كريس أرجيريس – 1923 2013

كريس أرجيريس (Chris Argyris)

  • 16 يوليو 1923، نيوارك، نيوجيرسي – 2013
  • أمريكي
  • السلوك التنظيمي / علم النفس الإنساني
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 7 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 7 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • التعلم أحادي وثنائي الحلقة
  • الفرق بين النظريات المعلنة ونظريات الاستخدام
  • علم الفعل (Action Science)
  • سلم الاستدلال
  • سجل العمودين
  • نظريات نضج الشخصية
  • النماذج السلوكية الحاكمة

السيرة

يمثّل الفكر التنظيمي المعاصر حقلاً معرفياً تراكمت فيه النظريات وتعددت فيه المدارس، غير أن قلة من المنظرين استطاعوا إحداث تحول جذري في كيفية فهمنا للعلاقة التفاعلية المعقدة بين الطبيعة الإنسانية والهياكل المؤسسية كما فعل عالم النفس التنظيمي الأمريكي كريس أرجيريس (1923–2013). يُعد أرجيريس أحد أبرز رواد الفكر الإداري والسلوك التنظيمي في القرن العشرين، حيث كرس أكثر من ستة عقود من حياته الأكاديمية والعملية لتشريح البنى الإدراكية والسلوكية التي تحكم أداء الأفراد داخل المنظمات، متجاوزاً بذلك المقاربات الهندسية التقليدية للإدارة لصالح فهم نفسي وسلوكي غائر يسبر أغوار السلوك البشري الفعلي في بيئات العمل المعقدة.

انطلق أرجيريس في مشروعه المعرفي من تساؤل تأسيسي جوهري: لماذا تفشل المنظمات، على الرغم من توظيفها لأذكى الكفاءات وامتلاكها لأحدث الموارد والأنظمة، في حل مشكلاتها الحيوية؟ ولماذا يتصرف القادة والمهنيون بطرق تعوق التعلم وتكرس الخطأ على الرغم من نواياهم الصادقة والمعلنة في تحقيق الكفاءة والابتكار؟ للإجابة عن هذه المعضلات، صاغ أرجيريس منظومة معرفية متكاملة شملت نظريات نضج الشخصية، والفرق الحاسم بين النظريات المعلنة ونظريات الاستخدام، والنماذج السلوكية الحاكمة، والتعلم أحادي وثنائي الحلقة، ومفهوم علم الفعل (Action Science). لم تكن أفكاره مجرد تأملات فلسفية مجردة، بل أدوات تشخيصية وعلاجية أعادت صياغة الممارسات القيادية والاستشارية في كبريات الشركات العالمية والمؤسسات الأكاديمية المرموقة مثل جامعتي ييل وهارفارد.

يستعرض هذا العمل الموسوعي الشامل السيرة الفكرية والعملية لكريس أرجيريس، مفككاً أسسه المعرفية والنفسية، ومستعرضاً نظرياته التأسيسية وتعاونه التاريخي مع الفيلسوف دونالد شون، وصولاً إلى أدواته التشخيصية المبتكرة مثل “سلّم الاستدلال” و”سجل العمودين”. كما يقدم قراءة نقدية متزنة لطروحاته، مبيناً إرثه الحي والمستمر في ممارسات القيادة الحديثة، وبيئات العمل الرشيقة، ومفاهيم الأمان النفسي في القرن الحادي والعشرين، ليظل أرجيريس منارة فكرية لكل باحث وممارس يسعى لتحرير الطاقات الإنسانية من قيود الدفاعات التنظيمية والجمود المؤسسي.

1. النشأة والمسار الأكاديمي لكريس أرجيريس (1923-2013)

1.1 البدايات والتكوين المعرفي المبكر

ولد كريس أرجيريس في السادس عشر من يوليو عام 1923 في مدينة نيوارك بولاية نيوجيرسي الأمريكية، ونشأ في كنف عائلة يونانية مهاجرة كافحت لترسيخ وجودها الاجتماعي والاقتصادي في بيئة أمريكية متغيرة. كان لهذا الأصل الإثني والنشأة في بيئة المهاجرين أثر مبكر وبالغ العمق في تشكيل وعيه بالديناميات الاجتماعية، وملاحظة كيف تفرض المجتمعات والأنظمة السائدة معاييرها على الأفراد، وكيف يكافح هؤلاء الأفراد للحفاظ على هويتهم واستقلاليتهم الذاتية في مواجهة ضغوط الاندماج والامتثال. هذه الثنائية بين الفرد الساعي للتعبير عن ذاته والنسق الاجتماعي الضاغط شكلت البذرة الأولى لاهتماماته اللاحقة بالصراع بين الشخصية والمنظمة.

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، انخرط أرجيريس في صفوف الخدمة العسكرية ملتحقاً بسلاح الإشارة في الجيش الأمريكي، وهي تجربة صبغت تفكيره بصبغة واقعية حول ماهية القيادة والسلطة. لقد عايش أرجيريس عن قرب النظم العسكرية البيروقراطية الصارمة، وشهد بنفسه الآليات التي تنتقل بها الأوامر عبر سلاسل القيادة الهرمية، وكيف يمكن للاتصالات المقطوعة أو المشوهة في الميدان أن تؤدي إلى عواقب وخيمة. أدرك خلال خدمته أن الانضباط القائم على الخوف والإكراه قد ينتج امتثالاً ظاهرياً مؤقتاً، لكنه يعطل المبادأة الفردية، ويحد من قدرة الجنود على التعامل الخلاق مع المواقف غير المتوقعة، وهو ما نقل تصوره حول أوجه القصور الهيكلية في القيادة الاستبدادية الصارمة إلى مستوى المعاينة الحسية المباشرة.

عقب انتهاء الحرب، التحق أرجيريس بـ جامعة كلارك، وهي إحدى القلاع الأكاديمية الرائدة التي تميزت بتاريخ عريق في استضافة أقطاب التحليل النفسي وعلم النفس التجريبي، ومنهم زيغموند فرويد في زيارته الشهيرة للولايات المتحدة. حصل أرجيريس على درجة البكالوريوس في علم النفس عام 1947، حيث تشرب المناهج التجريبية الصارمة، وتأثر بكبار علماء النفس الذين كانوا يبحثون في دوافع السلوك البشري وعمليات الإدراك وتشكيل المفاهيم. أسهمت هذه البيئة الأكاديمية في منحه الانضباط المنهجي الصارم، وعززت لديه الاقتناع بأن فهم السلوك البشري داخل المجتمعات المصغرة يتطلب أدوات علمية تجمع بين الملاحظة السلوكية الدقيقة والتحليل النفسي للأغراض والغايات الكامنة وراء التصرفات الظاهرة.

1.2 الدراسات العليا والانتقال إلى أبحاث المنظمات

واصل أرجيريس مسيرته الأكاديمية بتسجيله في جامعة كانساس، حيث حصل على درجة الماجستير في تخصص مشترك جمع بين الاقتصاد وعلم النفس عام 1949. كان هذا الجمع متعدد التخصصات نقطة تحول حاسمة في مساره الفكري؛ إذ أدرك أن عزل المتغيرات النفسية عن السياقات الاقتصادية والإنتاجية يفرغ علم النفس من فائدته التطبيقية في الحياة المعاصرة، كما أن دراسة الاقتصاد بمعزل عن الدوافع الإنسانية والسلوك الفعلي للأفراد ينتج نماذج نظرية جافة لا تعبر عن الواقع التشغيلي للشركات والمصانع. أتاح له هذا التكوين المزدوج فهم منطق السوق وإكراهات الإنتاج الرأسمالي بالتوازي مع سبر أغوار الاحتياجات النفسية للبشر داخل مواقع العمل.

توج أرجيريس تكوينه الأكاديمي بالحصول على درجة الدكتوراه في السلوك التنظيمي من جامعة كورنيل عام 1951، والتي كانت تحتضن حينها واحدة من أعرق كليات العلاقات الصناعية والعمالية في العالم. أتم أطروحته تحت إشراف مباشر من كبار رواد مدرسة العلاقات الإنسانية والأنثروبولوجيا التطبيقية، ومن أبرزهم ويليام فوت وايت صاحب الدراسة الكلاسيكية الشهيرة “مجتمع ناصية الشارع”. تميزت مدرسة كورنيل بتبني منهج الملاحظة بالمشاركة والغوص الميداني في بيئات العمل الحقيقية، وهو ما صقل مهارات أرجيريس البحثية ووجهه نحو فحص التوترات اليومية بين العمال والإدارات التنفيذية في المصانع وشركات الخدمات.

خلال مرحلة الدكتوراه، بدأ أرجيريس في تطوير اهتمامه المنهجي المتعمق بدراسة التفاعل الجدلي المعقد بين الاحتياجات النفسية الفردية للنمو والاستقلال، وبين المتطلبات الهيكلية الرسمية التي تفرضها المنظمات لتحقيق أهدافها الإنتاجية. لم يكن أرجيريس راضياً عن النظريات السائدة التي كانت تنظر إلى الفرد إما كأداة إنتاجية ميكانيكية يجب ضبطها، أو كمجرد كائن عاطفي يحتاج لبعض المعاملة الطيبة لزيادة ولائه. بل رأى أن المنظمة الرسمية، بطبيعة تكوينها وتصميمها البيروقراطي الموروث، تمارس عنفاً رمزياً ونفسياً يعيق النضج الإنساني الطبيعي، وهو الاكتشاف الذي جعله ينصرف كلياً لتكريس بحوثه لدراسة الظاهرة التنظيمية كنسق نفسي-اجتماعي متكامل.

1.3 المسيرة التدريسية والبحثية في جامعتي ييل وهارفارد

عقب نيله درجة الدكتوراه، التحق أرجيريس بـ جامعة ييل عام 1951 كعضو هيئة تدريس، ليمضي فيها نحو عقدين من الزمان في قسم العلوم الإدارية. كانت سنوات عمله في ييل بمثابة العصر الذهبي لتأسيس نظرياته التنظيمية الكبرى؛ حيث أجرى أبحاثاً ميدانية مكثفة في مئات المنظمات الصناعية والطبية والبحثية، ونشر خلال تلك الفترة أعماله التأسيسية مثل كتاب “الشخصية والمنظمة” (Personality and Organization) عام 1957، وكتاب “دمج الفرد والمنظمة” (Integrating the Individual and the Organization) عام 1964. استطاع في ييل أن يحول دراسة السلوك التنظيمي من فرع إداري هامشي إلى حقل أكاديمي قائم بذاته يستند إلى أسس نفسية واجتماعية راسخة تحظى باعتراف الأوساط العلمية الدولية.

في عام 1971، انتقل أرجيريس إلى جامعة هارفارد، حيث عين في منصب رفيع يحمل اسم “أستاذ كرسي جيمس براينت كونانت في التعليم والسلوك التنظيمي”، وهو منصب جمع بموجبه التدريس والبحث في كل من كلية التربية وكلية إدارة الأعمال (Harvard Business School). كان هذا المنصب المزدوج بمثابة تتويج لرؤيته المعرفية؛ إذ مكنه من فحص قضايا التعلم الإنساني ليس فقط في سياق المدارس والجامعات، بل في صلب المنظمات الاقتصادية والحكومية الكبرى. شهدت فترة هارفارد تحولاً نوعياً في أبحاثه نحو نظرية الفعل والتعلم التنظيمي وظواهر عدم الكفاءة الإدارية وتدريب القيادات العليا.

