الملخص
يُعد مقياس التوجه الديني لجميع الأعمار (Age-Universal Religious Orientation Scale – Age-Universal I-E Scale) واحداً من أبرز الأدوات السيكومترية المعيارية في حقل علم نفس الدين والقياس النفسي، حيث طوّره الباحثان ريتشارد غورسوتش وج. دانييل فينابل (Gorsuch & Venable, 1983) كإعادة صياغة بنيوية وسيكولغوية مقننة للمقياس الكلاسيكي الشهير الذي وضعه غوردون أولبورت وجوزيف روس (Allport & Ross, 1967). صُممت هذه الأداة بهدف تجاوز المعضلات الإدراكية واللغوية المعقدة التي حالت تاريخياً دون قياس التوجه الديني الداخلي والخارجي لدى الأطفال واليافعين وذوي القدرات اللغوية المتوسطة والمحدودة، مع الحفاظ الكامل على التكافؤ المفاهيمي والنفسي للراشدين، مما يجعله مقياساً عابراً للأعمار (Age-Universal) قابلاً للتطبيق ابتداءً من أطفال الصف الخامس الابتدائي (حوالي سن العاشرة) وحتى مراحل الشيخوخة المتقدمة.
يتألف المقياس في صورته المعيارية من 20 فقرة موزعة على بعدين نفسيين رئيسيين مستقلين متعامدين، لا يشكلان قطبين لمتصل أحادي: بُعد التوجه الديني الداخلي (Intrinsic Orientation – I) المكون من 9 فقرات تعكس معايشة الدين كغاية سامية في ذاته ومحرك مركزي وشامل لكافة مناحي الحياة والشخصية، وبُعد التوجه الديني الخارجي (Extrinsic Orientation – E) المكون من 11 فقرة تقيس استغلال الدين كأداة براغماتية نفعية ومصلحية لتحقيق أهداف دنيوية مثل الأمن الشخصي، أو الطمأنينة النفسية، أو المكانة والاندماج الاجتماعي. تُدرج الاستجابة على 19 فقرة وفق مقياس ليكرت خماسي التدريج يتراوح من (1 = أعارض بشدة) إلى (5 = أوافق بشدة)، بينما تُقاس الفقرة السادسة عبر مقياس ليكرت خماسي يقيس معدل ارتياد دور العبادة من (1 = بضع مرات في السنة أو أقل) إلى (5 = أكثر من مرة أسبوعياً).
أظهرت الدراسات السيكومترية التأسيسية التي أُجريت على عينات متمايزة من الراشدين المتطوعين وتلاميذ الصفين الخامس والسابع كفاءة قياسية رفيعة؛ حيث تراوحت معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) للبعد الداخلي بين 0.68 و0.73، وللبعد الخارجي بين 0.66 و0.75. كما أثبتت تحليلات الارتباط التبادلي تماثلاً وتكافؤاً كاملاً مع مقياس أولبورت وروس الأصلي (ارتباط 0.90 للبعد الداخلي و0.79 للبعد الخارجي). ويمثل المقياس إضافة إمبريقية رائدة مكّنت الباحثين في علم النفس النمائي، والاجتماعي، والعيادي من فحص نمو التوجهات الروحية وعلاقتها بالصحة النفسية، والتوافق الانفعالي، والتعصب الاجتماعي، والوقاية من الاكتئاب عبر مراحل الحياة المختلفة.
الكلمات المفتاحية
مقياس التوجه الديني لجميع الأعمار، التوجه الديني الداخلي، التوجه الديني الخارجي، علم نفس الدين، غوردون أولبورت، ريتشارد غورسوتش، الخصائص السيكومترية، الصدق البنائي، قياس التدين، الاتساق الداخلي، علم النفس النمائي، التحليل العاملي.
المؤلفون
طُوّر المقياس رسمياً على يد عالمي النفس القياسيين البارزين:
- ريتشارد ل. غورسوتش (Richard L. Gorsuch): أستاذ علم النفس الفخري في كلية علم النفس بمعهد فولر اللاهوتي (Graduate School of Psychology, Fuller Theological Seminary)، باسادينا، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية. يُعد غورسوتش من كبار منظري ومؤسسي القياس السيكومتري لعلم نفس الدين في العالم ومؤلف أحد المراجع العالمية الكبرى في التحليل العاملي (Factor Analysis).
