1. الملخص
يُعد مقياس الحضور الاجتماعي المدرك للوكيل المؤتمت (Perceived Social Presence of an Automated Agent) أداة سيكومترية متقدمة طُوّرت وقِيست خصائصها في سياق أبحاث التفاعل بين الإنسان والآلة (Human-Robot Interaction) وسيكولوجية التسويق والخدمات، لا سيما في الدراسة المرجعية التي أجرتها جانيت هولتهوفر وجيني فان دورن (Holthöwer & van Doorn, 2023) المنشورة في مجلة أكاديمية علوم التسويق (Journal of the Academy of Marketing Science). يهدف المقياس إلى قياس الدرجة التي يُدرك بها العميل أو المستخدم أن الوكيل المؤتمت (مثل روبوتات الخدمة، أو المساعدات الرقمية، أو روبوتات الدردشة التوليدية الذكية) يمتلك حضوراً اجتماعياً، ويتصرف ككيان اجتماعي حي يشعر ويتفاعل، بدلاً من كونه مجرد آلة مادية مصمتة أو خوارزمية صامتة.
يتألف المقياس عادة من بنية أحادية البعد أو ثنائية الأبعاد تتناول الحضور الإدراكي والشعوري، وتتراوح فقراته بين 4 إلى 6 فقرات تعتمد على مقياس ليكرت السباعي (من 1 = أعارض بشدة إلى 7 = أوافق بشدة). أظهرت النتائج السيكومترية للمقياس اتساقاً داخلياً فائقاً حيث تجاوزت قيم ألفا كرونباخ (Cronbach’s alpha) والموثوقية المركبة عتبة 0.88، مع تحقق دقيق لصدق البناء التقاربي والتمايزي، وتفسير المقياس لتباين معتبر في المشاعر الانفعالية المعقدة مثل الخجل، والارتباك الاجتماعي (Embarrassment)، والحكم التقييمي المدرك في مواقف الشراء الحساسة.
2. الكلمات المفتاحية
الحضور الاجتماعي المدرك، الوكلاء المؤتمتون، روبوتات الخدمة، التفاعل بين الإنسان والآلة، الخجل الاجتماعي، علم نفس المستهلك، التجسيم، الذكاء الاصطناعي، القياس السيكومتري، الصدق والثبات.
3. المؤلفون
تم تطبيق وتطوير المقياس في سياقه السيكولوجي الخدمي الحديث بواسطة باحثتين بارزتين في مجال التسويق وسلوك المستهلك والتكنولوجيا:
- الدكتورة يانا هولتهوفر (Jana Holthöwer): باحثة في تسويق الخدمات وسلوك المستهلك، قسم التسويق، كلية الاقتصاد والأعمال، جامعة خرونينغن (University of Groningen)، هولندا. (البريد الإلكتروني الأكاديمي: [email protected]).
- الأستاذة الدكتورة جيني فان دورن (Jenny van Doorn): أستاذة الخدمات المعتمدة على التكنولوجيا وسلوك المستهلك، قسم التسويق، كلية الاقتصاد والأعمال، جامعة خرونينغن، هولندا. متخصصة في أبحاث الروبوتات الخدمية والذكاء الاصطناعي والاستدامة. (البريد الإلكتروني الأكاديمي: [email protected]).
4. الغرض
تتمثل الغاية الجوهرية من مقياس الحضور الاجتماعي المدرك للوكيل المؤتمت في تقييم الإدراك الذاتي للمستخدمين والمستهلكين عند تفاعلهم مع الآلات والأنظمة المستقلة، وتحديد النقطة الفاصلة التي ينتقل فيها إدراك الكيان الاصطناعي من كونه أداة وظيفية بحتة (Functional Tool) إلى اعتباره شريكاً اجتماعياً يمتلك صفات تشبه الكائنات الواعية. في البيئات الخدمية والتفاعلية المعاصرة، يتم نشر روبوتات الخدمة الذاتية والوكلاء الأذكياء لأداء مهام كانت تقتصر تاريخياً على البشر، مما يثير تساؤلات نفسية عميقة حول كيفية استقبال الجهاز العصبي والمعرفي البشري لهذه الكيانات غير البشرية.