من موقعه في هارفارد، قاد أرجيريس برامج التطوير القيادي والتنفيذي، وأشرف على أجيال متعاقبة من كبار الباحثين والمستشارين الإداريين وقادة الأعمال حول العالم. حرص طوال مسيرته على ألا تظل النظريات حبيسة الأبراج العاجية أو المجلات المحكمة فقط؛ فكان ينزل بانتظام إلى غرف مجالس الإدارة ومواقع العمل الميدانية ليختبر فرضياته مباشرة في حوارات مكثفة مع كبار الرؤساء التنفيذيين. نجح أرجيريس بذلك في تشييد جسر مستدام وفريد بين الرصانة الإبستمولوجية الأكاديمية والجدوى التطبيقية المباشرة، وظل يمارس التدريس والبحث والتأليف في هارفارد حتى تقاعده، تاركاً بصمة علمية وتطبيقية لا تزال تشكل مرجعية مركزية في دراسات القيادة والسلوك التنظيمي حتى يومنا هذا.

2. الأسس المعرفية والنفسية لفكر كريس أرجيريس

2.1 نقد النموذج البيروقراطي والإدارة العلمية

شكل النقد الصارم للنماذج الإدارية الكلاسيكية نقطة الانطلاق المعرفية لجميع أطروحات كريس أرجيريس. فقد أخضع فرضيات حركة الإدارة العلمية التي أسسها فريدريك وينسلو تايلور، ونظرية النموذج البيروقراطي كما صاغها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، لتحليل نفسي نقدي عميق. رأى أرجيريس أن هذه النماذج قامت على افتراض غير واقعي مفاده أن العقلانية القصوى للمنظمة تتحقق من خلال التقسيم الدقيق للعمل، وتوحيد الإجراءات المعيارية، وتثبيت خطوط السلطة والتسلسل الهرمي الصارم. وانتقد بشدة هذا التصور الذي اختزل الإنسان إلى مجرد “ترس” في آلة إنتاجية ضخمة، يفترض به أن يستجيب ميكانيكياً للأوامر الإدارية مقابل حوافز مالية بحتة.

بيّن أرجيريس أن هذا التقسيم المفرط للعمل وتجزئة المهام إلى وحدات متناهية في الصغر والبساطة يؤديان إلى تجريد العمل الإنساني من أي معنى أو تحدٍ فكري. إن إلزام العاملين باتباع تعليمات محددة سلفاً دون ترك أي مساحة للمبادرة أو الاجتهاد يولد لديهم شعوراً بالاختناق النفسي وقمعاً منهجياً للاستقلالية الذاتية. إن التسلسل الهرمي الصارم، بحسب تحليله، يكرس علاقة قوامها التبعية المطلقة للمستويات الإدارية العليا، مما يفرض على العاملين سلوكيات تتناقض كلياً مع متطلبات النضج النفسي، حيث يُعامل الراشدون وكأنهم كائنات تابعة لا تملك القدرة على التفكير المستقل أو اتخاذ القرارات المسؤولة بشأن أعمالهم اليومية.

وانطلاقاً من هذا النقد، ميز أرجيريس بوضوح بين “الكفاءة الميكانيكية الظاهرة” و”الفاعلية النفسية المستدامة”. فالمنظمات البيروقراطية قد تحقق نجاحات إنتاجية قصيرة الأجل وكفاءة ظاهرية في استخدام الموارد من خلال الرقابة الخارجية الدقيقة والتهديد بالعقوبات، غير أن هذه الكفاءة تخفي وراءها تكاليف نفسية وتنظيمية باهظة ومستترة. وتتمثل هذه التكاليف في الإحباط المتراكم، وغياب الدافعية الذاتية، وانعدام الابتكار، والتمارض، وتراجع الولاء المؤسسي. ومن هنا استنتج أرجيريس أن أي نموذج إداري يتجاهل الطبيعة النفسية التطورية للإنسان محكوم عليه بالفشل طويل الأجل، لأن النظام المصمم لقمع إنسانية الفرد ينتهي حتماً بقمع قدرته على العطاء والتعلم والتجدد.

2.2 التأثر بعلم النفس الإنساني ومدرسة العلاقات الإنسانية

استمد أرجيريس روافده الفكرية من تطورات علم النفس الإنساني ومدرسة العلاقات الإنسانية التي نشأت كرد فعل على المادية التايلورية. كان تأثره بأفكار عالم النفس الشهير كورت ليفين تأثراً تأسيسياً؛ حيث تبنى منهجه في نظرية المجال وديناميات الجماعة والبحث الإجرائي (Action Research). آمن أرجيريس مع ليفين بأن السلوك الإنساني هو دالة للتفاعل المستمر بين الشخص وبيئته المحيطة، وأن إحداث أي تغيير تنظيمي مستدام يتطلب فهم القوى النفسية والاجتماعية المتصارعة داخل الجماعة، والعمل الميداني التشاركي الذي يدمج الفاعلين في عملية التشخيص والتغيير بدلاً من فرض الحلول عليهم من الخارج.

كذلك تقاطعت طروحات أرجيريس بقوة مع مفاهيم تحقيق الذات والنمو الإنساني التي طورها رواد علم النفس الإنساني مثل أبراهام ماسلو وكارل روجرز. تبنى أرجيريس الفرضية القائلة بأن الإنسان يمتلك نزوعاً فطرياً وطاقة كامنة نحو النضج وتأكيد الذات وتوسيع قدراته الواعية وتحمل المسؤولية الأخلاقية والمهنية. لكن، وفي الوقت نفسه الذي استلهم فيه هذه الأفكار، قدم أرجيريس مراجعة نقدية عميقة لمدرسة العلاقات الإنسانية التقليدية التي قادها إلتون مايو وزملاؤه؛ حيث رأى أن تركيزها المفرط على “إرضاء العاملين” والمعاملة الحسنة والابتسامة الإدارية السطحية لم يكن سوى شكل مقنع من أشكال التلاعب الاجتماعي بالموظفين.

رأى أرجيريس أن مشكلات المنظمات أعمق بكثير من مجرد تحسين العلاقات الاجتماعية أو توفير برامج ترفيهية للعاملين. فالصراعات التنظيمية ليست ناجمة عن “سوء تفاهم عابر” أو جفاف في المشاعر يمكن معالجته بكلمات تشجيعية، بل هي نتاج تناقض هيكلي ونفسي متجذر بين متطلبات البنية التنظيمية الكلاسيكية ومتطلبات النضج الإنساني. إن “العلاقات الإنسانية السطحية” تؤدي غالباً إلى تفادي الصراعات الحقيقية، وإخفاء المشاعر الصادقة، وتزييف بيئة التفاعل تحت غطاء من الدبلوماسية الزائفة، وهو ما يقود إلى تكريس الجمود الإداري بدلاً من معالجة أسبابه الهيكلية والمعرفية الكامنة.

2.3 دمج التحليل النفسي الفردي مع علم الاجتماع التنظيمي

يتميز المشروع الفكري لأرجيريس بقدرته الفريدة على دمج مستويات التحليل المتعددة، متجاوزاً الانقسام التقليدي بين علم النفس الذي يركز على الفرد المعزول وعلم الاجتماع الذي يركز على البنى والمؤسسات الكلية. سعى أرجيريس إلى دراسة البنية الذهنية للعامل الفرد وخبراته النفسية الداخلية، ليس بوصفه كائناً مجرداً، بل كفاعل يتشكل سلوكه ويتأثر يومياً بالنسق التنظيمي الاجتماعي الذي يعمل فيه. هذا التموضع المعرفي مكنه من معالجة التوتر الجدلي بين حرية الإرادة الفردية والضرورات الإنتاجية للمؤسسة، وهي المعضلة الفلسفية التي شغلت الفكر الإداري طويلاً.

أوضح أرجيريس أن البنى المؤسسية ليست مجرد هياكل جامدة مرسومة على الورق، بل هي تجسيد وتكرار حي للأنماط العقلية والسلوكية التي يمارسها الأفراد داخلها. ومن ثم، فإن فهم هذه المؤسسات يستلزم النزول إلى مستوى “المحادثات المجهرية” (Micro-conversations) والتفاعلات البينشخصية التي تجري في الاجتماعات اليومية وقاعات اتخاذ القرار. اعتبر أرجيريس أن تفكيك لغة الحوار اليومية وتحليل العبارات المتبادلة بين المديرين والمرؤوسين يقدم مرآة دقيقة تعكس البنى والسياسات الكلية للمنظمة، وتكشف مواطن الخلل في ثقافتها الحاكمة بدقة تفوق استطلاعات الرأي العامة والتقارير التنظيمية الرسمية.

هذا الربط المنهجي بين المجهري (السلوك والحديث الفردي) والعياني (الهيكل والثقافة التنظيمية) سمح لأرجيريس بتأسيس منهج تحليلي تشخيصي يفسر كيف تعيد تصرفات الأفراد الدفاعية غير الواعية إنتاج وترسيخ البيروقراطية العقيمة ذاتها التي يشتكون منها. فالأفراد، بدافع الخوف وتفادي التهديد، يتصرفون بطرق تحمي أنفسهم مؤقتاً، لكن هذه التصرفات تتراكم لتشكل سياسات وثقافات تنظيمية مغلقة تعوق تدفق المعلومات وتمنع التعلم المؤسسي الحقيقي، مما يوقع المنظمة في حلقة مفرغة من سوء التكيف والعجز عن التطور الذاتي في مواجهة التحديات الخارجية المتسارعة.

3. نظرية التناقض بين الشخصية والمنظمة

3.1 نموذج مسار النضج النفسي للإنسان

في كتابه الكلاسيكي “الشخصية والمنظمة” الصادر عام 1957، وضع أرجيريس حجر الزاوية لنظريته حول تطور الشخصية الإنسانية وصياغتها في نموذج مسار النضج المتصل (Immaturity-Maturity Continuum). يرى أرجيريس أن الشخصية الإنسانية ليست كياناً ثابتاً، بل هي في حالة حركة ونمو مستمر تتجه، في الظروف البيئية الطبيعية والصحية، من حالة عدم النضج الطفولية إلى حالة النضج النفسي والاجتماعي الكامل للرشد. وقام بتوصيف هذا التحول من خلال سبعة تحولات رئيسية مترابطة تمثل أبعاد النضج الإنساني الطبيعي داخل المجتمعات الحديثة.

تتمثل هذه التحولات السبعة في:

  • من السلبية إلى الفاعلية: ينتقل الفرد من حالة السلبية وتلقي الأفعال كطفل رضيع، إلى حالة الفاعلية العالية والمبادرة وتوليد الأنشطة في مرحلة الرشد.
  • من الاعتمادية إلى الاستقلالية: يتحول الإنسان من الاعتماد المطلق على الآخرين وتوجيهاتهم لإشباع حاجاته، إلى حالة الاستقلال النسبي والقدرة على الاكتفاء الذاتي والتأثير المتبادل.
  • من الاستجابات المحدودة إلى السلوكيات المتنوعة: يتطور الفرد من امتلاك طرق استجابة سلوكية قليلة ومحدودة، إلى امتلاك ذخيرة سلوكية غنية تمكنه من التكيف المرن مع المواقف المختلفة.
  • من الاهتمامات السطحية العابرة إلى الاهتمامات العميقة: ينتقل من الاهتمامات الوقتية وغير المستقرة التي تتغير بسرعة، إلى بناء اهتمامات متجذرة ومكثفة تستثمر فيها طاقات نفسية وفكرية طويلة الأجل.
  • من الأفق الزمني القصير إلى الأفق الممتد: يتحول وعي الفرد بالزمن من مجرد التركيز على الحاضر اللحظي المباشر، إلى استشراف المستقبل وربطه بالماضي والحاضر والتخطيط الاستراتيجي لحياته.
  • من موقع الخضوع والتبعية إلى التكافؤ والقيادة: ينتقل من وضعية التبعية للأسرة أو المجتمع، إلى التطلع لشغل مواقع تكافؤ الندية والمشاركة والسيادة على خياراته.
  • من غياب الوعي بالذات إلى الوعي والتحكم الذاتي: يتطور من انعدام الوعي بالذات في الطفولة، إلى تنمية وعي عميق بالهوية الشخصية وتقدير الذات وممارسة الضبط الداخلي للسلوك.