- ج. دانييل فينابل (G. Daniel Venable): باحث متخصص في علم النفس السريري والقياس النفسي، ارتبط بمختبرات القياس النفسي للأديان بكلية علم النفس في معهد فولر اللاهوتي بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث شارك في تصميم الصياغات السيكولغوية وتطبيقها على الأطفال والناشئة.
الغرض
يكمن الغرض الجوهري من تصميم مقياس التوجه الديني لجميع الأعمار في حل معضلة منهجية وتطبيقية طالما واجهت الباحثين في علم النفس النمائي والاجتماعي؛ فالمقاييس التاريخية السابقة، وعلى رأسها مقياس أولبورت وروس (1967)، صيغت بتراكيب لغوية شديدة التعقيد، تضمنت بنى نحوية مركبة، ومصطلحات مجردة تفوق المستويات الإدراكية والتعبيرية للأطفال والمراهقين، مما كان يُفضي إلى تشوهات منهجية في القياس (Measurement Artifacts) ناتجة عن عجز الفهم القرائي واللفظي وليس عن طبيعة التوجه الديني ذاته. ومن هنا، هدف الباحثان إلى ابتكار أداة رصينة ومبسطة الصياغة، خالية من التراكيب الإدراكية المرهقة، بحيث تكون متكافئة وظيفياً وقابلة للتبادل المباشر مع مقياس أولبورت وروس لدى الراشدين، وفي الوقت ذاته صالحة للاستخدام الموثوق مع الأطفال بدءاً من سن الصف الخامس الابتدائي.
التطبيقات البحثية والنفسية
يخدم المقياس مصفوفة واسعة من الأغراض العلمية والتطبيقية، من أبرزها:
- تتبع المسارات النمائية للتدين: إتاحة الفرصة للدراسات الطولية والمستعرضة لفحص كيفية تحول التدين من صيغته الخارجية القائمة على التوجيه الجمعي والامتثال الاجتماعي أو تخفيف القلق الطفولي، إلى تدين باطني موحد وداخلي يُدمج ضمن منظومة الهوية وقيم الأنا العليا عبر سنوات الطفولة والمراهقة والرشد.
- أبحاث الصحة النفسية والرفاهية الذاتية: دراسة دور التوجهات الدينية الداخلية والخارجية كمتغيرات وسيطة أو معدلة في مواجهة الضغوط النفسية الحادة، الصدمات، واضطرابات القلق والاكتئاب عبر مختلف الشرائح العمرية، لاسيما لدى كبار السن وفي المراحل الانتقالية النمائية الحرجة.
- أبحاث التعصب والاتجاهات الاجتماعية: تكرار واختبار فرضية أولبورت التاريخية الشهيرة بأن “الدين يصنع التعصب ويفككه في آنٍ واحد”؛ حيث ارتبط التوجه الخارجي دوماً بارتفاع معدلات التمركز العرقي والتعصب ضد الجماعات الخارجية، في حين يرتبط التوجه الداخلي بالتسامح والتعاطف وضبط التحيزات المسبقة.
- التقييم في الإرشاد العيادي والأسري: مساعدة المعالجين النفسيين والمرشدين التربويين في استكشاف المنظومة المعرفية الدينية للمسترشدين ومعرفة ما إذا كانت العقيدة تشكل مصدراً لبناء المعنى الداخلي والصمود (Resilience) أم وسيلة دفاعية نكوصية مرتبطة بالشعور بالذنب والمكاسب الاجتماعية الظاهرية.
البناء النفسي
يقوم المقياس على أساس قياس بعدين نفسيين جوهريين مستقلين لظاهرة التوجه الديني، حيث تم التخلي تماماً عن النظر إلى التدين ككتلة أحادية مصمتة؛ إذ لا تُشتق الدرجات في هذا المقياس كدرجة كلية مفردة، بل يتم التعامل مع كل بُعد كبناء نفسي مستقل قائم بذاته، وهو ما تدعمه الدراسات الإمبريقية التي تثبت أن التوجهين الداخلي والخارجي يرتبطان بارتباطات ضعيفة إلى سالبة معتدلة، ولا يمثلان طرفي نقيض حتمي على خط متصل واحد.
