1. الملخص
يُعد استبيان روكيتش للقيم (Rokeach Value Survey – RVS) أحد أكثر الأدوات السيكومترية تأثيراً وشهرة في تاريخ علم النفس الاجتماعي والقياس النفسي لدراسة منظومة القيم الإنسانية. طوره عالم النفس البارز ميلتون روكيتش (Milton Rokeach) عام 1973 انطلاقاً من تصوره النظري القائل بأن القيم تمثل معتقدات موجهة دائمة تفضل نمطاً معيناً من السلوك أو غاية نهائية للوجود على نمط أو غاية مقابلة. يتألف المقياس من 36 قيمة موزعة بالتساوي على فئتين أساسيتين: القيم الغائية (Terminal Values)، وتضم 18 قيمة تمثل الغايات الحياتية أو الحالات الوجودية المرغوبة (مثل: حياة مريحة، عالم يسوده السلام، الخلاص، الحكمة)، والقيم الوسيلية (Instrumental Values)، وتضم 18 قيمة تمثل الأنماط المسلكية والوسائل المحبذة لتحقيق تلك الغايات (مثل: طموح، متسامح، أمين، مستقل).
يعتمد المقياس أسلوب الترتيب الرتبي (Rank-ordering) من 1 (الأكثر أهمية للمستجيب كمعيار ومبدأ موجه في حياته) إلى 18 (الأقل أهمية)، ويتم تطبيق هذا الترتيب بصورة مستقلة لكل قائمة من القيمتين. أظهرت الفحوص السيكومترية عبر عقود استقراراً رتبياً جيداً، حيث تراوحت معاملات ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest) بين 0.70 و 0.80 للقيم الغائية، وبين 0.65 و 0.72 للقيم الوسيلية عبر فترات زمنية متفاوتة. يتمتع المقياس بصدق ظاهري وبنائي قويين، وقد طبق في مئات الدراسات عبر الثقافية، وعلم النفس التنظيمي، وعلم الاجتماع، ودراسات الهوية الدينية والسياسية، مما جعله حجر زاوية في النماذج اللاحقة لقياس القيم كنموذج شوارتز للقيم الإنسانية الأساسية.
2. الكلمات المفتاحية
استبيان روكيتش للقيم، القيم الإنسانية، القيم الغائية، القيم الوسيلية، ميلتون روكيتش، القياس النفسي الاجتماعي، الترتيب الرتبي، المعتقدات الموجهة، السيكومترية، نسق القيم، علم النفس الاجتماعي، دراسات عبر ثقافية.
3. المؤلفون
تم تطوير هذا المقياس الرائد بواسطة البروفيسور ميلتون روكيتش (Milton Rokeach؛ 1918–1988)، وهو عالم نفس اجتماعي أمريكي بارز كان أستاذاً في قسم علم النفس في جامعة ولاية ميشيغان (Michigan State University)، ثم انتقل لاحقاً إلى جامعة ولاية واشنطن (Washington State University) وجامعة جنوب كاليفورنيا (USC). يُعرف روكيتش بأبحاثه المؤسسة حول الدوغماتية، والاتجاهات، والتغيير القيمي، ونظم المعتقدات المعرفية، وقد كرّس كتابه الكلاسيكي الصادر عام 1973 بعنوان طبيعة القيم الإنسانية (The Nature of Human Values) لتقنين ونشر هذا الاستبيان ونتائج تطبيقه على عينات قومية أمريكية موسعة.
4. الغرض
يهدف استبيان روكيتش للقيم إلى تقييم البنية المعرفية لمنظومة القيم الفردية والجماعية من خلال رصد التفضيلات والأولويات النسبية للمفحوص. يرى روكيتش أن دراسة القيم تتجاوز مجرد قياس الاتجاهات الآنية العابرة أو الاهتمامات السطحية؛ فالقيم تشكل جوهر الهوية النفسية، وتعمل كمعايير موجهة للسلوك الإنساني، وإصدار الأحكام الأخلاقية، واتخاذ القرارات المصيرية، والدافعية الفردية، وتبرير الأفعال والمشاعر الذاتية.