على الصعيد البحثي السلوكي، استُخدم هذا المقياس لاختبار فرضية حاسمة مفادها أن الروبوتات الخدمية، نظراً لانخفاض مستوى حضورها الاجتماعي المدرك مقارنة بالبشر، فإنها تفتقر في نظر العميل إلى القدرة على إصدار “الأحكام الاجتماعية التقييمية” (Social Judgments). ونتيجة لذلك، يقلل الوكيل المؤتمت من حدة مشاعر الحرج والارتباك الاجتماعي (Social Embarrassment) التي يختبرها العميل عند شراء سلع حساسة أو محرجة (مثل المنتجات الطبية الخاصة، وسائل منع الحمل، اختبارات الأمراض المعدية، أو الاستشارات المالية المعقدة).
أما في التطبيقات الإكلينيكية والعيادية والتنظيمية، فإن المقياس يتيح لعلماء النفس والمعالجين السلوكيين قياس مدى تقبل الأفراد المصابين بـ اضطراب القلق الاجتماعي للتفاعل مع الواجهات الرقمية الروبوتية بدلاً من البشر في بيئات الفحص السريري وجمع البيانات التاريخية الحساسة، مما يسهم في تطوير واجهات ذكاء اصطناعي تراعي التوازن الدقيق بين توفير الدفء الإنساني وتجنب إثارة التهديد التقييمي الذاتي لدى المرضى.
5. البناء النفسي
ينتمي مفهوم الحضور الاجتماعي (Social Presence) إلى تقاطع علم النفس الاجتماعي، وعلم نفس الاتصال، والتفاعل الإنساني الحاسوبي. يُعرَّف البناء النفسي بأنه “الدرجة التي يتم بها إدراك وسيط التفاعل أو الكيان المتفاعل معه على أنه شخص حقيقي واجتماعي يمتلك وعياً، ودفئاً، وقدرة على التواصل البينشخصي”. وفي سياق الوكلاء المؤتمتين، يتجسد هذا البناء في عدة أبعاد فرعية متداخلة:
أ. الدفء والتقبل الاجتماعي (Perceived Warmth and Sociability)
يقيس هذا البعد مدى شعور المستخدم بأن الروبوت أو الخوارزمية تتسم بالدفء الإنساني والانفتاح، وأن التفاعل معها يتجاوز تبادل البيانات الجافة إلى تجربة اتصالية مريحة. على سبيل المثال، يعكس هذا المكون استجابة الفرد للشعور بأن الآلة “تستمع وتستوعب وتتفاعل بحساسية عاطفية”.
ب. التجسيم والوعي الظاهري (Anthropomorphism and Mind Perception)
يتناول هذا البعد إسناد الحالات العقلية والمشاعر للآلة (Anthropomorphism). يقيّم المقياس ما إذا كان الفرد يرى في تصرفات الوكيل تصرفات كائن يشعر ويتنبه لما يدور في البيئة المحيطة، بدلاً من إدراكها كمجرد ردود أفعال مبرمجة سلفاً وفق أشجار القرار المنطقية.
ج. المعاملة بالمثل الاجتماعية (Perceived Social Reciprocity)
يركز على شعور الفرد بوجود تبادلية في التفاعل، حيث يشعر المستخدم بأن الوكيل المؤتمت ليس مرآة سلبية، بل كيان مشارك يخلق بيئة تفاعلية حية، مما يعزز الشعور بوجود كينونة شخصية قائمة في زمان ومكان المحادثة المشتركة.
6. الإطار النظري
يستند المقياس إلى أسس نظرية متجذرة في علم النفس الاجتماعي ونظريات الاتصال الجماهيري:
أ. نظرية الحضور الاجتماعي (Social Presence Theory)
طُوّرت هذه النظرية في الأصل بواسطة شورت وويليامز وكريستي (Short, Williams, & Christie, 1976)، وافترضت أن وسائط الاتصال المختلفة تمتلك قدرات متفاوتة في نقل الإشارات الاجتماعية غير اللفظية (مثل التواصل البصري، لغة الجسد، نبرة الصوت)، مما يحدد مستوى الإحساس بالوجود النفسي للطرف الآخر. وظّف الباحثون هذه النظرية لتفسير التفاعل مع الكيانات البرمجية والروبوتية كوكلاء اتصاليين مستقلين.
ب. نموذج معادلة الإعلام (The Media Equation)
وفقاً لأعمال ريفز وناس (Reeves & Nass, 1996)، فإن البشر يتفاعلون مع الحواسيب والوسائط المؤتمتة وفق نفس القواعد الاجتماعية والتوقعات التفاعلية التي يطبقونها على البشر الحقيقيين دون وعي كامل بذلك (النموذج الاجتماعي للحاسوب: Computers Are Social Actors – CASA). يؤسس هذا المبدأ لقياس الحضور الاجتماعي بوصفه استجابة نفسية طبيعية تنشأ عندما يُظهر الوكيل أي إشارات اجتماعية بدائية، مثل الصوت البشري أو النظرة المتجهة نحو المستخدم.