1. التوجه الديني الداخلي (Intrinsic Religious Orientation)
يُمثل التوجه الداخلي الحالة التي “يعيش فيها الفرد دينه” (Lives his religion). في هذا النمط من البناء النفسي، تكون المعتقدات الروحية والأخلاقية هي الدافع والمحرك الغائي الأول لشخصية الفرد وسلوكه. تُدمج التعاليم الدينية ذاتياً لتشكل الإطار المرجعي الشامل لتفسير الوجود، واتخاذ القرارات، وتحديد الأولويات الحياتية، متساميةً فوق الرغبات الذاتية النفعية أو الحاجات الاجتماعية الضيقة. يرى صاحب هذا التوجه أن الصلاة والتأمل الفردي والارتباط بالخالق أفعال ذات قيمة مطلقة في ذاتها، وتوفر إجابات عميقة حول معنى الحياة.
يتألف هذا البُعد في المقياس من 9 فقرات، ومن أمثلتها:
- “أستمتع بالقراءة عن ديني” (فقرة 1): تعكس الشغف المعرفي الذاتي والاهتمام الباطني بالتعمق في العقيدة دون وجود متطلب خارجي.
- “من المهم بالنسبة لي قضاء وقت في التفكير والصلاة الخاصة” (فقرة 5): تقيس الممارسة الدينية الباطنية الذاتية التي لا يراها أحد، بعيداً عن الاستعراض الاجتماعي.
- “مدخلي ومنهجي في الحياة بأسرها قائم على ديني” (فقرة 16): تشير إلى شمولية المعيار العقدي وتأثيره البنائي في هيكلة سلوكيات الفرد اليومية كافة.
2. التوجه الديني الخارجي (Extrinsic Religious Orientation)
يُمثل التوجه الخارجي الحالة التي “يستخدم فيها الفرد دينه” (Uses his religion). في هذا البناء النفسي، يُوظف الفرد الدين كأداة وظيفية وبراغماتية لخدمة حاجات شخصية أو نفسية أو اجتماعية خارجة عن جوهر الدين ذاته. وقد قسم غورسوتش وماكفرسون (Gorsuch & McPherson, 1989) لاحقاً هذا البعد إلى فرعين: خارجي-شخصي (Extrinsic-Personal) يهدف إلى تحصيل السلام النفسي والأمان والراحة من الأحزان والتخفف من آلام الحياة، وخارجي-اجتماعي (Extrinsic-Social) يهدف إلى تكوين الصداقات، وحيازة القبول الجمعي، والتوافق مع التوقعات المعيارية للبيئة المحيطة.
يتألف هذا البُعد في المقياس من 11 فقرة، ومن أمثلتها:
- “أذهب إلى دار العبادة لأن ذلك يساعدني في تكوين صداقات” (فقرة 2): تعبير صريح عن التوجه الخارجي الاجتماعي لاستغلال الممارسة الدينية في بناء شبكة علاقات ومنافع اجتماعية.
- “أكثر ما يقدمه لي الدين هو العزاء في أوقات الشدائد والأحزان” (فقرة 10): تعكس التوجه الخارجي الشخصي النفعي المرتكز على طلب الراحة وتسكين الانفعالات السلبية كهدف رئيسي من التدين.
- “أصلي بالأساس لأنني عُلّمت أن أصلي” (فقرة 18): تعكس الامتثال الخارجي للضغوط التنشئوية والتطبيع الاجتماعي دون وجود اقتناع واستبطان فردي عميق.
الإطار النظري
يرتكز المقياس على الأساس النظري الرائد الذي أرساه عالم الشخصية الشهير غوردون أولبورت في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، والذي تبلور في دراسته الكلاسيكية المشتركة مع جوزيف روس عام 1967 بعنوان “Personal Religious Orientation and Prejudice”. انطلق أولبورت من التناقض النفسي-الاجتماعي الملاحظ الذي أشار إلى أن المتدينين بانتظام يميلون تاريخياً إلى إظهار نسب أعلى من التحيز العرقي والتعصب ضد الأقليات مقارنة بغير المتدينين، وهو ما يتناقض جذرياً مع التعاليم الأخلاقية التسامحية لمعظم الأديان الكبرى في العالم.