التطبيقات البحثية
يخدم الاستبيان في المقام الأول الأغراض البحثية المقارنة بين الجماعات، وتتبع التحولات الثقافية والتاريخية والاجتماعية عبر الزمن. يُستخدم على نطاق واسع في:
- الدراسات النفسية عبر الثقافية: مقارنة أولويات الشعوب والجماعات الإثنية تجاه قضايا الحرية، والعدالة الاجتماعية، والأمن القومي، والتدين.
- علم النفس السياسي: دراسة الترابط بين التوجهات الأيديولوجية (مثل الليبرالية والمحافظة) وترتيب قيم معينة، كأولوية “الحرية” مقابل “المساواة” وفق نموذج روكيتش الثنائي للسياسة.
- علم النفس الديني: فحص العلاقة بين التدين وموضع قيمة “الخلاص” (Salvation) و”التسامح”، وتأثير ذلك على التسامح الاجتماعي والتصلب الفكري.
- علم النفس التنظيمي والإداري: فهم التوافق القيمي بين الموظف والمؤسسة (Person-Organization Fit)، وتأثير القيم الإدارية على القيادة والرضا الوظيفي والمسؤولية المجتمعية.
التطبيقات الإكلينيكية والإرشادية والمحدودية الفردية
على الرغم من أن الاستبيان صُمم في الأساس لجمع بيانات مقارنة بين المجموعات (Comparative Group Data) ورصد التغيرات القيمية الشاملة، إلا أنه يُستفاد منه في الإرشاد النفسي والمهني لتحديد الصراعات القيمية الداخلية (Value Conflicts)، مثل التناقض بين طلب “حياة مريحة” والحاجة إلى “حياة مثيرة”، أو التعارض بين السعي للاستقلالية والامتثال للواجب. ومع ذلك، يؤكد روكيتش أن الاستبيان أقل ملاءمة للتشخيص الإكلينيكي الفردي الصارم بسبب طبيعة القياس الإجباري القسري (Ipsative/Rank-order) الذي يجعل درجات الفرد معتمدة ذاتياً ولا تخضع لمنحنى درجات معيارية فردية مستقلة.
5. البناء النفسي
يقوم البناء النفسي للمقياس على فرضية جوهرية مفادها أن كل فرد يمتلك نسقاً قيمياً هرمياً متكاملاً يتضمن عدداً محدوداً من القيم العالمية المشتركة، لكن الأفراد يختلفون في الأوزان النسبية والأولويات الترتيبية التي يمنحونها لهذه القيم. قسّم روكيتش هذا البناء النفسي إلى فئتين متباينتين وظيفياً تمثلان الغايات والوسائل:
أولاً: القيم الغائية (Terminal Values)
تُعرّف القيم الغائية بأنها الحالات النهائية المرغوبة للوجود (End-states of existence). وهي تمثل الأهداف الكبرى والغايات العليا التي يسعى الفرد أو المجتمع إلى إدراكها. تتفرع هذه القيم إلى قيم شخصية/ذاتية تركز على الفرد نفسه (مثل: الانسجام الداخلي، الخلاص، احترام الذات، الحكمة)، وقيم اجتماعية بين-شخصية تركز على المجتمع والآخرين (مثل: عالم يسوده السلام، عالم تسوده المساواة، الأمن القومي). وتضم هذه الفئة 18 قيمة محددة كالتالي:
- حياة مريحة (A comfortable life): حياة مزدهرة وميسورة مادياً.
- حياة مثيرة (An exciting life): حياة مليئة بالحيوية والنشاط والتحديات.
- الشعور بالإنجاز (A sense of accomplishment): تقديم مساهمة ذات أثر دائم ونافع.
- عالم يسوده السلام (A world at peace): التحرر من ويلات الحروب والنزاعات.
- عالم من الجمال (A world of beauty): تذوق جمال الطبيعة والفنون.
- المساواة (Equality): تحقيق العدالة، وتكافؤ الفرص، وروح الإخاء للجميع.
- أمن الأسرة (Family security): رعاية الأحبة وتوفير الحماية لهم.
- الحرية (Freedom): الاستقلالية وحرية الاختيار وتقرير المصير.
- السعادة (Happiness): الرضا الذاتي والشعور بالهناء والسرور.
- الانسجام الداخلي (Inner harmony): التحرر من الصراعات النفسية الداخلية.