يؤكد أرجيريس أن هذه الأبعاد السبعة لا تمثل حدوداً قاطعة بل متصلات يقع الأفراد عند نقاط مختلفة منها، غير أن الاتجاه الطبيعي للصحة النفسية يدفع الكائن البشري نحو الطرف الناضج في كل بعد. إن هذا التطلع الفطري نحو الاستقلالية، والعمق، والتخطيط المستقبلي، وتقدير الذات يمثل القوة الحيوية التي توجه سلوك الراشدين وتحدد تطلعاتهم الوجودية والمهنية في الحياة.

3.2 اصطدام النضج النفسي بمتطلبات المنظمات الرسمية

تقوم الأطروحة المركزية لنظرية أرجيريس على تشخيص تصادم حتمي ومدمر بين الميول الطبيعية للشخصية الإنسانية الساعية نحو النضج، وبين المتطلبات والمبادئ الهيكلية التي تقوم عليها المنظمات الرسمية الكلاسيكية. فالمنظمة التقليدية تعتمد على أربعة مبادئ تنظيمية أساسية: التخصص الوظيفي الدقيق، وسلسلة الأوامر الهرمية، ووحدة التوجيه، ونطاق الإشراف الضيق. وجد أرجيريس أن هذه المبادئ، إذا ما طُبقت بحذافيرها وفق الفكر الإداري التقليدي، فإنها تطلب من العاملين أفعالاً وسلوكيات تقع بالكامل في خانة “عدم النضج” النفسي.

فالتخصص الوظيفي، على سبيل المثال، يفرض على العامل ممارسة جزء محدود جداً من طاقاته ومهاراته، مما يعيده إلى خانة الاهتمامات السطحية والاستجابات المحدودة. وسلسلة الأوامر الهرمية تجبر الفرد على البقاء في خانة التبعية والخضوع لتوجيهات المشرفين، مسلوبة منه فرصة تقرير مسار عمله، في حين تفرض وحدة التوجيه عليه السعي لتحقيق أهداف وضعتها الإدارة العليا دون مشاركته، مما يقوض قدرته على التخطيط الاستراتيجي المستقل. ونطاق الإشراف الضيق يفرض رقابة لصيقة تحرمه من التحكم الذاتي وتعامله كما لو كان قاصراً يحتاج إلى وصاية مستمرة.

يؤدي هذا التناقض البنيوي إلى خلق صراع نفسي عميق وأزمة اغتراب وظيفي لدى الأفراد، وخاصة أولئك الذين يتمتعون بقدر عالٍ من الكفاءة والرغبة في النضج وتحقيق الذات. إن المنظمة، بممارستها هذه، تعاقب النضج وتكافئ التبعية السلبية. وعندما يجد الإنسان البالغ نفسه محاصراً في بيئة عمل تعامله كطفل فاقد للإرادة، تتولد لديه مشاعر الإحباط، وتتراجع طاقاته الإنتاجية الحقيقية، وتفشل أنظمة الرقابة الصارمة في معالجة هذا الخلل لأنها تمثل جوهر المشكلة وليست علاجاً لها.

3.3 استراتيجيات التكيف النفسي والدفاعات السلوكية

عندما يصطدم الأفراد بهذا التناقض الهيكلي الحاد بين رغبتهم في النضج ومطالب المنظمة المقيدة لهم، فإنهم يتعرضون لضغوط نفسية وإحباطات لا يمكن احتمالها لفترات طويلة دون تطوير آليات تكيف نفسي ودفاعات سلوكية لحماية توازنهم الداخلي. يوضح أرجيريس أن ردود فعل العاملين تتخذ مسارات شتى يهدف معظمها إلى التأقلم مع البيئة المحبطة أو التمرد عليها بطرق غير مباشرة تؤثر سلباً على كفاءة المنظمة ورسالتها التنموية.

من أبرز هذه الاستراتيجيات السلوكية لجوء الأفراد إلى “الانسحاب النفسي” واللامبالاة الممنهجة تجاه العمل. يقرر الموظف في هذا المسار عدم استثمار أي طاقة عاطفية أو فكرية في المنظمة، فيؤدي الحد الأدنى المطلوب للبقاء في الوظيفة، ممارساً اغتراباً ذهنياً كاملاً أثناء ساعات العمل. وقد يتحول الانسحاب النفسي إلى انسحاب مادي عبر تفشي ظواهر الغياب المتكرر، والتأخر الصباحي، وارتفاع معدلات الدوران الوظيفي وترك العمل، أو حتى اللجوء إلى التخريب المتعمد والتباطؤ الخفي في الإنتاج لإفشال خطط الإدارة المستبدة.

كما يلجأ العاملون، بحسب رصد أرجيريس، إلى تشكيل “جماعات غير رسمية” تتبنى معايير وثقافات مضادة لأهداف المنظمة الرسمية. تعمل هذه الجماعات كحصن دفاعي لحماية أعضائها من الضغوط الإدارية، من خلال فرض سقوف إنتاجية غير معلنة ومعاقبة أي موظف يحاول رفع إنتاجيته خوفاً من رفع معايير العمل. ومن الاستراتيجيات الدفاعية الشائعة أيضاً تحويل الاهتمام بالكامل نحو التعويضات المادية والمكافآت والبدلات؛ حيث يصبح الطلب المتزايد على المال وساعات العمل الإضافية بديلاً تعويضياً عن فقدان المعنى، والكرامة الإنسانية، والاستقلالية المهنية داخل بيئة العمل.

4. نظرية الفعل: التمييز بين النظرية المعلنة ونظرية الاستخدام

4.1 مفهوم النظرية المعلنة (Espoused Theory)

في سبعينيات القرن العشرين، أحدث كريس أرجيريس، بالتعاون مع الفيلسوف دونالد شون، نقلة نوعية في دراسة السلوك الإنساني من خلال صياغة “نظرية الفعل” (Theory of Action). تنطلق هذه النظرية من فرضية أن البشر يوجهون جميع تصرفاتهم وممارساتهم الواعية وغير الواعية بناءً على “خرائط معرفية” ونظريات ذهنية تحكم سلوكهم. ومن أجل تشريح هذه الخرائط، ميز أرجيريس بين بعدين معرفيين متمايزين غالباً ما يختلطان في التحليل الإداري: النظرية المعلنة، ونظرية الاستخدام.

تُعرّف “النظرية المعلنة” (Espoused Theory) بأنها منظومة القيم، والمعتقدات، والمبادئ التي يعلن الفرد التزامه بها صراحة أمام الآخرين، والتي يستخدمها لتبرير وشرح تصرفاته وسلوكه عندما يُسأل عنها. إنها الخطاب العقلاني الواعي الذي يقدمه المدير أو القائد عندما يصف فلسفته الإدارية؛ مثل أن يؤكد في خطاباته واجتماعاته أنه يؤمن بالقيادة التشاركية، وباب الحوار المفتوح، وتقبل النقد البناء، وتمكين الموظفين، وأهمية الشفافية في نقل المعلومات داخل المؤسسة.

يرى أرجيريس أن النظريات المعلنة تعكس في كثير من الأحيان الصورة الذاتية المثالية التي يرغب الفرد في رؤية نفسه بها وترويجها اجتماعياً ليكتسب القبول والمشروعية داخل محيطه. كما أنها تعبر عن المعايير الثقافية المقبولة في المنظمات الحديثة التي ترفع شعارات الديمقراطية والابتكار. ومع ذلك، فإن النظريات المعلنة ليست مؤشراً موثوقاً لمعرفة ما سيفعله القائد بالفعل في المواقف المعقدة أو المشحونة بالتوتر العالي؛ إذ تظل مجرد تطلعات فكرية أو تصريحات أخلاقية لا تتطابق بالضرورة مع الواقع الميداني المعاش.

4.2 مفهوم نظرية الاستخدام (Theory-in-Use)

في المقابل، تمثل “نظرية الاستخدام” (Theory-in-Use) القواعد الضمنية والبرامج الإدراكية العميقة التي تحكم وتوجه السلوك الفعلي للأفراد في الواقع المعاش، ولا سيما في المواقف التي تنطوي على تهديد، أو إحراج، أو ضغوط عالية. إنها ليست ما يقول الشخص إنه يؤمن به، بل هي النظرية الذهنية الفعلية التي يمكن استنتاجها وملاحظتها من خلال الطريقة التي يتصرف بها فعلياً في المواقف الحرجة.

تتميز نظريات الاستخدام بأنها برمجيات إدراكية تلقائية متجذرة في العقل الباطن، تتشكل عبر سنوات طويلة من التنشئة الاجتماعية والخبرات المهنية، وتعمل غالباً دون وعي كامل من صاحبها. فقد يدعي مدير ما باقتناع صادق (نظريته المعلنة) أنه يشجع مرؤوسيه على تحدي أفكاره وتقديم مقترحات مغايرة، ولكنه عندما يتعرض رأيه للنقد الفعلي في اجتماع حاسم، ينقلب سلوكه فورياً ليقاطع المتحدث، ويسفه رأيه، ويفرض خياره بالقوة (نظرية استخدامه الفعلية). إن نظرية الاستخدام هنا هي: “احكم السيطرة، ولا تسمح لأحد بإحراجك أو إظهار خطئك”.

أكد أرجيريس منهجياً أن “نظرية الاستخدام” لا يمكن استخراجها أو فهمها عن طريق الاستبيانات، أو المقابلات الشخصية، أو سؤال الأفراد عما يؤمنون به؛ لأن الناس سيجيبون دوماً بنظرياتهم المعلنة. السبيل الوحيد لكشف نظرية الاستخدام هو الملاحظة السلوكية الميدانية الدقيقة لما يفعله القادة والمهنيون فعلياً، وتسجيل حواراتهم وتحليل ردود أفعالهم التلقائية تحت وطأة الضغط النفسي وصنع القرار الفعلي.

4.3 الفجوة المعرفية والسلوكية وانعكاساتها التنظيمية

قاد التمييز بين النظرية المعلنة ونظرية الاستخدام كريس أرجيريس إلى اكتشاف ظاهرة خطيرة ومستمرة في الحياة التنظيمية: وجود فجوة معرفية وسلوكية عميقة ومتكررة بين ما يدعيه الناس وما يفعلونه. الأمر الأكثر إثارة في تحليلات أرجيريس هو أن معظم الأفراد والمديرين يكونون غير واعين على الإطلاق بهذه الفجوة، ويعانون من “عمى إدراكي” تام يجعلهم يمارسون سلوكيات مناقضة لقيمهم المعلنة وهم مقتنعون في قرارة أنفسهم بأنهم يطبقون تلك القيم بكل نزاهة وإخلاص.

تفسر هذه الفجوة ظاهرة “النفاق التنظيمي غير المتعمد”؛ فالقائد الذي يتحدث عن الشفافية وهو يمارس التعتيم، أو الذي يدعو للابتكار وهو يعاقب الفشل، لا يتصرف بالضرورة بخبث أو نية للتضليل، بل يقع ضحية التناقض بين برمجته الذهنية الدفينة (نظرية الاستخدام) وخطابه الأخلاقي الواعي (النظرية المعلنة). وتعد هذه الفجوة السبب الجوهري وراء فشل الغالبية الساحقة من برامج التغيير التنظيمي واستراتيجيات التطوير الإداري التقليدية؛ إذ تركز تلك البرامج على تغيير وتدريب “النظريات المعلنة” من خلال ورش العمل والمحاضرات، متجاهلة تماماً نظريات الاستخدام المتجذرة التي تقود السلوك الفعلي للأفراد في الميدان.

لذا رأى أرجيريس أن التغيير التنظيمي الحقيقي لا يبدأ بتعليم الأفراد مهارات جديدة أو إعطائهم نظريات معلنة إضافية، بل يبدأ بـ “توعيتهم بالتناقض” القائم بين أقوالهم وأفعالهم. وتتطلب هذه العملية مواجهة إدراكية هادئة وشجاعة تكشف للأفراد التناقضات السلوكية التي يمارسونها دون أن يدركوا، مما يولد لديهم توتراً معرفياً بناءً يحفزهم على التخلي عن نظريات الاستخدام القديمة وتبني برمجيات عقلية جديدة تعيد التوازن والتطابق بين قيمهم الإنسانية وممارساتهم الواقعية.