لحل هذه المعضلة، اقترح أولبورت أن التدين ليس كياناً متجانساً، بل ينطوي على دافعين سيكولوجيين مختلفين اختلافاً جوهرياً:
- التدين الخارجي (Extrinsic Religion): تدين أمني، طفولي، ودفاعي؛ حيث تكون الأنا هي الغاية المركزية والمحور، ويصبح الدين مجرد أداة لتبرير المصالح الطبقية أو القومية وتوفير درع نفسي ضد القلق والشعور بالعجز. لذا يسهل أن يقترن بالتعصب، والجمود الفكري، ورفض الآخر المختلف.
- التدين الداخلي (Intrinsic Religion): تدين ناضج ومتسامٍ؛ يستدمج فيه الفرد المبادئ الكلية للمحبة والعدالة كقيم نهائية ومطلقة تخضع لها الذات ورغباتها، مما يقود الفرد إلى التسامح والانفتاح وتقبل سائر البشر باعتبارهم متساوين في الكرامة الإنسانية.
ومع ذلك، واجهت صياغات أولبورت وروس انتقادات لغوية وسيكومترية واسعة النطاق من قِبل علماء النفس المعرفي والنمائي؛ إذ احتوت فقراتهما على عبارات شديدة التجريد والنفي المزدوج والمفردات الصعبة مثل: “The primary purpose of prayer is to gain relief and protection” و“It is of little consequence what I believe as long as I lead a moral life”. هذه الصياغات جعلت من المستحيل تطبيق المقياس على الأطفال والمراهقين، أو حتى على البالغين ذوي التعليم المحدود دون الوقوع في أخطاء قياس ناجمة عن انخفاض كفاءة الفهم القرائي.
تدخل ريتشارد غورسوتش وج. دانييل فينابل لإعادة هندسة هذه النظرية سيكومترياً. قاما بإعادة صياغة كل فقرة من فقرات أولبورت وروس لتصبح جملاً قصيرة ومباشرة، تستخدم مفردات بسيطة ومألوفة مستقاة من قاموس الطفل الإدراكي، مع إلغاء التراكيب المعقدة وصيغ النفي المزدوجة، مع الحفاظ الصارم على الهدف البنائي الدقيق لكل فقرة. وبذلك تحولت نظرية أولبورت من إطار نخبوي يقتصر على طلاب الجامعات والبالغين ذوي القدرات اللفظية المتقدمة، إلى نظرية إمبريقية “عابرة للأعمار” تمكننا من رصد البناء النفسي للتدين منذ بدايات تشكله المعرفي في الطفولة المتوسطة.
الصدق
خضع مقياس التوجه الديني لجميع الأعمار لاختبارات تجريبية صارمة للتحقق من كافة جوانب الصدق السيكومتري، بما يضمن دقة الأداة وتكافؤها البنائي مع المقياس الأصلي لجميع الفئات المستهدفة.
1. الصدق التلازمي والتكافؤ مع المقياس الأصلي
قام الباحثان بتطبيق المقياس الجديد إلى جانب مقياس أولبورت وروس (1967) على عينة أولى تكونت من 101 متطوع من البالغين المسيحيين البروتستانت من ست كنائس ومهاجع جامعية. أظهرت النتائج تطابقاً استثنائياً؛ حيث بلغ معامل الارتباط التلازمي بين درجات البعد الداخلي في المقياسين r = 0.90، بينما بلغ لمعامِل البعد الخارجي r = 0.79. وتراوحت معاملات الارتباط بين الفقرات المعاد صياغتها ونظيراتها الأصلية بين 0.34 و0.78، بمتوسط وسيط بلغ 0.59. علاوة على ذلك، كشفت مصفوفة العلاقات عن تطابق مذهل في معامل الارتباط السالب بين البعدين الداخلي والخارجي في كلا المقياسين؛ حيث بلغ -0.39 في مقياس جميع الأعمار مقارنة بـ -0.38 في مقياس أولبورت وروس الأصلي، مما يؤكد أن المقياس الجديد قابل للتبادل المنهجي الكامل مع المقياس المرجعي دون أي فقدان للدلالة المفاهيمية.