- الحب الناضج (Mature love): القرب العاطفي، والروحي، والجنسي العميق.
- الأمن القومي (National security): حماية الوطن والبلاد من أي اعتداء.
- المتعة (Pleasure): التمتع بالحياة، والاسترخاء، والترفيه.
- الخلاص (Salvation): النجاة والخلود الروحي في الدار الآخرة.
- احترام الذات (Self-respect): التقدير الإيجابي للذات والشعور بالكرامة.
- التقدير الاجتماعي (Social recognition): نيل احترام واستحسان وإعجاب الآخرين.
- الصداقة الحقيقية (True friendship): الصحبة الوثيقة والروابط العميقة.
- الحكمة (Wisdom): الفهم العميق والناضج للحياة وطبيعتها.
ثانياً: القيم الوسيلية (Instrumental Values)
تُعرّف القيم الوسيلية بأنها الأنماط المفضلة للسلوك والمسلكيات المعتمدة (Modes of conduct) كوسائل لتحقيق الغايات الوجودية السابقة. صنفها روكيتش إلى قيم أخلاقية (Moral values) تتعلق بالأفعال بين الفرد والآخرين وتشمل مشاعر الواجب والضمير والذنب عند انتهاكها (مثل: أمين، متسامح، متعاون)، وقيم كفاءة وجدارة (Competence values) تركز على المهارات الفردية والتحكم الذاتي وتحقيق التميز، ويترتب على الإخفاق فيها الشعور بالخجل أو القصور (مثل: منطقي، ذكي، كفء، خيالي). وتتضمن 18 قيمة محددة كالتالي:
- طموح (Ambitious): الجد في العمل، والتطلع الدائم للترقي.
- متسع الأفق (Broadminded): الانفتاح الذهني وتقبل الآراء المتباينة.
- كفء (Capable): امتلاك الجدارة، والفعالية، والقدرة على الإنجاز.
- مبتهج (Cheerful): المرح، والتفاؤل، وإشاعة البهجة.
- نظيف (Clean): الترتيب، والأناقة، وحسن المظهر.
- شجاع (Courageous): الوقوف بثبات للدفاع عن المعتقدات والمبادئ.
- متسامح (Forgiving): العفو عن الآخرين والصفح عن الإساءة.
- متعاون (Helpful): العمل الدؤوب من أجل رفاهية الآخرين وإعانتهم.
- أمين (Honest): الصدق، والنزاهة، والإخلاص في القول والعمل.
- خيالي (Imaginative): الإبداع، والابتكار، والجرأة الفكرية.
- مستقل (Independent): الاعتماد على النفس، والاكتفاء الذاتي في القرارات.
- فكري/ذكي (Intellectual): التعقل، وحب الاستطلاع، والتأمل الفكري.
- منطقي (Logical): الاتساق الفكري، والعقلانية في التفكير والتحليل.
- محب (Loving): إبداء العاطفة، والمودة، والرقة تجاه الآخرين.
- مطيع (Obedient): أداء الواجب، واحترام النظام والسلطة المقبولة.
- مهذب (Polite): اللباقة، والكياسة، وحسن المعاملة والأدب.
- مسؤول (Responsible): الاعتماد عليه، والوفاء بالالتزامات بدقة.
- متحكم في ذاته (Self-controlled): الانضباط الذاتي وكبح النزوات.
6. الإطار النظري
يندرج استبيان روكيتش تحت المظلة المعرفية البنائية لعلم النفس الاجتماعي. جاء عمل روكيتش كثورة تصحيحية على النماذج التي خلطت طويلاً بين مفهومي “الاتجاه” (Attitude) و”القيمة” (Value). استند روكيتش إلى كتابات علماء رائدين مثل غوردون ألبورت (Gordon Allport) وروبن ويليامز (Robin Williams)، موضحاً أن الاتجاه يمثل تنظيماً لمعتقدات تركز حول موضوع أو موقف محدد واحد، بينما القيمة تتسامى فوق المواقف والأشياء، مشكّلة معياراً مجرداً وشاملاً.