5. النماذج السلوكية الحاكمة: مقارنة النموذج الأول بالنموذج الثاني

5.1 النموذج الأول (Model I): منطق التحكم الدفاعي

عبر عقود من دراسة آلاف المديرين والقادة في قطاعات ومجتمعات متعددة، توصل أرجيريس إلى نتيجة مذهلة: إن جميع الأفراد تقريباً، بغض النظر عن جنسياتهم أو ثقافاتهم أو مناصبهم، يشاركون نظرية الاستخدام نفسها تقريباً عندما يواجهون مواقف تنطوي على تهديد، أو إحراج، أو خلاف جوهري. أطلق أرجيريس على هذه المنظومة السلوكية الشاملة اسم “النموذج الأول” (Model I)، وتعرف بنظام “التحكم الدفاعي من جانب واحد”.

يقوم النموذج الأول على أربعة متغيرات حاكمة (Governing Variables) أو أهداف يحرص الفرد على تحقيقها بأي ثمن:

  • تحقيق الأهداف الفردية من جانب واحد (Unilateral Control over others).
  • تعظيم فرص الفوز وتقليل الخسائر إلى الحد الأدنى (Maximize winning, minimize losing).
  • كبت المشاعر السلبية ومنع ظهورها علناً (Suppress negative feelings).
  • التصرف بعقلانية مفترضة، وتجنب أي سلوك قد يبدو ضعفاً أو عجزاً (Be rational).

لتحقيق هذه الأهداف الحاكمة، يلجأ الأفراد الخاضعون للنموذج الأول إلى استراتيجيات فعل قائمة على الدفاعية والمناورة: يسعون للسيطرة على بيئة الحوار، ويتلاعبون بالمعلومات لحفظ ماء الوجه، ويقدمون افتراضاتهم عن الآخرين دون السماح باختبارها علناً، ويحمون أنفسهم من أي تقييم قد يكشف أخطاءهم. وتكون العواقب التنظيمية المترتبة على هذا النموذج كارثية؛ إذ تسود بيئة يسودها انعدام الثقة، وتنشأ تحالفات سرية، وتختفي الشفافية، وتتحول المنظمة إلى ساحة لمعارك تبرير الذات بدلاً من التعلم المشترك وحل المشكلات الحقيقية.

5.2 النموذج الثاني (Model II): منطق الاستقصاء التشاركي

في مقابل منظومة التحكم الدفاعي العميقة في النموذج الأول، صاغ كريس أرجيريس ودونالد شون بديلاً سلوكياً مثالياً وقابلاً للتطبيق أطلقا عليه “النموذج الثاني” (Model II)، ويعرف بمنهج “الاستقصاء التشاركي والتعلم المشترك”. لا يسعى هذا النموذج إلى الهيمنة أو كسب المعارك البينشخصية، بل يهدف إلى بناء بيئة قائمة على الاكتشاف المشترك للحقائق وإتاحة الفرصة لتصحيح المسارات المعرفية والعملية عبر حوار نزيه ومستمر.

تتمثل المتغيرات الحاكمة للنموذج الثاني في:

  • الحصول على معلومات صحيحة وقابلة للتحقق (Valid information).
  • إتاحة الاختيار الحر والمستنير للجميع (Free and informed choice).
  • بناء الالتزام الداخلي بالقرارات ومتابعة تنفيذها (Internal commitment).

تتضمن استراتيجيات الفعل في هذا النموذج أن يجعل الأفراد تفكيرهم وافتراضاتهم علنية وقابلة للتفنيد والتكذيب من قبل الآخرين؛ حيث يجمع القائد في أسلوبه بين المرافعة عن وجهة نظره (Advocacy) والاستقصاء العميق لرأي الآخرين (Inquiry). يقدم المدير أدلته بوضوح، ويدعو الفريق لاكتشاف الثغرات في منطقه، ويتعامل مع الأخطاء كفرص تعليمية نادرة وليست دلائل على العجز أو الفشل. والنتيجة التنظيمية لهذا النموذج هي انخفاض مستويات الدفاعية النفسية إلى حدها الأدنى، وتأسيس بيئة ذات كفاءة تواصلية عالية، وتمكين المنظمة من التعامل الفعال مع المشكلات المعقدة التي تستعصي على عقول المديرين المنفردة.

5.3 تحديات التحول السلوكي من النموذج الأول إلى النموذج الثاني

على الرغم من الجاذبية المنطقية والأخلاقية الواضحة للنموذج الثاني، شدد أرجيريس مراراً على أن التحول السلوكي من النموذج الأول إلى النموذج الثاني يعد من أصعب المهام الإنسانية والتنظيمية على الإطلاق. يعود ذلك إلى أن مبادئ النموذج الأول ليست مجرد عادات سيئة يمكن تغييرها بنصيحة سريعة، بل هي بنية عصبية وإدراكية عميقة رُسخت في الأفراد منذ نعومة أظفارهم عبر نظم التعليم والتنشئة المجتمعية والمؤسسية التي تكافئ الفوز وتعتبر الخطأ عاراً والاعتراف بالجهل ضعفاً.

إن محاولة تبني النموذج الثاني تشعر الفرد في البداية بالتهديد الشديد وفقدان السيطرة؛ إذ يتطلب التخلي عن آليات الحماية الذاتية وإظهار الضعف والاعتراف بعدم امتلاك جميع الإجابات أمام المرؤوسين والزملاء. وعندما يتعرض الفرد لموقف عمل حرج ومفاجئ، ينشط لديه “البرنامج الدفاعي التلقائي” للنموذج الأول لا شعورياً، ليعود إلى محاولة السيطرة وتبرير النفس على الرغم من كل النوايا الطيبة والتدريبات النظرية التي تلقاها لتبني النموذج الثاني.

ومن هنا، أكد أرجيريس أن هذا التحول يتطلب إعادة بناء معرفي شاملة وتدريباً نفسياً وسلوكياً مكثفاً وممتداً في بيئات آمنة نفسياً. ويستلزم ذلك استخدام تقنيات محاكاة متطورة، وجلسات تفكيك حواري عميقة، واستشارات سريرية ترصد التناقضات السلوكية لحظة بلحظة، حتى يكتسب الفرد المهارة الإدراكية اللازمة لإيقاف استجابات التحكم التلقائية واستبدالها بسلوكيات الاستقصاء والتعلم التشاركي تحت مختلف الضغوط التشغيلية.

6. مستويات التعلم التنظيمي: أحادي الحلقة وثنائي الحلقة

6.1 التعلم أحادي الحلقة (Single-Loop Learning)

يعد مفهوم “التعلم أحادي الحلقة” (Single-Loop Learning) من أكثر مساهمات أرجيريس انتشاراً وتأثيراً في أدبيات إدارة المعرفة وتطوير المنظمات. يعرف أرجيريس هذا المستوى من التعلم بأنه عملية تصحيح للأخطاء واكتشاف للانحرافات التشغيلية التي تسمح للمنظمة بتحقيق أهدافها المحددة، ولكن دون المساس بالقواعد، والمعايير، والافتراضات الأساسية التي بنيت عليها السياسات في الأصل.

لتوضيح هذه الآلية، صاغ أرجيريس تشبيهه الشهير بـ “مستشعر الحرارة” (Thermostat)؛ فالجهاز مبرمج ليعمل تلقائياً عند انخفاض الحرارة دون 20 درجة مئوية، فيقوم بتشغيل نظام التدفئة لإعادتها إلى المستوى المطلوب. إن الجهاز هنا يكتشف الخطأ (انخفاض الحرارة) ويصححه (تشغيل التدفئة)، لكنه لا يسأل نفسه قط: هل درجة 20 مئوية هي الخيار الصحيح والمناسب لهذه الغرفة؟ أم هل من الأفضل فتح النوافذ أو تغيير النظام بالكامل؟ إنه يصحح الفعل داخل معايير ثابتة ومفروضة سلفاً لا تخضع لأي تساؤل أو تمحيص.

يمثل التعلم أحادي الحلقة الآلية المثلى والضرورية لإدارة الأنشطة اليومية الروتينية والمشكلات التقنية التكرارية داخل المنظمات، مثل ضبط الجودة، وخفض تكاليف الإنتاج، وتعديل جداول العمل. غير أن خطورة هذا النمط تكمن في الاعتماد عليه كنمط وحيد؛ ففي البيئات التنافسية شديدة التغير والتعقيد، يتحول التعلم أحادي الحلقة إلى فخ مميت للمؤسسات، حيث تواصل الإدارات تصحيح الأخطاء السطحية ببراعة تقنية فائقة، بينما تكون استراتيجياتها الكبرى ومنطلقاتها الفكرية برمتها متقادمة وغير ملائمة لمتطلبات الواقع المتغير.

6.2 التعلم ثنائي الحلقة (Double-Loop Learning)

في مقابل النمط الأول، صاغ أرجيريس مفهوم “التعلم ثنائي الحلقة” (Double-Loop Learning)، والذي يمثل قمة النضج المعرفي والتنظيمي. يحدث هذا النمط من التعلم عندما لا تكتفي المنظمة برصد الأخطاء وتصحيحها، بل ترتقي بوعيها لتسائل وتعيد تقييم الافتراضات، والقيم الحاكمة، والسياسات، والأهداف الإستراتيجية العميقة التي أدت إلى صياغة مسارات العمل في الأصل.

بالعودة إلى مثال منظم الحرارة، فإن التعلم ثنائي الحلقة يشبه قيام النظام بمساءلة ذاتية: لماذا نحن مبرمجون على هذه الدرجة تحديداً؟ وهل التدفئة هي الوسيلة الأفضل لحل مشكلة البرودة في هذا المبنى؟ وعلى المستوى المؤسسي، فإن المنظمة التي تمارس التعلم ثنائي الحلقة عندما تلاحظ تراجعاً في مبيعات منتج معين، لا تكتفي بالسؤال التقليدي: “كيف نكثف حملاتنا الإعلانية لنبيع المزيد؟” (تعلم أحادي الحلقة)، بل تطرح الأسئلة الأكثر جذرية وإيلاماً: “هل السوق لا يزال بحاجة لهذا المنتج أصلاً؟ هل نموذج عملنا لا يزال صالحاً؟ وما هي القيم الحاكمة التي جعلتنا نتجاهل التغيرات في سلوك المستهلك حتى وقعنا في هذه الأزمة؟”.

يتطلب التعلم ثنائي الحلقة قدراً هائلاً من الشجاعة الفكرية والأمان النفسي داخل المنظمة؛ لأنه يخترق التابوهات المؤسسية ويهدد المصالح المكتسبة للمديرين الذين بنوا نفوذهم على استمرار السياسات الحالية. إنه يحول الصراعات والنزاعات الفكرية الداخلية من أزمات تهدد الكيان التنظيمي إلى فرص معرفية استثنائية لاستكشاف مسارات عمل غير مسبوقة، مما يمنح المنظمات مناعة استراتيجية وقدرة فريدة على إعادة ابتكار نماذج أعمالها وثقافاتها لمواكبة التغيرات البيئية والتكنولوجية الجذرية.

6.3 تعلم التعلّم (Deutero-Learning)

ارتقى أرجيريس وشون بمفهوم التعلم التنظيمي إلى مستوى فلسفي ومعرفي أعمق عبر تطوير مفهوم “تعلم التعلم” أو “التعلم التثنيوي” (Deutero-Learning)، وهو مفهوم استمداه من أعمال عالم الأنثروبولوجيا والمعلوماتية غريغوري بيتسون. يشير تعلم التعلم إلى قدرة المنظمة على فحص وتأمل منظومتها التعليمية الذاتية؛ أي قدرتها على فهم كيف تتعلم، وكيف تخفق في التعلم، وما هي العوائق الإبستمولوجية والثقافية التي تمنعها من الانتقال من الحلقة الأحادية إلى الحلقة الثنائية.

