السيرة
يمثل مسار عالمة النفس الاجتماعي الأمريكية فيليسيا براتو (Felicia Pratto)، المولودة في عام 1961، إحدى المحطات المفصلية الأكثر رسوخاً في تاريخ دراسة العلاقات بين الجماعات، ونظريات القوة، وسيكولوجيا اللامساواة الهيكلية. ففي سياق أكاديمي هيمنت عليه طويلاً التفسيرات الفردية المحضة أو التحليلات السلوكية الاختزالية لظواهر التمييز والتعصب، انبثقت إسهامات براتو لتقدم نموذجاً نظرياً وتحليلياً بالغ التركيب والعمق؛ إذ ربطت بصورة متفردة بين البنى النفسية الداخلية للفرد، والديناميكيات الجمعية، والمنظومات المؤسسية الكبرى التي تدير شؤون المجتمعات الحديثة وتكرس تراتبيتها عبر الأجيال.
تستند شهرة براتو الدولية بالدرجة الأولى إلى مشاركتها التأسيسية مع رفيق دربها الأكاديمي الراحل جيم سيدانيوس في صياغة نظرية الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Theory – SDT)، وتطوير أداة القياس السيكومترية المقترنة بها المعروفة باسم مقياس التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Orientation – SDO). غير أن إرثها الفكري يتجاوز مجرد إرساء نظرية محددة؛ فهو يمثل مشروعاً متكاملاً لإعادة قراءة الطبيعة البشرية من زاوية نزوعها إلى بناء التسلسلات الهرمية وتبريرها، متقاطعاً مع علوم الإدراك، وعلم النفس التطوري، وعلم الاجتماع السياسي، والأنثروبولوجيا البنيوية، والنسوية التقاطعية، فضلاً عن دراسات النزاعات الدولية وحقوق الإنسان.
إن تتبع المسيرة العلمية لفيليسيا براتو، منذ دراساتها الأولى في ثمانينيات القرن العشرين وحتى أحدث بحوثها المعاصرة، يكشف عن التزام صارم بالمنهجية التجريبية الدقيقة المقترنة بوعي أخلاقي وسياسي مستنير يرفض فصل العلم عن قضايا العدالة والمساواة. في هذه الدراسة الشاملة، نستعرض بعمق غير مسبوق السيرة التكوينية لبراتو، وتشريح نظريتها الكبرى، وأدواتها القياسية، وتطبيقاتها الميدانية في تفسير العنصرية، والتمييز الجندري، والحروب، والأنظمة الاستعمارية، وصولاً إلى موقعها في المشهد السيكولوجي المعاصر ومستقبل أفكارها في عصر التحولات الرقمية والخوارزمية.
1. النشأة والخلفية الأكاديمية والمسار العلمي المبكر لفيليسيا براتو
1.1 السنوات التكوينية والتعليم الجامعي الأول
ولدت فيليسيا براتو عام 1961 في الولايات المتحدة الأمريكية ضمن بيئة اجتماعية وثقافية اتسمت بمخاضات سياسية حاسمة شهدت تصاعد حركات الحقوق المدنية، وإعادة تعريف مفاهيم العدالة والحرية والتمثيل السياسي للأقليات والنساء. هذا المحيط المفعم بالأسئلة الأخلاقية والسياسية الكبرى غرس في وجدانها المبكر حساسية استثنائية تجاه قضايا التمييز الطبقي والعرقي والجندري، وجعلها تتساءل عن الكيفية التي تعيد بها المجتمعات إنتاج الامتيازات لفئات محددة بينما تفرض الحرمان الممنهج على فئات أخرى دون مقاومة جذرية تعطل هذا النظام.
التحقت براتو بـ جامعة كارنيغي ميلون (Carnegie Mellon University)، وهي إحدى المؤسسات الأكاديمية الرائدة المعروفة بصرامتها في العلوم المنهجية وتكامل تخصصاتها المعرفية. وهناك اختارت مساراً مزدوجاً جمع بين علم النفس وعلم الاجتماع؛ وهو تزاوج معرفي حاسم كان له الفضل الأكبر في حمايتها من السقوط في “الفردانية النفسية” الضيقة التي وسمت علم النفس الأمريكي لعقود، أو الغرق في “التجريد البنيوي” الذي يهمل العمليات العقلية والسلوكية الدقيقة للفرد في علم الاجتماع الكلاسيكي.
خلال سنوات دراستها الجامعية الأولى، بدأت براتو في استكشاف كتابات رواد التفاعل الاجتماعي ونظريات القوة والسلطة، وانخرطت في دراسة معمقة لكيفية تشكيل الهياكل الاجتماعية للسلوك الفردي. أدركت في تلك المرحلة المبكرة أن الفروق الفردية في الشخصية ليست مجرد سمات بيولوجية معزولة، بل هي استجابات ديناميكية للموقع الاجتماعي الذي يحتله الفرد داخل بنية القوة؛ وهو ما فتح أمامها آفاقاً بحثية تركز على التقاطعات المعقدة بين الطبقة، والسلطة، والإدراك الاجتماعي التلقائي.
1.2 مرحلة الدراسات العليا والتدريب البحثي في جامعة ستانفورد
انتقلت فيليسيا براتو لمتابعة دراساتها العليا في واحدة من أهم قلاع علم النفس في العالم: جامعة ستانفورد (Stanford University). في قسم علم النفس بستانفورد، صقلت براتو مهاراتها المنهجية تحت إشراف نخبة من كبار رواد التجريب المعرفي والاجتماعي. وقد تميزت تلك الحقبة بصعود “الثورة المعرفية” التي أعادت صياغة علم النفس الاجتماعي من خلال مفاهيم معالجة المعلومات، والمخططات العقلية (Schemas)، والانتباه الانتقائي، وأزمنة الرجع الحاسوبية.
أدركت براتو ببراعة إمكانية توظيف هذه التقنيات التجريبية المعرفية الصارمة للإجابة عن أسئلة تتعلق بالعدالة الاجتماعية والعلاقات بين الجماعات. فركزت أبحاثها الأولية لنيل درجة الدكتوراه على فحص آليات الانتباه التلقائي، والانحياز المعرفي، وكيفية استجابة الدماغ البشري للمثيرات اللفظية والرمزية المرتبطة بالقوة والتهديد الاجتماعي. لقد طوّرت تصاميم تجريبية تقيس مدى سرعة الأفراد في التقاط الكلمات المشحونة بالهيمنة أو الخضوع، مستفيدة من نماذج معالجة المعلومات لإثبات أن استجاباتنا للهيراركية الاجتماعية ليست مجرد أفكار واعية، بل هي مسارات معرفية متجذرة وسريعة الحدوث.
أتاح لها المناخ الأكاديمي في ستانفورد الاحتكاك المباشر بنماذج علم النفس السياسي الناشئة، والاطلاع على التوترات المتزايدة بين الأقليات العرقية والمجموعات البيضاء المهيمنة في كاليفورنيا؛ الأمر الذي رسخ قناعتها بأن علم النفس المعرفي التجريبي يفقد جوهره الإنساني إذا لم يتم تسخير أدواته لتشريح أسوأ أمراض الاجتماع البشري: الاستبداد، والتعصب الممنهج، وإدامة الظلم الهيكلي.
1.3 المحطات المهنية والأكاديمية في مسيرتها الجامعية
عقب حصولها على درجة الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي من جامعة ستانفورد، بدأت فيليسيا براتو مسيرتها التدريسية والبحثية كأستاذة مساعدة في جامعة كنتاكي (University of Kentucky). وفي هذا السياق الأكاديمي الجنوبي، أسست مختبرها البحثي المستقل وبدأت في جمع البيانات الميدانية والتجريبية التي شكلت فيما بعد اللبنات الأولى لنظرية الهيمنة الاجتماعية. واجهت في البداية تحديات بيئية ونظرية، حيث كان الاتجاه السائد يميل إلى تفسير العنصرية كظاهرة هامشية ناجمة عن “جهل فردي” وليس كنظام بنيوي متكامل تدعمه رغبة عميقة في التفوق الجماعي.
بعد إنجازاتها المشهودة في كنتاكي، انتقلت براتو إلى جامعة كونيتيكت (University of Connecticut – UConn)، حيث شقت طريقاً أكاديمياً تصاعدياً توج بتعيينها أستاذة متميزة في العلوم النفسية (Board of Trustees Distinguished Professor). في كونيتيكت، قادت براتو برامج الدراسات العليا في علم النفس الاجتماعي، وجذبت عشرات الباحثين والطلاب من شتى أصقاع العالم لدراسة التمييز المؤسسي وسيكولوجيا التحرر ومناهضة الاضطهاد.