الفرضيات النظرية الأساسية لنظرية روكيتش
- محدودية عدد القيم: يرى روكيتش أن العدد الإجمالي للقيم التي يعتنقها الإنسان محدود جداً مقارنة بآلاف الاتجاهات التي قد تتشكل لديه؛ إذ قدر أن القيم الغائية تتراوح بين 18 و 24 قيمة، بينما تتراوح القيم الوسيلية بين 60 و 72 قيمة.
- عالمية القيم: يمتلك جميع البشر في مختلف الثقافات نفس القيم الإنسانية المشتركة تقريباً بدرجات متفاوتة، والتمايز الثقافي والفردي لا ينشأ من امتلاك قيم فريدة غير معروفة، بل من ترتيب الأولويات النسبية لتلك القيم المشتركة داخل الهرم القيمي.
- التنظيم الهرمي لنظام القيم: تُنظم القيم داخل البناء المعرفي في نسق هرمي ديناميكي؛ فحين تتعارض قيمتان في موقف سلوكي معين (مثل: الأمانة مقابل الولاء، أو الحرية مقابل المساواة)، يحتكم الفرد إلى ترتيبه القيمي المفضل لحسم الصراع.
- القيمة كمعيار إرشادي وتقويمي: لا تقتصر وظيفة القيمة على التحفيز السلوكي، بل تعمل كمعيار معرفي لتقييم سلوكيات الذات والآخرين، ولتبرير القرارات بعد اتخاذها.
اعتمد روكيتش أسلوباً استقرائياً واسعاً لاشتقاق بنود المقياس. راجع الأدبيات الفلسفية والنفسية، وحلل نصوصاً ثقافية ودينية، واستطلع آراء عينات متنوعة لإنتاج قوائم ضخمة من مفاهيم القيم. بعد ذلك، طبق معايير استبعاد صارمة شملت: حذف الكلمات المترادفة وشبه المترادفة، واختيار القيم التي تمثل أقصى درجات التباين المفهومي، واختيار المفاهيم ذات الأهمية الثقافية البالغة مع ملاءمتها لكافة الثقافات، وانتقاء القيم التي يسهل على الفرد الإقرار بأهميتها دون ظهور بمظهر التباهي والغطرسة.
وكان المعيار المنهجي الحاسم هو الطاقة الاستيعابية للمعالجة المعرفية البشرية؛ إذ توصل روكيتش إلى أن الحد الأقصى لوحدات المعلومات (Bits of information) التي يستطيع الفرد العادي مقارنتها ومفاضلتها وترتيبها ترتيباً رتبياً دقيقاً في مهمة واحدة دون إجهاد معرفي هو 18 وحدة، مما أدى إلى اعتماد 18 قيمة غائية و 18 قيمة وسيلية كبنية نهائية للمقياس.
7. الصدق
خضع استبيان روكيتش للقيم لدراسات مكثفة لفحص دلالات صدق القياس بأشكالها المتعددة، والتي دعمت صلاحية الأداة للاستخدام في الأبحاث النفسية والاجتماعية:
صدق المحتوى والصدق الظاهري (Content & Face Validity)
يتمتع المقياس بصدق ظاهري عالٍ جداً وموثق؛ حيث تُصاغ القيم بكلمات واضحة مألوفة مرفقة بتعريفات تفسيرية موجزة بين قوسين لتوضيح المعنى المقصود بدقة لكل مفحوص، مما يزيل الغموض الدلالي ويوحد الإطار المرجعي للفهم. كما أن إجراءات الاختيار الصارمة التي قادها روكيتش عبر فحص الأدبيات ضمنت تغطية تمثيلية شاملة لفضاء القيم الإنسانية.
الصدق التقاربي والتلازمي (Convergent & Concurrent Validity)
قدمت الأبحاث دلائل متينة على الصدق التقاربي من خلال مقارنة تصنيفات القيم بمتغيرات نفسية راسخة. فقد أظهرت دراسات هومانت (Homant, 1969) عبر تحليل التمايز الدلالي (Semantic Differential Analysis) لكارل أوسجود وجود ارتباط وثيق بين ترتيب القيم في مقياس روكيتش والعامل التقويمي العام (Evaluative Factor)، مما يثبت أن المقياس يقيس المعنى التقييمي التفضيلي للقيم كما هو مفترض نظرياً.