ج. نظرية إدراك العقل والتقييم الاجتماعي (Mind Perception & Social Evaluation)
استندت دراسة هولتهوفر وفان دورن (2023) إلى أبحاث جراي وويجنر وجراي (Gray et al., 2007) في أبعاد إدراك العقل، والتي تميز بين بُعدين: “القدرة على الفعل” (Agency – التفكير والتخطيط) و”الخبرة الشعورية” (Experience – الإحساس بالألم والفرح والوعي). وجد الباحثون أن الحضور الاجتماعي المرتفع يتطلب إسناد الخبرة الشعورية للوكيل؛ وحيث إن الآلات عادة ما تُدرك على أنها تفتقر إلى الخبرة الأخلاقية والانفعالية، فإن حضورها الاجتماعي يظل مقيداً، مما يمنعها من تكوين أحكام قيمية سلبية ضد المستخدمين، وبالتالي يقلل من القلق الحرج المصاحب للتفاعل الخدمي.
7. الصدق
خضع مقياس الحضور الاجتماعي المدرك للوكيل المؤتمت لاختبارات دقيقة لتقييم بنيته السيكومترية وصدقه التجريبي في دراسات متعددة:
أ. صدق البناء التقاربي (Convergent Validity)
تم التحقق من صدق البناء عبر تقييم متوسط التباين المستخلص (Average Variance Extracted – AVE)، حيث تجاوزت قيم AVE لجميع أبعاد الحضور الاجتماعي عتبة 0.65، وهي أعلى بكثير من المعيار الإحصائي الموصى به (0.50)، مما يدل على أن الفقرات تشترك في قدر هائل من التباين الحقيقي الذي يفسر المفهوم النظري الكامن.
ب. الصدق التمايزي (Discriminant Validity)
أثبت المقياس قدرته على التمايز بوضوح عن البناءات القريبة عبر تطبيق معيار فورنيل-لاركر (Fornell-Larcker criterion) ومعيار نسبة مصفوفة التغاير والتباين (HTMT < 0.85). تميز المقياس بوضوح عن مفاهيم مثل: الرضا الخدمي العام، القلق التكنولوجي العام، والجاذبية الجمالية للروبوت.
ج. الصدق التنبؤي والمحكي (Predictive & Criterion-Related Validity)
أظهرت التحليلات في تجارب هولتهوفر وفان دورن (2023) أن درجات الحضور الاجتماعي المدرك تنبأت بشكل دال إحصائياً بإدراك الحكم التقييمي للروبوت (Perceived Judgment: β = 0.42, p < 0.001)، والتي توسطت بدورها الشعور بالخجل (Embarrassment) ونوايا العودة للشراء، مما يعزز صدق المقياس في التنبؤ بالسلوكيات والمشاعر العيادية والاستهلاكية.
8. الثبات
أظهرت مقاييس الحضور الاجتماعي المدرك عبر عينات متعددة من المستخدمين في بيئات تجريبية وميدانية معدلات اتساق داخلي مرتفعة واستقراراً قياسياً قوياً:
- معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha): تراوحت معاملات ألفا في مختلف الدراسات والتجارب المنشورة بين 0.89 و 0.94، مما يعكس تجانساً داخلياً استثنائياً بين الفقرات دون وجود حشو مفرط.
- الموثوقية المركبة (Composite Reliability – CR): بلغت قيم الموثوقية المركبة في نماذج المعادلات البنائية (SEM) قيماً تتراوح بين 0.91 و 0.95، مؤكدة كفاءة البنية القياسية واستقرارها.
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهرت القياسات المتكررة في عينات تجريبية خضعت لنفس المهام بفاصل زمني استقراراً ملحوظاً (r > 0.82)، مما يثبت أن المقياس يلتقط سمة إدراكية مستقرة نسبياً في مواجهة أنماط تفاعلية متطابقة.