يمثل هذا المستوى التفكير الفوقي (Metacognition) على صعيد المؤسسة ككل. فالمنظمات التي تمارس “تعلم التعلم” تخصص أوقاتاً وموارد دورية لمراجعة تجاربها التعليمية السابقة: أين نجحنا في التقاط الإشارات البيئية المبكرة؟ وأين تعطل التفكير النقدي لدينا؟ وكيف أثرت هياكل السلطة وتوزيع الصلاحيات على شجاعة الكفاءات في مساءلة المسلمات المؤسسية؟ من خلال هذا الاستقصاء العالي، تتعلم المنظمة كيف تصمم بيئات حوارية جديدة وتطور بنى تحتية معرفية تدعم التعلم المستمر.

إن إتقان “تعلم التعلم” هو ما يميز المنظمات العادية عن تلك المنظمات التي تتمتع بمرونة استراتيجية وخلود مؤسسي. إنه يحرر المنظمة من الاعتماد على القادة الفرديين أو الحلول الاستشارية الوقتية؛ إذ تصبح المنظمة ذاتها نسقاً حياً يمتلك القدرة على مراقبة نماذجه الإدراكية وتعديل آليات تصحيح أخطائه ذاتياً، مما يجعل من التعلم والتجدد المستمر الحمض النووي الثقافي المستدام للمؤسسة في مواجهة عالم دائم الاضطراب والتحول.

7. التعاون الفكري الرائد بين كريس أرجيريس ودونالد شون

7.1 إصدار كتاب ‘النظرية في الممارسة’ (Theory in Practice – 1974)

شهد عام 1974 تدشين واحد من أعظم التحالفات الفكرية في تاريخ العلوم الاجتماعية المعاصرة، وذلك بصدور الكتاب التاريخي المشترك بين كريس أرجيريس والفيلسوف والمنظر التعليمي دونالد شون الموسوم بـ “النظرية في الممارسة: زيادة الفاعلية المهنية” (Theory in Practice: Increasing Professional Effectiveness). جمع هذا العمل بين عمق الرؤية الفلسفية والإبستمولوجية لشون وخبرة أرجيريس الميدانية والسريرية في تشريح السلوك البشري داخل المنظمات.

هدف الكتاب إلى تفكيك “أسطورة العقلانية التقنية” التي سادت المهن الحديثة (مثل الطب، والهندسة، والإدارة، والقانون) والتي كانت تفترض أن الفاعلية المهنية تتحقق بمجرد التطبيق الآلي للنظريات العلمية الجاهزة على المشكلات العملية المعقدة. أوضح المؤلفان أن الواقع الميداني للممارسة المهنية يتسم بعدم التيقن، والغموض، وتضارب القيم، والضغوط النفسية، وهي سياقات لا تسعفها الحلول التقنية المسبقة. وقدم الكتاب إطاراً إبستمولوجياً جديداً يبين كيف يبني المهنيون نظرياتهم الخاصة في الميدان، وكيف تحكم تصرفاتهم نظريات استخدام دفاعية تقوض كفاءتهم وتعيق فاعليتهم الحقيقية دون أن يشعروا.

أرسى هذا الكتاب الأسس المعرفية لتشخيص التناقضات السلوكية المهنية، مبيناً أن الكفاءة الحقيقية لا تقاس بغزارة المعلومات النظرية التي يختزنها الممارس في عقله، بل بقدرته على مطابقة أفعاله الحقيقية مع قيمه المعلنة، وامتلاكه الشجاعة والمهارة لتفكيك استجاباته الدفاعية واستبدالها بنماذج استقصائية ترفع من جودة القرارات المشتركة في البيئات الاستشارية والتنفيذية المعقدة.

7.2 إصدار كتاب ‘التعلم التنظيمي’ (Organizational Learning – 1978)

في عام 1978، عمق أرجيريس وشون شراكتهما المعرفية بإصدار مؤلفهما التأسيسي “التعلم التنظيمي: نظرية في منظور الفعل” (Organizational Learning: A Theory of Action Perspective). كان هذا الكتاب بمثابة الولادة الرسمية لحقل التعلم التنظيمي كنظام أكاديمي وتطبيقي مستقل. قدم المؤلفان أطروحة ثورية نظرت إلى المنظمة ليس كمجرد كيان قانوني أو هيكل وظيفي لإنتاج السلع، بل كـ “كيان معرفي إدراكي يتعلم ويحمل خرائط وذاكرة مشتركة”.

عالج الكتاب التمييز المعقد بين “تعلم الأفراد” و”تعلم المنظمة” ككل؛ مؤكداً أن تعلم الأفراد شرط ضروري ولكنه غير كافٍ لحدوث التعلم المؤسسي. فالمنظمة لا تتعلم إلا إذا تغلغلت المعارف، والخبرات، والتصحيحات التي يكتشفها الأفراد داخل “الصور والخرائط البيئية المشتركة” (Shared Mental Maps) التي توجه الممارسات التنظيمية اليومية، وتثبتت في سياسات وهياكل وثقافة المؤسسة. وقدم الكتاب تحليلاً بالغ الدقة لآليات “تصلب الذاكرة التنظيمية” وكيف تتحول النجاحات السابقة إلى قيود تمنع المنظمة من رؤية المتغيرات الجديدة والتعامل معها.

تضمن الكتاب التفصيل المنهجي لمستويات التعلم (أحادي وثنائي الحلقة)، ورصد العوائق المؤسسية التي تحول دون تحقيق الأخير. واعتبر أن السبب الرئيسي لتعثر الشركات الكبرى لا يكمن في نقص التمويل أو سوء التكنولوجيا، بل في فشل نظريات الفعل السائدة في استيعاب التغيير؛ حيث تظل المنظمات سجينة روتينات دفاعية تعيد إنتاج الفشل ذاته تحت مسميات جديدة، مما جعل هذا المؤلف المرجع الكلاسيكي الأهم لجميع الأبحاث اللاحقة في مجالات التطوير وإدارة التغيير المؤسسي.

7.3 تأصيل مفهوم ‘الممارس المتأمل’ وتأثيره المعرفي

أثمر الحوار الفكري المستمر بين أرجيريس وشون عن تأصيل مفهوم معرفي بارز ترك بصمات عميقة في تاريخ التربية والتعليم العالي والإدارة الحديثة، وهو مفهوم “الممارس المتأمل” (The Reflective Practitioner). استند هذا المفهوم إلى دمج الفلسفة البراغماتية لجون ديوي مع علم النفس التنظيمي التطبيقي لأرجيريس وعلم المعرفة الميداني لشون، لتأسيس نموذج بديل للكفاءة الإنسانية في مواقع العمل.

ميزت هذه الرؤية بين نوعين من التأمل في الممارسة المهنية:

  • التأمل أثناء الفعل (Reflection-in-action): وهي القدرة الفذة التي يمتلكها الممارس الخبير على إعادة التفكير في افتراضاته وتعديل استراتيجياته وسلوكه في خضم الموقف الضاغط ذاته، ودون التوقف عن ممارسة الفعل؛ كالجراح الماهر الذي يكتشف تعقيداً غير متوقع في غرفة العمليات فيغير خطته الجراحية فوراً، أو القائد الذي يدرك تحولاً في مشاعر فريقه في اجتماع متوتر فيعيد صياغة مسار النقاش بمرونة واعية.
  • التأمل بعد الفعل (Reflection-on-action): وهي الممارسة التحليلية التي تتم بعد انقضاء الموقف، حيث يجلس الفرد ليفكك ما حدث بهدوء، مستعرضاً قراراته والبيانات التي استند إليها وتداعياتها السلوكية، بهدف استخلاص الدروس المعرفية وتعديل نظريات الاستخدام للمستقبل.

أحدث هذا المفهوم ثورة عارمة في تصميم مناهج التعليم العالي وتدريب المهنيين والقادة حول العالم؛ حيث تخلت كليات الإدارة والتعليم والطب المرموقة عن أساليب التلقين النظري المجرد لصالح برامج التدريب التأملي، ودراسات الحالة الحية، وعيادات المحاكاة، لتمكين الطلاب والممارسين من فحص وتأمل نماذجهم السلوكية واكتساب المرونة الإدراكية اللازمة للتنقل بين التفكير والفعل في أكثر المواقف تعقيداً واضطراباً.

8. أداة ‘سلّم الاستدلال’ (Ladder of Inference) والتحيزات الإدراكية

8.1 تشريح درجات سلّم الاستدلال

تعد أداة “سلّم الاستدلال” (Ladder of Inference)، التي ابتكرها كريس أرجيريس ووسع تطبيقاتها لاحقاً بيتر سينجي، واحدة من أكثر النماذج الذهنية عبقرية وسهولة في توضيح كيفية بناء البشر لمعتقداتهم واتخاذهم للقرارات السلوكية. يصف النموذج العملية الإدراكية التي يمر بها العقل البشري كسلسلة من الدرجات الصاعدة بسرعة خاطفة من الواقع المادي الموضوعي إلى السلوك الحركي النهائي.

يتكون السلّم من سبع درجات إدراكية متتابعة ترسم مسار المعالجة العقلية:

  • درجة البيانات المرصودة الخام (Observable Data): تقع في قاع السلّم، وتمثل الواقع الحسي النقي الذي يمكن لأي كاميرا فيديو تسجيله بدقة وموضوعية دون أي تأويل أو حكم (مثل الكلمات المنطوقة حرفياً، أو لغة الجسد الظاهرة، أو الأرقام المجردة).
  • اختيار البيانات وانتقاؤها (Selected Data): لا يستطيع الدماغ معالجة جميع المثيرات المحيطة، فيقوم لا شعورياً بتصفية البيانات وانتقاء جزء محدود منها بناءً على اهتمامات الفرد وخلفياته النفسية، مهملاً بقية البيانات المتاحة.
  • إضافة المعاني والتأويلات (Interpreted Meanings): يُسبغ الفرد معانيه الخاصة وثقافته الذاتية على البيانات التي اختارها؛ فإذا تأخر موظف خمس دقائق، يفسر ذلك بأنه “استهتار بالعمل”.
  • صياغة الافتراضات (Assumptions): يقوم العقل ببناء افتراضات غير مختبرة تستند إلى المعاني المضافة؛ كأن يفترض المدير: “هذا الموظف لا يهتم بنجاح المشروع ولا يحترمني”.
  • استخلاص الاستنتاجات (Conclusions): يصل الفرد إلى نتيجة قاطعة حول الموقف أو الشخص؛ كأن يستنتج: “هذا الشخص غير كفء ولا يمكن الاعتماد عليه”.
  • تبني القناعات والمعتقدات (Beliefs): تترسخ هذه الاستنتاجات في الذاكرة لتتحول إلى معتقدات وقناعات راسخة حول ذلك الشخص أو العالم المحيط: “كل موظفي هذا الجيل كسالى”.
  • اتخاذ القرارات السلوكية والإجراءات (Actions): يقف الفرد على قمة السلّم ليتصرف ويتخذ قراراته بناءً على تلك المعتقدات النهائية؛ كأن يقرر تهميش الموظف، أو توجيه إنذار له، أو الصراخ في وجهه.

8.2 ظاهرة القفز الإدراكي وحلقات الارتجاع المغلقة

تكمن الكارثة السلوكية، كما بينها أرجيريس، في أن البشر لا يصعدون درجات سلّم الاستدلال بروية وتأنٍ يتيح لهم التحقق من منطقية كل خطوة، بل يمارسون “القفز الإدراكي” (Cognitive Leaping)؛ حيث يصعدون من أسفل السلّم إلى قمته في أجزاء من الثانية دون أدنى وعي بالقفزات التفسيرية والافتراضات الذاتية التي نسجوها على طول الطريق. ويتصرف الفرد وهو مقتنع تماماً بأن استنتاجاته النهائية هي “الحقيقة الموضوعية المطلقة”، غير مدرك أنها مجرد تأويل ذاتي مشوه لبيانات خام محدودة.