كما قارن روكيتش (1973) نتائج مقياسه باختبار تفهم الموضوع (TAT) لقياس الحاجات النفسية الأساسية لموراي، ورُصدت ارتباطات دالة إحصائياً بين قيم معينة والحاجات النفسية المقابلة (مثل الارتباط بين قيمة “حياة مريحة” والحاجة للإنجاز المادي، وقيمة “الحب الناضج” والحاجة للانتماء)، مما أكد وجود تقارب مفاهيمي ملموس بين منظومة القيم والحاجات الدوافعية الإنسانية.
الصدق التمايزي والتنبؤي (Discriminant & Predictive Validity)
أثبت المقياس قدرة فائقة على التمييز بدقة بين الجماعات ذات الخلفيات الاجتماعية والدينية والسياسية المتباينة. ففي أبحاث روكيتش (1973)، فضلاً عن دراسات فاذر (Feather, 1973, 1988)، برزت فروق إحصائية جوهرية في ترتيب القيم بين جماعات متباينة؛ حيث احتل الخلاص (Salvation) المرتبة الأولى أو الثانية لدى المتدينين ورجال الدين (مثل دراسات فاسي 1982 على اليسوعيين)، بينما هبطت هذه القيمة إلى أسفل القائمة (المرتبة 17 أو 18) لدى الجماعات غير المتدينة والملحدين.
وفي دراسات تومبسون وزملائه (Thompson, Leviton, & Mieden, 1982)، أظهر المقياس صدقاً تمايزياً واضحاً في التنبؤ بالسلوكيات الأخلاقية والتصويت الانتخابي؛ إذ كان التفضيل النسبي لقيمتي “الحرية” و”المساواة” منبئاً دقيقاً بالانتماءات الحزبية والسلوك الاحتجاجي في قضايا الحقوق المدنية والسلام.
8. الثبات
نظراً لأن استبيان روكيتش يعتمد أسلوب الترتيب الرتبي (Ipsative Rank-Order) وليس مقياس ليكرت التراكمي المستقل، فإن حساب معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) غير مناسب رياضياً للدرجات الكلية، بل يُعتمد على حساب معامل ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability) عبر فترات زمنية محددة باستخدام معاملات ارتباط الرتب لسبيرمان (Spearman rho) أو كيندال (Kendall tau):
مقارنة الثبات بين النموذجين (Form D) و (Form E)
أجرى روكيتش وأقرانه تجارب واسعة لاختبار الاستقرار عبر الزمن، موثقاً الفروق بين صيغ تطبيق المقياس:
- النموذج (Form D) – أسلوب الملصقات المتحركة: يتيح هذا النموذج للمستجيب نقل ملصقات القيم وإعادة ترتيبها بصرياً بحرية على صفحة منفصلة حتى يستقر على الترتيب النهائي المرضي له. أظهرت النتائج لدى طلاب الجامعات وسيط ثبات إعادة اختبار (Median Test-Retest Reliability) بلغ 0.78 إلى 0.80 للقيم الغائية، و 0.70 إلى 0.72 للقيم الوسيلية بعد فترة فاصلة من 3 إلى 7 أسابيع. وعند زيادة الفاصل الزمني إلى ما بين شهرين وأربعة أشهر، شهدت المعاملات انخفاضاً طفيفاً متوقعاً تراوح بين 0.03 و 0.05 فقط.
- النموذج (Form E) – النسخة الورقية التقليدية بالقلم: يقوم المستجيب هنا بكتابة الأرقام من 1 إلى 18 أمام قائمة القيم، ولا يمكنه التعديل إلا بشطب الرقم وإعادة كتابته، مما يفرض عبئاً إدراكياً أكبر. حقق هذا النموذج وسيط ثبات بلغ 0.74 للقيم الغائية، و 0.65 للقيم الوسيلية عبر فترات زمنية متماثلة.
الاستنتاجات السيكومترية حول الثبات
بينت النتائج بوضوح أن النموذج المعتمد على البطاقات أو الملصقات القابلة للفرز (Form D) يتفوق على النسخة الورقية الجامدة (Form E) في مستويات الثبات السيكومتري. كما لوحظ بشكل متكرر عبر جميع الدراسات أن القيم الغائية تتمتع بثبات واستقرار زمني أعلى باستمرار من القيم الوسيلية، وهو ما يتوافق تماماً مع النظرية، لكون الغايات الوجودية الكبرى أكثر استقراراً ورسوخاً في الشخصية من الأنماط السلوكية الإجرائية المعرضة للتغير وفق متطلبات الموقف والبيئة.
