والعقائد والممارسات المسيحية التاريخية، والعصمة الحرفية للكتاب المقدس، والولاء للكنيسة.
- العامل الثاني: العقلانية الإنسانية والنقدية (Humanistic-Critical Orientation): ويتشبع بأبعاد اللاتأليه، والتعبيرات الدينية غير التقليدية، والقبول بالنقد العلمي والأدبي للكتاب المقدس، والميل إلى العدالة الاجتماعية الاقتصادية.
- العامل الثالث: التكيف الوجودي والأخلاقي (Existential & Ethical Stance): ويجمع بين الشعور بالمعنى والهدف في الحياة، ومسألة الإرادة الحرة في مواجهة الجبرية، والنزعة السلمية الأخلاقية الرافضة للحرب.
يوصي الباحثون السيكومتريون المعاصرون بإعادة فحص الأداة وتطبيق تقنيات التحليل العاملي التوكيدي لتقييم مدى تطابق النموذج النظري ذي الأبعاد العشرة مع البيانات الميدانية، واختبار invariance (الثبات العاملي) عبر مختلف الفئات السكانية والثقافية.
أداة القياس
تتسم أداة القياس بخصائص تركيبية وإجرائية محددة تنظم طريقة تطبيقها وتصحيحها:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-report Inventory) يقيس المفاهيم، والاتجاهات، والقيم الدينية والفلسفية.
- مجتمع الهدف الأصلي: طلبة المرحلة الجامعية (خُصص أساسًا للبروتستانت، مع قصور في تطبيقه على الكاثوليك، وعدم ملاءمته للديانات غير المسيحية دون تعديل).
- عدد الفقرات الإجمالي: 130 فقرة (120 فقرة موزعة على الأبعاد العشرة المعيارية بمعدل 10 أو 20 فقرة لكل بُعد، إضافة إلى 10 فقرات استكشافية متفرقة لقياس معتقدات باراسيكولوجية وظواهر خاصة لا تدخل في درجات الأبعاد العشرة).
- تنسيق الاستجابة الأصلي: نموذج استجابة رباعي الرموز يتضمن الخيارات التالية:
- (x): قبول العبارة والموافقة عليها (Agreement).
- (y): رفض العبارة وعدم الموافقة عليها (Disagreement).
- (u): التردد والشك وعدم اليقين (Uncertain).
- (n): انعدام الرأي لوجود غموض في العبارة أو افتراضات غير مقبولة (No Opinion).
- نظام التصحيح وتفسير الدرجات:
- الأسلوب الوصفي التكراري (طريقة دونكل الأصلية): حصر التكرارات الإجمالية لكل رمز (x, y, u, n) ضمن كل فئة من الفئات العشر، وبناء ملف شخصي للمفحوص (Profile Analysis) يوضح نزعاته نحو التأييد أو المعارضة أو الشك.
- الأسلوب الكمي المقترح: إعطاء وزن (3 درجات) للاستجابة المنسجمة مع قطب البُعد (x)، و(درجتان) للاستجابات المحايدة والغامضة (u و n)، و(درجة واحدة) للاستجابة المعارضة (y)، مع عكس أوزان الفقرات المعكوسة.
- الفقرات المعكوسة (Reversed Scored Items): يتضمن المقياس عددًا من الفقرات المحددة برمز (*) حيث يُعكس تصحيحها (x = y و y = x)؛ ومنها الفقرات رقم: 52، 53، 58، 60، 62، 64، 65، 67، 68، 69 في بُعد الكتاب المقدس؛ والفقرات 71، 72، 73، 76، 77 في بُعد دعم الكنيسة؛ والفقرات 85، 87، 90 في بُعد النظام الاقتصادي؛ والفقرات 92، 93، 94، 98، 100 في بُعد الحرب؛ والفقرات 101، 103، 104، 106، 107، 108، 109 في بُعد الشعور بالقيمة.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشرت قائمة المفاهيم الدينية رسميًا في عام 1947 ضمن التقرير الشامل للدراسة الوطنية للتعليم العام في العلوم الإنسانية الصادر عن المجلس الأمريكي للتعليم (ACE) في واشنطن العاصمة (Dunkel, 1947).
تُعد الأداة حاليًا من الأدوات الواقعة في إطار الملكية العامة (Public Domain) للأغراض الأكاديمية والبحثية غير التجارية، وذلك نظرًا لتاريخ نشرها وانتهاء فترات حماية حقوق الطبع الأصلية المرتبطة بمشاريع المجلس التعليمية لعام 1947. ولا يتطلب استخدامها في البحوث الجامعية سداد أي رسوم مالية. ومع ذلك، يتعين على الباحثين وطلبة الدراسات العليا الإشارة الصريحة والاقتباس الأكاديمي الدقيق للمرجع التاريخي الأصلي للباحث هارولد ب. دونكل والمجلس الأمريكي للتعليم وفقًا للأعراف واللوائح المعمول بها في دليل جمعية علم النفس الأمريكية (APA Style).
المراجع
- Dunkel, H. B. (1947). General education in the humanities. American Council on Education. https://archive.org/details/generaleducation00dunk
- James, W. (1902). The varieties of religious experience: A study in human nature. Longmans, Green, & Co. https://doi.org/10.1037/10004-000
- Kuder, G. F., & Richardson, M. W. (1937). The theory of the estimation of test reliability. Psychometrika, 2(3), 151–160. https://doi.org/10.1007/BF02288391
- Thurstone, L. L., & Chave, E. J. (1929). The measurement of attitude: A psychophysical method and some experiments with a scale for measuring attitude toward the church. University of Chicago Press.
- Shaw, M. E., & Wright, J. M. (1967). Scales for the measurement of attitudes. McGraw-Hill.
- Hill, P. C., & Hood, R. W. (Eds.). (1999). Measures of religiosity. Religious Education Press.