تقديراً لإسهاماتها الرائدة في إعادة تعريف الحقل المعرفي، نالت براتو أرفع الزمالات العلمية والجوائز التقديرية من كبرى الهيئات السيكولوجية، بما في ذلك جمعية علم النفس الأمريكية (APA) وجمعية العلوم النفسية (APS)، والجمعية الدولية لعلم النفس السياسي (ISPP). هذه الجوائز لم تكن تتويجاً لغزارة إنتاجها العلمي فحسب، بل اعترافاً بقدرتها الفذة على بناء جسور بين العلوم السيكولوجية والسياسات العامة الهادفة إلى إنصاف الفئات المهمشة.
2. بزوغ نظرية الهيمنة الاجتماعية (SDT): السياق التاريخي والتأسيس
2.1 التعاون الفكري والتاريخي بين فيليسيا براتو وجيم سيدانيوس
يمثل اللقاء الفكري بين فيليسيا براتو والبروفيسور جيم سيدانيوس واحداً من أخصب التحالفات العلمية في تاريخ علم النفس المعاصر. التقى الاثنان في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وكان سيدانيوس يحمل خلفية فريدة تجمع بين علم النفس الاجتماعي والعلوم السياسية، مدفوعاً بتجاربه الحياتية كأمريكي من أصل إفريقي عايش الفصل العنصري ثم هاجر إلى السويد لدراسة الطبقات الاجتماعية. في المقابل، جلبت براتو دقة تجريبية فائقة مستمدة من مدرسة ستانفورد المعرفية، وشغفاً بنيوياً بتحليل النظم الأبوية والتمييز الجندري.
تشارك العالمان تساؤلاً مركزياً مؤرقاً: لماذا تظهر جميع المجتمعات البشرية الفائضة عن حد الكفاف ميلاً لا يتزعزع نحو إنتاج التسلسلات الهرمية والحفاظ عليها، ولماذا تبوء كل محاولات إرساء المساواة المطلقة بالفشل السريع أو الانتكاس إلى أشكال هرمية مستحدثة؟ انطلق الباحثان في مراجعة شاملة لتاريخ الفكر الإنساني، مدمجين رؤى من علم النفس الاجتماعي، وعلم الإنسان، وعلم الاجتماع الماركسي، ونظريات التطور البيولوجي، لصياغة نموذج عابر للمستويات يربط بين الذات الفردية والبنية الاجتماعية الكبرى.
تُوّج هذا التعاون الرائد في عام 1994 بنشر الورقة التأسيسية التاريخية في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي (Journal of Personality and Social Psychology – JPSP) بعنوان: “Social Dominance Orientation: A Personality Variable Predicting Social and Political Attitudes”. وقد مثّل هذا البحث تدشيناً رسمياً لـ نظرية الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Theory)، التي فصّلاها لاحقاً في كتابهما المرجعي الكلاسيكي الصادر عام 1999 عن مطبعة جامعة كامبريدج: “Social Dominance: An Intergroup Theory of Social Hierarchy and Oppression”، والذي سرعان ما أصبح النص المعياري لدراسة عدم المساواة المؤسسية والرمزية.
2.2 المنطلقات الفكرية والأسس الفلسفية للنظرية
تنطلق نظرية الهيمنة الاجتماعية من فرضية أنثروبولوجية وتطورية مفادها أن المجتمعات البشرية، بمجرد أن تتجاوز مرحلة الصيد وجمع الثمار البدائية وتنتج فائضاً اقتصادياً، تنقسم حتماً إلى طبقات هرمية متراكبة تستأثر فيها المجموعات المهيمنة بحصة غير متكافئة من “الأشياء الإيجابية” (كالمال، والرعاية الصحية، والنفوذ، والأمان)، بينما تُلقى على عاتق المجموعات التابعة حصة غير متكافئة من “الأشياء السلبية” (كالفقر، والأمراض، والملاحقة القضائية، والوصم الاجتماعي).
ولكي تفكك براتو وسيدانيوس هذه المنظومة، قاما بتمييز جوهري بين ثلاثة أنواع من التسلسلات الهرمية:
- نظام هرمية العمر: حيث يتمتع البالغون والكهول بسلطة وقوة أكبر مقارنة بالأطفال والمراهقين، وهو نظام عالمي تحكمه متطلبات الحماية والرعاية البيولوجية والاجتماعية.
- نظام هرمية الجنس (البطريركية): وفيه يحوز الذكور تاريخياً على مستويات أعلى من السلطة السياسية والرمزية مقارنة بالإناث، وهو نظام عابر للثقافات تقريباً ويستند جزئياً إلى استراتيجيات التكاثر والتنافس التطوري.
- نظام الجماعات التعسفية (Arbitrary-set systems): وهو التسلسل الهرمي المبني على تمييزات ثقافية واجتماعية مرنة ومبتكرة تاريخياً، كالعرق، والقومية، والدين، والطبقة الاقتصادية، والطائفة، والقبيلة. وتعد هذه الهرمية الأكثر عنفاً وتقلباً، لكونها لا تستند إلى أسس بيولوجية حقيقية بل إلى تصنيفات اعتباطية تنتجها موازين القوى.
تؤكد براتو أن الهياكل الهرمية للجماعات التعسفية لم تكن مجرد نتاج الصدفة التاريخية، بل هي تكيفات اجتماعية وثقافية تهدف إلى إدارة الموارد النادرة وضبط الصراعات الجماعية لصالح النخب المسيطرة، مما يجعل تفكيكها يتطلب فهماً عميقاً للقوى النفسية التي تحرس هذه البنى وتمنع تفككها.
2.3 ثلاثية القوى المحركة للأنظمة الهرمية الاجتماعية
تطرح نظرية الهيمنة الاجتماعية نموذجاً ديناميكياً يفسر استمرارية اللامساواة من خلال تضافر وتفاعل ثلاث قوى مركزية تعمل كآليات متزامنة ومتبادلة التعزيز:
- التمييز المؤسسي الإجمالي (Aggregate Institutional Discrimination): ويشير إلى الإجراءات والقرارات التي تمارسها المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في المجتمع (كالشرطة، والمحاكم، والبنوك، وأنظمة التعليم، وأسواق العمل)، والتي تؤدي بطريقة بنيوية وغير معلنة بالضرورة إلى منح الامتيازات للجماعات المهيمنة وحرمان الجماعات المستضعفة، مما يولد تفاوتاً تراكمياً هائلاً.
- التمييز الفردي السلوكي المباشر (Individual Behavioral Discrimination): وهو السلوك اليومي الواعي أو الضمني الذي يمارسه الأفراد العاديون ضد أعضاء المجموعات الأخرى (كالامتناع عن توظيف شخص بسبب عرقه، أو التعامل بدونية مع أفراد طبقة فقيرة)، حيث يوجه هذا السلوك دوافع نفسية وأيديولوجيات تبريرية راسخة.
- السلوك غير المتماثل السلبي للمجموعات التابعة (Behavioral Asymmetry): وتعتبر هذه الإضافة من أجرأ إسهامات براتو وسيدانيوس، حيث تصف كيف ينخرط أعضاء المجموعات الخاضعة نفسها في سلوكيات تسهم في استمرار خضوعهم، مثل التحيز للجماعة المهيمنة الخارجية (Outgroup favoritism)، وضعف التماسك الداخلي للجماعة المستضعفة، وقبول الأساطير الأيديولوجية التي تصنفهم كعاجزين أو غير أكفاء.
من خلال هذه القوى الثلاث، تبين براتو أن القمع الاجتماعي ليس مجرد اعتداء تشنه جماعة عليا على جماعة دنيا، بل هو شبكة علاقات وتفاعلات معقدة يشترك في صيانتها كل من المؤسسات، والأفراد المتسلطين، بل والضحايا أنفسهم الذين يتم استدراجهم نفسياً ومعرفياً لتقبل النظام القائم كأمر واقع لا مفر منه.
3. التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (SDO): المفهوم والقياس والأدوات النفسية
3.1 تحديد مفهوم التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية كمحور نفسي فردي
يُعرَّف التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Orientation – SDO) بأنه سمة نفسية وتوجه قيمي يعكس مدى تفضيل الفرد لأن تكون العلاقات بين الجماعات الاجتماعية هرمية وغير متكافئة، ورغبته في أن تتفوق جماعته الداخلية وتسيطر على الجماعات الخارجية التابعة. إنه يمثل النظرة الأساسية للعالم باعتباره “غابة تنافسية لا ترحم”، حيث يتوجب على الأقوياء أن يحكموا الضعفاء من أجل الحفاظ على النظام والاستقرار، وحيث يُنظر إلى المساواة الكاملة كخطر يهدد التماسك والكفاءة.
حرصت براتو على توضيح الفروق الجوهرية بين التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية ومفهوم كلاسيكي آخر هو النزعة التسلطية اليمينية (Right-Wing Authoritarianism – RWA) الذي طوره بوب ألتماير (Bob Altemeyer). فبينما تحرك النزعة التسلطية اليمينية دوافع الخوف من الفوضى، والبحث عن الأمن، والامتثال للتقاليد والسلطات الدينية والسياسية القائمة، فإن التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية تحركه دوافع القوة، والسعي الصريح للتفوق والمكاسب الصفرية، وازدراء الضعف الإنساني، حتى وإن تطلب الأمر كسر القواعد والتقاليد المؤسسية ذاتها.
أظهرت دراسات براتو أن هذا التوجه يمتلك استقراراً نسبياً عبر الزمن بوصفه سمة شخصية عامة، لكنه يتفاعل بحساسية بالغة مع السياق الاجتماعي ومكانة الفرد داخل التركيبة الطبقية، حيث يرتفع وينخفض بناءً على إحساس المجموعة بتهديد امتيازاتها ومكتسباتها التاريخية.
3.2 تطوير مقياس التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية ومراجعاته السيكومترية
لتجسيد هذا المفهوم تجريبياً، قادت براتو جهود تصميم وتطوير مقياس التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية الذي مر بمراحل صقل متعددة عبر مسيرتها. بدأ المقياس بنماذج أولية قاست الموافقة على عبارات مثل: “بعض الجماعات ببساطة أدنى مرتبة من جماعات أخرى” أو “لن تكون المساواة بين الجماعات فكرة جيدة أبداً”. وتوجت هذه الجهود بتطوير المقياس السادس (SDO-6)، الذي احتوى على 16 بنداً وأصبح المعيار الذهبي لقياس التحيزات الجماعية في علم النفس الاجتماعي لأكثر من عقدين نظراً لتمتعه بدرجات عالية جداً من الصدق التمييزي والثبات الداخلي.
مع تطور الأبحاث في العقد الثاني من القرن الحالي، ساهمت براتو في تقديم النسخة السابعة المطورة للمقياس (SDO-7). وقد تضمن هذا التحديث تمييزاً بنيوياً ثنائياً بالغ الأهمية بين بعدين متمايزين داخل التوجه نحو الهيمنة:
- الهيمنة الصريحة القائمة على الإخضاع (SDO-Dominance / SDO-D): وهي الرغبة الإيجابية في استخدام القوة والإكراه والاضطهاد المباشر لإخضاع الجماعات الخارجية وجعلها خاضعة لسلطان الجماعة المهيمنة.
- مناهضة المساواة (SDO-Anti-egalitarianism / SDO-E): وهي التفضيل الهادئ لعدم التكافؤ، ورفض مبادئ العدالة التوزيعية، ومعارضة أي سياسات تسعى إلى تقليص الفجوة الاجتماعية، انطلاقاً من الإيمان بفطرة التمايز الطبقي.
واجهت براتو وفريقها تحديات سيكومترية كبيرة في تقنين المقياس وترجمته إلى عشرات اللغات والمجتمعات حول العالم، مما استلزم إجراء تعديلات لغوية وثقافية لضمان أن العبارات تقيس بالفعل جوهر الهيمنة واللامساواة بصرف النظر عن التسميات المحددة للأعراق والطبقات في كل بلد.
3.3 المحددات التنبؤية لارتفاع أو انخفاض درجات المقياس
أثبتت المئات من أبحاث براتو التطبيقية أن درجات التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية ترتبط بمجموعة واسعة من المحددات النفسية والاجتماعية. فعلى الصعيد الفردي، أظهرت الدراسات ارتباطاً سالباً قوياً بين درجات SDO واثنتين من سمات الشخصية الكبرى الخمس (Big Five Personality Traits): وهما التوافقية (Agreeableness) والانفتاح على الخبرة (Openness to Experience). فالأفراد الذين يسجلون درجات متدنية في التعاطف والاهتمام بالآخرين والميل للتعاون، يميلون حتماً إلى تسجيل درجات مرتفعة جداً في الرغبة بالهيمنة الاجتماعية.
وعلى الصعيد الجماعي والهيكلي، يتأثر المقياس بالموقع الطبقي والامتيازات الاجتماعية للفرد؛ فالأفراد المنتمون إلى الجماعات المهيمنة تقليدياً (مثل الرجال البيض الأثرياء في المجتمعات الغربية) يسجلون باستمرار متوسطات أعلى بكثير مقارنة بالأفراد المنتمين إلى الأقليات العرقية أو النساء أو الطبقات العاملة. غير أن هذا التباين يتعدل بقوة بفعل قوة الهوية الاجتماعية؛ فكلما تماهى الفرد بعمق مع جماعته المهيمنة وشعر بأن مكانتها التاريخية مهددة، تضاعفت رغبته في تأييد سياسات الهيمنة والسيطرة لحماية ذلك الامتياز المهدد.
4. الأساطير التبريرية وآليات إعادة إنتاج اللامساواة الجماعية
4.1 طبيعة الأساطير التبريرية ووظائفها النفسية والاجتماعية
من أهم المفاهيم التحليلية التي صاغتها فيليسيا براتو مفهوم الأساطير التبريرية (Legitimizing Myths). وتُعرَّف هذه الأساطير بأنها منظومات من القيم، والمواقف، والمعتقدات، والتنميطات، والأيديولوجيات المشتركة ثقافياً داخل المجتمع، والتي تعمل كـ”غراء أيديولوجي” يبرر أخلاقياً وعقلياً التسلسل الهرمي القائم ويضفي عليه طابعاً طبيعياً أو قدرياً لا يقبل التشكيك.
تؤدي الأساطير التبريرية وظيفة نفسية مزدوجة: فمن جهة أولى، تحرر الجماعات المهيمنة من وخز الضمير والشعور بالذنب حيال امتيازاتها الظالمة وحرمان الآخرين، عبر إقناعها بأن تفوقها مستحق وجدارة طبيعية. ومن جهة ثانية، تخفف من احتمالية تمرد الجماعات التابعة من خلال إقناعها بأن وضعها المتردي هو نتيجة لقصورها الذاتي أو لعجزها الفطري أو لإرادة ميتافيزيقية خارقة. وتصنف براتو هذه الأساطير إلى نمطين متصارعين يحكمان التوازن الديناميكي لأي مجتمع: أساطير معززة للهرمية، وأساطير مخففة لها.
4.2 الأساطير المعززة للتسلسل الهرمي وتجلياتها الأيديولوجية
تعمل الأساطير المعززة للتسلسل الهرمي (Hierarchy-Enhancing Legitimizing Myths – HELMs) على تكريس التفاوت وتبرير تفوق الأقوياء. وقد تتبعت براتو في دراساتها التاريخية والتجريبية عدة تجليات معاصرة لهذه الأساطير، من أبرزها:
- الجداراتية المغلوطة (Meritocracy Ideology): الاعتقاد بأن النجاح والثروة في المجتمع يعكسان بدقة الموهبة والجهد الشخصي فقط، مما يقود حتماً إلى لوم الفقراء والمهمشين على فقرهم واعتبارهم كسالى أو غير مؤهلين، وتجاهل العوائق الهيكلية المضروبة في طريقهم.
- الداروينية الاجتماعية: النظرة التي تعامل البقاء والتفوق كحق طبيعي للأصلح اقتصادياً وبيولوجياً، وتعارض أي تدخل اجتماعي لمساعدة الضعفاء بدعوى أن ذلك يفسد التطور الطبيعي.
- العنصرية الحديثة والتعصب المبطن: التي لم تعد تصرح بدونية الأعراق بيولوجياً، بل تصيغ ذلك في قوالب “ثقافية” تدعي أن بعض المجموعات تفتقر إلى أخلاقيات العمل والانضباط المدني، مما يبرر حرمانها من الدعم الحكومي والفرص المتقدمة.