9. التحليل العاملي
أثار التحليل العاملي لمقياس روكيتش نقاشات منهجية وإحصائية غنية في حقل القياس النفسي بسبب الطبيعة الرتبية القسرية للبيانات؛ إذ إن رفع رتبة إحدى القيم يؤدي بالضرورة الرياضية إلى خفض رتبة القيم الأخرى، مما ينتج عنه مصفوفة ارتباطات تميل إلى السلبية الاصطناعية (Negative ipsative correlation constraints).
التحليل العاملي الاستكشافي والتعديلات المنهجية
للتغلب على الطبيعة الرتبية، استخدم العديد من الباحثين (مثل: Feather, 1973; Thompson et al., 1982) تقنيات تحليل المكونات الأساسية (PCA) مع التدوير المتعامد (Varimax) والمائل، كما لجأ باحثون آخرون إلى تقييم كل بند على حدة بمقياس تدريجي منفصل لاختبار البنية العاملية المحتملة.
أسفرت التحليلات العاملية الاستكشافية عموماً عن استخراج عوامل عليا تجمع بين مجموعات القيم الغائية والوسيلية، ومن أبرزها:
- عامل القيم الاجتماعية الجمعية مقابل القيم الفردية: حيث تشبعت بقوة على القطب الجمعي قيم مثل: “عالم يسوده السلام”، “المساواة”، “متعاون”، و”أمين”، في حين تشبعت على القطب الفردي قيم مثل: “حياة مريحة”، “الحرية”، “مستقل”، و”طموح”.
- عامل المثالية الأخلاقية والروحية مقابل الإنجاز والتمتع الدنيوي: تشبعت فيه قيم مثل “الخلاص”، “الانسجام الداخلي”، و”التسامح” في مقابل قيم “المتعة”، “حياة مثيرة”، و”التقدير الاجتماعي”.
- عامل الانضباط الذاتي والامتثال مقابل الكفاءة والانفتاح: وتشبعت فيه قيم وسيلية مثل “مطيع”، “مهذب”، و”متحكم في ذاته” في مقابل “خيالي”، “ذكي”، و”متسع الأفق”.
التحليل العاملي التوكيدي وتطور النماذج اللاحقة
واجه التحليل العاملي التوكيدي (CFA) التقليدي تحديات في ملاءمة النموذج النظري البسيط المقترح (غائي/وسيلي) كبنية ثنائية الأبعاد بحتة، حيث بينت الدراسات (مثل Gibbons & Walker, 1993) أن المفحوصين يفسرون بعض القيم بطرق متعددة بناءً على سياقاتهم الإدراكية، مما يرفع من تعقيد التشبعات التقاطعية.
أفضت هذه الانتقادات الإحصائية للبنية العاملية للترتيب الرتبي إلى تمهيد الطريق لأبحاث شالوم شوارتز (Shalom Schwartz)، الذي انطلق من بنود روكيتش وأعاد صياغتها وفق نظام تدريجي يتيح تحليلات التدرج متعدد الأبعاد (Multidimensional Scaling – MDS)، مؤكداً صدق التباين العاملي الأصلي الذي استشعره روكيتش بين قيم المحافظة مقابل الانفتاح على التغيير، وتجاوز الذات مقابل تعزيز الذات.
10. أداة القياس
تتضمن المواصفات الفنية لأداة القياس السيكومترية ما يلي:
- اسم الأداة: استبيان روكيتش للقيم (Rokeach Value Survey – RVS).
- المؤلف: ميلتون روكيتش (Milton Rokeach, 1973).
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي رتبي (Self-report Rank-order Scale).
- تنسيق الأداة: يتوفر في نموذجين رئيسيين؛ النموذج (Form D) باستخدام ملصقات أو بطاقات قابلة للفرز والترتيب، والنموذج (Form E) بصيغة ورقية قلمية تقليدية.
- عدد الفقرات الكلي: 36 فقرة/قيمة، مقسمة إلى قسمين متساويين: 18 قيمة غائية، و 18 قيمة وسيلية.