2. الصدق البنائي والتحقق اللفظي لدى الأطفال
للتأكد من صدق المقياس مع الفئات العمرية الأصغر، طُبق المقياس في دراسة تتبعية على عينة قوامها 257 طالباً في المدارس، منهم 138 تلميذاً في الصف الخامس الابتدائي و119 في الصف السابع المتوسط، مع تضمين مقياس ألتوس للمعلومات العامة (Altus Information Inventory, 1948) لتقييم مستويات الفهم والقدرة اللفظية للأطفال. استند التحليل إلى منطق سيكومتري مفاده: إذا كان المقياس عابراً للأعمار بحق، فإن استجابات الأطفال ذوي القدرة اللفظية العادية والمنخفضة يجب أن تتسم بنفس مستوى الثبات والاتساق البنائي للذين يتمتعون بقدرات لفظية مرتفعة.
باستخدام أساليب الانحدار المتعدد، تبين أن المقياس يعمل بكفاءة قياسية تامة عبر جميع مستويات القدرة اللفظية لدى تلاميذ الصف السابع. أما في عينة الصف الخامس، فقد كشفت البيانات أن الأطفال الذين سجلوا درجات بالغة التدني (الدرجتان 0 و1 من أصل 9 مستويات على مقياس ألتوس، والبالغ عددهم 27 طالباً) لم يتمكنوا من معالجة بعض الفقرات بدقة. وبحذف هؤلاء الطلاب، أظهرت عينة الأطفال المتبقية (ن = 230) بناءً عاملياً متماسكاً تماماً، حيث بلغ معامل الارتباط بين البعد الداخلي والخارجي لديهم -0.28، وهو اتجاه متسق تماماً مع طبيعة الظاهرة لدى الراشدين.
3. الصدق الظاهري (Face Validity)
يتميز المقياس بمستوى عالٍ جداً من الصدق الظاهري؛ إذ تتسم صياغات الفقرات بالوضوح والمباشرة، وتبدو مرتبطة بوضوح وبديهية إما بالسعي نحو الارتباط الروحي الخالص أو باستثمار الدين من أجل الدعم الاجتماعي والوجداني، دون أدنى تلميح محرج أو استخدام لتراكيب تمويهية معقدة، مما يقلل من تشوش المفحوص أثناء الإجابة.
الثبات
أكدت القياسات المعيارية تمتع مقياس التوجه الديني لجميع الأعمار بمؤشرات اتساق داخلي مقبولة إلى قوية عبر العينات الإكلينيكية والنمائية المختلفة، متفوقة في بعض الأحيان على قيم الثبات للمقياس الأصلي:
| العينة الدراسية | حجم العينة (ن) | ألفا كرونباخ: البعد الداخلي (I) | ألفا كرونباخ: البعد الخارجي (E) | الارتباط بين البعدين (r) |
|---|---|---|---|---|
| الراشدون المتطوعون (Gorsuch & Venable, 1983) | 101 | 0.73 | 0.66 | -0.39 |
| مقياس أولبورت وروس الأصلي (نفس الراشدين) | 101 | 0.73 | 0.70 | -0.38 |
| أطفال الصفين 5 و7 (بعد استبعاد القدرات اللفظية الدنيا) | 230 | 0.68 | 0.75 | -0.28 |
تُظهر هذه الأرقام أن معامل الثبات للبعد الداخلي لدى الأطفال (0.68) والبالغين (0.73) والبعد الخارجي (0.75 للأطفال و0.66 للبالغين) يفي تماماً بالمعايير السيكومترية المعتمدة للأدوات البحثية التربوية والنفسية وفق توصيات جمعية علم النفس الأمريكية (APA). ويُعزى الانخفاض الطفيف في معامل ألفا للبعد الخارجي لدى الراشدين (0.66) إلى التباين الملحوظ داخل مكونات البعد الخارجي ذاته (التوزع بين الدوافع الاجتماعية والدوافع الانفعالية الشخصية)، وهو الأمر الذي دفع الباحثين لاحقاً (مثل غورسوتش وماكفرسون، 1989) إلى تفكيك هذا البعد إلى عاملين فرعيين لتحسين الاتساق الرياضي.