- القومية الشوفينية والمهمات الحضارية: تبرير التدخلات العسكرية والاستعمار الخارجي بحجة “نشر الديمقراطية والتحضر” بين شعوب “غير قادرة على إدارة شؤونها الذاتية”.
4.3 الأساطير المخففة للتسلسل الهرمي وحركات المقاومة
في الطرف المقابل من المعادلة، تقدم براتو مفهوماً موازياً هو الأساطير المخففة للتسلسل الهرمي (Hierarchy-Attenuating Legitimizing Myths – HALMs)، وهي المعتقدات والأيديولوجيات التي تدعو إلى المساواة والعدالة التوزيعية، وتسعى إلى تقويض التسلسلات الهرمية الجائرة. وتشمل هذه الأساطير فلسفات حقوق الإنسان العالمية، والاشتراكية الديمقراطية، وحركات التحرر النسوي، ولاهوت التحرير، والحركات البيئية العدلية.
توضح براتو أن نجاح الأساطير المخففة في إحداث تغيير هيكلي حقيقي يظل مرهوناً بمدى قدرتها على اختراق المؤسسات وتعديل موازين القوة الفعلية. فالأساطير المخففة تواجه دائماً مقاومة شرسة من النخب المهيمنة التي تمتلك أدوات الهيمنة الإعلامية والمؤسسية القادرة على تشويه الحركات المساواتية وتصويرها كتهديد للأمن القومي أو تفكيك للقيم الأخلاقية التقليدية.
5. النوع الاجتماعي، السلطة، وعدم التماثل السلوكي بين الجنسين
5.1 فرضية الثبات التطوري للأدوار الجندرية في نظرية الهيمنة
أثارت فيليسيا براتو نقاشات أكاديمية واسعة من خلال صياغتها واختبارها لـ فرضية الثبات الجندري (Invariance Hypothesis). تنص هذه الفرضية على أنه في مختلف الثقافات البشرية والطبقات الاجتماعية، يظهر الرجال باستمرار مستويات أعلى من التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية مقارنة بالنساء، حتى بعد تثبيت متغيرات الدخل، والتعليم، والموقع الاجتماعي، والتوجه السياسي العام.
لتفسير هذه الظاهرة دون السقوط في الحتمية البيولوجية الرجعية، استعانت براتو بنظرية الاستثمار الوالدي في علم النفس التطوري؛ حيث يميل الذكور تاريخياً إلى الانخراط في استراتيجيات محفوفة بالمخاطر للحصول على الموارد والسلطة التنافسية لتعزيز فرص بقائهم وتكاثرهم، بينما تميل الإناث إلى تبني استراتيجيات تعزز التعاون المجتمعي، والرعاية، والحفاظ على التماسك الجمعي. ومع ذلك، تؤكد براتو أن هذا الأساس التطوري ليس قدراً محتوماً، بل هو قابل للتعديل والتحوير وفقاً للمتغيرات الثقافية والسياسية التي تمنح النساء مساحات أوسع من القوة والاستقلالية الاقتصادية.
5.2 عدم التماثل السلوكي وديناميكيات الهيمنة الذكورية
أوضحت دراسات براتو أن التباين في التوجه نحو الهيمنة ينعكس بشكل مباشر على الخيارات المهنية والمسارات الحياتية للرجال والنساء فيما يُعرف بـ الفرز الجندري للأدوار:
- يميل الرجال ذوو الدرجات المرتفعة في SDO إلى اختيار وظائف ومسارات مهنية معززة للهرمية (Hierarchy-Enhancing roles)، كالعمل في قطاعات الشرطة، والقوات المسلحة، وإدارة السجون، وقضاء الجنايات، والشركات الاستثمارية الكبرى ذات الطابع التنافسي الشرس.
- تميل النساء (والأفراد ذوو SDO المنخفض عموماً) إلى الانخراط في مسارات مهنية مخففة للهرمية (Hierarchy-Attenuating roles)، مثل العمل الاجتماعي، والمحاماة الحقوقية العامة، والتمريض، والتعليم الأساسي، والمنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان ورعاية البيئة.
كما بينت براتو أن ظاهرة الانحياز للجماعة الداخلية (Ingroup Bias) تظهر بشكل أكثر حدة لدى الرجال مقارنة بالنساء عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على سلطة المجموعة وهويتها التنافسية، في حين تبدي النساء مرونة أكبر في التعاطف مع المجموعات الخارجية المستضعفة، مما يحد من تبنيهن للأيديولوجيات الإقصائية والعنيفة.
5.3 التقاطعية بين النوع الاجتماعي والهويات العرقية والطبقية
قدمت براتو مساهمة جوهرية لدراسات التقاطعية (Intersectionality) عبر تطوير ما أسمته وسيدانيوس بـ فرضية الهدف الذكوري التابع (Subordinate-Male Target Hypothesis – SMTH). تنص هذه الفرضية على أن الجزء الأكبر من العنف، والاضطهاد المادي، والملاحقة القضائية، والقتل الممارس من قبل الجماعات المهيمنة لا يستهدف الجماعة التابعة بشكل متجانس، بل يوجه بصورة خاصة وعنيفة ضد ذكور الجماعة التابعة.
تفسر براتو ذلك بأن النخب الذكورية المهيمنة تنظر تاريخياً إلى ذكور المجموعات المستضعفة كمنافسين محتملين على السلطة والموارد وامتيازات الهيمنة، في حين يتم التعامل مع إناث المجموعات التابعة من خلال آليات التبعية الأبوية والاستغلال الجنسي والخدمي. وقد أثبتت براتو هذه الفرضية تجريبياً من خلال تحليل بيانات السجون الأمريكية والقتل خارج القانون؛ حيث وجد أن الرجال السود يواجهون مستويات استهداف أمنية وقضائية تفوق بأضعاف ما تواجهه النساء السوداوات، مما يكشف عن التشابك المعقد بين الجندر والعرق في هندسة القمع الاجتماعي.
6. التفاعلات المعرفية والتحيزات الضمنية في نماذج براتو التجريبية
6.1 الانتباه الانتقائي ومعالجة المعلومات الاجتماعية
تميزت مسيرة فيليسيا براتو بقدرتها على تطويع أدوات علم النفس المعرفي لفحص الأسئلة السياسية المعقدة. وقد استخدمت على نطاق واسع تقنية “مهمة ستروب الانفعالية” (Emotional Stroop Task) ومقاييس زمن الرجع الدقيقة لإثبات أن الأفراد ذوي التوجه المرتفع نحو الهيمنة الاجتماعية يعالجون المحفزات البيئية بطريقة معرفية مختلفة تماماً عن نظرائهم ذوي التوجه المنخفض.
في هذه التجارب، أظهرت براتو أن المشاركين الذين يؤيدون الهيمنة الاجتماعية يوجهون انتباههم الانتقائي التلقائي وغير الواعي بسرعة مفرطة نحو الكلمات والمفاهيم المرتبطة بـ السلطة، والمكانة، والتهديد، والمنافسة مقارنة بالكلمات المرتبطة بالمساواة أو الرعاية الإنسانية. هذا الانحياز الانتباهي التلقائي يعني أن هؤلاء الأفراد مهيؤون معرفياً وعصبياً لرصد أي تهديد لموقعهم الاجتماعي المتميز، مما يجعل استجاباتهم السياسية الرافضة للعدالة وللجماعات الخارجية استجابات سريعة تتجاوز التفكير النقدي المتأني وتتحول إلى نمط إدراكي دائم.
6.2 الإدراك التلقائي للوجوه والرموز الطبقية والعرقية
وسعت براتو أبحاثها المعرفية لتشمل دراسة المعالجة البصرية التلقائية للوجوه والرموز الطبقية والعرقية. وفي سلسلة من الدراسات التجريبية المتطورة، بينت أن تفضيل الهيمنة الاجتماعية يؤثر حتى على الطريقة التي “يرى” بها الفرد ملامح الآخرين؛ فالأفراد ذوو درجات SDO المرتفعة يميلون إلى تصنيف الوجوه الغامضة عرقياً بسرعة كأعضاء في جماعات خارجية تابعة، أو قراءتها كوجوه تحمل تعبيرات عدائية ومهددة.