- مقياس الاستجابة: Rank ordering from 1 (most important to you) to 18 (least important to you), completed separately for Terminal Values and Instrumental Values.
- زمن التطبيق: يتراوح بين 10 إلى 20 دقيقة لدى الغالبية العظمى من المشاركين.
- طريقة التصحيح: تمثل الدرجة المحسوبة لكل بند رقم الرتبة (Rank Order) من 1 إلى 18 الذي منحه المستجيب للقيمة؛ حيث تشير الرتبة 1 إلى القيمة الأعلى أهمية، بينما تشير الرتبة 18 إلى القيمة الأقل أهمية.
- الفقرات المعكوسة: لا توجد فقرات معكوسة بالمعنى الرياضي التقليدي، ولكن دلالة الأرقام تعتمد الترتيب التنازلي للأهمية (الأرقام الصغرى تمثل أولوية عليا، والأرقام الكبرى تمثل أولوية دنيا).
- المؤشرات الإحصائية المعتمدة: يستخدم الوسيط (Median) والترتيب الرتبي المركب (Composite rank orders) وتوزيعات التكرار كأفضل مقاييس للنزعة المركزية لمقارنة المجموعات، بالإضافة إلى إمكانية استخدام المتوسطات الحسابية واختبارات مان ويتني وكروسكال واليس وتحليل التباين عند مقارنة العينات الكبيرة.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشر استبيان روكيتش للقيم بصورته المعيارية المكتملة في عام 1973 ضمن كتاب روكيتش المرجعي الصادر عن مطبعة فري بريس (The Free Press / Macmillan Publishing Co.). تم تسجيل حقوق الطبع والنشر والتوزيع التجاري لاحقاً لصالح مؤسسة Consulting Psychologists Press, Inc. (المعروفة حالياً باسم The Myers-Briggs Company).
يخضع المقياس لقوانين الملكية الفكرية وحقوق النشر؛ ويشترط عادة الحصول على تصريح رسمي من الناشر أو حامل الحقوق للأغراض التجارية أو الطباعة الواسعة. ومع ذلك، تُتاح فقرات المقياس على نطاق واسع في الأدبيات الأكاديمية والرسائل الجامعية، وتُستخدم للأغراض البحثية العلمية غير الربحية بشرط الاستشهاد التام بالمصدر الأصلي ونسبته لمؤلفه ميلتون روكيتش (1973).
12. المراجع
- Allen, M. W. (1994). Reliability and accuracy of cultural-level judgments of personal values. Perceptual and Motor Skills, 79(1), 16–18. https://doi.org/10.2466/pms.1994.79.1.16
- Conoley, J. C., & Impara, J. C. (Eds.). (1995). The twelfth mental measurements yearbook. Lincoln: Buros Institute of Mental Measurements, University of Nebraska Press.
- Diessner, R., Mayton, D., & Dolen, M. A. (1993). Values hierarchies and moral reasoning. The Journal of Social Psychology, 133(6), 869–871. https://doi.org/10.1080/00224545.1993.9713953
- Faase, T. P. (1982). International differences in value ranking and religious style among Jesuits. Review of Religious Research, 24(1), 3–18. https://doi.org/10.2307/3511470
- Feather, N. T. (1973). Value change among university students. Australian Journal of Psychology, 25(1), 57–70. https://doi.org/10.1080/00049537308255826
- Feather, N. T. (1988). Moral judgements and human values. British Journal of Social Psychology, 27(3), 239–246. https://doi.org/10.1111/j.2044-8309.1988.tb00827.x
- Gibbons, K., & Walker, I. (1993). Multiple interpretations of the Rokeach Value Survey. The Journal of Social Psychology, 133(6), 797–805. https://doi.org/10.1080/00224545.1993.9713941
- Homant, R. (1969). Semantic differential ratings and rank-ordering of values. Educational and Psychological Measurement, 29(4), 885–889. https://doi.org/10.1177/001316446902900414
- Rokeach, M. (1973). The nature of human values. New York: Free Press.
- Thompson, B., Leviton, J. E., & Mieden, P. A. (1982). Validity of the Rokeach Value Survey. Educational and Psychological Measurement, 42(3), 899–905. https://doi.org/10.1177/001316448204200325