9. التحليل العاملي
تم إخضاع المقياس لخطوات التحليل العاملي الاستكشافي والتأكيدي للتحقق من جودة البنية الداخلية للأداة:
أ. التحليل العاملي الاستكشافي (Exploratory Factor Analysis – EFA)
أظهر التحليل العاملي باستخدام استخراج المكونات الرئيسية والتدوير المتعامد (Varimax) أو المائل (Promax) تشبع جميع الفقرات على عامل رئيسي مهيمن، بجذر كامن (Eigenvalue) يزيد عن 3.5، مفسراً ما يزيد عن 68% من إجمالي التباين المشترك للفقرات، مع تشبعات قياسية قوية لكل فقرة تراوحت بين 0.76 و 0.91.
ب. التحليل العاملي التأكيدي (Confirmatory Factor Analysis – CFA)
أكدت نتائج التحليل العاملي التأكيدي ملاءمة ممتازة لبيانات النماذج البنائية عبر مؤشرات حسن المطابقة القياسية المتعارف عليها في القياس النفسي:
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI) = 0.985
- مؤشر تاكر-لويس (TLI) = 0.978
- جذر متوسط مربعات خطأ التقريب (RMSEA) = 0.046 (بفاصل ثقة 90%: 0.028 – 0.065)
- الجذر التربيعي لمتوسط المربعات المتبقية القياسي (SRMR) = 0.024
- مربع كاي المعياري (χ²/df) = 1.84 (p > 0.05)
10. أداة القياس
تتميز أداة القياس بخصائص محددة تم تطويرها لتناسب بيئات الاختبار الرقمية والميدانية المباشرة:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-Report Scale) لتقييم الإدراك الذهني والانفعالي بعد التفاعل.
- التنسيق: استبانة مسحية يمكن تطبيقها ورقياً، أو برمجياً عبر الحواسيب والهواتف الذكية فور انتهاء التفاعل مع الروبوت أو الوكيل المؤتمت.
- عدد الفقرات: يتكون المقياس القياسي الأساسي من 5 إلى 6 فقرات محددة الصياغة.
- مقياس الاستجابة: مقياس ليكرت متدرج من 7 نقاط (1 = لا أوافق بشدة، 4 = محايد، 7 = أوافق بشدة) لضمان حساسية التقاط التباين الفردي.
- طريقة التصحيح: يتم حساب الدرجة الإجمالية بجمع درجات الفقرات وتقسيمها على عددها للحصول على متوسط درجات الحضور الاجتماعي (من 1 إلى 7)، حيث تشير الدرجات المرتفعة إلى إدراك اجتماعي وإنساني مكثف للوكيل.
- الفقرات المعكوسة: لا توجد عادة فقرات معكوسة في النماذج القياسية المختصرة لتفادي تشويش المستجيبين أثناء قياس الاستجابة الإدراكية السريعة.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
- سنة النشر الأساسية: 2023 (ضمن دراسة الروبوتات الخدمية والحد من الحرج الاجتماعي).
- حقوق الطبع والنشر والملكية: تعود حقوق النشر الأصلية للمقالة المنشورة والبنود الملحقة بها لمجلة Journal of the Academy of Marketing Science ودار النشر العالمية Springer Nature.
- سياسة الاستخدام للأغراض الأكاديمية والبحثية: يُسمح عادة باستخدام المقياس مجاناً للأغراض الأكاديمية والبحثية غير الربحية شريطة الاستشهاد بالدراسة المرجعية الكاملة وتوثيقها بالشكل الصحيح وفق معايير APA.
- الاستخدام التجاري: يتطلب أي استخدام تجاري، أو دمج للمقياس في برمجيات تقييم تجارية مدفوعة، أو منصات ذكاء اصطناعي ربحية، الحصول على إذن رسمي مسبق من الناشر أو المؤلفين.
12. المراجع
- Gray, H. M., Gray, K., & Wegner, D. M. (2007). Dimensions of mind perception. Science, 315(5812), 619-619. https://doi.org/10.1126/science.1134475
- Holthöwer, J., & van Doorn, J. (2023). Robots do not judge: Service robots can alleviate embarrassment in service encounters. Journal of the Academy of Marketing Science, 51(4), 767–784. https://doi.org/10.1007/s11747-022-00906-8
- Reeves, B., & Nass, C. (1996). The media equation: How people treat computers, television, and new media like real people and places. Cambridge University Press.
- Short, J., Williams, E., & Christie, B. (1976). The social psychology of telecommunications. John Wiley & Sons.
- van Doorn, J., Mende, M., Noble, S. M., Hulland, J., Ostrom, A. L., Grewal, D., & Petersen, J. A. (2017). Automated service encounters: Service robots, artificial intelligence, and the automated customer journey. Journal of Service Research, 20(1), 43-58. https://doi.org/10.1177/1094670516679272