الأدهى من ذلك هو ما أسماه أرجيريس بـ “حلقة الارتجاع المغلقة” (The Reflexive Loop)؛ فبمجرد أن يستقر المعتقد في قمة السلّم، فإنه ينزل ليؤثر مباشرة في عملية “انتقاء البيانات” في المرات القادمة. فالمدير الذي ترسخ لديه معتقد أن فلاناً موظف مهمل، سيتجاهل لا شعورياً تسعين موثقاً لإنجازات ذلك الموظف والتزامه، ولن تقع عينه إلا على الخطأ الوحيد أو التأخير الطفيف ليعيد تأكيد معتقده المسبق. تخلق هذه الحلقة واقعاً مشوهاً ونبوءات تحقق ذاتها تلقائياً (Self-fulfilling prophecies)، تمنع تصحيح الأخطاء وتغلق الباب أمام أي تعلم جديد.

تعد هذه القفزات الإدراكية المصدر الأساسي لسوء التفاهم المستمر، والنزاعات البينشخصية المدمرة، والحروب الباردة داخل فرق العمل في المنظمات. فعندما يتصارع مسؤولان في اجتماع، فإنهما يتصارعان من قمة سلميهما المتعاكسين، حيث يرى كل طرف معتقداته حقائق بديهية ويرى معتقدات الآخر غباءً أو سوء نية، عاجزين عن النزول إلى أرضية البيانات المشتركة لحل النزاع بموضوعية وتجرد.

8.3 تطبيقات سلّم الاستدلال في تحسين التواصل والقيادة

يمثل سلّم الاستدلال أداة تدخلية بالغة الفعالية طورها أرجيريس لتعليم القادة وفرق العمل مهارات التواصل الشفاف واتخاذ القرارات الرشيدة. يعتمد التدريب القيادي على تعليم المسؤولين كيف “يبطئون عمليات تفكيرهم” (Slow down the thinking process) ليصبحوا واعين بدرجات السلّم التي يصعدونها بسرعة قبل أن يتحول الاستدلال الخاطئ إلى قرار تنفيذي مدمر.

يتعلم القادة مهارة حاسمة تسمى “النزول إلى أسفل السلّم” (Walking down the ladder). فعندما يجد القائد نفسه قد توصل إلى حكم سلبي قاطع حول مرؤوس أو موقف، يتدرب على التوقف وطرح الأسئلة الذاتية: ما هي البيانات الخام التي صورتها الكاميرا واستندت إليها في هذا الحكم؟ ما هي المعاني والافتراضات التي أضفتها من عند نفسي؟ وهل هناك تفسيرات أخرى ممكنة تتفق مع البيانات ذاتها؟ هذه المساءلة الذاتية تعيد القائد إلى عالم الحقائق وتقلص النزعة الدفاعية لديه.

كما يُستخدم السلّم لتحقيق التوازن الحاسم بين أسلوب “المناصرة” وأسلوب “الاستقصاء” في الحوارات الجماعية. فعندما يطرح المدير وجهة نظره، لا يكتفي بإعلان النتيجة (قمة السلّم)، بل يشرح لفريقه مسار صعوده على السلّم خطوة بخطوة قائلاً: “هذه هي البيانات التي رأيتها، وهذه افتراضاتي التي بنيتها عليها، وهذا استنتاجي؛ فهل ترون بيانات أغفلتها؟ وهل تعترضون على منطق استنتاجي؟”. إن هذا السلوك يحول بيئة العمل من ساحة صراع دفاعي إلى مختبر تعاوني يفحص فيه الجميع مسارات التفكير، مما يفكك الأحكام المسبقة ويوصل المنظمة إلى قرارات جماعية فائقة الدقة والفاعلية.

9. الروتينات الدفاعية التنظيمية وظاهرة ‘عدم الكفاءة الماهرة’

9.1 طبيعة الروتينات الدفاعية التنظيمية (Defensive Routines)

في أبحاثه المتقدمة حول أسباب تعثر المؤسسات الكبرى، صاغ كريس أرجيريس مفهوماً يعد من أعمق المفاهيم السوسيولوجية والنفسية في الفكر الإداري، وهو “الروتينات الدفاعية التنظيمية” (Organizational Defensive Routines). يعرف أرجيريس هذه الروتينات بأنها الأنماط، والسياسات، والممارسات غير المكتوبة المتجذرة في ثقافة المنظمة، والمصممة خصيصاً لحماية الأفراد والمديرين من الشعور بالتهديد، أو الإحراج، أو التعرض للمساءلة عن الأخطاء، ولكنها في الوقت نفسه تمنع المنظمة بشكل منهجي من التعرف على أسباب أزماتها الحقيقية وحلها.

تتسم الروتينات الدفاعية بظاهرة غريبة ومزدوجة وصفها أرجيريس بقاعدة “حظر مناقشة القضايا الحساسة، وفرض حظر إضافي على مناقشة هذا الحظر ذاته” (Making issues undiscussable, and making their undiscussability undiscussable). فإذا كانت هناك مشكلة استراتيجية كبرى تتعلق بفشل خطة وضعها المدير التنفيذي، يتفق الجميع ضمناً ودون كلام على عدم فتح هذا الموضوع الحساس في الاجتماعات تجنباً لإحراج المدير، وإذا حاول شخص نبيه الإشارة إلى أن هناك صمتاً مريباً حول الخطة، يُنظر إليه كشخص غير لائق ويعاقب اجتماعياً، ليصبح “الصمت عن الحقيقة” هو القاعدة الثقافية الحاكمة داخل المنظمة.

تتحول هذه الدفاعات النفسية الفردية مع مرور الوقت إلى “ثقافة مؤسسية متكلسة” تعطل الإبداع وتكافئ التبعية. يشارك جميع الفاعلين في المنظمة في رعاية هذه الروتينات الدفاعية وحمايتها؛ لأنها تؤمن لهم سلامة مؤقتة ومريحة داخل مكاتبهم، غير أن الثمن الفادح تدفعه المنظمة ككل؛ إذ تفقد مناعتها وقدرتها على استشعار الأخطار، وتستمر في استنزاف مواردها في معالجة الأعراض السطحية، بينما تظل الجذور الحقيقية للأمراض التنظيمية محرمة على البحث والتطهير.

9.2 ظاهرة عدم الكفاءة الماهرة (Skilled Incompetence)

لعل أكثر مفارقات أرجيريس إدهاشاً وعمقاً في تشريح السلوك القيادي هي صياغته لمصطلح “عدم الكفاءة الماهرة” (Skilled Incompetence). يصف هذا المصطلح كيف يتعلم المهنيون والمديرون الأذكياء جداً ممارسة عدم الكفاءة بمهارة وبراعة فائقة وسلاسة مطلقة تقود في نهاية المطاف إلى الفشل الحتمي للمنظمة بأكملها دون أن يتمكن أحد من لومهم أو إدانتهم بشكل مباشر.

تتجلى عدم الكفاءة الماهرة عندما يوظف الأفراد ذكاءهم اللغوي وقدراتهم الاجتماعية والسياسية العالية في “تجنب إثارة المشكلات وتفادي الصراعات البناءة”. يتقن هؤلاء المدراء استخدام اللباقة الزائفة، والمصطلحات الدبلوماسية المطاطة، وإعداد العروض التقديمية المبهرة لتغطية المشكلات المستعصية، والتظاهر بالموافقة الإجماعية في الاجتماعات على قرارات يعلمون في قرارة أنفسهم أنها كارثية ولن تنجح. إنهم يؤدون هذا الدور الدفاعي ببراعة وتلقائية لا تشوبها شائبة (أي أنهم ماهرون جداً)، لكن المحصلة النهائية لسلوكهم هذا هي تعطيل اكتشاف الأخطاء وتفاقم الفشل المؤسسي (أي عدم كفاءة مطلقة).

أكد أرجيريس أن أخطر ما في هذه الظاهرة هو أنها تمارس بنوايا “إيجابية” في الظاهر؛ فالقائد يتجنب مصارحة مرؤوسه بفشله “حفاظاً على مشاعره وثقته بنفسه”، والمرؤوس يخفي عن مديره بيانات التراجع “حتى لا يفسد مزاجه أو يقلقه”. وباسم هذه اللباقة المصطنعة والحرص الزائف على العلاقات الإنسانية، يُذبح الصدق المهني، ويُحرم الأفراد من التغذية الراجعة الضرورية لنموهم، وتغرق المنظمة في بحر من النفاق المقبول اجتماعياً الذي يحول دون أي تعلم تصحيحي حقيقي.

9.3 إستراتيجيات تفكيك الدفاعات واستعادة المناعة المؤسسية

يتطلب تفكيك الروتينات الدفاعية واستئصال ظاهرة عدم الكفاءة الماهرة تدخلاً جراحياً معرفياً يعيد للمنظمة مناعتها وصحتها النفسية والتنظيمية. أوضح أرجيريس أن هذا المسار لا يمكن أن ينجح من خلال إصدار قرارات إدارية فوقية أو رفع شعارات تدعو للشفافية؛ لأن النظم الدفاعية قادرة على ابتلاع الشعارات وتطويعها لحماية بقائها. الحل يكمن في تطبيق منهجيات سريرية دقيقة ترصد التناقضات السلوكية وتجعلها موضوعاً للنقاش الهادئ دون إثارة ردود فعل انتقامية.

يبدأ العلاج بتأسيس “بيئة الأمان النفسي” التي تتيح للأفراد كسر جدار الصمت حول القضايا غير القابلة للنقاش سابقاً دون خوف من العقاب أو الإقصاء الوظيفي. يتولى القادة في هذه البيئة دور القدوة، من خلال ممارستهم العلنية للاعتراف بأخطائهم الشخصية ومشاركة مخاوفهم والتنازل عن ادعاء المعرفة الكاملة، مما يشجع بقية أعضاء الفريق على الحذو حذوهم وإسقاط أقنعتهم الدفاعية.

كما يعتمد تفكيك الدفاعات على استبدال “المنطق التبريري الدفاعي” بـ “المنطق التوليدي الإنتاجي” (Productive Reasoning). يلتزم الأطراف في هذا المنطق بجعل مقدمات تفكيرهم ونتائجهم خاضعة للاختبار المستقل الصارم، والتركيز على المسؤولية المشتركة في صناعة الفشل والنجاح بدلاً من إلقاء اللوم على كبش فداء. وعندما تتحول مناقشة المشكلات الحساسة من مصدر للتهديد إلى فرصة للاستقصاء والتعلم المشترك، تستعيد المنظمة تدفق المعلومات الحقيقية في شرايينها، وتسترجع قدرتها التنافسية الطبيعية وفاعليتها المفقودة.

10. علم الفعل (Action Science): المنهجية البحثية والتدخلية

10.1 فلسفة علم الفعل وردم الهوة بين النظرية والتطبيق

توج كريس أرجيريس، بالاشتراك مع روبرت بوتنام وديانا ماكلاين سميث، مشروعه الإبستمولوجي بتأسيس حقل منهجي جديد أطلق عليه اسم “علم الفعل” (Action Science). جاء هذا الحقل كرد فعل نقدي صارم على العلوم الاجتماعية والإدارية السائدة التي انحصرت في برجين عاجيين: إما أبحاث أكاديمية وضعية منفصلة عن الواقع تكتفي بملاحظة الظواهر ووصفها إحصائياً دون تقديم أي أدوات للتغيير العملي، أو ممارسات استشارية تجارية تقدم وصفات سريعة وسطحية تفتقر لأي رصانة علمية أو أساس معرفي متين.