ارتبطت هذه المعالجة المعرفية السريعة باستجابات فسيولوجية وعصبية واضحة؛ حيث يظهر هؤلاء الأفراد نشاطاً مرتفعاً في اللوزة الدماغية (Amygdala) ومؤشرات التوتر الفسيولوجي عند تعرضهم لرموز صعود الجماعات المهمشة (كعلم حركة تحرر، أو صور لقيادات عمالية أو عرقية نالت مناصب سيادية). تؤكد براتو أن هذه التحيزات الضمنية ليست مجرد أخطاء إدراكية عابرة، بل هي حراس معرفيون يخدمون حماية البنية الهرمية للمجتمع في الوعي الباطن للفرد.
6.3 إعادة التقييم المعرفي للتهديدات الوجودية والجماعية
في سياق الأزمات الاقتصادية والسياسية الكبرى، فحصت براتو آليات “إعادة التقييم المعرفي” لدى أصحاب التوجه نحو الهيمنة. وأظهرت النتائج أن هؤلاء الأفراد يستخدمون ترسانة من آليات الدفاع النفسي لتأطير أي أزمة تواجه مجتمعهم بأنها ناجمة حصراً عن “تساهل الدولة مع الأقليات والمهاجرين” أو “التدخل في آليات السوق الحرة لصالح غير المنتجين”.
تقوم هذه الآليات المعرفية بحماية الصورة الذاتية الإيجابية للمجموعة المهيمنة؛ فبدلاً من الاعتراف بأن الأزمات قد تكون ناجمة عن فساد النخب أو فشل السياسات الرأسمالية المتوحشة، يتم تحويل اللوم المعرفي بالكامل نحو الفئات الأضعف عبر ظاهرة كبش الفداء (Scapegoating). من هنا، استنتجت براتو أن تعديل القوالب النمطية والتحيزات لا يمكن أن ينجح عبر تقديم المعلومات والحقائق المجردة وحدها، بل يتطلب تفكيك البنية الدفاعية المعرفية المرتبطة بالرغبة في التفوق والمكانة.
7. العلاقات بين المجموعات: التمييز العنصري، الطبقية، والاستعمار
7.1 التشريح النفسي للتمييز العنصري الممنهج
قدمت فيليسيا براتو تشريحاً نفسياً لا هوادة فيه لـ التمييز العنصري الممنهج في الولايات المتحدة والعالم الغربي. ورفضت بشدة الرأي القائل بأن العنصرية مجرد مسألة “كراهية شخصية” عابرة أو “تعصب جهلة”؛ بل برهنت على أنها أداة بنيوية معقدة تصممها وترعاها الجماعات المهيمنة للحفاظ على استئثارها بالموارد السياسية والاقتصادية والرمزية للبلاد.
أظهرت دراسات براتو الميدانية علاقة ارتباطية وسببية قوية بين درجات SDO المرتفعة لدى البيض ومعارضتهم الشرسة لسياسات التمييز الإيجابي (Affirmative Action)، وإصلاح منظومة العدالة الجنائية، واستثمارات الدولة في المدارس العامة التي تخدم الأحياء ذات الغالبية الإفريقية أو اللاتينية. والمثير للاهتمام أن هذه المعارضة لا تتم صياغتها في العلن بدوافع عنصرية صريحة، بل يتم تغليفها ببراعة تحت شعارات مجردة ومقبولة اجتماعياً مثل “حماية الكفاءة الفردية”، و”رفض المحاباة الحكومية”، و”الحفاظ على المعايير الصارمة”، وهي صياغات تؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج التفوق الأبيض تحت قناع النزاهة القانونية.
7.2 إعادة إنتاج التفاوت الطبقي وتأصيل الفقر نفسياً
في تناولها لقضية الفقر والطبقية الاجتماعية، بينت براتو كيف تعمل التوجهات الهيمنية على تحويل اللامساواة الاقتصادية الفجة إلى مسألة “استحقاق أخلاقي ونفسي”. يميل أصحاب التوجه المرتفع للهيمنة الاجتماعية إلى تبني نمط عزو داخلي للفقر؛ إذ يعزون فقر المعدمين إلى عيوب شخصية متأصلة كضعف الإرادة، وغياب الطموح، والإدمان، وتراجع الكفاءة العقلية، متجاهلين تماماً آليات الاحتكار المالي، وغياب تكافؤ الفرص التعليمية، وتوارث الثروات غير الخاضعة للضرائب.
يخدم هذا التأصيل النفسي للفقر وظيفة تبريرية بالغة القسوة؛ فهو يمنح الأثرياء راحة ضمير مطلقة تبرر لهم معارضة الرعاية الصحية الشاملة، والتعليم المجاني، والضرائب التصاعدية، والحدود الدنيا للأجور. وقد أظهرت تجارب براتو أن تعريض المشاركين لمعلومات موثقة تثبت وجود فجوات طبقية صارخة لا يدفع أصحاب الـ SDO المرتفع للتعاطف مع الفقراء، بل يدفعهم إلى التمسك بمواقف أشد قسوة في لوم الضحايا وتبرير تخفيض شبكات الأمان الاجتماعي.
7.3 النظم الاستعمارية وما بعد الاستعمارية من زاوية براتو
طبقت فيليسيا براتو مفاهيم نظرية الهيمنة الاجتماعية لتحليل العلاقات الجيوسياسية بين الدول الاستعمارية والشعوب المستعمرة في عصر ما بعد الاستعمار. وكشفت عن الكيفية التي استند بها المشروع الاستعماري الغربي تاريخياً إلى أساطير تبريرية عليا صيغت في قوالب دينية وعلمية (مثل “عبء الرجل الأبيض” ونظريات الأنثروبولوجيا الاستعمارية في القرن التاسع عشر) لتبرير نهب موارد العالم النامي وإخضاع سكانه بالقوة العسكرية الغاشمة.
وفي الحقبة المعاصرة، تتبعت براتو كيف تستمر هذه الهيمنة عبر أشكال جديدة من “الاستعمار الجديد” (Neocolonialism) والتبعية الثقافية والاقتصادية؛ حيث تفرض المؤسسات المالية الدولية والتحالفات العسكرية الغربية سياسات تضمن بقاء دول الجنوب في مرتبة المورد الرخيص للمواد الخام والأيدي العاملة، بينما تحتكر دول الشمال سلاسل القيمة المضافة والتكنولوجيا وصناعة القرار الدولي. وأظهرت بحوثها أن دعم المواطنين في الدول الغربية للتدخلات العسكرية الأجنبية واستغلال موارد الدول الضعيفة يرتبط بشكل مباشر بارتفاع مستويات التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية لديهم، ورؤيتهم لحياة وثروات الشعوب غير الغربية كأمور ذات قيمة إنسانية متدنية.
8. القوة المؤسسية، والسياسات العامة، والعدالة الاجتماعية
8.1 فرز الأفراد وانتقائهم داخل المؤسسات المجتمعية
من أعمق الإضافات التي قدمتها براتو لفهم كيفية عمل المجتمعات، نظرية الفرز والانتقاء المؤسسي (Institutional Selection and Socialization). تجيب هذه الأطروحة عن السؤال: كيف تحافظ المؤسسات على طابعها التمييزي حتى دون وجود نصوص قانونية صريحة تنص على التمييز؟ توضح براتو أن هذا يتم عبر مسارين متكاملين:
- الانتقاء الذاتي والتوظيفي المتبادل: فالأفراد الذين يحملون درجات عالية في التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية ينجذبون طبيعياً للتقدم إلى المؤسسات المعززة للهرمية (كالنيابة العامة، والشرطة، والمؤسسات العسكرية، وشركات التحصيل المالي)، بينما تقوم لجان التوظيف في تلك المؤسسات بتفضيل هؤلاء الأفراد دون وعي صريح، لكون سماتهم الصارمة والتنافسية تتطابق مع ثقافة المؤسسة.
- التطبيع الاجتماعي المؤسسي (Institutional Socialization): يتعرض الأفراد داخل تلك المؤسسات لعمليات غسيل فكري وتطبيع مستمر يعزز فيهم رؤية المجموعات التابعة كـ”أعداء للنظام” أو “فئات مارقة”، مما يرفع درجات SDO لديهم مع مرور سنوات الخدمة، ويعزل تماماً أي موظف يحمل نزعات مساواتية أو إصلاحية، دافعاً إياه للاستقالة أو التهميش.
في المقابل، يحدث المسار العكسي تماماً في المؤسسات المخففة للهرمية (كمنظمات الدفاع عن حقوق المهاجرين، والجمعيات الخيرية، والمدارس المجتمعية)، حيث تفرز وتجذب الأفراد ذوي التوجهات المساواتية المنخفضة في SDO، مما يجعل المؤسسات المجتمعية تعمل كقوى متنافرة تعيد إنتاج الصراع وتكرس الفرز الأيديولوجي في الدولة.
8.2 صنع السياسات العامة والتشريعات المنظمة للمجتمع
أثبتت أبحاث براتو التطبيقية أن النخب السياسية والتشريعية ليست بمعزل عن هذه الديناميكيات النفسية؛ إذ يلعب التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية لدى صناع القرار دوراً حاسماً في توجيه الإنفاق العام والموازنات الحكومية. فالبرلمانيون والمسؤولون ذوو النزعات الهيمنية يميلون دوماً إلى تفضيل:
- زيادة موازنات التسليح، والدفاع، وأجهزة الأمن الداخلي، وبناء السجون.
- تخفيض الإنفاق على الرعاية الصحية، ومعونات البطالة، والتعليم المجاني، والمساعدات الدولية الموجهة للدول الفقيرة.
- تشريع سياسات جزائية بالغة القسوة تعتمد على الحبس الجماعي وسياسات “الصفر تسامح” (Zero Tolerance)، والتي تستهدف بصورة غير متناسبة أبناء الأقليات والفقراء، مما يحيدهم سياسياً واقتصادياً ويسلبهم حق التصويت والاندماج المدني.
- تشديد السياسات الهجرية، وعسكرة الحدود، واحتجاز طالبي اللجوء، انطلاقاً من إدراك ديموغرافي يرى في الهجرة تهديداً لتفوق الأغلبية العرقية الحاكمة وتفكيكاً للبنية التراتبية التقليدية للبلاد.
8.3 استراتيجيات تفكيك التمييز المؤسسي وتعزيز العدالة
انطلاقاً من تشخيصها الصارم لأمراض المؤسسات، لم تكتفِ براتو بالتحليل النقدي، بل طرحت استراتيجيات عمل واضحة لتفكيك الهيمنة المؤسسية وإرساء دعائم العدالة الاجتماعية. وتشدد على أن تغيير القلوب والنوايا الفردية غير كافٍ على الإطلاق، بل يجب استهداف البنى والقواعد التنظيمية للمؤسسات مباشرة عبر:
- إعادة هيكلة لجان التوظيف واعتماد آليات تقييم “عمياء” تخفي الهويات العرقية والجندرية للمتقدمين لكسر حلقة الفرز الانتقائي الهيمني.
- فرض نظم رقابة مدنية ومجتمعية مستقلة على أجهزة إنفاذ القانون والمحاكم لمنع انفراد الفئات المعززة للهرمية بصنع القرار القضائي والأمني.
- إدماج برامج تدريبية وتثقيفية تفكك الأساطير التبريرية وتبين خطورة التحيزات المعرفية الضمنية داخل أروقة الإدارات العامة.
- دعم وتمكين المؤسسات المخففة للتسلسل الهرمي عبر التمويل الحكومي المحمي قانونياً، لتوفير ثقل موازن يكبح جماح المؤسسات القمعية في الدولة.
9. الصراعات الدولية والحروب والإرهاب من منظور الهيمنة الاجتماعية
9.1 النظرة النفسية للحروب والنزاعات المسلحة بين الدول
في مسار بحثي متقدم بدأ مع مطلع الألفية الثالثة، وسعت فيليسيا براتو نطاق نظرية الهيمنة الاجتماعية لتشمل العلاقات الدولية والحروب الاستباقية والنزاعات المسلحة. وقد بينت من خلال دراسات مسحية وتجريبية واسعة أن تأييد السياسات الخارجية العدوانية واستخدام القوة العسكرية المفرطة بين الدول يرتبط ارتباطاً وثيقاً بارتفاع درجات التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية لدى المواطنين والنخب على حد سواء.
تعتمد النظرة الهيمنية للعلاقات الدولية على مبدأ “القوة تصنع الحق”؛ حيث يُنظر إلى المجتمع الدولي ليس كنظام تسوده المواثيق والقوانين المشتركة، بل كحلبة صراع مفتوحة يتوجب فيها على الدولة العظمى فرض هيمنتها الأحادية وإخضاع الخصوم بالقوة العسكرية لمنع أي تحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب. وقد أجرت براتو أبحاثاً مفصلية حول الرأي العام الأمريكي إبان حربي الخليج، وأفغانستان، وغزو العراق عام 2003، وأثبتت أن التأييد الشعبي لشن تلك الحروب كان مدفوعاً بالدرجة الأولى بالرغبة في تأكيد الهيمنة والتفوق القومي، مصحوباً بعمليات تجريد من الإنسانية (Dehumanization) واسعة النطاق للشعوب المستهدفة لتبرير سقوط مئات الآلاف من الضحايا المدنيين تحت ذريعة “الأضرار الجانبية”.
9.2 الإرهاب والعنف السياسي المضاد: الدوافع والديناميكيات
قدمت براتو تحليلاً سيكولوجياً بنيوياً لظاهرة الإرهاب والعنف السياسي، رافضة حصره في خانة “الجنون الديني” أو “الانحراف النفسي الفردي”. فرغم إدانتها القاطعة لاستهداف المدنيين، أوضحت أن عنف الجماعات غير الدولتية والمتمردة هو في جوهره رد فعل متطرف ومأساوي تنتجه ديناميكيات القمع الهرمي العالمي والإقليمي.
توضح براتو أن الهيمنة العسكرية والاستعمارية المطولة تولد في نفوس الشعوب التابعة مشاعر ساحقة بالمهانة الجمعية، وفقدان القيمة الإنسانية، وانسداد الأفق السياسي السلمي. في هذه البيئة المشحونة بالظلم الهيكلي، يسهل على الخطابات الأيديولوجية المتطرفة استقطاب الشباب المهمش وتأطير العنف المسلح كأداة وحيدة لاستعادة الكرامة وكسر جبروت القوة المهيمنة. ومن هنا، بينت براتو أن “الحرب على الإرهاب” التي تعتمد على الأدوات الأمنية القمعية والضربات العسكرية دون معالجة المظالم البنيوية الأصلية، تؤدي حتماً إلى تغذية دائرة مفرغة من العنف المتبادل: فقمع الهيمنة يولد المقاومة العنيفة، والتي تُستخدم بدورها كأسطورة تبريرية لشن مزيد من القمع والحروب.
9.3 بناء السلام وحل النزاعات الدولية المستعصية
بناءً على فهمها العميق لديناميكيات الصراع، أكدت براتو أن محاولات بناء السلام والمصالحات الدولية غالباً ما تبوء بالفشل لأنها تكتفي بإجراءات شكلية وسطحية وتتجاهل تعديل موازين القوة الرمزية والمادية بين أطراف النزاع. فالسلام الحقيقي والمستدام لا يمكن أن يقوم بين طرف مهيمن يمتلك كل مقومات السيطرة ويملي شروطه، وطرف تابع مسلوب الإرادة والموارد.
تطرح براتو متطلبات جوهرية لنجاح مفاوضات السلام الدائمة، تشمل:
- الاعتراف العلني والصريح من قبل الجماعة المهيمنة بالمظالم التاريخية والجرائم الممنهجة المرتكبة ضد الجماعة التابعة.
- تفكيك الأساطير التبريرية التي شيدتها الجماعة المسيطرة حول “حقها التاريخي” أو “أفضليتها الحضارية”.
- إعادة التوزيع العادل للموارد الحيوية (كالأراضي، والمياه، والسيادة السياسية، والتمثيل الدبلوماسي الكامل).
- إطلاق برامج تعليمية ومجتمعية مشتركة تعمل على أنسنة الآخر وتفكيك القوالب النمطية العدائية في مناهج التعليم والإعلام.
10. المقارنات النقدية: نظرية الهيمنة الاجتماعية في مواجهة النظريات النفسية المنافسة
10.1 الهيمنة الاجتماعية في مواجهة نظرية الهوية الاجتماعية (SIT)
خاضت فيليسيا براتو سجالاً فكرياً ومثمراً لعقود مع رواد نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory – SIT) التي أسسها هنري تاشفيل وجون تيرنر. ورغم اعتراف براتو بأهمية مفهوم الهوية الاجتماعية، إلا أنها انتقدت فرضيتها المركزية القائلة بأن مجرد تصنيف الأفراد إلى مجموعات (Us vs. Them) كافٍ بمفرده لتوليد الانحياز للجماعة الداخلية والتعصب ضد الجماعة الخارجية سعياً وراء “احترام الذات الإيجابي”.