التحليل العاملي
أكدت نتائج التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتوكيدي (CFA) عبر الدراسات اللاحقة أن البنية الكامنة للمقياس تستند بوضوح إلى نموذجين تحليليين متميزين توازياً مع التاريخ القياسي لأدوات التدين:
1. حل العاملين المتعامدين (Two-Factor Orthogonal/Oblique Solution)
في دراسة غورسوتش وفينابل التأسيسية، تم تدوير العوامل باستخدام التدوير المائل (Oblimin)، والذي أظهر وجود عاملين بارزين يفسران النسبة الكبرى من التباين الكلي في استجابات الراشدين وتلاميذ المدارس على حد سواء:
- العامل الأول (التوجه الداخلي): تشبعت عليه بقوة الفقرات (1، 5، 6، 7، 9، 11، 12، 16، 19)، مع تشبعات تراوحت بين 0.45 و0.78، وتمحورت حول الممارسة التعبدية الشخصية وجعل الدين الغاية الجوهرية للحياة.
- العامل الثاني (التوجه الخارجي): تشبعت عليه الفقرات (2، 3، 4، 8، 10، 13، 14، 15، 17، 18، 20)، مع تشبعات موجبة قوية تتصل بالفوائد الاجتماعية ومشاعر الراحة الذاتية، وتشبعات سالبة أو شبه معدومة على فقرات البعد الداخلي.
2. مراجعة البنية ثلاثية العوامل (I-Ep-Es Model)
في دراسة لاحقة بارزة أجراها غورسوتش وماكفرسون (1989)، وبحثت في التحليل العاملي التوكيدي لبنود مقياس جميع الأعمار، اتضح أن البعد الخارجي ينفصل رياضياً ومفاهيمياً إلى عاملين فرعيين متمايزين:
- التوجه الخارجي الاجتماعي (Extrinsic Social – Es): وتشبعت عليه بنود ارتياد الكنيسة لرؤية الأصدقاء وتجاذب أطراف الحديث (الفقرات 2، 15، 17).
- التوجه الخارجي الشخصي (Extrinsic Personal – Ep): وتشبعت عليه بنود اللجوء للصلاة والطقوس الدينية لالتماس السلام النفسي، والحماية، والعزاء وقت المحن (الفقرات 8، 10، 13).
أكدت دراسات المقارنة العابرة للثقافات (مثل Griffin et al., 1987) ودراسات الشيخوخة والأقليات العرقية (Nelson, 1989) أن هذا النموذج العاملي يحتفظ بمستويات مطابقة بنيوية ممتازة (CFI > 0.90 وRMSEA < 0.06)، مما يثبت استقرار البنية العاملية للمقياس وتماسك خصائصه الكامنة عبر مختلف الفئات الديموغرافية والنمائية.
أداة القياس
تتميز أداة القياس بخصائص محددة توضح آلية التطبيق والتصحيح:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي ورقي أو إلكتروني (Self-Report Questionnaire) يقيس التوجه الديني كدافع وسمة وجدانية ومعرفية.
- الفئة المستهدفة: الأطفال من سن الصف الخامس الابتدائي (حوالي 10-11 سنة)، واليافعون، وطلاب المدارس والجامعات، والبالغون، والمسنون.
- عدد الفقرات الكلي: 20 فقرة مقسمة إلى بعدين منفصلين (9 فقرات للبعد الداخلي + 11 فقرة للبعد الخارجي).
- مقياس الاستجابة:
- تستخدم 19 فقرة تدريج ليكرت الخماسي المتصل: 1 = أعارض بشدة (Strongly disagree)، 2 = أميل إلى المعارضة (Tend to disagree)، 3 = لست متأكداً (Not sure)، 4 = أميل إلى الموافقة (Tend to agree)، 5 = أوافق بشدة (Strongly agree).