يسعى علم الفعل إلى ردم الهوة التاريخية بين النظرية والتطبيق من خلال الجمع المبدع بين متطلبات الدقة العلمية والصرامة المعرفية من جهة، والمنفعة التطبيقية والتدخل المباشر لتحسين الواقع الإنساني من جهة أخرى. لا ينظر علم الفعل إلى الحقيقة كشيء ثابت يكتشفه الباحث من خلف زجاج معزول، بل كواقع يُبنى ويُختبر من خلال “الفعل التدخلي الهادف” في خضم الحياة الواقعية للناس والمؤسسات.

يرتكز علم الفعل على مبدأ فلسفي ثوري يعتبر “العميل أو الممارس شريكاً كاملاً وباحثاً مشاركاً” (Co-researcher) في استقصاء مشكلاته وسلوكياته، وليس مجرد موضوع تجارب يُدرس من الخارج. يتعاون الباحث والعميل معاً لتشريح النماذج الإدراكية الخفية ونظريات الاستخدام الحاكمة للممارسات اليومية، واختبار مدى اتساقها وفاعليتها في تحقيق الأهداف المنشودة، مما يحول البيئة التنظيمية ذاتها إلى مختبر علمي حي للتحرر من القيود المعرفية وتوليد حلول مستدامة.

10.2 تقنية تحليل الحوارات وسجل العمودين (Two-Column Case Method)

لتحقيق أهداف علم الفعل الميدانية، ابتكر كريس أرجيريس واحدة من أكثر الأدوات التدخلية براعة وشهرة في التدريب التنفيذي وتشخيص السلوكيات، وتعرف بـ “طريقة دراسة الحالة عبر سجل العمودين” (The Two-Column Case Method). صممت هذه الأداة لمساعدة القادة والمهنيين على رصد الفجوة الملموسة بين نظرياتهم المعلنة ونظريات الاستخدام الخفية التي تقود تصرفاتهم الفعلية.

تعتمد التقنية على خطوات إجرائية محددة يطلب فيها من المشارك كتابة تقرير عن محادثة صعبة وحرجة خاضها في عمله ولم تحقق النتائج المرجوة، ويقوم بتقسيم الصفحة إلى عمودين متوازيين:

  • العمود الأيمن (ما قيل وفُعل فعلاً): يكتب فيه المشارك نص المحادثة الحرفية كما جرت بالفعل في الواقع، متضمناً ما قاله هو نصاً وما رد به الطرف الآخر كلمة بكلمة بقدر ما تسعفه ذاكرته.
  • العمود الأيسر (الأفكار والمشاعر غير المعلنة): يدون فيه المشارك بأمانة تامة ما كان يدور في ذهنه وخلجات نفسه من أفكار، ومشاعر، وأحكام مسبقة، ومخاوف أثناء تلك المحادثة، ولكنه اختار كتمانها وعدم الإفصاح عنها للطرف الآخر.

تكشف قراءة هذا السجل عن فجوات صادمة ومذهلة بين العمودين؛ حيث يرى القائد بوضوح كيف كان عموده الأيسر يضج بالاتهامات والأحكام القاطعة والدفاعية، في حين كان عموده الأيمن يفيض باللباقة المصطنعة والمناورات السلوكية لإحكام السيطرة دون مواجهة. تتيح هذه المرآة المكتوبة للمشارك فحص “برمجته الذهنية للنموذج الأول” بالدليل الملموس الذي أنتجه بنفسه، وتوفر أرضية تعليمية نادرة لإعادة كتابة المحادثة وفق مبادئ النموذج الثاني، والتدرب على التعبير عن الأفكار الحبيسة في العمود الأيسر بأسلوب استقصائي يخدم التعلم ويزيل سوء التفاهم المؤسسي.

10.3 المعايير الإبستمولوجية لاختبار الفرضيات السلوكية

حرص أرجيريس على ألا يُنظر إلى علم الفعل كنوع من التنمية البشرية السطحية أو الوعظ الإداري، فوضع له معايير إبستمولوجية صارمة تضاهي، بل وتتجاوز في متطلباتها، المعايير المتبعة في العلوم التجريبية الكلاسيكية. وتتمثل الصعوبة الفريدة لعلم الفعل في أنه يختبر الفرضيات “في سياق الفعل المباشر” (In the context of action) وتحت وطأة الضغوط النفسية والاجتماعية الواقعية، وليس في بيئة المختبر المحايدة والمعزولة.

تستند هذه المعايير إلى جعل التفسيرات والفرضيات السلوكية “قابلة للتكذيب علناً” (Publicly disconfirmable). فعندما يقترح الباحث أو القائد فرضية حول سبب تصرف معين، يجب صياغة هذه الفرضية بالاستناد إلى “بيانات حوارية مسجلة وموثقة” لا تقبل الإنكار، وإتاحة الفرصة الكاملة للطرف الآخر لتفنيدها ونقد منطقها وتقديم بيانات مناقضة. كما يجب أن تكون النتائج قابلة للتكرار؛ أي أن تثبت الاستراتيجيات السلوكية البديلة قدرتها على إنتاج النتائج التعلمية الإيجابية في مواقف مختلفة ومع أطراف متعددين.

من خلال هذه الصرامة الإبستمولوجية، استطاع أرجيريس مواجهة الدفاعات النفسية المعقدة ومقاومة التغيير الشرسة التي يبديها كبار المديرين؛ إذ لم يكن يقدم لهم آراء شخصية أو انطباعات تقييمية مجردة، بل يواجههم ببراهين سلوكية مستمدة من كلماتهم وتصرفاتهم ذاتها المسجلة حرفياً، مما يسقط آليات الإنكار ويجبر العقل على الاعتراف بالخلل الإدراكي والشروع الصادق في ممارسة التعلم ثنائي الحلقة.

11. الانتقادات والتقييمات النقدية لأطروحات كريس أرجيريس

11.1 نقد المثالية المعرفية والمبالغة في العقلانية

على الرغم من المكانة العلمية الرفيعة التي حظيت بها أعمال كريس أرجيريس، فقد وُجهت إليها انتقادات نقدية جوهرية من قبل العديد من علماء النفس والمنظرين التنظيميين. تركز الانتقاد الأول على ما وُصف بـ “المثالية المعرفية المفرطة” (Hyper-rationalism) التي تطبع أطروحاته ونظرته للطبيعة الإنسانية. رأى النقاد أن افتراض أرجيريس بإمكانية قيام الأفراد، ولا سيما القادة، بالتحليل العقلاني المستمر والواعي لنماذجهم الذهنية وسلوكياتهم أثناء احتدام المعارك التنظيمية والضغوط النفسية القصوى، هو افتراض طوباوي يغالي في تقدير العقلانية الواعية للبشر.

انتقد علماء مدرسة التحليل النفسي الكلاسيكية والجديدة أرجيريس لإغفاله الجوانب الأكثر عمقاً وظلمة في اللاوعي الإنساني، مثل الدوافع الغريزية، ونزعات الهيمنة، وعقد النقص، والدفاعات النفسية غير العقلانية (كالإسقاط والنكوص والإنكار اللاواعي) التي لا يمكن تفكيكها بمجرد جلسات حوار منطقي أو سجلات أعمدة معرفية. فالسلوك الإنساني ليس دائماً نتاج “نظريات فعل وبرمجيات إدراكية” يمكن إعادة برمجتها بالمنطق والاستقصاء، بل هو في كثير من جوانبه محكوم بعواطف جياشة ونزعات لاواعية تستعصي على الترشيد الإدراكي الصارم الذي يفترضه “النموذج الثاني”.

كما شكك باحثون في مدى إمكانية التزام أي إنسان بالنموذج الثاني بشكل دائم ومستمر في الحياة اليومية الواقعية؛ مشيرين إلى أن محاولة مراقبة الذات والنزول لأسفل السلم ومساءلة الافتراضات في كل محادثة تمثل عبئاً إدراكياً ونفسياً هائلاً يفوق الطاقة العصبية للإنسان الطبيعي، مما يجعل النموذج الثاني هدفاً مثالياً استرشادياً أكثر منه نمط حياة عملياً يمكن تطبيقه باستمرار في مختلف الظروف المعيشية والمهنية.

11.2 تحديات البيئات السياسية واختلالات موازين القوى

تناول الانتقاد الجوهري الثاني قصور أطروحات أرجيريس في التعامل مع البعد السياسي واختلالات موازين القوى في المنظمات. يرى نقاد المدرسة النقدية في علم الاجتماع التنظيمي أن أرجيريس اختزل الصراعات التنظيمية العميقة إلى مجرد “مشكلات معرفية ونقص في مهارات التواصل والحوار”، متجاهلاً أن المنظمات ليست مجرد جمعيات تطوعية تبحث عن الحقيقة، بل هي حلبات صراع شرس على الموارد والنفوذ والمصالح المادية والطبقية الحتمية.

في بيئات العمل التي تتسم بالاستبداد السياسي، والصراعات الصفرية، واختلال موازين القوى بين الإدارات العليا والعمال، تصبح دعوة أرجيريس للشفافية المطلقة والنزول لأسفل السلم وإظهار الضعف والافتراضات بمثابة “انتحار مهني وسياسي” للموظف الضعيف. إن كشف الأوراق والاعتراف بعدم اليقين أمام مدير استبدادي لا يمارس النموذج الثاني لن يؤدي إلى التعلم المشترك، بل سيمنح المستبد ذخيرة إضافية لسحق خصومه وتجريدهم من مكتسباتهم الوظيفية، وهو واقع أغفله أرجيريس بتركيزه شبه المطلق على البعد البينشخصي والمعرفي المجرد.

كذلك انتقد الباحثون إغفال أرجيريس النسبي للقيود الهيكلية والاقتصادية الكبرى التي يفرضها النظام الرأسمالي المعولم؛ فالضغوط التنافسية المحمومة لتعظيم الأرباح الفصلية وتقليص النفقات وحروب الاستحواذ تفرض أحياناً على المؤسسات اتخاذ قرارات تسريح قاسية وهياكل رقابية صارمة، بصرف النظر عن مدى نضج شخصيات العاملين أو رغبتهم في تحقيق الذات، مما يجعل التناقض بين الفرد والمنظمة تناقضاً بنيوياً واقتصادياً لا يمكن حله عبر الحوار السلوكي وحده.

11.3 معضلات القياس الميداني وصعوبة نقل التدخلات

تمثل المعضلة المنهجية والتطبيقية الثالثة في صعوبة تعميم وقياس التدخلات الاستشارية التي قادها أرجيريس وفريقه. فقد لاحظ الدارسون أن النجاحات الباهرة التي حققها علم الفعل في تحويل ثقافات كبريات الشركات كانت تعتمد بدرجة هائلة وغير قابلة للإنكار على “الكاريزما الاستثنائية والعبقرية السريرية الفذة” لكريس أرجيريس ودونالد شون تحديداً؛ إذ كانا يمتلكان بصيرة خارقة وقدرة مهيبة على إدارة الحوارات المستعصية قلما تتوفر لدى المستشارين العاديين، مما جعل من الصعب جداً استنساخ هذه التدخلات بنفس الفاعلية بغيابهما.

من الناحية القياسية، واجهت أطروحات أرجيريس انتقادات من الأوساط الأكاديمية الكمية؛ نظراً لصعوبة قياس المفاهيم المركزية لنظريته (مثل التحول من النموذج الأول إلى النموذج الثاني، أو حدوث التعلم ثنائي الحلقة الفعلي) باستخدام الأدوات الإحصائية والاستبيانات المعيارية المقبولة في البحوث النفسية التقليدية. فالاعتماد الحصري على التحليل النوعي للمحادثات وسجلات العمودين يتطلب وقتاً طويلاً ويخضع لتأويلات ذاتية قد تفتقر إلى الثبات والموثوقية العلمية المقارنة.