جادلت براتو بأن نظرية الهوية الاجتماعية تعجز عن تفسير ظواهر حاسمة في الواقع الاجتماعي، ومن أبرزها:
- لماذا لا تظهر الجماعات التابعة في كثير من الأحيان انحيازاً لجماعتها الداخلية، بل تظهر تفضيلاً وانحيازاً للجماعة الخارجية المهيمنة (Outgroup favoritism)؟
- لماذا يقبل ملايين البشر من الفئات المستضعفة التسلسلات الهرمية التي تضر بهم مباشرة ويدافعون عنها؟
هنا يتفوق نموذج الهيمنة الاجتماعية عبر مفهوم السلوك غير المتماثل والأساطير التبريرية؛ فالصراع في نظر براتو لا يدور فقط حول مكانة الهوية المعنوية واحترام الذات، بل يدور حول السيطرة المادية الحقيقية على الموارد والسلطة، وهو ما يفسر استخدام النخب للأيديولوجيا لشل قدرة الضحايا على مقاومة مضطهديهم.
10.2 التفاعل بين الهيمنة الاجتماعية والتسلطية اليمينية (RWA)
يعد التفاعل بين التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (SDO) والنزعة التسلطية اليمينية (RWA) من أعظم النجاحات التكاملية في علم النفس السياسي الحديث، وتحديداً من خلال “النموذج المزدوج للتعصب” (Dual-Process Cognitive-Motivational Model) الذي طوره جون دوكويت بالتعاون مع أفكار براتو وسيدانيوس. يوضح هذا النموذج أن التعصب والنزعات السياسية الرجعية ينبعان من مسارين نفسيين مستقلين يكمل أحدهما الآخر:
| المحور | النزعة التسلطية اليمينية (RWA) | التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (SDO) |
|---|---|---|
| الدافع الأساسي | الخوف من التهديد، والبحث عن الأمن والنظام والاستقرار. | السعي وراء القوة، والمكانة، والتفوق التنافسي، والموارد. |
| الرؤية للعالم | العالم مكان خطير وفاسد أخلاقياً ومهدد بالفوضى. | العالم غابة تنافسية قاسية والبقاء فيها للأقوى. |
| الأهداف السياسية | فرض التطابق المجتمعي وطاعة السلطة والتقاليد الصارمة. | الحفاظ على التسلسل الهرمي الطبقي ومنع المساواة بين المجموعات. |
| الأهداف المكروهة | المتمردون الأخلاقيون، الأقليات غير الممتثلة، دعاة التحرر. | المجموعات الضعيفة التي تطالب بالمساواة والعدالة التوزيعية. |
أثبتت براتو أن الجمع بين هذين المتغيرين يوفر قدرة تنبؤية شبه كاملة للتنبؤ بالسلوكيات التصويتية للفاشية الجديدة، والتحيزات العرقية، وتأييد الحركات الشعبوية اليمينية المتطرفة التي تجمع بين الرغبة في الأمن القمعي (RWA) وتأكيد التفوق القومي والعرقي (SDO).
10.3 العلاقة مع نظرية تبرير النظام لجون جوست
شهدت الأدبيات النفسية حوارات نقدية مكثفة بين فيليسيا براتو وجون جوست (John Jost)، مؤسس نظرية تبرير النظام (System Justification Theory – SJT). ورغم وجود تقاطعات هائلة بين النظريتين حول كيفية قبول الأفراد للظلم، إلا أن الخلاف الجوهري تركز حول نقطة ارتكاز الدافع النفسي:
يرى جوست أن لدى البشر دافعاً نفسياً أصيلاً وتكيفياً لتبرير “النظام الاجتماعي القائم” والدفاع عنه ككيان مجرد للشعور باليقين والاستقرار المعرفي، حتى لو كان هذا النظام يسحقهم. في المقابل، ترفض براتو هذا التجريد؛ مؤكدة أن الأفراد لا يدافعون عن “النظام المجرد” حباً فيه، بل يدافعون عن التسلسل الهرمي للجماعات الذي يفيد مجموعاتهم أو الذي فُرض عليهم بالقوة المادية والرمزية. كما بينت براتو أن الجماعات المستضعفة تقاوم وتتمرد فور أن تتاح لها الموارد والفرص الهيكلية لكسر الهيمنة، مما يدحض فكرة وجود رغبة غريزية ثابتة لدى الإنسان لتبرير النظم الظالمة.
11. التطبيقات المنهجية والأبحاث العابرة للثقافات لفيليسيا براتو
11.1 التصميم التجريبي والمناهج الكمية في دراسات براتو
تعتبر المنهجية البحثية الصارمة التي تبنتها فيليسيا براتو بمثابة نموذج يحتذى به في علم النفس المعاصر. فقد رفضت دائماً الاعتماد على الملاحظات الوصفية البسيطة أو المسوح السطحية، بل دمجت في أبحاثها بين:
- التجارب المعملية المحكمة لضبط المتغيرات الدخيلة وفحص العلاقات السببية المباشرة بين التحيزات وتفضيل الهيمنة.
- المسوحات الميدانية واسعة النطاق في بيئات طبيعية ومعقدة تشمل عينات مجتمعية حقيقية خارج أسوار الجامعات.
- استخدام التحليلات الإحصائية المتقدمة، لاسيما النمذجة بالمعادلات البنائية (Structural Equation Modeling – SEM) والتحليل متعدد المستويات (Multilevel Modeling)، لتتبع العلاقات التفاعلية المعقدة بين المتغيرات الفردية، والمتغيرات المؤسسية، والظروف الاقتصادية الكلية.
كما واجهت براتو بحرفية عالية معضلة “المرغوبية الاجتماعية” (Social Desirability Bias)، حيث يميل المشاركون في الاستبيانات إلى إخفاء توجهاتهم العنصرية؛ فطورت مقاييس ذكية وتجارب ضمنية قادرة على استكشاف الرغبة الدفينة في الهيمنة حتى وإن حاول المشارك إظهار نفسه كشخص متسامح ومحب للمساواة.
11.2 الدراسات الدولية المقارنة والتحقق العابر للثقافات
لم تحبس براتو نظريتها داخل حدود المجتمع الأمريكي أو النموذج الغربي الأبيض، بل قادت تحالفات بحثية عالمية لاختبار فرضيات نظرية الهيمنة الاجتماعية في عشرات الدول والمجتمعات ذات الخصائص الثقافية والسياسية المتباينة جذرياً (من ديمقراطيات غربية، ودول شيوعية سابقة، ومجتمعات إفريقية وآسيوية ولاتينية). وقد أسفرت هذه الدراسات العابرة للثقافات عن نتائج بالغة الأهمية:
أولاً، أثبتت براتو أن التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (SDO) يمثل بنية سيكولوجية كونية موجودة في كافة المجتمعات الإنسانية، غير أن مضامين وأشكال “الأساطير التبريرية” تختلف جذرياً باختلاف السياق المحلي؛ فبينما تتخذ في الغرب طابعاً فردانياً جداراتياً، تتخذ في آسيا أو إفريقيا طوابع دينية، أو عائلية، أو طائفية، أو قومية.
ثانياً، بينت براتو أن المتغيرات الاقتصادية الكلية تلعب دوراً حاسماً في تشكيل مستويات الهيمنة في المجتمعات؛ فكلما ارتفع معامل جيني (Gini Index) الذي يقيس اللامساواة في توزيع الدخل الوطني، وكلما ضعفت منظومة الرفاه الاجتماعي والخدمات العامة في بلد ما، ارتفعت مستويات الـ SDO لدى عامة السكان، وتصاعد العنف ضد الأقليات، مما يثبت أن السياسات الاقتصادية للدول تؤثر تأثيراً مباشراً على البنية النفسية والأخلاقية لمواطنيها.
11.3 التحديات المنهجية والانتقادات الموجهة للأدوات البحثية
رغم الرصانة الفائقة لأبحاثها، واجهت براتو انتقادات منهجية تعاملت معها بجدية علمية لتطوير أدواتها. وكان من أبرز تلك الانتقادات:
- الاعتماد المكثف في البدايات على عينات طلاب الجامعات الغربية (ما يعرف بعينات WEIRD – الغربية، المتعلمة، الصناعية، الثرية، الديمقراطية)، مما دفعها لتنفيذ مسوحات واسعة شملت العمال، والمشردين، وأفراد السجون، ومقاتلين سابقين في مناطق النزاعات الدولية.
- طرح تساؤلات نقدية حول مدى قدرة المقاييس المغلقة القائمة على خيارات ليكرت (Likert Scales) على استيعاب المشاعر الإنسانية المركبة والخبرة الحياتية المعاشة لضحايا الصراع الطبقي والعرقي، وهو ما دفع براتو لدمج أساليب التحليل السردي والمقابلات النوعية المعمقة في أبحاثها المتأخرة.
12. إرث فيليسيا براتو العلمي وآفاق علم النفس الاجتماعي المعاصر
12.1 التأثير الفكري على الأجيال اللاحقة من الباحثين
يمثل إرث فيليسيا براتو ركيزة راسخة لا غنى عنها لأي باحث معاصر في حقول العلاقات بين الجماعات، وعلم النفس السياسي، والعدالة الاجتماعية. لقد خرّجت براتو من مختبرها في جامعة كونيتيكت أجيالاً متعاقبة من العلماء والباحثين الذين يقودون اليوم أقسام علم النفس ومراكز أبحاث السلام حول العالم، مستلهمين منهجها في الجمع بين الصرامة الرقمية التجريبية والموقف الأخلاقي الملتزم بقضايا التحرر الإنساني.
تحظى أبحاث براتو بآلاف الاستشهادات المرجعية سنوياً في كبرى الدوريات المحكمة، ولم تعد أطروحاتها محصورة في علم النفس، بل تسللت بعمق إلى العلوم السياسية، وعلم الاجتماع، ودراسات النوع، وحقوق الإنسان، وعلم الإجرام (Criminology). لقد أحدث كتابها مع جيم سيدانيوس ثورة مفاهيمية جعلت من المستحيل الحديث عن “التمييز” دون فحص “الهياكل الهرمية” و”الأساطير التبريرية” التي تحميه.
12.2 مستقبل نظرية الهيمنة الاجتماعية في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي
مع دخول البشرية عصر الرقمنة الشاملة والذكاء الاصطناعي التوليدي، يكتسب إطار نظرية الهيمنة الاجتماعية لبراتو راهنية مذهلة لتفكيك التحديات التكنولوجية المعاصرة. تظهر أحدث قراءات النظرية في هذا المجال تجليات خطيرة:
- التحيزات الخوارزمية كأساطير تبريرية تكنولوجية: يتم تغليف أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في التوظيف، وتحديد التصنيفات الائتمانية، والتعرف الجنائي على الوجوه، بهالة من “الحياد العلمي والموضوعية الحسابية”، بينما هي في الحقيقة تعيد إنتاج التحيزات العنصرية والطبقية المتأصلة في البيانات التاريخية التي تدربت عليها، لتتحول الخوارزميات إلى “أساطير تبريرية رقمية” تعزز الهرمية باسم التقدم التقني.
- الاستقطاب الرقمي وغرف الصدى: تستغل منصات التواصل الاجتماعي غريزة الهيمنة والتفوق الجماعي لتعزيز التفاعل وخوارزميات الربح، مما يفاقم خطاب الكراهية، وتأجيج مشاعر الهيمنة القومية، واستهداف الأقليات المستضعفة في الفضاءات الافتراضية.
12.3 الخلاصة والرؤية الاستشرافية لمجتمعات أكثر عدالة ومساواة
إن الدرس الأعمق الذي تتركه لنا فيليسيا براتو عبر مسيرتها الأكاديمية الاستثنائية هو أن اللامساواة الاجتماعية ليست حتمية بيولوجية مستحيلة التغيير، وليست في الوقت ذاته مجرد سوء تفاهم أخلاقي عابر يزول بالنوايا الطيبة والمواعظ الفردية. إنها بنية هيكلية ونفسية متماسكة، تدافع عنها مصالح مادية هائلة ونظم مؤسسية متجذرة وأساطير أيديولوجية بالغة الذكاء والتأثير.
تفتح أعمال براتو الباب أمام مشروع تحرري حقيقي يجمع بين دقة البحث التجريبي والمسؤولية الأخلاقية النضالية. إن بناء مجتمعات تسودها العدالة يتطلب الشجاعة لتفكيك الأساطير التبريرية الزائفة، وتعرية الامتيازات الهيكلية غير المستحقة، وإعادة بناء المؤسسات العامة لتصبح أدوات لتمكين المستضعفين وتوزيع القوة بدلاً من حراسة التفوق الطبقي والعرقي والذكوري. في هذا الأفق الإنساني الرحب، تظل فيليسيا براتو منارة علمية وأخلاقية تلهم كل الساعين نحو فهم الطبيعة البشرية وبناء عالم يتسع لكرامة الجميع على قدم المساواة.
الخاتمة
لقد أعادت فيليسيا براتو رسم خريطة علم النفس الاجتماعي الحديث؛ حيث نقلته من فضاء التوصيف السلوكي المحدود إلى رحاب النظرية البنيوية الشاملة القادرة على مساءلة السلطة وفضح آليات القمع المخبوءة في ثنايا الثقافة والمؤسسات والوعي الإنساني. عبر مسيرتها الحافلة، برهنت براتو على أن العلم الحقيقي ليس ذلك الذي ينعزل في أبراج عاجية باردة مدعياً الحياد إزاء مآسي الإنسان، بل هو العلم الذي يمتلك الجرأة على استخدام أدوات التجريب والتحليل الأكثر صرامة لتشريح الظلم البنيوي وتقديم المعرفة اللازمة لمقاومته وتجاوزه. سيبقى إرث براتو حياً ما بقيت في الأرض رغبة في التحرر وسعي نحو مجتمعات تتجاوز ثنائية الهيمنة والخضوع، لتجسد المعنى الأسمى للكرامة الإنسانية المشتركة.
المراجع
- Pratto, F., Sidanius, J., Stallworth, L. M., & Malle, B. F. (1994). Social dominance orientation: A personality variable predicting social and political attitudes. Journal of Personality and Social Psychology, 67(4), 741–763. https://doi.org/10.1037/0022-3514.67.4.741
- Sidanius, J., & Pratto, F. (1999). Social dominance: An intergroup theory of social hierarchy and oppression. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9781139175043
- Pratto, F., Sidanius, J., & Levin, S. (2006). Social dominance theory and the dynamics of intergroup relations: Taking stock and looking forward. European Review of Social Psychology, 17(1), 271–320. https://doi.org/10.1080/10463280601055772
- Ho, A. K., Sidanius, J., Pratto, F., Levin, S., Thomsen, L., Kteily, N., & Sheehy-Skeffington, J. (2012). Social dominance orientation: Revisiting the structure and function of a enduring intergroup attitude. Journal of Personality and Social Psychology, 102(3), 583–606. https://doi.org/10.1037/a0026172
- Ho, A. K., Sidanius, J., Kteily, N., Sheehy-Skeffington, J., Pratto, F., Henkel, K. E., Foels, R., & Stewart, A. L. (2015). The nature of social dominance orientation: Theorizing and measuring preferences for group-based hierarchy and group-based dominance. Journal of Personality and Social Psychology, 109(6), 1003–1028. https://doi.org/10.1037/pspi0000033
- Pratto, F., & John, O. P. (1991). Automatic vigilance: The attention-grabbing power of negative social information. Journal of Personality and Social Psychology, 61(3), 380–391. https://doi.org/10.1037/0022-3514.61.3.380
- Pratto, F., & Glasford, D. E. (2008). Ethnocentrism and the value of human life. Social Issues and Policy Review, 2(1), 93–128. https://doi.org/10.1111/j.1751-2409.2008.00012.x
- Sidanius, J., Pratto, F., van Laar, C., & Levin, S. (2004). Social dominance theory: Its agenda and method. Political Psychology, 25(6), 845–880. https://doi.org/10.1111/j.1467-9221.2004.00401.x
- Duckitt, J., & Sibley, C. G. (2009). A dual-process cognitive-motivational model of ideological attitudes and prejudice. Advances in Experimental Social Psychology, 42, 1–68. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(09)00701-0
- Jost, J. T., Banaji, M. R., & Nosek, B. A. (2004). A decade of system justification theory: Accumulated evidence for conscious and unconscious bolstering of the status quo. Political Psychology, 25(6), 881–919. https://doi.org/10.1111/j.1467-9221.2004.00402.x