- الفقرة السادسة (ضمن البعد الداخلي) تقيس تكرار الذهاب لدار العبادة بتدريج خماسي خاص: 1 = بضع مرات في السنة أو أقل، 2 = مرة كل شهر أو شهرين، 3 = مرتان إلى ثلاث مرات في الشهر، 4 = حوالي مرة أسبوعياً، 5 = أكثر من مرة في الأسبوع.
- طريقة التصحيح واحتساب الدرجات:
- درجة التوجه الداخلي (Intrinsic Score): تُجمع درجات الفقرات التسع (1، 5، 6، 7، 9، 11، 12، 16، 19)، وبذلك يتراوح المدى النظري للدرجة بين 9 و45 درجة. تشير الدرجات المرتفعة إلى تدين داخلي عميق ومستدمج.
- درجة التوجه الخارجي (Extrinsic Score): تُجمع درجات الفقرات الإحدى عشرة (2، 3، 4، 8، 10، 13، 14، 15، 17، 18، 20)، وبذلك يتراوح المدى النظري للدرجة بين 11 و55 درجة. تشير الدرجات المرتفعة إلى تدين نفعي براغماتي خارجي.
- تنبيه تصحيحي حاسم: لا يجوز دمج درجات البعدين لاستخراج درجة كلية واحدة؛ إذ يعبر كل بعد عن بناء نفسي مستقل تماماً.
- الفقرات المعكوسة: لا توجد فقرات يتم عكس درجاتها حسابياً في الصيغة التأسيسية؛ فجميع فقرات البعد الداخلي تصب مباشرة في اتجاه التدين الداخلي، وجميع فقرات البعد الخارجي تصب مباشرة في قياس النزعة الخارجية.
- احتياطات التطبيق مع الأطفال: يوصى بتطبيق مقياس موجز للقدرات اللفظية (مثل مقياس ألتوس المطبق في أقل من 5 دقائق) في حال استهداف أطفال ما دون الصف السابع؛ لاستبعاد الأفراد ذوي القدرات القرائية المتدنية جداً والذين قد يتعثرون في فهم بنود الاستبانة.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
- سنة النشر الأساسية: 1983 (نُشر في مجلة Journal for the Scientific Study of Religion).
- حقوق الملكية الفكرية: تعود حقوق الطبع والنشر الأصلية للمؤلفين (Richard L. Gorsuch & G. Daniel Venable) وجمعية الدراسات العلمية للدين (Society for the Scientific Study of Religion).
- سياسة الاستخدام والرسوم: المقياس متاح مجاناً ومصنف ضمن الملك العام للأغراض الأكاديمية والبحثية غير التجارية (Open Access for academic research). لا يتطلب تطبيقه دفع رسوم للمؤلفين شريطة التوثيق الأكاديمي الدقيق والإشارة المرجعية للدراسة الأصلية لعام 1983. تتطلب الاستخدامات التجارية أو التضمين في برمجيات ربحية ترخيصاً صريحاً من جهة النشر الأصلية.
المراجع
- Allport, G. W., & Ross, J. M. (1967). Personal religious orientation and prejudice. Journal of Personality and Social Psychology, 5(4), 432–443. https://doi.org/10.1037/h0021212
- Altus, W. D. (1948). The validity of an abbreviated information test used in the army. Journal of Consulting Psychology, 12(4), 270–275. https://doi.org/10.1037/h0054767
- Gorsuch, R. L., & McPherson, S. E. (1989). Intrinsic/extrinsic measurement: I/E-revised and single-item scales. Journal for the Scientific Study of Religion, 28(3), 348–354. https://doi.org/10.2307/1386745
- Gorsuch, R. L., & Venable, G. D. (1983). Development of an “Age Universal” I-E scale. Journal for the Scientific Study of Religion, 22(2), 181–187. https://doi.org/10.2307/1385677
- Griffin, G. A. E., Gorsuch, R. L., & Davis, A. (1987). A cross-cultural investigation of religious orientation, social norms, and prejudice. Journal for the Scientific Study of Religion, 26(3), 358–365. https://doi.org/10.2307/1386440
- Nelson, P. B. (1989). Ethnic differences in intrinsic/extrinsic religious orientation and depression in the elderly. Archives of Psychiatric Nursing, 3(4), 199–204. https://doi.org/10.1016/0883-9417(89)90022-7