علاوة على ذلك، أشار خبراء الإدارة إلى أن التدخلات السلوكية العميقة التي يقتضيها فكر أرجيريس تتطلب وقتاً طويلاً واستنزافاً لموارد مالية وبشرية ضخمة قد لا تتحملها الشركات في عصر الإيقاع السريع؛ إذ يستغرق تدريب فريق قيادي واحد على سلوكيات النموذج الثاني شهوراً طويلة من ورش العمل المكثفة. هذا التحدي الزمني والمالي دفع العديد من المؤسسات إلى تفضيل حلول الإدارة الرشيقة والأدوات التنظيمية السريعة على حساب التدخلات السلوكية العميقة التي بشر بها أرجيريس طوال حياته.

12. الإرث العلمي لكريس أرجيريس والأثر المستمر في الفكر الإداري المعاصر

12.1 التأثير على مفاهيم ‘المنظمة المتعلمة’ لدى بيتر سينجي

على الرغم من جميع الانتقادات، يظل الأثر المعرفي لكريس أرجيريس أحد أعظم الأعمدة التي قامت عليها أدبيات الإدارة الحديثة. ويتجلى هذا التأثير بوضوح استثنائي في أعمال المنظر الإداري العالمي بيتر سينجي، وخاصة في كتابه التاريخي واسع الانتشار “البعد الخامس: فن وممارسة المنظمة المتعلمة” (The Fifth Discipline) الصادر عام 1990، والذي اعترف فيه سينجي بفضل أرجيريس المباشر والجوهري في تشكيل الركائز المعرفية لمشروعه بالكامل.

تبنى سينجي أدوات أرجيريس ومفاهيمه المركزية وحولها إلى ممارسات قياسية في بناء “المنظمات المتعلمة”. فقد بنى سينجي بُعده الإداري الحاسم “النماذج الذهنية” (Mental Models) بالكامل على أطروحات أرجيريس حول نظريات الاستخدام وسلّم الاستدلال، محولاً الأخير إلى أداة تدريبية وتطبيقية لا تخلو منها شركة عالمية تسعى لبناء فرق عمل متعاونة وقادرة على التفكير الجماعي الشفاف والتخلص من الأحكام المسبقة.

كما استلهم سينجي مبادئ “التفكير النظمي” (Systems Thinking) من تحليلات أرجيريس للتعلم ثنائي الحلقة وحلقات الارتجاع السلوكية؛ مؤكداً أن المنظمات لا يمكن أن تنجو في بيئات القرن الحادي والعشرين إلا إذا تبنت مساءلة المسلمات الكبرى والتفكير التوليدي الذي أسس له أرجيريس. وقد شكل كتاب “دليل الميدان للبعد الخامس” (The Fifth Discipline Fieldbook) امتداداً تطبيقياً مباشراً لعلم الفعل، مما جعل أفكار أرجيريس ركيزة عالمية لا غنى عنها في حقول التطوير التنظيمي وإدارة التغيير المعرفي المعاصر.

12.2 حضور أفكار أرجيريس في الممارسات الرشيقة (Agile) والقيادة الحديثة

تشهد بيئات العمل الحديثة، القائمة على الثورة الرقمية والممارسات الرشيقة (Agile) ومنهجيات إدارة المشاريع الحديثة (Scrum)، حضوراً مكثفاً ومباشراً لأفكار ونظريات كريس أرجيريس دون أن يدرك الممارسون أحياناً أن أصول هذه الأدوات تعود إلى أبحاثه الرائدة في هارفارد وييل. فالروح الجوهرية لمنهجية العمل الرشيق تقوم على التجريب، والتعلم المستمر من الأخطاء، والتكيف السريع مع الواقع المتغير.

تعد “جلسات المراجعة بأثر رجعي” (Retrospectives) في الممارسات الرشيقة، والتي يجتمع فيها الفريق في نهاية كل دورة عمل برمجية (Sprint) لمساءلة طرائق العمل والتساؤل: “ما الذي نجح؟ وما الذي أخفق؟ وما هي السياسات التي يجب تعديلها؟”، تطبيقاً عملياً حرفياً لمبدأ “التعلم ثنائي الحلقة” الذي نادى به أرجيريس لعقود. إنها جلسات مصممة لمساءلة القواعد التشغيلية وتعديلها فورياً بدلاً من الانحباس في النمط الأحادي الروتيني.

علاوة على ذلك، تمثل نظرية “الأمان النفسي” (Psychological Safety) التي طورتها أستاذة القيادة في جامعة هارفارد إيمي إدموندسون الامتداد النظري والتطبيقي المباشر لأبحاث أرجيريس حول كسر الروتينات الدفاعية التنظيمية واستئصال ظاهرة عدم الكفاءة الماهرة. وتؤكد إدموندسون أن الأمان النفسي هو المناخ الذي يشعر فيه أعضاء الفريق بأنهم قادرون على المخاطرة، والاعتراف بالأخطاء، وطرح الأسئلة الصعبة دون خوف من الإحراج أو الانتقام؛ وهو بالضبط المناخ الذي سعى أرجيريس لتأسيسه عبر “النموذج الثاني”. كما تعتمد تقنيات التوجيه التنفيذي (Executive Coaching) المعاصرة اليوم بشكل أساسي على أداة “سجل العمودين” وسلّم الاستدلال لتدريب كبار القادة على رصد فجواتهم السلوكية وتطوير قيادة تأملية واعية تتواكب مع تعقيدات العصر الرقمي.

12.3 المكانة التاريخية والدروس المستفادة لقادة القرن الحادي والعشرين

مع رحيل كريس أرجيريس في الحادي عشر من يونيو عام 2013 عن عمر يناهز تسعين عاماً، خسر الفكر الإنساني والإداري أحد أعظم رواد علم النفس التنظيمي عبر التاريخ؛ عالماً موسوعياً استطاع بفرادة نادرة أن يزاوج بين صرامة الفيلسوف الإبستمولوجي، ودقة عالم النفس الإكلينيكي، وحنكة المستشار الإداري الميداني. ترك أرجيريس وراءه أكثر من ثلاثين مؤلفاً مرجعياً ومئات الأوراق العلمية التي شكلت ضمير الإدارة الرشيدة ومرجعيتها التنويرية الدائمة.

تتمثل الرسالة الخالدة والدرس الأعظم الذي تركه أرجيريس لقادة القرن الحادي والعشرين في أن أزمة المنظمات المعاصرة، وخاصة في عصر الذكاء الاصطناعي والتحولات الجيوسياسية والتكنولوجية المتسارعة، ليست أزمة نقص في المعلومات، ولا شحاً في الخوارزميات الرقمية، بل هي “أزمة تواضع فكري وشجاعة إنسانية”. إن التحدي الوجودي الذي يواجه أي قائد اليوم هو امتلاك الجرأة على مساءلة قناعاته الشخصية العميقة، والاعتراف بحدود معرفته، والنزول المستمر من قمة سلّم الاستدلال لاكتشاف الحقائق المشتركة مع فريقه.

لقد علمنا كريس أرجيريس أن تحرير الطاقات الإنسانية وتحقيق الإنتاجية المستدامة لا يمكن أن يتحققا في بيئات القمع والتسلسل الهرمي الصارم ونظريات الاستخدام الدفاعية التي تعامل الراشدين كأطفال، بل في بيئات العمل الحرة التي تحتضن الاستقصاء التشاركي، وتكافئ الصدق المعرفي، وتعتبر التعلم ثنائي الحلقة واجبها الوجودي الأول. وبذلك تظل نظريات أرجيريس منارة إنسانية وأخلاقية خالدة، تلهم كل من يسعى لبناء مؤسسات تكون مصانع للابتكار ومحاضن حقيقية لنماء الشخصية الإنسانية وكرامتها.

خاتمة

يمثّل المسار الفكري لكريس أرجيريس (1923–2013) رحلة استثنائية في تفكيك الطبيعة المعقدة للمنظمات الإنسانية. فمنذ بداياته الأولى متأثراً بتجارب الهجرة والخدمة العسكرية، وصولاً إلى أبحاثه المرجعية في جامعتي ييل وهارفارد، استطاع أرجيريس أن يبرهن على أن المشكلة الجوهرية في المنظمات لا تكمن في تصاميمها الهيكلية الرسمية فقط، بل في البرمجيات الإدراكية الخفية والروتينات الدفاعية التي تحكم ممارسات الفاعلين داخلها. لقد قدم عبر نظرية التناقض بين نضج الشخصية والمنظمة الرسمية تحذيراً مبكراً من خطورة النماذج البيروقراطية التي تخنق الاستقلالية وتحول الراشدين إلى كائنات تابعة ومغتربة عن جوهر عملها.

ومن خلال شراكته التاريخية مع دونالد شون وابتكاره لأدوات بالغة العبقرية مثل “علم الفعل”، و”سلّم الاستدلال”، و”سجل العمودين”، و”التعلم ثنائي الحلقة”، لم يكتفِ أرجيريس بتشخيص الداء، بل وضع خريطة علاجية محكمة تُمكّن القادة والفرق من الانتقال من منطق “التحكم الدفاعي” (النموذج الأول) إلى منطق “الاستقصاء التشاركي” (النموذج الثاني). لقد علمنا أرجيريس أن الكفاءة المؤسسية الحقيقية تبدأ عندما نمتلك الشجاعة الأخلاقية لردم الفجوة بين نظرياتنا المعلنة ونظريات استخدامنا الواقعية، وعندما نتوقف عن التظاهر بالكمال لنفتح أبواب منظماتنا للتعلم المستمر، ومساءلة المسلمات، وبناء بيئات آمنة نفسياً تزدهر فيها إنسانية الفرد لترتقي المنظمة بأكملها نحو أعلى مراتب الفاعلية والاستدامة.

المراجع

  • Argyris, C. (1957). Personality and Organization: The Conflict Between System and the Individual. Harper & Row. https://psycnet.apa.org/record/1958-00508-000
  • Argyris, C. (1964). Integrating the Individual and the Organization. John Wiley & Sons.
  • Argyris, C. (1976). Increasing Leadership Effectiveness. John Wiley & Sons.
  • Argyris, C. (1982). Reasoning, Learning, and Action: Individual and Organizational. Jossey-Bass.
  • Argyris, C. (1990). Overcoming Organizational Defenses: Facilitating Organizational Learning. Allyn & Bacon.
  • Argyris, C. (1991). Teaching smart people how to learn. Harvard Business Review, 69(3), 99–109. https://hbr.org/1991/05/teaching-smart-people-how-to-learn
  • Argyris, C. (1993). Knowledge for Action: A Guide to Overcoming Barriers to Organizational Change. Jossey-Bass.
  • Argyris, C. (2000). Flawed Advice and the Management Trap: How Managers Can Know When They’re Getting Good Advice and When They’re Not. Oxford University Press.
  • Argyris, C. (2004). Reasons and Rationalizations: The Limits to Organizational Knowledge. Oxford University Press.
  • Argyris, C., Putnam, R., & Smith, D. M. (1985). Action Science: Concepts, Methods, and Skills for Research and Intervention. Jossey-Bass.
  • Argyris, C., & Schön, D. A. (1974). Theory in Practice: Increasing Professional Effectiveness. Jossey-Bass.
  • Argyris, C., & Schön, D. A. (1978). Organizational Learning: A Theory of Action Perspective. Addison-Wesley.
  • Argyris, C., & Schön, D. A. (1996). Organizational Learning II: Theory, Method, and Practice. Addison-Wesley.
  • Edmondson, A. C. (1999). Psychological safety and learning behavior in work teams. Administrative Science Quarterly, 44(2), 350–383. https://doi.org/10.2307/2666999
  • Schön, D. A. (1983). The Reflective Practitioner: How Professionals Think in Action. Basic Books.
  • Senge, P. M. (1990). The Fifth Discipline: The Art and Practice of the Learning Organization. Doubleday/Currency.
  • Senge, P. M., Kleiner, A., Roberts, C., Ross, R. B., & Smith, B. J. (1994). The Fifth Discipline Fieldbook: Strategies and Tools for Building a Learning Organization. Doubleday/Currency.
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات